«قول النبي ﷺ غير الوحي (١)، وفعله، وتقريره، وَزِيْد: الهمُّ».
وعرَّفها الآمدي في «الأحكام» (٢) فقال:
«ما صدر عن الرسول ﷺ من الأدلة الشرعية، مما ليس بمتلوٍّ، ولا هو معجز، ولا داخل في المعجز».
ويدخل في ذلك: أقوال النبي ﷺ، وأفعاله، وتقاريره».
وإدخال «الهمّ» في التعريف، ردَّه العراقي فقال:
«الهم إنما يطلع عليه بقولٍ أو فعلٍ، فالاستدلال بما دلَّ منهما، فلا حاجة لزيادته». اهـ (٣) وهو متجهٌ.
ويظهر الفرق بين تعريفي المحدثين والأصوليين في «الصفة» النبوية، فإنها عند المحدثين مندرجة في حدِّ السنَّة، لأنهم ينظرون إلى النبي ﷺ على أنه الأسوةُ للأمة، فينقل إليها كلّ ما أثر عنه، أَثْبَتَ حُكْمًا شرعيًا أو لا.
وليست «الصفة» كذلك عند الأصوليين، لأنهم إنما يبحثون عما يُثْبتُ الأحكامَ ويقرِّرها، فلم تدخل الصفة عند جماهيرهم في حدِّ السنَّة (٤).
ومما ينبغي التنبيه عليه هنا: أن بعض الأصوليين يرى أن رُتْبَةَ السُّنَّةِ متأخرةٌ عن الكتاب في الاعتبار.
_________________
(١) أي غير القرآن.
(٢) ١/ ١٦٩، ط ١: النور بالرياض، عام ١٣٨٧ هـ.
(٣) حاشية العطار على جمع الجوامع ٢/ ١٢٨، ط الحلبي، عام ١٣٥٨ هـ.
(٤) انظر المصدر السابق، و(حجية السنة) ص: ٧٦، و(السنة ومكانتها) ص: ٤٨.
[ ٢٣ ]
وقد أجاد العلامة الشيخ عبد الغني عبد الخالق في ردِّ هذا القول، وبيان بطلانه، حيث عَقَدَ مبحثًا في كتابه الماتع «حجَّية السُّنَّةَ» (١) لهذا الغرض، يقول في صدره:
السنَّة مع الكتاب في مرتبةٍ واحدةٍ: من حيث الاعتبار والاحتجاج بهما على الأحكام الشرعية، ولبيان ذلك نقول:
من المعلوم: أنه لا نزاع في أن الكتاب يمتاز عن السنة ويفضل عنها: بأنَّ لفظه منزلٌ من عند الله، متعبَّد بتلاوته، معجزٌ للبشر عن أن يأتوا بمثله، بخلافها: فهي متأخرة عنه في الفضل من هذه النواحي.
ولكن ذلك لا يوجب التفضيل بينهما من حيث الحجيَّة: بأن تكون مرتبتها التَّأخُّر عن الكتاب في الاعتبار والاحتجاج، فتُهْدرُ ويُعْمَل به وحده لو حصل بينهما تعارض.
وإنما كان الأمر كذلك: لأن حجيَّةَ الكتاب إنما جاءتْ من ناحية أنه وحي من عند الله ، والسنَّة مساوية للقرآن من هذه الناحية: فإنها وحيٌ مثله، فيجب القول بعدم تأخرها عنه في الاعتبار. اهـ.