الموازنة بين المصالح والمفاسد
القاعدة الشرعية؛ أنه «إذا تعارض مفسدتان روعي أعظمهما ضررًا بارتكاب أخفهما».
ونظيرها: «درء المفاسد أولى من جلب المصالح».
فإذا تعارضت مفسدةٌ ومصلحةٌ قُدِّمَ دفع المفسدة غالبًا «إلاَّ أن تكون المفسدةُ مغلوبةً» لأن اعتناء الشارع بالمنهياتِ أشدُّ من اعتنائه بالمأمورات (١).
وأدلة هذه القاعدة في الشريعة كثيرة.
منها ما اتفق عليه الشيخان - واللفظ لمسلم - من حديث عائشة - ﵂ - قالت: سألت رسول الله ﷺ عن الجَدْرِ؟ أَمِنَ البيت هو؟ قال: «نعم»، قلتُ: فلم لم يُدْخلوهُ في البيت؟ قال: «إن قومكِ قَصَّرَتْ بهمُ النفقة»، قلتُ: فما شأنُ بابِهِ مرتفعًا؟ قال: «فَعَلَ ذلك قومُكِ ليُدخْلوا من شاؤُوا، ويمنعوا من شاؤوا؛ ولولا أنَّ قومك حديثٌ عهدُهُمْ في الجاهليَّةِ فأخاف أن تنكِرَ قلوبُهُمْ: لنظرتُ أن أُدخل الجَدْرَ في البيت،
_________________
(١) الأشباه والنظائر للسيوطي (ص: ٨٧)، ط الحلبي، ١٣٧٨ هـ.
[ ٩٣ ]
وأن أُلزق بابَهُ بالأرض» (١).
وقد بوَّب البخاري على حديث عائشة، فقال:
«باب ترك بعض الاختيار مخافةً أن يَقْصُرَ فهم بعضِ الناس عنه فيقعوا في أشدَّ منه». اهـ.
قال الحافظ في «الفتح»: «ويستفاد منه ترك المصلحة لأمن الوقوع في المفسدة». اهـ.
قال شيخ الإسلام في مَعْرِضِ ذكر بعض المستحبات:
«ويسْتَحَبُّ للرجل أن يَقصِدَ إلى تأليف القلوب بتركِ هذه المستحبات، لأن مصلحة التأليفِ في الدينِ أعظمُ من مصلحة فعل مثل هذا.
كما ترك النبي ﷺ تَغْيِيرَ بناءِ البيت لِمَا في إبقائهِ من تأليفِ القلوب، وكما أنكر ابنُ مسعودٍ على عثمانَ إتمامَ الصلاة في السَّفر، ثم صَلّى خَلْفَهُ مُتمًّا، وقال: الخلافُ شَرٌّ». اهـ (٢).
وقال - ﵀ - في موضعٍ آخر:
«فالعمل الواحد يكون فعله مستحبًا تارة، وتركه تارة، باعتبار ما يترجح من مصلحة فعله وتركه، بحسب الأدلة الشرعية.
_________________
(١) أخرجه البخاري في العلم (١/ ٢٢٤) وفي الحج، وفي الأنبياء، وفي التفسير، وفي التمني، ومسلم (٢/ ٩٦٨ - ٩٧٣) من كتاب الحج.
(٢) (١/ ٢٢٤). مجموع الفتاوى ٢٢/ ٤٠٧.
[ ٩٤ ]
والمسلم قد يترك المستحب إذا كان في فعله فسادٌ راجحٌ على مصلحته، كما تركَ النبي ﷺ بناء البيت على قواعد إبراهيم فتركَ النبي ﷺ هذا الأمر الذي كان عنده أفضل الأمرين للمعارض الراجح، وهو: حِدْثَانُ عهدِ قريش بالإسلام، لما في ذلك من التنفير لهم، فكانت المفسدة راجحة على المصلحة.
ولذلك استحب الأئمةُ: أحمد وغيرُه: أن يدع الإمام ما هو عنده أفضل إذا كان فيه تأليف المأمومين، مثل أن يكون عنده فصل الوتر أفضل بأن يُسَلِّم في الشفعِ ثم يصلي ركعةَ الوترِ، وهو يؤمُّ قومًا لا يرون إلا وَصْلَ الوتر، فإذا لم يمكنْهُ أن يتقدَّمَ إلى الأفضل كانت المصلحة الحاصلة بموافقتِهِ لهم بوصلِ الوترِ أرجح من مصلحة فَصْلِهِ مع كراهتهم للصلاة خَلْفَهُ.
وكذلك لو كان ممن يرى المخافتَةَ بالبَسْمَلَةِ أفضلَ أو الجهرَ بها، وكان المأمومون على خلاف رأيه، ففعل المفضول عنده لمصلحةِ الموافقةِ والتأليف التي هي راجحةٌ على مصلحة تلك الفضيلة كان جائزًا حسنًا». اهـ (١).
وكل ما قَرَّرْتُهُ تحت هذه القاعدة، لا ينفي ما سبق بيانُه من العناية بالسنَّة، والحرص عليها.
فإن هذه القاعدة إنما سيقت لأمرٍ عارضٍ، لا أن تُقْتَلَ السنَّةُ، وتدفَنَ من أَجْلِهَا.
_________________
(١) مجموع الفتاوى ٢٤/ ١٩٥ - ١٩٦.
[ ٩٥ ]
فإذا ما تَمَسَّكَ بها من يرى أن السنَّة عائقٌ من عوائِق تصحيح المسار - باعتبار أنها جالبةٌ للخلاف والنزاع - فإننا نردُّ عليه: بأنَّ تركَ السنَّةِ بالكلِّيةِ مفسدةٌ عظيمةٌ، بها يَضِيْعُ شيءٌ من شرع الله تعالى، وقد قال عبد الله بن مسعود - ﵁ -:
«يجيء قومٌ يتركون من السنَّة مثل هذا - يعني مِفْصَل الإصبع - فإن تركتموهم جاءوا بالطامة الكبرى، وإنه لم يكن أهلُ كتابٍ قطُّ إلاَّ كان أول ما يتركون السنة، وإن آخر ما يتركون الصلاةَ، ولولا أنهم يَسْتَحْيُوْنَ لتركوا الصلاة».
رواه اللالكائي في «شرح اعتقاد أهل الحديث» ١/ ٩١.
إذًا فالمفهوم الصحيح للقاعدة: أنه إذا ترتب على إظهار سنَّة من السنُّنِ مفسدةٌ راجحة على مصلحةِ إظهار السنَّةِ، فَيُكَفُّ عن السُّنَّةِ في هذا الموطنِ، مع مراعاة ما يلي:
أولًا: وجوب المناصحة، والتذكيرِ بعظم السنَّةِ، وكبير مكانها.
ثانيًا: ألا تتركَ السنَّة إلى الأَبد.
ثالثًا: إذا عُلِمَ من حالِ المشوِّشِ على إقامةِ السنَّة، أنه إنما دفعها رغبةً عنها، إما تعصبًا لمذهب، أو اتباعًا لمنهجٍ، فإِنَّ السنة تقام - وإن رَغِمَ أَنْفُه وأنفُ ألفٍ مثله - لأن النبي ﷺ ثبت عنه أنه قال:
« ومن رغب عن سنَّتي فليس مني».
والمصلحة الكبرى التي كُنَّا نريد إبقاءها، إنما هي: المودَّة بين أهل السنَّة، وتلافي وقوع البغضاء والعداوة بينهم، فلما كان هذا الرجل
[ ٩٦ ]
أو هذه الجماعة راغبين عن السنَّة، سقطت مودَّتهم، ووجب هجرهم وكراهتهم في الله تعالى.
وهذا بخلاف من كان جاهلا - ككثير من العامة - فإنَّ تِرْكَ السنَّةِ درءًا لجهله على القائم بها، أو الوقوع في شيءٍ من محظورات الألفاظ، أمرٌ مطلوب، حتى يُعَلَّم برفق ويستعان عليهِ بمن يَثقُ به من أهل العلم، فإن أصرَّ بعد ذلك؛ فألحقه بإخوانه السابقين، أهل البدع.
* * *
[ ٩٧ ]