تخصيص الخطاب الشرعي بعادات المخاطَبين وأعرافهم
يُعدّ العرف عنصرًا من أبرز عناصر مقام الخطاب لِمَا له من سلطان على اصطلاحات الناس وتصرفاتهم، ونستطيع من خلال التعامل مع مباحثه أن ندرك بوضوح مدى اهتمام علمائنا بمراعاة مقام الخطاب الشرعي في التعرف على مقصود الشارع منه، وستتم دراسة ذلك في مسألتين:
أولًا: جريان العادة بالعمل على خلاف عموم النص الشرعي:
ويكون ذلك في حالتين:
الحالة الأولى: أن تكون العادة جارية بفعل معين، ثم يرد نهي شرعي عنه بلفظ متناول له ولغيره، فهل يكون النهي مقصورًا على ذلك الفعل المتعارف عليه؟ أم يعمّه هو وغيره مما يشمله اللفظ؟ ومثال ذلك لو قال الشارع: حرمت عليكم الطَّعام، وكان عادتهم تناولهم جنسًا من الطَّعام فهل يقتصر بالنهي على ذلك الجنس من الطَّعام، أم يعمّ كلّ أجناس الطَّعام المعتاد لديهم وغير المعتاد؟
_________________
(١) الزركشي: البحر المحيط، ج ٣، ص ٣٨٠ - ٣٨١.
(٢) انظر مثلًا في حكم التخصيص بهذه المخصصات الغزالي: المستصفى، ج ٢، ص ٦٥ - ٧٠؛ الرازي: المحصول، ج ٣، ص ٢٧ - ٦٩؛ أبو الحسين البصري، محمد بن علي: المعتمد في أصول الفقه، قدم له وضبطه الشيخ خليل الميت، (بيروت: دار الكتب العلمية، ط ١، ١٤٠٣ هـ / ١٩٨٣ م)، ج ١، ص ٢٣٩ - ٢٥٢.
[ ١٣٦ ]
ذهب الجمهور إلى أن عادة المخاطبين (العرف العملي) لا تخصص المقصود من الخطاب الشرعي، واستدلوا على ذلك بأن الحجَّةَ في لفظ الشارع وهو عائمٌّ، وأن ألفاظ الشارع غير مبنيّة على عادة الناس في معاملاتهم، والعادة ليست بحجة حتى تكون معارضة للنص الشرعي، بل إن الشرع إنما جاء مغيِّرًا للعادات.
ولكن عادة الناس تؤثر في تعريف مرادهم من ألفاظهم فيمكن أن تكون العادة العملية (العرف العملي) مخصصة لخطابهم فيما بينهم. (١)
الحالة الثانية: أن يكون الشارع قد أوجب شيئًا أو نهي عنه أو أخبر به بلفظ عامّ، ثم رأينا العادة جاريّة بالعمل ببعض ما يشمله ذلك العام دون الباقي، فهل يُعدّ ذلك تخصيصًا للعامّ؟ بحيث يكون المقصود من العام ما عدا ذلك البعض الذي جرت العادة بتركه أو بفعله، أم أن ذلك غير معتبر ويبقى العامّ على عمومه؟
وفي المسألة تفصيل على النحو الآتي:
١ - إذا عُلِم أن العادة إنما جرت بهذا بعد زمن النبي - ﷺ - فإنها لا تُعدّ تخصيصًا لعموم ذلك النص؛ لأن الشرع إنما جاء لنقل الناس عن عاداتهم- إلَّا أن يقع على ذلك إجماع فيصير من باب تخصيص النص بالإجماع- (٢) ولأن العادة التي تمثل عنصرًا من الواقع الإجتماعي الذي جاء الشرع لإصلاحه، والتي يكون لها تأثير في موقف الشرع ويمكن أن يُستعان بها في فهم الخطاب باعتبارها جزءًا منه إنما هي التي كانت موجودة زمن التشريع، وما طرأ بعد انقطاع الوحي لا يُعدّ من ذلك. وكذلك إذا كانت العادة جارية في زمن الرسول - ﷺ - وعَلِم بها فأبطلها، أو ثبت قطعًا أنه لم يعلم بها، وكانت مخالفة لعموم النص فإنها لا يُعْتَدُّ بها في التخصيص.
٣ - إذا عُلِم جريان العادة في زمن النبي - ﷺ - مع علمه بها وعدم نهيه عنها فإنها
_________________
(١) انظر الغزالي: المستصفى، ج ٢، ص ٥٢؛ القرافي، أحمد بن أدريس: شرح تنقيح الفصول في اختصار المحصول من الأصول، تحقيق طه عبد الرؤوف سعد، (القاهرة: مكتبة الكليات الأزهرية، ط ٢، ١٤١٤ هـ / ١٩٩٣ م)، ص ٢١٢ - ٢١٣؛ والزركشي: البحر المحيط، ج ٣، ص ٣٩١ - ٣٩٢.
(٢) انظر الزَّركشي: البحر المحيط، ج ٣، ص ٣٩١، ٣٩٤ - ٣٩٦.
[ ١٣٧ ]
يمكن أن تكون مخصِّصًا (١)، سواء اعتُبِر ذلك من باب التخصيص بعادة المخاطَبين، أو اعتُبِر المخصص هو إقرار النبي - ﷺ -، إذْ إقراره - ﷺ - دليل على أن عادة المخاطَبين لها اعتبار في تفسير نصوص الشارع.
ومن أمثلة ذلك ما ذهب إليه الإمام الشافعي من أن المقصود بالطيبات والخبائث في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف: ١٥٧] هو ما تعارفت العرب على كونه طيبًا أو خبيثًا، ومن ثَمّ يحرم كلّ ما كانت تعتبره العرب خبيثًا، ويحلّ كلّ ما كانت تعتبره طيبًا إلّا ما استثناه نص من القرآن الكريم أو السنّة النبوية.
قال الشافعي في تفسير هذه الآية: "فيقال: يحل لهم الطيبات عندهم، ويحرم عليهم الخبائث عندهم". (٢)
وقال في موضع آخر: "وإنما تكون الطيبات والخبائث عند الآكلين كانوا لها (٣)، وهم العرب الذين سألوا عن هذا، ونزلت فيهم الأحكام. وكانوا يكرهون من خبيث المآكل ما لا يكرهها غيرهم". (٤)
وقال: "فكلّ ما سئلت عنه، مما ليس فيه نص تحريم ولا تحليل من ذوات الأرواح، فانظر هل كانت العرب تأكله؟ فإن كانت تأكله ولم يكن فيه نص تحريم، فَأَحِلَّه، فإنه داخل في جملة الحلال والطيبات عندهم، لأنهم كانوا يحلون ما يستطيبون. وما لم تكن تأكله، تحريمًا له باستقداره فحرِّمه لأنه داخل في معنى الخبائث، خارج من معنى ما أحل لهم مما كانوا يأكلون، وداخل في معنى الخبائث التي
_________________
(١) انظر الزركشي: البحر المحيط، ج ٣، ص ٣٩١؛ الرازي: المحصول، ج ٣، ص ١٣٢.
(٢) الشافعي: الأم، ج ٢، ص ٣٨٤.
(٣) هكذا وردت عبارة الشافعي.
(٤) الشافعي: الأم، ج ٢، ص ٣٨٩.
[ ١٣٨ ]
حرموا على أنفسهم، فأثبت عليهم تحريمها". (١)
ثانيًا: العرف اللغوي:
وهو أن يتعارف أهل اللسان على حمل لفظ عام على بعض أنواعه، ثم يرد اللفظ في نص شرعي بصيغة العموم، فهل يُعدّ ذلك العرف تخصيصًا حتى لا مجري الأمر أو النهي إلّا في الدلالة العرفية؟ أم أن العبرة بعموم اللفظ فيعمّ كلّ ما يطلق عليه اللفظ بأصل الوضع اللغوي إلّا أن يرد دليل آخر بتخصيصه؟ وذلك مثل لفظ الدابة يدلّ بأصل الوضع اللغوي على كلّ ما يدبّ على الأرض، ويحمل عادة على ذوات الأربع فقط، أو على نوع بعينه من الدواب. (٢)
اختلف الأصوليون في ذلك، فذهب أبو بكر الصَّيْرفيُّ إلى أن العبرة "بعموم اللسان، ولا اعتبار بعموم ذلك الإسم على ما اعتادوه، لأن الخطاب إنما يقع بلسان العرب على حقيقة لغتها فالحكم للإسم حتى يأتي دليل على التخصيص". (٣)
وذهب الجمهور إلى أنه يخصصه، (٤) لكون دلالة العرف مقدَّمة على دلالة اللغة؛ لأن العوائد اللفظية ناقلة للغة ومعارضة لها، فهي ناسخة للغة، والناسخ مُقدَّم على المنسوخ. (٥) ويرى أبو الحسين البصري أن هذا التخصيص ليس من باب التخصيص بمعناه الشرعي، وإنما هو تخصيص بالنسبة لِلُّغَة. (٦)
ويشترط في العرف اللغوي المخصِّص أنما يكون مستمرًّا وصل حَدَّ النقل بين أهل اللغة. يقول الإمام الشاطبي: "لا بُدّ في فهم الشريعة من أتباع معهود الأميين -
_________________
(١) الشافعي: الأم، ج ٢، ص ٣٩٠.
(٢) انظر الغزالي: المستصفى، ج ٢، ص ٥٢.
(٣) الزَّركشي: البحر المحيط، ج ٣، ص ٣٩٣. وهو مذهب الجويني -كما يفهم من كلامه- حيث يقول: "فمجرد العرف لا يقضي تخصيصًا؛ فإن القضايا متلقاة من الألفاظ، وتواضُعُ الناس عبارات لا يغيّر وضع اللغات ومقتضى العبارات. فإن قالوا: الناس مخاطبون على أفهامهم. قلنا: فليفهموا من اللفظ مقتضاه، لا ما تواضعوا عليه". البرهان، ج ١، ص ٢٩٧.
(٤) انظر الغزالي: المستصفى، ج ٢، ص ٥٢؛ والزركشي: البحر المحيط، ج ٣، ص ٣٩٤ - ٣٩٦.
(٥) انظر القرافي: شرح تنقيح الفصول، ص ٢١٢.
(٦) انظر أبو الحسين البصري: المعتمد في أصول الفقه، ج ١، ص ٢٧٩.
[ ١٣٩ ]
وهم العرب الذين نزل القرآن بلسانهم - فإن كان للعرب في لسانهم عرف مستمرّ فلا يصحّ العدول عنه في فهم الشريعة، وإن لم يكن ثَمّ عرف فلا يصح أن يجرى في فهمها على ما لا تعرفه". (١)
وينبغي التنبيه هنا على أن العرف اللغوي الذي يمكن أن يكون مخصِّصًا هو العرف السابق أو المقارن لزمن التشريع، أما العرف الطارئ بعد ذلك فلا تأثير له في تخصيص أو تغيير دلالة نصوص الشارع. (٢)