تبيّن عند الحديث عن طرق إفادة الكلام أن من الكلام ما يستقل بإفادة المعنى، وهو ما اصطلح عليه الأصوليون بالنص -بالدرجة الأولى- ويُلحَق به الظاهر ولذلك نص الأصوليون على أن النص والظاهر يوجبان العمل بمقتضاهما، ولا يشك فيما يُفهم من ظاهرهما إلّا من أراد أن يدخل الشك على نفسه، أو أراد أن يخرج باللغة من التعامل المعتاد إلى السفسطة.
فمثلا قول الله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، وقوله ﴿هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] يفيدان كون الشارع قاصدًا التيسير ورفع الحرج عن المكلّفين، ولكن المقصود باليسر المطلوب والحرج المرفوع في الشرع والمجالات التي يدخلها التيسير تحتاج في معرفة تفاصيلها وضوابطها إلى استقراء ما ورد في الموضوع من نصوص وأحكام أخرى لتحديد ذلك.
وقول الرسول - ﷺ -: "لَا ضَرَرَ وَلاَ ضِرَارَ" (١) ظاهر في كون الشارع قاصدًا إلى منع الإضرار بالنفس وبالغير، وإيجاد توازن بين المصالح المتعارضة وما قد ينتج عنها من أضرار بدفع الضرر الأكبر في مقابل تحمّل الضرر الأصغر.
وقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤] ظاهر في قصد الشارع إلى إثبات المسؤولية الفردية في الدنيا والآخرة، فلا يتحمل الإنسان وِزْرَ غيره الذي لم يشارك في فعله ولا تسبب فيه.
وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨)﴾
_________________
(١) أخرجه ابن ماجة، أبو عبد الله محمد بن يزيد: سنن ابن ماجة، حققه ووضع فهارسه محمد مصطفى الأعظمي، (الرياض: شركة الطباعة العربية السعودية، ط ٢، ١٤٠٤ هـ / ١٩٨٤)، أبواب الأحكام، باب (١٧)، ج ٢، ص ٤٤.
[ ٦٣ ]
[البقرة: ٢٧٨]، وقوله: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ (٢٧٩)﴾ [البقرة: ٢٧٩] نصوص في قصد الشارع إلى تحريم الربا وإلغائه من معاملات الناس.
وقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٣٨)﴾ [المائدة: ٣٨] وقوله: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢] نصان في قصد الشارع إلى معاقبة وإيلام اللصوص بقطع أيديهم، والزناة بجلدهم، وإن بدا في ذلك شدّة وصرامة، ولذلك عَقَّبَ الله تعالى على العقوبة الأولى بقوله: ﴿نَكَالًا مِنَ اللهِ﴾ [المائدة: ٣٨]، وعلى الثانية بقوله: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٢].