وهذا الحسن بن علي، وعبد الله بن عباس، وابن جعفرٍ أتوا سَلْمى وسألوها أن تضع لهم طعامًا مما كان يعجب رسول الله ﷺ.
وكان ابن عمر يلبس النعال السبتية ويصبغ بالصفرة، إذْ رأى النبي ﷺ يفعل ذلك». اهـ.
فلو أن كلَّ فردٍ من أبناء هذه الأمة نَشَأَ وبين عينيه سيرة رسول الله ﷺ، يأخذ منها آدابَهُ وأخلاقه، وحركته وسكونه ما استطاع إلى ذلك سبيلًا: لنشأَ جيلٌ إيمانه كالجبال، يقذِفُ الرُّعْبَ في قلوب أعدائنا على مسيرة شهرٍ، وينهض بالأمةِ إلى أعلى ما تصبوا إليه من السعادة والسيادة.
﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللهُ مَن ينَصُرُهُ إِنَ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾.
هذا وللالتزام بالسنَّة ثمارٌ وفوائد لا تحصى، نقتصر منها على ما يلي:
* أولًا - الوصول إلى درجة «المَحَبَّة» محبة الله ﷿ لعبده المؤمن:
قال ابن القيم - ﵀ -:
«لما كثر المدعون للمحبّة طولبوا بإقامة البينة على صحة الدعوى، فلو يعطى الناس بدعواهم لادعى الخَلِيُّ حُرْقَةَ الشَّجِيِّ، فتنوَّع المدعون في الشهود، فقيل: لا تقبل هذه الدعوى إِلا ببينة:
﴿قُلْ إِن كُنُتمْ تحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ﴾.
فتأخر الخلقُ كلهم، وثبت أتباعُ الحبيب في: أفعاله، وأقواله،
[ ٤٥ ]
وأخلاقه». اهـ (١).
وقد روى البخاري في صحيحه (٢) عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الله قال:
من عادى لي وليًا فقد آذنته بالحرب، وما تقرَّب إليَّ عبدي بشيء أحبّ إليَّ مما افترضته عليه، وما يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه، ولئن استعاذ بي لأعيذنّه ».
ففي هذا الحديث العظيم دليلٌ على أن النوافلَ سببٌ من الأسباب الجالبة لمحبة الله تعالى لعبد، وبيانٌ لما يترتب على هذه المحبَّة من الخصال الحميدة.
فمن أحبَّهُ الله تعالى كان سمعَهُ الذي يسمع به، بمعنى: أن الله يوفقه لسماع أحسن الكلام، ويصرفه عن سماع سيئة؛ وكان يَدَهُ التي يبطش بها، بمعنى: أن الله يوفقه لاستعمال هذه الجارحة في حدود الشرعيات: من الكسب المباح، وإنكار المنكرات، وتناول الطيبات، كما يوفقه تعالى إلى كفِّها عن كلِّ محرَّمٍ تَسْتَطِيْعُ تناولَهُ، وأخذَه.
وهكذا قوله تعالى: كنت بصره الذي يبصر به، ورجله التي يمشي بها.
_________________
(١) مدارج السالكين ٣/ ٨.
(٢) كتاب الرقاق - باب التواضع (١١/ ٣٤٠ فتح).
[ ٤٦ ]