استقراء مجموعة من النصوص الشرعية المشتركة في معنى واحد
وسيكون مثال هذا النوع من الاستقراء استقراء مقصد التيسير ورفع الحرج في الشريعة الإِسلامية. وقبل الشروع كما استقراء النصوص والأحكام التي جاءت مقررة لذلك، ينبغي تحديد مفهوم التيسير في الشريعة الإِسلامية، حتى تسهل عملية الاستقراء من جهة، وبُسد باب الطعون والإعتراضات التي قد تثار حول ثبوت هذا المقصد وتقريره في أحكام الشريعة الإِسلامية من جهة ثانية.
مفهوم التيسير في الشريعة الإِسلامية:
١ - ليس معنى كون التيسير من مقاصد الشارع أن تجري الأمور كلها على التيسير، وأن يُعَامل كلّ الناس في كلِّ الظروف والأحوال باليُسر وإنما المقصود تطبيق التيسير حيث تتوفر شروطه، فالتيسير مقصد شريها عام، لكنه كغيره من المبادئ لا بُدّ له من توفر شروط قطبيقه. فإذا لم يُطبق عند عدم توفر شروطه، فليس معنى ذلك تخلف مبدأ التيسير وانخرام عمومه، ولكن معنى ذلك أن ظروف الشخص أو الفعل تقتضي الحزم أو التشديد بدل التيسير.
٢ - أبرز ما يمكن أن يُعْتَرَض به على اتصاف الشريعة الإِسلامية باليسر بعض الحدود في نظام العقوبات الإِسلامي؛ لما فيها من صرامة في الضرب على أيدي المجرمين. ويُقال في الردّ على ذلك: إن مراعاة اليسير إنما تكون في الظروف الإعتيادية، أو الظروف القاهرة للإنسان، أما في الحالات التي يكون فيها التيسير مؤديًّا إلى تضييع حقوق الغير وإفساد حياة الناس، فإن الأمر يصير خارج نطاق التيسير؛ إذْ في التيسير على الظالم أو الجاني تعسير على المظلومين أو المجني عليهم. وليس اعتبار التيسير في حق الجاني بأولى من اعتباره في جانب المجني عليهم. فليس في الضرب على يَدِ الجاني والتشديد عليه خرق لمبدأ التيسير إنما هو عين حفظ هذا المبدأ، لكن لا بالنسبة للجاني، إنما للمجني عليهم. والتيسير على كل المجتمع أولى وأجدر بالاعتبار من التيسير على زمرة من المجرمين.
[ ٣١٢ ]
والشريعة في الحقيقة غير قاصدة إلى التعسير على الجاني ولا الإضرار به، وإنما هو الذي قصد إلى التعسير على نفسه، ورغب في ذلك بما جناه على نفسه من باب قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [يونس: ٢٣].
بل إن المتأمل في نظام العقوبات -سواء في الشريعة الإِسلامية أو في غيرها من الشرائع- يجد أنه إنما قُصِد به التيسير على الناس في حياتهم، بمنع ما يكدِّر صفوها، والضرب على يَدِ كلّ من يقصد إلى ذلك. فنظام العقوبات -إذًا- قصده الأسمى هو التيسير، والعبرة في الأمور بمقاصدها العليا، دون مراعاةٍ لما يعترض المسالك إليها من مشقة أو عسر ما دام مُحْتَمَلًا ودون المقصد الأعلى، فالضرر الأخف يحتمل في سبيل النفع الأعظم.
٣ - يجب التفريق بين كون الشارع قاصدًا إلى التيسير وأنّ ذلك قد تَمَّ فيما نص عليه من أحدم، ومدى مراعاة المجتهد بعد ذلك لهذا المبدأ العام فيما يستنبطه من أحكام، فهو -أي المجتهد- يتلمَّس اكتشاف الظروف المناسبة والشروط اللازمة لتطبيق هذا المبدأ، فإذا أخطأ في التطبيق فإن ذلك لا يمكن أن يُعدّ طعنًا في المبدأ الثابت.
مجالات الاستقراء:
يجد المتتبع لجوانب التيسير في القرآن الكريم والسنّة النبوية أنها من السّعة والشمول بحيث تغطّي جانبي العادات والعبادات، وأحكام الحياة الدنيا والآخرة، كما أنها تشمل أحدم الشارع وتصرفات المكلفين. وبناءً على ذلك سيتضمن الاستقراء المجالات الآتية:
١ - النصوص التي جاءت في وصف الشريعة باليسر.
٢ - النصوص التي جاءت في وصف الشريعة بالحنيفية والسماحة.
٣ - اتصاف الرسول - ﷺ - بالتيسير.
٤ - التيسير على هذه الأمة برفع الأغلال التي وُضِعَت على الأمم السابقة.
[ ٣١٣ ]
٥ - عدم التكليف بما لا يُطاق.
٦ - وجود مرتبة العفو في التشريع.
٧ - الترغيب في معاملة الناس بيسر.
٨ - تيسير سبيل المؤمنين.
٩ - النهي عن التشدد والتنطع.
١٠ - وجود الرخص الشرعية سواء في العبادات أو في العادات.
١١ - التدرّج في التشريع.
١٣ - شرع الكفارات.
١٣ - شرع التوبة.
١٤ - تيسير الحساب على المؤمنين.
١ - النصوص التي جاءت في وصف الشريعة باليسر:
فقد وردت نصوص بصيغ العموم تخبر أن هذه الشريعة يسر وأنها إنما قُصِد بإنزالها التيسير على الناس، ومنها:
- ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥].
- ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا (٢٨)﴾ [النساء: ٢٨].
- عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَال: "إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إلَّا غَلبَهُ فَسَدَّدُوا وَقَارِبُوا وَأَبْشِرُوا وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ وَشَيْءٍ مِنَ الدُّلْجَةِ (١) " (٢)
- عن أبي عُرْوَةَ قَالَ: كُنَّا نَنْتَظِرُ النَّبِيَّ - ﷺ - فَخَرَجَ رَجِلًا يَقْطُرُ رَأْسُهُ مِنْ وُضُوءٍ أَوْ غُسْلٍ فَصَلَّى فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاةَ جَعَلَ النَّاسُ يَسْأَلُونَهُ يَا رَسُولَ الله أَعَلَيْنَا حَرَجٌ فِي كَذَا
_________________
(١) الدلجة: الإسم من فعل "أدلج"، أي سار من أول الليل. انظر الرازي: مخنار الصحاح، ص ٨٧.
(٢) رواه البخاري: صحيح البخاري، كتاب الأيمان، باب (٣٠)، مج ١، ج ١، ص ١٨، الحديث (٣٩).
[ ٣١٤ ]
فَقَال رَسُولُ الله - ﷺ -: "لَا أَيُّها النَّاسُ إِنَّ دِينَ الله -﷿- فَي يُسْرٍ ثَلاَثًا". (١)
- عن مِحجَن بْن الأَدْرَعَ قال: بَعَثَني نَبِيُّ الله - ﷺ - فِي حَاجَةٍ ثُمَّ عَرض لِي وَأَنَا خَارِجٌ مِنْ طَرِيقٍ مِنْ طُرُقِ الْمَدِينَةِ قَال: فَانْطَلَقْتُ مَعَهُ حَتَّى صَعِدنَا أُحُدًا فَأَقْبَلَ عَلَى الْمَدِينَةِ فَقَال: "وَيْلُ أُمِّهَا قَريَةً يَوْمَ يَدَعُهَا أَهْلُهَا قَالَ: يَزِيدُ كَأَيْنَعِ مَا تَكُونُ قَالَ: قُلْتُ: يا نَبِيَّ الله مَنْ يَأْكُلُ ثَمَرَتَها قَالَ: عَافِيَةُ الطَّيْرِ وَالسِّبَاعُ. قَالَ: وَلاَ يَدخُلُها الدَّجَّال كُلَّمَا أَرَادَ أَنْ يَدْخُلَها تَلَقَّاهُ بِكُلِّ نَقْبٍ مِنْها مَلَكٌّ مُصْلِتًا قَالَ: ثُمَّ أَقْبَلْنَا حَتَّى إِذَا كُنَّا بِبَابِ الْمَسْجِدِ قَالَ: إِذَا رَجُلٌ يُصَلِّي قَالَ: أَتَقُولُهُ صَادِقًا قَالَ: قُلْتُ: يَا نَبيَّ الله هذَا فُلاَن وَهذَا مِنْ أَحْسَنِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَوْ قَالَ: أَكْثَرِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ صَلاَةً قَالَ: لَا تُسْمِعْهُ فَتُهْلِكَهُ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاَثًا إِنَّكم أُمَّة أُرِيدَ بِكُمُ الْيُسْرُ". (٢)
- عَنْ عَائِشَة - ﵂ - أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: "إِنَّ الله -﷿- يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الأَمر كُلِّهِ". (٣)
٢ - النصوص التي جاءت في وصف الشريعة بالسماحة
وكون الشريعة سمحة يعني أنها يسيرة ميسرة، ومما ورد في هذا:
- أخرج البخاري معلقا قَوْل النَّبِيِّ - ﷺ -: "أَحَبُّ الدِّينِ إِلَى الله الحنِيفِيَّةُ السَّمْحَةُ" (٤)
- عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قِيلَ لِرَسُولِ الله - ﷺ -: أَيُّ الأَدْيَانِ أَحَبُّ إِلَى الله؟ قَالَ: "الْحَنِيفِيَّةُ السَّمْحَةُ". (٥)
- عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ الله - ﷺ - فِي سَرِيَّةٍ مِنْ سَرَايَاهُ قَالَ: فَمَرَّ رَجُلٌ بِغَارٍ فِيهِ شيءٌ مِنْ مَاءٍ قَالَ: فَحَدَّثَ نَفْسَهُ بِأَنْ يُقِيمَ فِي ذَلِكَ الْغَارِ فَيَقُوتُهُ مَا كَانَ
_________________
(١) رواه أحمد: مسند الإمام أحمد، مسند البصريين، ج ١٥، ص ٢٨٢.
(٢) رواه أحمد: مسند الإمام أحمد، مسند البصريين، ج ١٥، ص ١٨٧.
(٣) رواه أحمد: مسند الإمام أحمد، مسند عائشة، ج ١٧، ص ٢٢٨.
(٤) رواه البخاري: صحيح البخاري، كتاب الإيمان، باب (٣٠)، مج ١، ج ١، ص ١٨، قبل الحديث (٣٩).
(٥) رواه أحمد: مسند الإمام أحمد، مسند بني هاشم، ج ٢، ص ٥٢٢.
[ ٣١٥ ]
فِيهِ مِنْ مَاءٍ وَيُصِيبُ مَا حَوْلَهُ مِنَ الْبَقْلِ وَيَتَخَلَّى مِنَ الدُّنْيَا، ثُمَّ قَالَ: لَوْ أَنِّي أَتَيْتُ نَبِيَّ الله - ﷺ - فَذَكَرتُ ذَلِكَ لَهُ فَإِنْ أَذِنَ لِي فَعَلْتُ وَإِلاَّ لَمْ أَفْعَلْ. فَأَتَاهُ فَقَالَ: يا نَبِيَّ الله إِنِّي مَررْتُ بِغَارٍ فِيهِ مَا يَقُوتُنِي مِنَ الْمَاءِ وَالْبَقْلِ فَحَدَّثَتْنِي نَفْسِي بِأَنْ أُقِيمَ فِيهِ وَأَتَخَلَّى مِنَ الدُّنْيَا. قَالَ: فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: "إِنِّي لَمْ أُبْعَثْ بِالْيَهُودِيَّةِ وَلاَ بالنَّصْرَانِيَّةِ وَلَكِنِّي بُعِثْتُ بِالْحَنِيفِيَّةِ السَّمحَةِ وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَغَدوَةٌ أَوْ رَوْحَةٌ فِي سَبِيلِ الله خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا: وَلَمُقَامُ أَحَدِكُمْ فِي الصَّفِّ خَيْرٌ مِنْ صَلاَتِهِ سِتِّينَ سَنَةً". (١)
٣ - اتصاف الرسول - ﷺ - بالتيسير
فقد وُصِف حامل رسالة الإِسلام ومبلغها بأنه إنما جاء ميسِّرًا، وأنه كان يُفضِّل اليُسر في الأمور كلها ما لم تخرج عن إطار الحلال، ومما ورد في ذلك:
- ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨].
- ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (٧)﴾ [الحجرات: ٧].
- ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩)﴾ [آل عمران: ١٥٩]
﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ (٨٦)﴾ [ص: ٨٦]
- عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ نَبِيَّ الله - ﷺ - كَانَ يَتْرُكُ الْعَمَلَ وَهُوَ يُحِبُّ أَنْ يَعمَلَهُ كَرَاهِيَةَ أَنْ يَسْتَنَّ النَّاسُ بِهِ فَيُفْرَضَ عَلَيْهِمْ فَكَانَ يُحِبُّ مَا خُفِّفَ عَلَيْهِمْ مِنَ الْفَرَائِضِ". (٢)
- عن عُروَة بْن الزُّبَيْرِ أَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْهُ أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - خَرَجَ مِنْ جَوْفِ.
_________________
(١) رواه أحمد: مسند الإمام أحمد، مسند الأنصار، ج ١٦، ص ٢٦١.
(٢) رواه أحمد: مسند الإمام أحمد، مسند الأنصار، ج ١٧، ص ٢١٨.
[ ٣١٦ ]
اللَّيْلِ فَصَلَّى فِي الْمَسْجِدِ فَصَلَّى رِجَال بِصَلاَتِهِ فَأَصْبَحَ النَّاسُ يَتَحَدَّثُونَ بِذَلِكَ فَاجْتَمَعَ أَكثَرُ مِنْهُم فَخَرَجَ رَسُولُ الله - ﷺ - فِي اللَّيْلَةِ الثَّانِيَةِ فَصَلَّوْا بِصَلَاتِهِ فَأَصبَحَ النَّاسُ يَذْكُرُونَ ذَلِكَ فَكَثُرَ أَهْلُ الْمَسْجِدِ مِنَ اللَّيْلَةِ الثَّالِثَةِ فَخَرَجَ فَصلَوْا بِصَلاَتِهِ فَلَمَّا كاَنَتِ اللَّيْلَةُ الرَّابِعَةُ عَجَزَ الْمَسْجِدُ عَنْ أَهْلِهِ فَلَم يَخْرُجْ إِلَيْهمْ رَسُولُ الله - ﷺ - فَطَفِقَ رِجَالٌ مِنْهُم يَقُولُونَ الصَّلَاةَ فَلَم يَخْرُجْ إِلَيْهم رَسُولُ الله - ﷺ - حَتَّى خَرَجَ لِصَلاَةِ الْفَجْرِ فَلَمَّا قَفَى الْفَجْرَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ ثُمَّ تَشَهَّدَ فَقَالَ: "أَمَّا بَعدُ فَإِنَّهُ لَمْ يَخْفَ عَلَيَّ شَأْنُكُمُ اللَّيْلَةَ وَلَكِنِّي خَشِيتُ أَنْ تُفْرَضَ عَلَيْكُمْ صَلَاةُ اللَّيْلِ فَتَعْجِزُوا عَنْهَا". (١)
- عَنِ ابْنِ شهابٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالَتْ مَا خُيِّرَ النَّبِيُّ - ﷺ - بَيْنَ أَمرَيْنِ إِلأَ اخْتَارَ أَيْسَرَهُمَا مَا لَمْ يَأْثَمْ فَإِذَا كاَنَ الإِثْمُ كاَنَ أَبْعَدَهُمَا مِنْهُ والله مَا انْتَقَمَ لِنَفْسِهِ فِي شَيْءٍ يُؤْتَى إِلهِ قَطُّ حَتَّى تُنْتَهَكَ حُرُمَاتُ الله فَيَنْتَقِمُ لله". (٢)
٤ - التيسير على هذه الأمة برفع الأغلال التي وضعت على الأمم السابقة:
ومن مظاهر التيسير في هذه الشريعة أنها جاءت رافعة لكلّ الأغلال والتكاليف الشّاقّة التي فُرِضَت على الأمم السابقة عقوبة لهم، ومما ورد فى ذلك:
- ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٧].
- ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].
٥ - عدم التكليف بما لا يطاق:
ومن مظاهر التيسير أن الشريعة لم تحلف أحدًا بما هو فوق طاقته، فإذا خرج العمل عن حدود الطاقة خرج عن حدود التكليف، ومما ورد في ذلك:
- ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦].
- ﴿لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٣٣].
_________________
(١) رواه مسلم: صحيح مسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب (٢٥)، ج ١، ص ٥٢٤.
(٢) رواه البخاري: صحيح البخاري، كتاب الحدود، باب (١١)، مج ٤، ج ٨، ص ٣٢٨ - ٣٢٩.
[ ٣١٧ ]
٦ - وجود مرتبة العفو في التشريع:
- عَنْ أَبي ثَعْلَبَةَ الخُشَني - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: "إِنَّ الله -﷿- فَرَضَ فَرَائِضَ فَلَا تُضَيِّعُوها، وَحَرَّمَ أشْيَاءَ فَلَا تَنْتَهِكُوها، وَحَدَّ حُدُودًا فَلَا تَعتَدُوهَا، وَسَكَتَ عَنْ أَشْيَاءَ مِنْ غَيْر نِسْيَانٍ، فَلَا تَبْحَثُوا عَنْهَا". (١)
- عَنْ عَلِيّ بنِ أبي طَالِب - ﵁ - قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآية: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧] قَالُوا: يَا رَسُولَ الله أَفِي كُلِّ عَامٍ؟ فَسَكَتَ، فَقَالُوا: أَفِي كُلِّ عَامٍ؟ قَالَ: لَا، وَلَوْ قُلْتُ: نَعَمْ، لَوَجَبَتْ، فَأَنْزَلَ الله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (١٠١)﴾ [المائدة: ١٠١] (٢)
- عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: كَانَ رَسُولُ الله - ﷺ - يَخْطُبُ، فَقَالَ: "يا أَيُّها النَّاسُ إِنَّ الله تَعَالى فَرَضَ عَلَيْكُم الحَجَّ"، فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: أَفِي كُلِّ عَامٍ يَا رَسُولَ الله؟ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، فَجَعَلَ يُعرِضُ عَنْهُ، ثُمَّ قَالَ: "لَوْ قُلْتُ: نَعَم، لَوَجَبَتْ، وَلَوْ وَجَبَتْ مَا قُفتُم بِهَا، ثُمَّ قَالَ: دَعُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ، فَإِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكم سُؤَالُهُمْ وَاخْتِلاَفُهُمْ عَلَى أَنبِيَائِهِم، فَإِذَا أَمَرْتُكُم بِأمرٍ فَأْتُوُهُ مَا اسْتَطَعتُم، وَإِذَا نَهيْتُكُم عَنْ شَيْءٍ فَاجْتَنِبُوه". (٣)
٧ - الترغيب في معاملة الناس بيسر:
ولم تحتف الشريعة بتيسير أحكامها، بل أمرت المكلفين ورغَّبَتهم في تحرّي التيسير في معاملاتهم كلها، ومن ذلك:
التيسير على المعسرين وإنظارهم إلى زمن اليسر:
ومما جاء في ذلك:
- ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٨٠].
_________________
(١) رواه الدارقطني: سنن الدارقطني، كتاب الرضاع، ج ٤، ص ١٨٣ - ١٨٤.
(٢) رواه الدارقطني: سنن الدارقطني، كتاب الحج، ج ٢، ص ٢٨٠ - ٢٨١.
(٣) رواه الدارقطني: سنن الدارقطني، كتاب الحج، ج ٢، ص ٢٨١.
[ ٣١٨ ]
- عَنْ أبي هُرَيْرة قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: "مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُربَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا نَفَسَ الله عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَب يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ يَسَّرَ الله عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ" (١)
- عَنْ رِبْعيِّ بْنِ حِرَاشٍ قَالَ جَلَسْتُ إِلَى حُذَيْفَةَ بْنِ اليمَانِ وَإِلَى أَبِي مَسْعُود الأَنْصَارِيِّ قَالَ أَحَدُهُمَا للآخَرِ: حَدّثْ مَا سَمِعتَ مِنْ رَسُولِ الله - ﷺ - قَالَ: لَا بَلْ حَدِّثْ أَنْتَ فَحَدَّثَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ وَصَدَّقَهُ الآخَرُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله - ﷺ - يَقُولُ: "يُؤْتى بِرَجُل يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَقُولُ الله: انْظُرُوا فِي عَمَلِهِ فَيَقُولُ: رَبِّ مَا كُنْتُ أَعْمَلُ خَيْرًا غَيْرَ أَنَّه كَانَ لِي مَالٌ وَكُنْتُ أُخَالِطُ النَّاسَ فَمَنْ كَانَ مُوسِرًا يَسَّرْتُ عَلَيْهِ وَمَنْ كَانَ مُعسِرًا
أَنْظَرتُهُ إِلَى مَيْسَرَة قَالَ الله -﷿-: أَنَا أَحَقُّ مَنْ يَسَّرَ فَغَفَرَ لَهُ ". (٢)