الاستقراء في القرآن الكريم
يجد الباحث في كتاب الله تعالى أن القرآن الكريم قد اتخذ المنهج الإسقرائي وسيلة من وسائل الإستدلال على سنن الله تعالى في الكون والناس، وأنه قد دعا الناس إلي استعماله في حياتهم العامة والخاصة للإعتبار بما سبق، ولإكتشاف ما يتسم به الكون من إِحْكَامٍ في الخلق، ولمعرفة الخالق تعالى، ومعرفة عظمته وقدرته.
وقد استعمل القرآن الكريم الاستقراء بنوعيه: التام والناقص، ولكن أكثر استعماله للإستقراء الناقص، وأعطاه دلالة قطعية في إثبات بعض سنن الله تعالى في الكون، وفي حياة البشر وإثبات بعض العقائد، وصفات الذات الإلهية.
فمن الآيات التي اتخذ فيها القرآن الكريم المنهج الإستقرائي للإستدلال ما يأتى:
﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ (٣٨)﴾ [الأنعام: ٣٨].
﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا (٣٨)﴾ [الإسراء: ٣٨] وَرَدَ هذا بعد استقراء الآيات السابقة أمهات الرذائل التي ينبغي اجتنابها. (١)
﴿وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ (٣٥)﴾ [الزخرف: ٣٥]، ورد هذا بعد استقراء الآيات السابقة لأعظم الملذات التي يمكن أن يطمح إليها الإنسان في هذه الدنيا. (٢)
ومن الآيات التي دعا فيها القرآن الكريم الناس إلى استخدام الاستقراء منهجًا
_________________
(١) انظر الآيات من ٢٦ إلى ٣٧ من سورة الإسراء.
(٢) انظر الآيتان ٣٣ - ٣٤ من سورة الزخرف.
[ ٢٢٩ ]
للإستدلال ما يأتي:
﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (١١)﴾ [الأنعام: ١١].
﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (٦٩)﴾ [النمل: ٦٩].
﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٠)﴾ [العنكبوت: ٢٠].
﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ (٤٢)﴾ [الروم: ٤٢].
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٠٩)﴾ [يوسف: ١٠٩].
﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٨٢)﴾ [غافر: ٨٢] (١).
﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا (١٠)﴾ [محمد: ١٠].
﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ (٢١)﴾ [الزمر: ٢١].
قانون العلية:
ومن الآيات التي أشارت إلى قانون العِلِّيّة، الذي يمثل الأساس الأول لتسويغ التعميمات الإستقرائية، قوله تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (٣٥)﴾ [الطور: ٣٥].
_________________
(١) وردت بهذا المعنى آيات كثيرة منها: غافر: ٢١، فاطر: ٤٤، الروم: ٩، محمد: ١٠.
[ ٢٣٠ ]
قانون الإطراد:
ومن الآيات التي أشارت إلى قانون الإطراد في الكون، الذي يمثل الأساس الثاني لتسويغ التعميمات الإستقرائية ما يأتي:
﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٣٨) وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (٣٩) لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (٤٠)﴾ [يس: ٣٨ - ٤٠].
﴿أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ (١٩)﴾ [العنكبوت: ١٩].
﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (١٢٠)﴾ [هود: ١٢٠]، أي أنك أنت وقومك تخضعون لما خضع له من سبقك من رسل وأقوامهم من سنن، فاعتبروا بذلك.
[ ٢٣١ ]