فصل
وقد ذهب ابن حزمٍ إلى إنكار ما تقدم من لحوق اللومِ والعتاب على من ترك السنن.
قال في «المحلى» (١) على قول الإمام مالك في الوتر: «ليس فرضًا، ولكن من تركه أُدِّبَ، وكانت جُرْحةً في شهادته».
قال أبو محمد: «وهو خطأٌ بيِّن، لأنه لا يخلو تاركه أن يكون عاصيًا لله ﷿ أو غير عاصٍ؛ فإن كان عاصيًا لله تعالى فلا يعصي أحد بترك ما لا يلزمه وليس فرضًا؛ فالوتر إذن فرضٌ، وهو لا يقول بهذا.
وإنْ قال: بل هو غير عاصٍ لله تعالى.
قيل: فمن الباطلِ أنْ يُودَّبَ من لم يعصِ الله تعالى، أو أن تجرح شهادة مَنْ ليس عاصيًا لله ﷿؛ لأن من لم يعصِ الله ﷿ فقد أحسن، والله يقول:
﴿مَا عَلَى اُلمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ﴾. اهـ.
وقد استدل ابن حزم على هذا بما أخرجه من طريق مسلم بن الحجَّاج، ثنا قتيبة بن سعيد، عن مالك بن سعيد، عن مالك بن أنس، عن أبي سهيل بن
_________________
(١) ٢/ ٣١٤.
[ ٧٧ ]
مالك، عن أبيه، أنه سمع طلحة بن عبيد الله يقول: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ، فإذا هو يسأل عن الإسلام؟ فقال رسول الله ﷺ» «خمس صلواتٍ في اليوم والليلة» قال: هل عليَّ غيرهن؟ قال: «لا إلا أن تتطوع »، وذكر باقي الحديث: فأدبر الرجل، وهو يقول: والله لا أزيد على هذا ولا أنقص منه؛ فقال رسول الله ﷺ: «أفلح إن صدق».
وقد اتفق الشيخان على إخراجه من طريق مالكٍ.
وأخرجه البخاري في كتاب الصيام من صحيحه، من طريق إسماعيل بن جعفر، عن أبي سهيل، عن أبيه، عن طلحة بن عبيد الله، به، وفيه: قال: فأخبره رسول الله ﷺ بشرائع الإسلام، قال: والذي أكرمك بالحقِّ لا أتطوَّع شيئا ولا أنقص مما فرض الله عليَّ شيئًا
قال ابن حزمٍ: «وهذا نص من رسول الله ﷺ على قولنا، وأنه ليس إلا واجب أو تطوُّع، فإن ما عدا الخمس فهو تطوُّع؛ وهذا لا يسع أحدًا خلافه». اهـ.
وقد جعل ضابط الواجبِ: بأن مَنْ تركه عامدًا كان عاصيًا لله تعالى.
والتطوُّع: ما إن تركه المرء عامدًا لم يكن عاصيًا لله تعالى.
أقول: إن مما لا ريب فيه أن مَنْ أتى بهذه الفرائض كما أمره الله تعالى، تامَّةَ الأركان والشروط والواجبات: فهو مفلحٌ إن شاء الله تعالى، داخلٌ الجنَّةَ.
إلا أن هذا ليس مانعًا من إلحاق اللوم به، كما تقدم في حديث
[ ٧٨ ]
أبي هريرة - ﵁ - عن النبي ﷺ أنه قال: «ما قعد قومٌ مقعدًا لا يذكرون الله ﷿ ويصلون على النبي ﷺ إلا كان عليهم حسرةً يوم القيامة وإن دخلوا الجنة للثواب».
ولذا قال النووي - ﵀ - في «شرح مسلم» (١) على هذا الحديث:
«ويحتمل أنه أراد أنه لا يصلي النافلة، مع أنه لا يخِلٌّ بشيءٍ من الفرائض، وهذا مفلح بلا شك وإن كانت مواظبته على تركِ السنن مذمومةً وتردُّ بها الشهادة، إلا أنه ليس بعاصٍ، بل هو مفلحٌ ناجٍ، والله أعلم». اهـ.
ولهذا فإن ابن عمر لما كان محافظًا على الفرائض تاركًا لقيام الليل حُذِّر في منامه، حيث رأى أن ملكين أخذاه فذهبا به إلى النار، قال: فإذا هي مطويَّة كطيَّ البئر، وإذا لها قرنان، وإذا فيها أناسٌ قد عرفتهم، فجعلتُ أقول: أعوذ بالله من النار، قال: فلقينا مَلَكٌ آخر، فقال لي: لَمْ تُرَعْ.
فقصصتُها على حفصة، فقصتها حفصةُ على رسول الله ﷺ، فقال: «نِعْمَ الرجل عبد الله لو كان يصلي من الليل»، فكان بعد لا ينام من الليل إلا قليلًا.
وقد بوَّب عليه البخاري في كتاب التهجد من «صحيحه»: باب فضل قيام الليل (٢).
_________________
(١) ١/ ١٦٧.
(٢) (٣/ ٦ فتح)، ورواه مسلم في فضائل الصحابة (١٦/ ٣٨ نووي).
[ ٧٩ ]
قال المهلب: «إنَّما فسَّرها بقيام الليل لأنه لم يَرَ شيئا منه يغفل عنه من الفرائض، فُيذَكَّرُ بالنار، وعَلِمَ مبيته في المسجد، فعبَّرَ ذلك بأنه مُنَبِّهٌ على قيام الليل» (١). اهـ.
وفي الحديث إيماءٌ إلى أن قيام الليل ينجي من النار.
وقد تقدم ذكر بعض الأحاديث، الآثار، وكلام العلماء، في هذا الشأن فأغنى عن إعادته.
هذا وقد تعدَّدت مناهج العلماء في الإجابة عن حديث الأعرابي، وكلها لا تخلو من نقدٍ.
وعندي أن أولاها بالتأمل - فيما يتعلَّق بترك النوافل فقط - ما ذكره الشيخ محمد أنور الكشميري في «شرحه لصحيح البخاري» (٢) حيث قال:
«والوجه عندي: أن هذا الرجل جاء إلى صاحب الشريعة، واسترخص منه بلا واسطة، فَرَخَّص له الشارع خاصةً «في ترك النفل» فيصير مستثنى من القواعد العامة، كما في الأضحية: «ولا تجزيء عن أحد بعدك».
وهذا بابٌ يعلمه أهل العرفِ، فلا أثر له على القانون العام». اهـ.
_________________
(١) دليل الفالحين لابن علان ٣/ ٦٥٢.
(٢) فيض الباري على صحيح البخاري ١/ ١٣٨ بواسطة نقل مؤلف (الحكم التكليفي) ص: ١٧٨.
[ ٨٠ ]
وهذا التخصيص إنما لَجَأَ إليه: توفيقًا بين النصوصِ الآمرة بالتمسك بالسنن، والحاثَّةِ على العمل بها، وبين هذا النصّ القاضي ظاهُره: بأن لأفرادِ الأمةِ أن يعقدوا العزم على ترك السنن مطلقًا إذا حافظوا على الفرائض، وهذا - والله أعلم - يتنافى مع حث الشارع على السنن، وترغيبه فيها فوجب حمله على الخصوصية.
أما ما ذكره ابن حزم عن سعيد بن جبير أنه سئل عن من لم يوتر حتى أصبح؟ قال: سيوتر يومًا آخر.
فيحمل على من تركه المداومة على الترك، أو على أنه لا يرى قضاء الوتر، ثم إنه معارضٌ بإنكار عمر على عثمان ترك سنَّة التكبير إلى الجمعة وهي دون الوتر، فكيف به؟
وأما ما ذكره عن سعيد بن المسيب: أنه سأله رجل عن الوتر؟ فقال سعيد: أوتر النبي ﷺ، وإن تركت فليس عليك، وصلى الضحى، وإن تركت فليس عليك
فهذا فيه نفيٌ للوجوب، ولا خلاف فيه عندنا؛ وإنما الكلام في مقام الإنكار واللوم على من داوم على ترك السنن.
وأما قول ابن حزم - بعد إيرادِ قول النبي ﷺ لعبد الله بن عمرو: «يا عبد الله لا تكن مثل فلانٍ كان يقوم من الليل فترك قيام الليل»، وقوله ﵇ لحفصة عن أخيها عبد الله بن عمر - رضي الله عن جميعهم -: «نعم الرجل عبد الله لو كان يصلي من الليل» -: إنَّ هذه الأوامر كلها ندبٌ، لا يجوز غير ذلك». اهـ.
[ ٨١ ]
فهو كذلك، ولكنَّ ابن عُمَرَ خُوِّف - في المنام - على تركه هذا المندوب بالنار، وذمَّ النبي ﷺ الرجل الذي ترك قيام الليل، حيث نهى عبد الله بن عمرو أن يكون مثله (١).
ففي هذا دلالة على ذمَّ تارك السّنَّة، من غير لحوقِ إثمً عليه.
وفي المصنف لابن أبي شيبة «١/ ٢٤٤» في باب من يقول إذا ركعت فضع يديك على ركبتيك من أبواب الصلاة، أن سعد بن أبي وقاصٍ ضَرَبَ يَدَ ابنِه مصعب لَمّا جعل يديه بين ركبتيه في الركوع، وقال: «كنا نفعل هذا ثم أمرنا بالركب».
وفيه في باب من كان يطبق يديه بين فخذيه: أن عبد الله بن مسعود ضَرَبَ يد الأسود لما وضعها على ركبتيه.
وليس وضع اليدين على الركبتين، ولا بينهما من واجبات الصلاة، وقد ضَرَبَ ابنُ مسعود وسعدٌ على ذلك إنكارًا على من خالف السنَّة (٢).
فثبت بذلك أن تارك السنن يعاتب ويلام، والله تعالى أعلم.
_________________
(١) وقع في فهارس مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام (٣٧/ ٧٢) ما نصه: (لو ترك الرجل قيام الليل لم يكن مبتدعًا، ولا مستحقًا للذم والعقاب). اهـ. وبالرجوع إلى المحال عليه، وهو (٢٣/ ٩٥) تبين أن العنوان غير مطابق لمضمون الكلام: (بل لو ترك الرجل ما هو أثبت منها كتطويل قيام الليل كما كان النبي ﷺ يطوله لم يكن خارجًا عن السنةَّ، ولا مبتدعًا، ولا مستحقاَّ للذم). اهـ.
(٢) والصحيح ما ذهب إليه سعدٌ، لثبوت نسخ التطبيق، وإنكار كل واحدٍ منهما باعتبار ما يعتقد سنيته.
[ ٨٢ ]
وقد ذكر الشاطبي في «الاعتصام» (١): عن أبي محمد عبد الله بن منازل، أنه قال:
«لم يُضَيِّع أحدٌ فريضة من الفرائضِ إلا ابتلاه الله بتضييع السُّنَنِ، ولم يُبْتَلَ بتضييعِ السُّنَنِ أحدٌ إلا يوشك أن يبتلى بالبدع». اهـ.
وفي «سير إعلام النبلاء» (٢) في ترجمة إبراهيم بن يزيد التيمي أنه قال:
«إذا رأيت الرجل يتهاون في التكبيرة الأولى فاغْسِلْ يدَك منه».
* * *
_________________
(١) ١/ ١٣٠ ط دار ابن عفان.
(٢) ٥/ ٦٢ ط مؤسسة الرسالة.
[ ٨٣ ]
فصل