تعليل العبادات
قد يقول قائل: ما دام هذا هو موقف الفقهاء والأصوليين من تعليل الأحكام، أَلا يكون هذا معارضًا لما تقرر عندهم من أن الأصل في العبادات عدم التعليل، والأصل في المعاملات التعليل. فكيف يكون الأصل في العبادات عدم التعليل مع القول بأن أحدًا الله تعالى كلها -بما فيها العبادات- إنما شرعت لحِكَم ومقاصد، ظهر منها ما ظهر، وخفي منها ما خفي، ومع ملاحظة ما ورد في القرآن الكريم والسنة
_________________
(١) الآمدي: الإحكام في أصول الأحكام، ج ٣، ص ٣١٦.
(٢) القرطبي: الجامع لأحكام القرآن، ج ٢، ص ٦٣ - ٦٤.
(٣) أنكر ابن السبكي هذا الإجماع بقوله: "وقد ادعى بعضهم الإجماع على أن الأحكام مشروعة لمصالح العباد وهذه الدعوى باطلة، لأن المتكلمين لم يقولوا بتعليل الأحكام، لا بطريق الوجوب ولا الجواز". (انظر الإبهاج في شرح المنهاج، ج ٣، ص ٦٢. ويقصد بالمتكلمين هنا الأشاعرة. وقد ذهب البعض إلى أن هذا الإجماع خاص بالفقهاء، ولا دخل للمتكلمين فيه، وذلك قول الآمدي: "أئمة الفقه مجمعة أن أحكام الله تعالى لا تخلو من حكمة ومقصود". الأحكام في أصول الأحكام، ج ٣، ص ٣١٦.
[ ١٤٧ ]
النبوية من تصريح بتعليل كثير من العبادات؟ (١)
وحل هذا الإشكال يكون في النقاط الآتية:
أولًا: التَّفريق بين مستويات التعليل:
بداية لابُدّ من التفريق بين ثلاثة أنواع من التعليل:
النوع الأول: التعليل الفلسفي الذي اشتهر بين الفلاسفة والمتكلمين بالعلة الغائية، وهو -كما سبقت الإشارة إليه في كلام ابن عاشور- مرفوض في أساسه من قِبَل كل علماء المسلمين. وحتى المعتزلة الذين شَطُّوا في عباراتهم بإيجاب فعل الأصلح على الله تعالى، والقول بوجوب التعليل، لم يقصدوا التعليل الفلسفي الذي يسلب الإرادة عن الذات الإلهية.
وينبغي التنبيه هنا على أن الذي دفع منكري التعليل -الأشاعرة على الخصوص- إلى موقفهم ذلك هو خوف الوقوع في هذا المحذور؛ لأنهم رأوا أن القول بالتعليل مدخل إلى الوقوع في القول بالعلة الغائية والقولِ بالتحسين والتقبيح الذاتيين.
النوع الثاني: التعليل بمعناه العام، وهو أن لكل حُكم من الأحكام الشرعية حِكْمة أو مقصد قصد الشارع إلى تحقيقه للناس من وراء ذلك الحُكم، وهذا النوع من التعليل يُعدّ فرعَ اتصاف الله تعالى بالحِكْمة واللطف والتنزّه عن العبث. وهذا هو النوع الذي يُحْمَل عليه قول القرطبي: إنه لا ينبغي أن يختلف فيه العقلاء، وهو الذي ادُّعيَ فيه الإجماع. ومعنى العلة هنا لا يقتصر على معناها الإصطلاحي عند الأصوليين، بل يُرَاد به المعنى العام الذي يشمل الحِكْمة والثمرة من تشريع الحُكم الشرعي وتطبيقه.
_________________
(١) انظر ما كتبه أحمد الريسوني حول كون القرآن الكريم والسنة النبوية قد وردا بتعليل كثير من العبادات، وأن الذين قالوا بأن الأصل في العبادات عدم التعليل قد عللوا هم أنفسهم كثيرًا منها، وأن في هذا ما فيه من تشكيك في هذه القاعدة. انظر الريسوني، أحمد: نظرية المقاصد عند الإمام الشاطبي، (الرياض: الدار العالمية للكتاب الإِسلامي، ط ٢، ١٤١٢ هـ/ ١٩٩٢ م)، ص ٢٠٧ - ٢٥٤.
[ ١٤٨ ]
النوع الثالث: التعليل بمعناه الخاص، وهو التعليل القياسي عند الأصوليين؛ أي وجود علة صالحة لأن تُتخذ أساسًا للقياس، مع إمكان التعرف عليها بمسلك من مسالك العلة المذكورة عندهم. وهذا النوع من التعليل محلّ اتفاق بين القائلين بالقياس، وهو الذي يقع فيه التَّفريق بين العبادات والمعاملات، وسيأتي بيانه فيما بعد.
ثانيًا: خفاء علل كثير من العبادات:
فالأحكام الشرعية غير العبادات معللة ومعقولة المعنى إلّا ما ندر، أما العبادات، فمع الإقرار بكونها إنما شُرعت لحِكَم ومقاصد أرادها الشارع الحكيم، إلّا أنّ كثيرًا منها مما يخفى على العقول معناه. (١) فربما من هذا الباب نسبت إلى عدم التعليل. ولكن ينبغي التنبيه هنا على أن عدم معرفة الشيء والإطلاع عليه لا يعني عدمه، فعدم إدراكنا لحِكَم وعلل بعض الأحكام لا يعني كونها غير معللة، بل ذلك إما لقصور عقولنا، أو لحِكْمة أرادها الله تعالى من حجب ذلك العلم عنا.
ثالثًا: مقصود الأصوليين والفقهاء من قاعدة التعليل في العبادات والمعاملات:
لعل التعبير بأن الأصل في العبادات عدم التعليل، والأصل في المعاملات التعليل، تعبير غير دقيق، (٢) وأن الأدق والأضبط هو ما ذهب إليه الشاطبي من أن "الأصل في العبادات بالنسمبة إلى المكلف التعبد، دون الإلتفات إلى المعاني. والأصل في العادات الالتفات إلى المعاني". (٣)
وقد تضمنت قاعدة الشاطبي هذه ثلاثة عناصر كفيلة بتجلية الغموض الذي يكتنف مسألة التعليل في العبادات ويرفع النزاع حولها.
_________________
(١) انظر الشاطبي: الموافقات، مج ١، ج ١، ١٤٧.
(٢) هذا إذا أخذنا التعليل بمعناه العام، لأن عددًا كبيرًا من العبادات قد ورد معللًا. انظر في ذلك ما كتبه أحمد الريسوني في كتابه: نظرية المقاصد عند الإمام الشاطبي، ص ٢٠٧ - ٢٣٨.أما إذا أخذنا التعليل هنا بمعناه الخاص؛ أي التعليل القياسي، فإن القاعدة يمكن أن تبقى سليمة كما سيأتي بيانه.
(٣) الشاطبي: الموافقات، مج ١، ج ٢، ص ٢٢٨.
[ ١٤٩ ]
أولها: تقييد هذه القاعدة بكلمة "الأصل" أي القاعدة العامة، ومعنى ذلك أنه قدى توجد استثناءات سواء في مجال العبادات، أو في مجال العادات، وأنه لا يصح أن يُتَّخَذ ذلك الإستثناء سببًا لنقض القاعدة العامة.
وثانيها: نسبة الأمر إلى المكلف لا إلى الشارع؛ أي أن كون بعض العبادات غير ظاهرة العلل إنما هو بالنسبة للمكلَّف، أما الشارع فإنه لم يشرع حُكْمًا إلَّا لحِكْمة ومقصد سام، ظهر منها ما ظهر للمكلفين، وخفي منها ما خفي.
وثالثها: توجيه القاعدة إلى الإلتفات عند العمل، لا إلى أصل الوضع؛ أي أن الأحكام- عبادات كانت أو معاملات- بالنسبة لله تعالى؛ أي في أصل وضعها، معللة، ولم تُشْرع إلَّا لحِكَم ومقاصد من غير تفريق. أما بالنسبة للمكلفين فهم مطالبون بالتفريق بين العبادات والعادات من حيث ما يُبْنَى عليه العمل. فهم مطالبون في العبادات بالإلتفات إلى جانب التعبد؛ أي تحقيق العبودية لله تعالى بالالتزام بتلك العبادات، بغض النظر عن عللها، عُرفت أم لم تُعرف، عُلِم تحقُّقُها من القيام بتلك العبادات أم لم يُعْلَم. فالعبادات قائمة على أساسين: الأول أنها توقيفية، بمعنى أنه لا يُقْدَمُ عليها إلّا بإذن، فلا يمكن الزيادة عليها بحجة أن ما يزاد يحقق نفس العلة التي شُرِعت من أجلها عبادة من العبادات، كما لا يجوز الإنقاص منها أو تركها بحجة أنها لم تتوفر علتها أو أنها لم تحقق الحكمة منها. فليس لقائل -مثلًا- أن يقول إن فلانًا لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر ومن ثَمّ لا
يجب عليه الإلتزام بها. والثاني أنها قائمة على الابتلاء، والابتلاء يقتضي تنفيذ كلّ ما جاء من الشارع الحكيم دون تردُّد ولا اعتراض.
هذا في العبادات، أما في العادات فإن الإلتفات يكون إلى المعاني، وذلك بالبحث عن العلل وإجراء الأحكام على وفقها. لأن العادات هي مَبْنَى أمور الحياة الدنيا، وأمور الحياة تقوم على التدبير القائم على فهم وإدراك المقاصد والعلل، ويمكن الزيادة في المعاملات ما أمكن، ما لم تخالف ما جاء به الشرع، لأن الأصل في العادات الإذن حتى يدلّ الدليل على خلافه. (١)
_________________
(١) الشاطبي: الموافقات، مج ١، ج ١، ص ٢١١.
[ ١٥٠ ]
ثم إن التعليل المنفي في العبادات ليس هو مطلق التعليل، أي التعليل بمعناه العام، فهذا متفق عليه بين الفقهاء، وإنما المنفي هو التعليل القياسي. فالقول بعدم تعليل العبادات موجَّه أساسًا إلى إنكار خضوعها للقياس؛ فالذي ينكر -مثلًا- جواز إخراج قيمة الشاة في الزكاة بناءً على كون العبادات غير معللة، ليس معناه أنه ينكر كون الزكاة شرعت لتحقيق حِكَم ومقاصد. فهو لا ينكر مطلق التعليل، وإنما يرى أن المقدار والصنف الذي يخرج على وجه الزكاة عبادة توقيفية لا يجوز تخطيها، وأن الشارع ما خصها بالتشريع إلّا لكونها محققة للحِكْمة التي قصدها من الزكاة.
وقد أشار الشاطبي إلى هذا عند تفسيره لمعنى التعبد عند الفقهاء حيث قال: "ومعنى التعبد عندهم أنه ما لا يعقل معناه على الخصوص" (١)، أي أن التعبد نفي العلل الخاصة التي تصلح أن تكون أساسًا للقياس، لا نفي التعليل بمعناه العام الذي لا يخلو منه حُكْم شرعي. (٢)
وينبغي الإشارة إلى أنه حتى مع القول بالتعليل في العبادات استنادًا إلى ما نص عليه القرآن الكريم والسنة النبوية من حِكَم ومقاصد لتلك العبادات فإن القول بالتعليل فيها يلاحظ عليه أمران:
الأول: أنه باستثناء ما نص عليه الشارع من علل وحِكَم لِمَا شرع من عبادات، فإن ما اجتهد فيه الباحثون عن أسرار التشريع يبقى أمرًا مظنونًا ومجرد تخمين، وقد أدت المبالغة في ذلك بالبعض إلى المجيء بالغرائب، ومن هذا المنطلق جاءت كراهية البعض للمبالغة في المبحث عن تلك الأسرار.
الثاني: أنه مع التسليم بالقول بتعليل كثير من العبادات، فإن هذا التعليل لا يُغْني في عملية الإجتهاد الفقهي في استنباط الأحكام الشرعية؛ فمع التسليم -مثلًا- بتعليل فرض الصلاة عمومًا وأجزائها من ركوع وسجود خصوصًا بما ذكره العلماء
_________________
(١) الشاطبي: الموافقات، مج ١، ج ٢، ص ٢٤١.
(٢) وقد أشار إلى هذا المعنى الشيخ عبد الله دراز في تعليقه على كلام الشاطبي المذكور. انظر المصدر السابق، مج ١، ج ٢، ص ٢٤٠، هامش رقم (٣).
[ ١٥١ ]
من حِكَم وأسرار، فإن ذلك يبقى لمجرد تعرف على ما ينتج عن الصلاة من فوائد، وما تحققه من مقاصد، ولا يمكن اعتبار تلك الحِكَم والأسرار "العلل القياسية" التي من أجلها شرعت الصلاة. فمع معرفة تلك الحِكَم والأسرار -التي هي في حقيقتها ثمرات الإلتزام بتلك العبادات- يبقى السؤال: ما علة تخصيص هذا النوع من العبادات بالذات وبهذه الكيفيات المحددة لتحقيق هذه الأسرار والحِكَم؟ ولماذا لم يُشرع غيرها وبكيفيات غير الكيفيات المعروفة؟ وهذه هي العلة القياسية التي إذا استطعنا أن نعرفها، نستطيع بعد ذلك أن نقيس عليها غيرها من العبادات. وعدم معرفة مثل هذه العلة هو المراد بكون مثل هذا الحِكَم تعبديّا توقيفيّا، يوقف فيه عند ما جاء من عند الشارع من غير استبدال، ولا زيادة، ولا نقصان. وكذلك الأمر في الحدود والكفارات، فعلتها العامة (الحِكْمة من شرعها) الزجر، ولكن العلة الخاصة في تقدير حدّ الزنا للبكر -مثلًا- بمائة جلدة، وحدّ القذف بثمانين، والصيام في بعض الكفارات بثلاثة أيام، وفي بعضها بشهرين متتابعين، وغير ذلك من الحدود والكفارات غير معلومة. وعلى ذلك يمكن القول إن هذه العبادات والحدود والكفارات معللة من قِبَل الوجه الأول، لكنها غير معللة من قِبَل الوجه الثاني ومن هنا جاء القول بعدم جريان القياس فيها.
والخلاصة أن العبادات محددة النوع والكيفية، وذلك التحديد غير معلل بالنسبة لنا. أما كونها إنما شُرِعت لحِكَم ومقاصد فهو أمر غير مشكوك فيه؛ لأن ذلك فرع كمال الذات الإلهية وتنزهها عن العبث. أما المعاملات فإن الشارع اكتفى فيها بوضع ضوابط ومبادئ تحدد دائرة الحرام التي لا ينبغي دخولها، وما وراء ذلك فهو مباح وبابه مفتوح، وللناس أن يخترعوا من أنواع وكيفيات المعاملات ما يخدم المقاصد والعلل المشروعة.
[ ١٥٢ ]