تقدَّم أن للحنفية اصطلاحًا خاصًا بهم في «السُّنة» فهم يفرقون بينها، وبين «النَّفْل»، ونشأ عن هذا التفريق: ترتيب حكمٍ لكلِّ واحدٍ منهما.
قال البزدوي في أصوله:
«والسنَنُ نوعان: سنَّة الهدى؛ وتاركها: يستوجب: إساءةً، وكراهيةً.
والزوائِدِ؛ وتاركها: لا يستوجب إساءة وأما النفلُ فما يثاب المرء على فعله، ولا يعاقب على تركه » اهـ.
قال علاء الدين البخاري في شرحه لأصول البزدوي، المسمى «كشف الأسرار» (١).
«قوله: «سنَّة الهدى» يعني: سنةً أخذها من تكميل الهدى - أي الدين - وهي التي تعلق بتركها: كراهية وإساءة وهي مثل: الأذانِ، والإقامة، والجماعة، والسنن الرواتب.
_________________
(١) ٢/ ٥٦٧ - ٥٦٨، ط دار الكتاب العربي، تحقيق محمد المعتصم بالله.
[ ٥٧ ]
ولهذا قال محمد - أي ابن الحسن - في بعضها: إنه يصير مسيئًا، وفي بعضها: إنه يأثم، وفي بعضها: يجب القضاء، وهي: سنَّة الفجر، ولكن لا يعاقب بتركها، لأنها ليست بفريضة ولا واجبة.
و«الزوائد» أي: النوع الثاني: الزوائد، وهي التي لا يتعلق بتركها كراهة ولا إساءة، نحو: تطويل القراءة في الصلاة، وتطويل الركوع والسجود، وأفعاله خارج الصلاة من المشي، واللبس، والأكل.
فإن العبد لا يطالب بإقامتها، ولا يأثم بتركها، ولا يصير مسيئًا.
والأفضل أن يأتي بها، كذا في بعض مصنفات الشيخ
قوله: «وأما النفل فما يثاب المرء على فعله ولا يعاقب على تركه».
قال القاضي الإمام: نوافل العبادات هي التي يبتدئ بها العبدُ زيادةً على الفرائض، والسنن المشهورة.
وحكمها: أن يثاب العبد على فعلها، ولا يذم على تركها، لأنها جعلت زيادةً له لا عليه، بخلاف السنَّة؛ فإنها طريقة رسول الله ﷺ، فمن حيث سبيلها الإِحياءُ، كان حقًا علينا، فعوتبنا على تركه». اهـ.
ومثال النفل عندهم «ما زاد على القَصْرِ من صلاة السفر» وهو الشفع الثاني، لأن العبد لا يلام على تركه رأسًا وأصلًا، ويثاب على فعله في الجملة.
فتبيَّن بهذا أن الأقسام عند الحنفية ثلاثةٌ: سنن الهدى - ويقال لها: السنَّة المؤكدة - كالأذان، والإقامة، والسُّنَنِ المروية، والمضمضة
[ ٥٨ ]
والاستنشاق؛ وسنن الزوائد، كأذان المنفرد، والسواك، ونحوها؛ ونفلٌ ومنه: المندوب والمستحب.
قال ابن عابدين في «حاشيته» (١):
« أقول: فلا فرق بين النفل وسنن الزوائد من حيث الحكم، لأنه لا يكره ترك كلٌّ منهما».
وإنما الفرق كون الأول - النفل - من العبادات، والثاني - سنن الزوائد - من العادات قال: وقد مثلوا لسنَّة الزوائد بتطويله ﷺ القراءة والركوع، والسجود؛ ولا شك في كون ذلك عبادة، وحينئذٍ فمعنى كون سنةِ الزوائد عادةً أن النبي ﷺ واظب عليها حتى صارت عادةً له، ولم يتركها إِلا أحيانًا، لأن السنَّة هي: الطريقة المسلوكة في الدين فهي في نفسها عبادة، وسميت عادةً لما ذكرنا.
ولما لم تكن من مكملات الدين وشعائره سميت: سنَّة زوائد، بخلاف سنَّة الهدى، وهي: السنن المؤكدة القريبة من الواجب التي يضلل تاركها، لأن تركها: استخفاف بالدين، وبخلاف النفل، فإنه كما قالوا: ما شرعَ لنا زيادة على الفرض والواجب والسنَّة بنوعيها، ولذا جعلوه قسمًا رابعًا، وجعلوا منه: المندوب، والمستحب، وهو ما ورد بد دليل ندبٍ يخصه، كما في «التحرير».
فالنفل: ما ورد به دليل ندبٍ عمومًا أو خصوصًا، ولم يواظب عليه النبي ﷺ، ولذا كان دون سنَّة الزوائد، كما صرَّح به في «التنقيح». وقد
_________________
(١) ١/ ١٠٣، ط ٢ الحلبي، عام ١٣٨٦ هـ.
[ ٥٩ ]
يطلق النفل على ما يشمل السنن الرواتب، ومنه قولهم: باب الوتر والنوافل، ومنه تسمية الحج نافلةً إلخ». اهـ.
وتبيَّن أن الأحكام المترتبة على هذه الأقسام كما يلي:
أما سنن الهدى: فإن فاعلها يثاب، وتاركها بلا عذرٍ - على سبيل الإصرار - يستحق الحرمان من الشفاعة (١)، ويستوجب اللوم، والتضليل لاستخفافه بالدين.
أما سنن الزوائد: فإنه يثاب على فعلها، ولا يستوجب تاركها إساءة ولا كراهة.
أما النفل فحكمه حكم السنن الزوائد (٢).
بقي مسألة، وهي: هل يلحق تارك سنن الهدى - عندهم - الإثمُ، أو لا؟
نَقَلَ علاء الدين البخاري في «كشف الأسرار» (٣)، عن أبي اليسر أنه قال:
«وأما السنَّة فكل نَفْل واظب عليه رسول الله ﷺ مثل التشهُّد في الصلوات، والسنن الرواتب.
_________________
(١) اعتمادًا على حديث يذكره فقهاء الأحناف، لفظه: (من ترك سنتي لم ينل شفاعتي) ولم أقف على إسنادٍ له، وقد أنكره بعض الحنفية المعاصرين.
(٢) وهنا تفاصيل أخرى عند الحنفية لا فائدة هنا من ذكرها، كالخلاف في المستحب والمندوب هل يرادفان النفل أم لا؟ والمستحب والمندوب هل هما مترادفان أم لا؟
(٣) ٢/ ٥٦٣.
[ ٦٠ ]