وأيمُ الله! لقد تركتكم على مثل البيضاء، ليلها ونهارها سواء» (١).
وعن أبي ذر - ﵁ - قال: «لقد تركنا رسول الله ﷺ وما يحركُ طائرٌ جناحيه في السماء إلا ذكرنا منه علمًا».
رواه أحمد، والطبراني وزاد:
فقال النبي ﷺ: «ما بقي شيءٌ يقرب من الجنة ويباعد من النار إلا وقد بُيِّنَ لكم» (٢).
* * *
وأما أقول الصحابة، والتابعين، والعلماء في الحث على السنَّة فكثيرةٌ جدًا؛ منها:
_________________
(١) إسناده حسن.
(٢) قال الهيثمي بعد ما ذكر هذا السياق: ورجال الطبراني رجال الصحيح غير محمد بن عبد الله بن يزيد المقري، وهو ثقة، وفي إسناد أحمد من لم يسم، اهـ. انظر المسند ٥/ ١٥٣. وقد روى الطبراني - أيضًا - الموقوف منه، عن أبي الدرداء، وقال الهيثمي (٨/ ٢٦٤): ورجاله رجال الصحيح. وقد أخرج الإمام مسلم في صحيحه (٣/ ١٤٧٣) عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي ﷺ قال: (إنه لم يكن نبي قبلي إلا كان حقًا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم، وينذرهم شر ما يعلمه لهم).
[ ٣٨ ]
ما رواه الدارمي في سننه «١/ ٤٤»، في باب «اتباع السنَّة» عن يونس بن يزيد، عن الزهري، قال:
«كان من مضى من علمائنا يقولون: الاعتصام بالسنَّة نجاة».
«وروى المروزي في كتاب السنَّة «ص: ٢٩» عن هشام بن عروة، عن أبيه - ﵀ - قال:
«السُّنَنَ السُّنَنَ؛ فإن السُّنَنَ قِوَامُ الدين».
وأخرج أبو نعيم في الحلية «٦/ ١٤٢» عن الأوزاعي أنه قال:
«كان يقال: خمسٌ كان عليه أصحاب محمد ﷺ والتابعون بإحسان.
لزوم الجماعة، واتباع السنَّة، وعمارة المسجد، وتلاوة القرآن، والجهاد في سبيل الله».
وأخرج البيهقي (١) من طريق مالك أن رجاءً حدَّثه «أن عبد الله بن عمر كان يتبع أمر رسول الله ﷺ، وآثاره، وحاله، ويهتمّ به حق كان قد خيف على عقله من اهتمامه بذلك».
وفي الصحيحين من حديث أنس بن مالك - ﵁ - أنه قال:
«فرأيت رسول الله ﷺ يتتبَّع الدُّبَّاءَ من حوالي الصَّحْفَة، فلم أزل أحبّ الدباءَ من ذلك اليوم».
_________________
(١) كما في مفتاح الجنة للسيوطي (ص: ٦٢)، وقد أخرج نحوه أبو نعيم في الحلية (١/ ٣١٠).
[ ٣٩ ]
وقد بوَّب النووي على هذا الحديث في شرحه لصحيح مسلم، فقال: باب جواز أكل المرق واستحباب أكل اليقطين .. اهـ.
* * *
وأخرج الدارمي في سننه «١/ ٤٤» عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي عمرو الشيباني، عن عبد الله بن الديلمي قال:
«بلغني أن أول ذهاب الدين ترك السنن، يذهب الدينُ سنَّةً سنَّةً، كما يذهب الحبل قوةً قوةً».
وأخرج المروزي في السنَّة «ص: ٢٨» عن عبد الله بن عون أنه قال: «ثلاث أرضاها لنفسي ولإخواني:
أن ينظر هذا الرجل المسلم القرآنَ، فيتعلمه، ويقرأه، ويتدبره، وينظر فيه.
والثانية: أن ينظر ذاك الأثرَ والسنَّةَ؛ فيسأل عنه، ويتَّبِعَهُ جُهْدَه.
والثالثة: أن يدع الناس إلا من خير».
وأخرج اللالكائي في شرح اعتقاد أهل الحديث «١/ ٦٥»، عن الفضيل بن عياض، أنه قال: «إن لله عبادًا يحيي بهم البلادَ، وهم أصحاب السنَّة».
* * *
وأخرج أبو نعيم في الحلية «١٠/ ٣٠٢»، عن أبي العباس أحمد بن محمد بن سهل بن عطاء أنه قال:
«من ألزم نفسه آداب السنَّة: غمر الله قلبه بنور المعرفة؛ ولا مقام
[ ٤٠ ]
أشرف من متابعة الحبيب في: أوامره، وأفعاله، وأخلاقه، بآدابه؛ قولًا، وفعلًا، ونية، وعقدًا».
وفيها أيضًا «١٠/ ٢٥٧»، عن الجنيد أنه قال:
«الطرق كلها مسدودة على الخلق إلا من اقتفى أثر الرسول؟؟؟؟؟ سنته ولزم طريقته، فإن طريق الخيرات كلها مفتوحة عليه».
وفيها أيضًا «١٠/ ١٩٠»، عن أبي محمد سهل بن عبد الله التُّستري، أنه قال: «أصولنا ستة أشياء:
التمسك بكتاب الله تعالى، والاقتداء بسنَّة رسول الله ﷺ، وأكل الحلال، وكف الأذى، واجتناب الآثام، والتوبة، وأداء الحقوق».
وقال: «على هذا الخَلْقِ مِنَ اللهِ: أن يلزموا أنفسهم سبعة أشياء:
فأولها: الأمر والنهي - وهو الفرض -، ثم السنَّة، ثم الأدب، ثم الترهيب، ثم الترغيب، ثم السَّعة.
فمن لم يلزم نفسه هذه السبعة، ولم يعمل بها لم يكمل إيمانه، ولم يتمَّ عقله، ولم يتهنَّأ بحياته، ولم يجد لذة طاعة ربه».
وجاء في «الشفاء» للقاضي عياض «٢/ ٥٥٨» عنه - ﵀ - أنه قال:
«أصول مذهبنا ثلاثةٌ:
الاقتداء بالنبي ﷺ في الأخلاق والأفعال.
والأكل من الحلال.
[ ٤١ ]
وإخلاص النية في جميع الأعمال».
هذا طرفٌ مما جاء في هذا الأصل العظيم من أصول الدين، وهو اتباع السُّنَّةِ والعمل بها، وهو «بابٌ يطول تتبعه جدًا» (١).
فليكن ما مرَّ حافزًا للمسلمِ على التعلق بأهداب السُّنَّةِ، ومراعاة تطبيقها في كلِّ شأنٍ من شؤونه، فعلى قدر محبته للرسول ﷺ تكون متابعته؛ فليقلَّ أو ليستكثر.
* * *
_________________
(١) ابن القيم (مدارج السالكين) ٣/ ١٢٢، في سياق كلام الشيوخ عن الأخذ بالسنة والشاطبي في (الاعتصام) ١/ ١٣١، ط دار ابن عفان.
[ ٤٢ ]