فصل
وقد وردت أحاديث وآثار تتضمَّن اللوم والإنكار على من ترك سُنَّة، نذكر طرفًا منها، وكلام أهل العلم عليها:
فمن ذلك ما رواه مسلم في «صحيحه» (١) عن أبي سعيد الخدري - ﵁ - أن رسول الله ﷺ رأى في أصحابه تأخرًا - وفي رواية له «رأى رسول الله ﷺ قومًا في مؤَخَّر المسجد» - فقال لهم:
«تقدَّموا، فائتموا بي، وليأتم بكم مَنْ بعدكم؛ لا يزال قوم يتأَخَّرون حتى يؤخِّرهم الله».
قال النووي في «شرحه»:
«حتى يؤخرهم الله تعالى عن رحمته، أو عظيم فضله، ورفْع المنزلة، وعن العلم، ونحو ذلك». اهـ.
وقال ابن علان في «دليل الفالحين» (٢):
«[لا يزال قومٌ يتأخرون] أي عن اكتساب الفضائل، واجتناب الرذائل [حتى يؤخرهم الله] عن رحمته، وعظيم ثوابه، وفضله، ورفيع
_________________
(١) ٤/ ١٥٨.
(٢) ٣/ ٥٨٣.
[ ٦٧ ]
منزلةِ أهل قربه، حتى يكون عاقبة أمرهم النار، كما جاء في رواية».اهـ.
والرواية التي أشار إليها، هي ما رواه عبد الرزاق في المصنف «٢/ ٥٢» قال: أخبرنا عكرمة بن عمَّار، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ: «لا يزال قومٌ يتخلفون عن الصفِّ الأول حتى يخلِّفَهُمُ الله في النار».
وأخرجه من طريق عبد الرزاق: أبو داود في سننه «١/ ٤٣٨» - وبوّب عليه: باب كراهية التأخُر عن الصفِّ الأول -، وابنُ خزيمة في صحيحه (٣/ ٢٧) - وبوَّب عليه: باب التغليظ في التخلُّف عن الصف الأول -، وابنُ حبان في صحيحه «٥/ ٥٢٩ / الإحسان» وغيرهم. وإسناده ضعيف، عكرمة بن عمَّار اليَمَامي مضعَّفٌ في روايته عن يحيى بن أبي كثير عند الأئمة.
ومنها ما رواه البخاري في صحيحه - باب إثم من لم يتم الصفوف - عن أنس - ﵁ - أنه قدم المدينة، فقيل له: ما أنكرتَ مِنَّا منذ يوم عهدت رسول الله ﷺ؟ قال:
«ما أنكرت شيئًا إلا أنكم لا تقيمون الصفوف».
والاحتجاج بهذا الحديث على ما نحن فيه ينبني على قولِ من قال: إن تسوية الصفوفِ مستحبَّة لا واجبةٌ.
قال الحافظ في «الفتح» (١):
_________________
(١) ٢/ ٢٠٩ (الفتح).
[ ٦٨ ]
«ونازعَ - ابن حزمٍ - من ادعى الإجماع على عدم الوجوب بما صح عن عمر أنه ضرب قدم أبي عثمان النهدي لإقامة الصفّ، وبما صحَّ عن سويد بن غفلة قال: «كان بلال يسوي مناكبنا، ويضرب أقدامنا في الصلاة»، فقال: ما كان عمر وبلالُ يضربانِ أحدًا على تركِ غير الواجب، وفيه نظر، لجواز أنهما كانا يريان التَّعْزِيْرَ على تركِ السُّنةِ». اهـ.
وقال الحافظ - أيضًا - على حديث أنسٍ مرفوعًا: «سوُّوا صفوفكم، فإن تسوية الصفوف من إقامة الصلاة»:
«واستدلَّ ابن حزم (١) بقوله: «إقامة الصلاة» على وجوب تسوية الصفوف قال: لأن إقامة الصلاة واجبةٌ، وكل شيء من الواجب واجبٌ.
ولا يخفى ما فيه، ولا سيما وقد بيّنا أن الرواة لم يتفقوا على هذه العبارة.
وتمسَّك ابن بطّال بظاهر لفظ أبي هريرة: (فإن إقامة الصف من حُسْنِ الصلاة» فاستدلّ به على أنَّ التسويةَ سنَّة، قال: لأن حُسْنَ الشَيءِ زيادة على تمامه.
وأُورِدَ عليه رواية «من تمام الصلاة».
وأجاب ابنُ دقيق العيد، فقال: قد يؤخذ من قوله: «تمام الصلاة» الاستحباب، لأنَّ تمام الشيء في العرفِ أمرٌ زائدٌ على حقيقته التي لا يتحقَّق إِلا بها، وإن كان يطلق بحسب الوضع على بعض ما لا تتمُّ
_________________
(١) ينظر (المحلَى) ٤/ ٧٥، ط مكتبة الجمهورية العربية.
[ ٦٩ ]
الحقيقةُ إلا به. كذا قال!! وهذا الأخذ بعيدٌ، لأن لفظ الشارع لا يحمل إلا على ما دلّ عليه الوضع في اللسانِ العربي، وإنما يحمل على العرف إذا ثبت أنه عُرْف الشارع، لا العرف الحادث. اهـ (١).
أما حديث: «لتسوُّنَّ صفوفكم أو ليخالفنَّ اللهُ بين وجوهكم».
فقد اختلف في هذا الوعيد هل يحمل على الحقيقة أم المجاز؟ فمن حَمَلَهُ على الحقيقة لزمه القول بالوجوب» (٢).
هذا وقد حكى ابن رشد الإجماعَ على عدم الوجوب، فقال في «بداية المجتهد» (٣):
«أجمع العلماء على أنَّ الصفَّ الأول مُرَغَّبٌ فيه، وكذلك: تراص الصفوفِ وتسويتها، لثبوت الأمر بذلك عن رسول الله ﷺ». اهـ. وعلى كلّ فإن المسألة ليس هذا موضع بسطها؛ إلا أن المقصود بها هنا: أن جماهير الأمَّة يرون سُنِّيَّة تراصِّ الصفوفِ وينكرون على من خالفها.
فتحصَّل المراد، وهو: الإنكار على من خالف السنن، عند العلماء.
ومن ذلك ما اتفقا عليه من حديث عليَّ بن حُسَيْن، أن حُسَيْن بن عليَّ أخبره، أنَّ عليَّ بن أبي طالب أخبره، أن رسول الله ﷺ طرقَه وفاطمةَ بنتُ النبي ﷺ ليلةً، فقال: «ألا تصليان؟» فقلتُ: يا رسول الله
_________________
(١) فتح الباري ٢/ ٢٠٩.
(٢) ينظر الفتح ٢/ ٢٠٧.
(٣) ١/ ١٨٧، ط دار الكتب الحديثة.
[ ٧٠ ]
أنفسنا بيد الله، فإذا شاء أن يبعثنا بعثنا، فانصرف حين قلتُ ذلك، ولم يرجعْ إليَّ شيئًا، ثم سمعتُهُ وهو مُوَلٍّ يَضْرِبُ فَخذَه، وهو يقول:
﴿وَكَانَ اَلإِنَسَانُ أَكْثَرَ شَيءٍ جَدَلًا﴾.
وأخرجه النسائي في سننه «٣/ ٢٠٦» باب الترغيب في قيام الليل من طريق ابن إسحاق، حدثني حكيم بن حكيم، عن ابن شهاب، عن علي بن حسين، عن أبيه، عن جده عليّ بن أبي طالب قال:
دخل عليَّ رسول الله ﷺ وعلى فاطمة من الليل فأيقظنا للصلاة، ثم رجع إلى بيته فصلى هَوِيًّا من الليل فلم يسمع لنا حِسًّا فرجع إلينا فأيقظنا، فقال: «قوما فصَليا» قال: فَجَلَسْتُ وأنا أعْرُكُ عيني، وأقول: إِنا واللهِ ما نُصَلِّي إلا ما كتب الله لنا، إنما أنفُسُنا بيد الله، فإن شاء أن يبعثنا بعثنا: قال: فَوَلّى رسولُ الله ﷺ وهو يقول - ويضربُ بيده على فخِذِهِ -: ما نُصَلِّي إلا ما كَتَبَ الله لنا.
﴿وَكَانَ اَلإِنَسَانُ أَكْثَرَ شَيءٍ جَدَلًا﴾.
وقد اختلف أهل العلم في قول النبي ﷺ هذا، هل هو إنكارًا على عليّ - ﵁ - أو تعجب من سرعة جوابه ، أو تسليم لعذرهما وأنه لا عتب عليهما.
والراجح - والله أعلم - ما اختاره العلامة السندي في «حاشيته على سنن النسائي» حيث قال على قوله: وهو يقول:
﴿وَكَانَ اَلإِنَسَانُ أَكْثَرَ شَيءٍ جَدَلًا﴾.
«إنكارٌ لجدل عليّ، لأنه تمسَّك بالتقدير والمشيئة في مقابلة
[ ٧١ ]
التكليف وهو مردودٌ، ولا يتأتى إلا عن كثرة جدله. نعَم: التكليف ههنا ندبي لا وجوبي، فلذلك انصرف عنهم وقال ذلك. ولو كان وجوبيًا لما تركهم على حالهم، والله تعالى أعلم». اهـ (١).
* * *
ومن ذلك ما رواه الإمام أحمد في مسنده (٢/ ٤٦٣)، عن أبي هريرة - ﵁ - عن النبي ﷺ قال:
«ما قعد قومٌ مقعدًا لا يذكرون الله ﷿ ويصلون على النبي ﷺ إلا كان عليهم حسرة يوم القيامة وإن دخلوا الجنة للثواب».
وهو في سنن أبي داود (٥/ ١٨٠) بلفظ:
«ما من قومٍ يقومون من مجلسٍ لا يذكرون الله فيه إلا قاموا عن مثل جيفة حمار، وكان لهم حسرة».
وفي سنن أبي داود - أيضًا - بلفظ:
«من قعد مقعدًا لم يذكر الله فيه كانت عليه من الله ترة، ومن اضطجع مضطجعًا لا يذكر الله فيه كانت عليه من الله ترة».
قال الهيثمي في المجمع «١٠/ ٧٩» عن إسناد الإمام أحمد: «رجاله رجال الصحيح». اهـ.
وقال النووي في الأذكار «ص: ٢٥٥»، عن إسناد أبي داود للفظ
_________________
(١) حاشية السندي ١/ ٢٣٩، ط الميمنية - بهامش السنن - عام ١٣١٢ هـ. وينظر الخلاف في: شرح النووي على مسلم (٦/ ٦٥)، وفتح الباري (٣/ ١١).
[ ٧٢ ]
الأول: «إسناده صحيح». اهـ.
وقد أخرجه الترمذي في سننه «٥/ ٤٦١» من طريق سفيان، عن صالح مولى التوأمة، عن أبي هريرة - ﵁ - عن النبي ﷺ قال:
«ما جلس قومٌ مجلسًا لم يذكروا الله فيه ولم يصلوا على نبيهم إلا كان عليهم تِرَة، فإن شاء عذبهم، وإن شاء غفر لهم».
قال الترمذي: «هذا حديث حسن صحيح». اهـ.
وقال الحاكم «١/ ٤٩٦» «هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وصالح ليس بالساقط». اهـ.
فتعقبه الذهبي، وقال: «قلت: صالحٌ ضعيف». اهـ.
وهو قد اختلط، ورواية سفيان الثوري عنه بعد الاختلاط، كما نص على ذلك ابن معين، وغيره.
ومما يَدُلُّ على أنه لم يتقن لفظ هذا الحديث أن الإمام أحمد رواه من طريق ابن أبي ذئب، عن صالح، عن أبي هريرة، بلفظ: «ما جلس قومٌ مجلسًا لم يذكروا الله فيه ولم يصلوا على نبيهم إلا كان عليه ترة» «٢/ ٤٥٣».
وابن أبي ذئب سمع من صالحٍ قبل أن يُخرِّف، قاله ابن معين.
وقال الجوزجاني: «سماع ابن أبي ذئبٍ منه قديم». اهـ (١).
_________________
(١) ميزان الاعتدال (٢/ ٣٠٣).
[ ٧٣ ]
ورواه الإمام أحمد أيضًا «٢/ ٤٩٥» من طريق زياد بن سعد أن صالحًا مولى التوأمة أخبره، أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ: «إذا قعد القوم في المجلس، ثم قاموا ولم يذكروا الله فيه كانت عليهم فيه حسرة يوم القيامة». وزياد قد سمع من صالح قبل الاختلاط نص على ذلك ابن عدي (١).
فجعل الأحاديث السابقة مقوِّيةً لحديث صالح هذا بهذا اللفظ: لا يصحُّ، لأننا - حسب اطلاعنا - أدركنا أنه لم يتقن اللفظ.
فإن تبَّين أنه قد أتقن فالحديث لا يدلُّ على الوجوب، فقد قال ابن علان في «شرح الأذكار» (٢) عند قوله في الحديث: «فإن شاء عذَّبهم»: أي على ذنوبهم الماضية، لا على ترك الذكر، فإنه ليس بمعصيةٍ، كذا في «الحرز».
وقيل: إنه على سبيل الزجر والتهديد، إذ لله أن يعذب من غير ذنبٍ، فكيف وتفويتُ ذكره، والصلاة على أفضل خلقه، بالكلمات التي تجري في المجالس الموجبة للعقوبة غالبًا في غايةٍ من التفريط والاستهتار بجانب الحق سبحانه ورسولِهِ ﷺ. فعُلِمَ أن ذلك المجلس لما كان مظنَّة للذنب نزل ما وقع فيها منزلةَ الذنب، فهُدِّدوا بذلك تنفيرًا للناسِ عن خلوَّ مجالسهم عن أحد الأمرين: الذكر، أو الصلاة على النبي ﷺ». اهـ.
_________________
(١) الكامل (٤/ ١٣٧٦).
(٢) ٦/ ١٧٥.
[ ٧٤ ]
«قال الخطابي في «معالم السنن» (١):
«أصل الترة: النقص - ومعناها ههنا: التَّبِعَةُ». اهـ.
وقال النووي: «ترة» أي نقص، وقيل: تبعة، ويجوز أن يكون حسرة، كما في الرواية الأخرى». اهـ (٢).
* * *
ومن ذلك ما اتفقا عليه من حديث أبي هريرة، قال: بينما عمر بن الخطاب يخطب الناس يوم الجمعة إذْ دخل عثمان بن عفان، فعَرَّض به عمر، فقال: ما بالُ رجالٍ يتأخَّرُوْنَ بعد النِّداء! فقال عثمان: يا أمير المؤمنين؛ ما زدْتُ حين سمعتُ النِّداء أنْ توضأتُ، ثم أَقْبَلتُ، فقال عمر: والوضوء أيضًا! ألم تسمعوا رسول الله ﷺ يقول:
«إذا جاء أحدكم إلى الجمعة فليغتسل».
هذا لفظ مسلم.
وقد تقدم ذكر كلام النووي وابن حجر على الحديث، حيثُ استنبطوا منه: الإنكار على مخالف السنَّة، وإن كان كبير القدر (٣).
قال الحافظ:
«واستُدِل به على أنَّ غُسْل الجمعة واجبٌ؛ لقطع عمر الخطبةَ، وإنكاره على عثمان تركه.
_________________
(١) ٧/ ٢٠١.
(٢) الأذكار - مع الشرح - ٦/ ٧٥.
(٣) انظر ص: ٦٦ من هذه الرسالة.
[ ٧٥ ]
وهو متعقب: لأنه أنكر عليه تركِ السُّنَّة المذكورة، وهي: التبكير إلى الجمعة، فيكون الغسل كذلك». اهـ (١).
* * *
ومن ذلك ما رواه سعيد بن منصور في «سننه»، عن عبد الله بن عمر - ﵄ - أنه قال:
«ما أصبح رجلٌ علي غير وترٍ إلا أصبح على رأسه جريرٌ، قَدْرَ سبعين ذراعًا».
قال الحافظ في «الفتح» (٢). «إسناده جيد». اهـ.
والجرير: حَبْلٌ من أَدَمٍ نحو الزِّمام، قاله ابن الأثير في «النهاية» ١/ ٢٥٩.
* * *
_________________
(١) الفتح ٢/ ٣٦٠.
(٢) ٣/ ٢٥.
[ ٧٦ ]