ومتى حافظ المسلمُ على السُّنَّةِ محافظته على الطعام والشراب الذي به قوام البدن أو أشدَّ: غمرته الفوائد الدينية والدنيوية، كما قال ابن قدامة - ﵀ -:
«وفي اتباع السنَّة: بركةُ موافقة الشرع، ورضى الربِّ ﷾ ورفع الدرجات، وراحة القلب، وَدَعَةٌ البَدَنِ، وترغيمُ الشيطان، وسلوكُ الصراط المستقيم». اهـ (١).
وقد قال ابنُ حبَّان - رحمه الله تعالى - في مقدَّمة صحيحه:
وإِنَّ في لزوم سُنَّتِه: تمامَ السلامة، وَجِمَاعَ الكرامةِ، لا تطفأْ سُرُجُها، ولا تُدْحضُ حججُها، من لزمَهَا عُصِم، ومن خالفها نَدِمَ، إذْ هي الحصنُ الحصين، والركنُ الركين، الذي بان فضْلُه، ومَتُنَ حبْلُهُ، ومن تَمَسَّكَ به ساد، ومن رام خلافه باد.
فالمتعلِّقون به أهل السعادةِ في الأجل، والمغبوطونَ بين الأنام في العاجل. اهـ (٢).
وقال الغزالي - في كلامٍ له متين بهذا الصدد -:
_________________
(١) ذم الموسوسين، لابن قدامة، ص: ٤١، ط الفاروق الحديثة - مصر.
(٢) (الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان ١/ ١٠٢، ط الرسالة.
[ ٤٣ ]
«اعلم أن مفتاح السعادة: في اتباع السنَّة والاقتداء برسول الله ﷺ في جميع مصادره وموارده، وحركاته وسكناته؛ حتى في هيئة أكله وقيامه، ونومه وكلامه.
لستُ أقول ذلك في آدابه في العبادات فقط، لأنه لا وجه لإِهمالِ السنن الواردة في غيرها، بل ذلك في جميع أمور العادات: فَبِهِ الاتباع المطلق، كما قال تعالى:
﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اَللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾.
وقال تعالى:
﴿وَمَآءَاتَاكُمُ الرّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُواْ ﴾.
فهل - بعد ذلك يليق بعاقلٍ أن يتساهل في امتثال السنَّة، فيقول: هذا من قبيل العادات فلا معنى للاتباع فيه؟! فإن ذلك يغلق عنه بابًا عظيمًا من أبواب السعادة». اهـ (١).
وهذا الذي قاله أبو حامدٍ هو دأب السلف - ﵃ - كما قال القاضي عياض في «الشفا» (٢).
« وهذه سيرة السلف حتى في المباحات وشهوات النفس؛ وقد قال أنس حين رأى النبيَّ ﷺ يتتبع الدُّبَّاء من حوالي القصعة: فما زلت أحب الدُّباء من يومئذٍ.
_________________
(١) بواسطة نقل الشيخ عبد الغني عبد الخالق في كتابه (حجية السنة) ص: ٨٠ - ٨١.
(٢) ٢/ ٥٧٥.
[ ٤٤ ]