ومعنى تعظيمها: إجلالها، والقيام بها، وتكمليها على أكمل ما يقدر عليه العبد (١).
فتعظيمُ الهدايا، يكون بمراعاة السُّنَّةِ فيها، بأن تكون سمينة حسنة، كما قال ابن عباس، وغيره (٢).
وتعظيم هذه الشعائر لا يقوم إلا بقلبٍ بَلَغَ من التقوى ذراها.
فالمعظم لها، يبرهن على تقواه، وصحة إيمانه، لأن تعظيمها تابعٌ لتعظيم الله وإجلاله (٣).
وإن من أعظم شعائر الله تعالى السُّنَنَ التي سنَّها رسول الله ﷺ، فالمحافظة عليها، والوصية بها؛ من إجلال هذه الشعائر، وتعظيمها، المنبعثِ من ذوي تقوى القلوب.
* سادسًا: أن للعاملِ بالسُّنَّةِ مِثْلَ أجرِ من تَبِعَهُ لا ينقصُ من أجرهم شيئًا:
ودليل ذلك ما أخرجه الإمام مسلم في صحيحه (٢/ ٧٠٤) عن جرير بن عبد الله قال: كنَّا عند رسول الله ﷺ في صدرِ النَّهار، قال: فجاءه قومٌ حفاةٌ عراةٌ مجتابيْ النِّمارِ أو العِبَاء، متقلدي السيوف، عامَّتُهُمْ من مضر، بل كلهم من مضر.
فتمعَّر وجه رسول الله ﷺ لِمَا رأى بهم من القافة.
_________________
(١) تفسير السَّعدي ٥/ ٢٩٣.
(٢) تفسير ابن جرير ٥١/ ١٥٦.
(٣) تفسير السَّعدي ٥/ ٢٩٣.
[ ٥٣ ]
فدخل ثم خرج، فأمر بلالًا فأذن وأقام، فصلى ثم خطب فقال:
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ - إلى آخر الآية - إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ والآية التي في الحشر: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾، تَصَدَّقَ رجلٌ من دينارِهِ، من درهمه، من ثوبه، من صاعِ بُرِّه، من صاع تمره «حتى قال» ولو بشقِّ تمرة».
قال «فجاء رجلٌ من الأنصار بصُرِّةٍ كادتْ كفُّهُ تعجزُ عنها، بل قد عَجَزَتْ، قال: ثم تَتابَعَ الناسُ حتى رأيتُ كَوْمَيْن من طعامٍ وثيابٍ، حتى رأيتُ وجه رسول الله ﷺ يتهلَّلُ، كأنهَّ مُذْهَبَة.
فقال رسول الله ﷺ:
«من سَنَّ في الإسلام سنةً حسنةً، فله أجرها، وأجْرُ مَنْ عَمِلَ بها بعده. من غَيْرِ أن ينقُصَ من أُجورهم شيء » الحديث.
قال النووي في «شرح مسلم» على قوله: «من سنَّ »:
فيه الحثُّ على الابتداء بالخيرات
وسببُ هذا الكلامِ في هذا الحديثِ أنه قال في أوَّله: فجاء رجلٌ بصُرَّةٍ كادت كَفه تعجز عنها فتتابع الناس، فكان الفضل العظيم للبادي بهذا الخير، والفاتح لبابِ هذا الإحسان. اهـ (٧/ ١٠٤).
فإذا أحيا المسلمُ سنة، فاقتدى به غيرُه، فله أجرُ العَمَل بها، وله مثل أجرِ من اقتدى به فيها، ولا ريب أَن هذا فضلٌ كبيرٌ، ينبغي للمسلمِ أن يُدْرِكَه، فإنَّ به تحصيلَ الثوابِ العظيم من أبوابٍ كثيرةٍ.
[ ٥٤ ]