أهمية القرائن في تحديد المقصود من صيغ العموم
تدلّ صيغ العموم على مدلولاتها من طريقين: أحدهما أصل وضعها على الإطلاق؛ أي المدلول الذي وضعت له أصالة في وضع اللسان، فمثلًا لفظ "الناس" في أصل وضعه يعمّ كلّ من يتّصف بصفة الإنسية، ولفظ "الدابة" يدلّ بأصل وضعه على كل ما يدبّ على الأرض. والثاني باعتبار الإستعمال؛ أي باعتبار ما قَصَدَ إليه المتكلم من معنى، أو بما شاع في عُرف أهل اللغة من استعمال اللفظ فيه، وإن كان مخالفًا لأصل الوضع اللغوي.
فإذا ورد لفظ عامّ في الخطاب تردّد بين كونه مقصودًا به أصلُ الوضع اللغوي، وكونه يَحْمِل دلالة خاصّة قَصَدها المتكلّم أو جرى بها العرف اللغوي، ويكون الحكم ق توجيه اللفظ إلى المقصود منه لمقتضى الحال؛ أي ما يحفّ بالخطاب من قرائن. وفي ذلك يقول الإمام الشاطبي: "وبيان ذلك هنا أنّ العرب تطلق ألفاظ العموم بحسب ما قصدت تعميمه، مما يدلّ عليه معنى الكلام خاصة، دون ما تدلّ عليه تلك الألفاظ بحسب الوضع الإفرادي؛ كما أنها أيضًا تطلقها وتقصد بها تعميم ما تدل عليه في أصل الوضع. وكلّ ذلك مما يدل عليه مقتضى الحال، فإن المتكلّم قد يأتي بلفظ عموم مما يشمل بحسب الوضع نفسه وغيره، وهو لا يريد نفسه ولا يريد أنه داخل في مقتضى العموم، وكذلك قد يقصد بالعموم صنفًا مما يصلح اللفظ له في أصل الوضع، دون غيره من الأصناف، كما أنه قد يقصد ذكر البعض في لفظ العموم ومراده من ذكر البعض الجميع فالحاصل أن العموم إنما يُعتبر بالاستعمال، ووجوه الإستعمال كثيرة، ولكن ضابطها مقتضيات الأحوال التي هي ملاك البيان". (١)
وانطلاقًا من الإعتبار الإستعمالي لصيغ العموم ذهب الشاطبي إلى أن ما اعتبره جمهور الأصوليين من تخصيص العام بالمخصصات المنفصلة مثل العقل والحس
_________________
(١) انظر الشاطبي: الموافقات،، مج ٢، ج ٣، ص ٢٠٠ - ٢٠٢.
[ ١٣٣ ]
وغيرهما لا يُعدّ في الحقيقة تخصيصًا لأن ذلك العام هو من العام الذي أريد به الخصوص؛ أي أن الشارع قاصد به معنى خاصًّا لا معناه في أصل الوضع اللغوي، وذكر أن القاعدة في اللغة أنه إذا تعارض الوضعان الإستعمالي والقياسي كان الرجحان للوضع الإستعمالي. (١)
والعرب قد تخاطب بالعام وتريد به الخاص، ومن أمثلة ذلك لفظ "الناس" فهو في أصل الوضع اللغوي عامّ يستغرق جميع ما يصلح له، فيكون شاملًا لجميع البشر ولكن العرب تطلق لفظ الناس وتعنى به بعض الناس، والذي يحدد المقصود منه هو السياق والقرائن الأخرى. (٢)
ومن أمثلة ذلك قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (١٧٣)﴾ [آل عمران: ١٧٣]. فكلمة "الناس" في قوله: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ﴾ ليست على عمومها، بل المقصود بها واحد فقط، هو نعيم ابن مسعود، وقيل غير ذلك، وكلمة "الناس" في قوله: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ ليست على عمومها، وإنما المقصود بها أبو سفيان ومن خرج معه من الكفار لقتال المسلمين في غزوة أحد فقط. (٣)
ومن ذلك أيضًا قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٩٩)﴾ [البقرة: ١٩٩] فقد قيل إن المراد بالنَّاس هنا إبراهيم - ﵇ -. (٤)
وقد اختلف الأصوليون في العام الذي سيق لغرض هل يعمّ كلّ ما يصلح له؟ أم أنه يخص ما سيق له فقط، ولا يدخل فيه غيره إلّا بدليل آخر؟ ومثال ذلك قوله - ﷺ -:
_________________
(١) انظر المصدر السابق، مج ٢، ج ٣، ص ٢٠٠. وانظر لمزيد التفصيل في رأي الشاطبي لا تخصيص العام ومقارنته بمذهب الجمهور ما كُتِبَ في هذا المبحث عند الحديث عن حل الشاطبي لمشكلة الاستقراء الناقص من فصل الاستقراء عند الإمام الشاطبي.
(٢) انظر الشافعي: الرسالة، ص ٦١.
(٣) انظر القرطبي: الجامع لأحكام القرآن، ج ٤، ص ٢٧٩ - ٢٨٠.
(٤) انظر المصدر السابق، ج ٢، ص ٤٢٧.
[ ١٣٤ ]
"فِيمَا سَقَتِ السَّمَاُء وَالْعُيُونُ العُشر، وَفِيمَا سُقِيَ بِالنَّضْحِ نِصْف العُشر" (١) فإنه سيق لبيان المقدار الواجب في إخراج الزكاة لا لبيان الواجب فيه، (٢) فهل يستدل به على ما سيق له فقط فلا يكون حجة في إيجاب الزكاة في كلّ ما سقت السماء؟ أم أنه يكون عامًّا في كلّ ما يصلح له فيستدل به على وجوب الزكاة في الخَضْراوات، كما ذهب إليه الحنفية؟ (٣)
ومن أمثلة ذلك الإستدلال على تحديد وقت صلاة الظهر، فقد استدل الحنفية بقول أهل الكتاب: "نَحْنُ أكثَرُ عَمَلًا وَأَقَلُّ عَطَاءٌ" في حديث البخاري عَنْ عبد الله ابْنِ عُمَرَ ابْنِ الخَطَّابِ ﵄ أنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - قَالَ: "إِنَّمَا مَثَلُكُمْ وَالْيَهُودُ وَالنَّصَارَى كَرَجُلٍ اسْتَعْمَلَ عُمَّالًا فَقَالَ: مَنْ يَعْمَلُ لِي إِلَى نِصْفِ النَّهَارِ عَلَى قِيرَاطٍ قِيرَاطٍ فَعَمِلَتِ الْيَهُودُ عَلَى قِيرَاطٍ قِيرَاطٍ ثُمَّ عَمِلَتِ النَّصَارَى عَلَى قِيرَاطٍ قِيرَاطٍ ثُمَّ أَنْتُمُ الَّذِينَ تَعْمَلُونَ مِنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ إِلَى مَغَارِبِ الشَّمْسِ عَلَى قِيرَاطَيْنِ قِيرَاطَيْنِ فَغَضِبَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى وَقَالُوا: نَحْنُ أكثَرُ عَمَلًا وَأَقَل عَطَاءٍ قَالَ: هَلْ ظَلَمْتُكُمْ مِنْ حَقِّكُمْ شَيْئًا قَالُوا: لَا. فَقَالَ: فَذَلِكَ فَضْلِي أُوتِيهِ مَنْ أَشَاءُ" (٤) على كون وقت الظهر أطول من وقت العصر. واعترض عليهم الجمهور بأن سياق الحديث لم يكن لبيان أوقات الصلوات، وإنما لبيان فضل هذه الأمة على سائر الأمم سيضعف ما تقتضيه إشارة النص من كون وقت الظهر أطول من وقت العصر، خاصة وأنه قد وردت أحاديث أخرى في سياق بيان أوقات الصلوات تدلّ على خلاف ذلك، فيكون الأخذ بها أولى لأنها سيقت لخصوص ذلك، فهي أقوى. (٥)
_________________
(١) سنن الترمذي، كتاب الزكاة، باب (١٤)، ج ٢، ص ٧٥، الحديث (٦٣٩).
(٢) أما بيان المقدار الذي تجب فيه الزكاة من الزروع، فما روى أبو سعيد الخدري أن النبي - ﷺ - قال: "ليس فيما دون خمس ذود (إبل) صدقة، وليس فيما دون خمس أواق صدقة، وليس فيما دون خمسة أوسق صدقة". سنن الترمذي، كتاب الزكاة، باب (٧)، ج ٢، ص ٦٩، الحديث (٦٢٦).
(٣) انظر الزركشي: البحر المحيط، ج ٣، ص ١٩٧، والجويني: البرهان، ج ١، ص ٣٥٤.
(٤) صحيح البخاري، كتاب الإجارة، باب (٩)، مج ٢، ج ٣، ص ٧٠، الحديث (٢٢٦٨).
(٥) انظر ابن رشد، أبو الوليد محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد: بداية المجتهد ونهاية المقتصد، (لاهور/ باكستان: فاران اكيدمي، د. ط، د. ت)، ج ١، ص ٦٧.
[ ١٣٥ ]
ومنها قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣٤)﴾ [التوبة: ٣٤]، فإنه لَمّا سِيقَ للوعيد على ترك الزكاة، لم يصح الإحتجاج به على وجوب الزكاة في قليل الذَّهب والفضة وكثيرهما.
ومن هنا يتبيَّن أن العموم يمكان أن يُخصص بالقرائن والسياق؛ لأنه بالسياق يقع تبيين المجملات، وتعيين المحتملات (١). ومن باب تخصيص العام بالسياق اللغوي تخصيصه بالإستثناء، والشرط، والغاية، والصفة" (٢)