وَقد قدمنَا شَرطه فَلَا نعيده وَحَاصِل كل ذَلِك أَنه جَامع بَين علم الحَدِيث وَالْفِقْه الْمَرْوِيّ عَن أَصْحَابه وأصول الْفِقْه كَحال كبار الْعلمَاء من الشَّافِعِيَّة وهم وَإِن كَانُوا كثيرين فِي أنفسهم لكِنهمْ أقلون بِالنّظرِ إِلَى الْمنَازل الْأُخْرَى وَحَاصِل صنيعهم على مَا استقرينا من كَلَامهم أَن تعرض الْمسَائِل المنقولة عَن مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأبي حنيفَة وَالثَّوْري وَغَيرهم ﵃ من الْمُجْتَهدين المقبولة مذاهبهم وفتاواهم على موطأ مَالك والصحيحين ثمَّ على أَحَادِيث التِّرْمِذِيّ وَأبي دَاوُد فَأَي الْمَسْأَلَة وافقتها السّنة نصا أَو إِشَارَة أخذُوا بهَا وعولوا عَلَيْهَا وَأي مَسْأَلَة خالفتها السّنة مُخَالفَة صَرِيحَة ردوهَا وَتركُوا الْعَمَل بهَا وَأي مَسْأَلَة اخْتلفت فِيهَا الْأَحَادِيث والْآثَار اجتهدوا فِي تطبيق بَعْضهَا بِبَعْض إِمَّا بِجعْل الْمُفَسّر قَاضِيا على الْمُبْهم وتنزيل كل حَدِيث على صُورَة أَو غير ذَلِك فَإِن كَانَت من بَاب السّنَن والآداب فَالْكل سنة وَإِن كَانَت من بَاب الْحَلَال وَالْحرَام أَو من بَاب الْقَضَاء وَاخْتلف فِيهَا الصَّحَابَة والتابعون والمجتهدون جعلوها على قَوْلَيْنِ أَو على أَقْوَال وَلم ينكروا على أحد فِيمَا أَخذ مِنْهَا وَرَأَوا فِي الْأَمر سَعَة إِذا كَانَ يشْهد الحَدِيث والْآثَار لكل جَانب ثمَّ استفرغوا جهدهمْ فِي معرفَة الأولى والأرجح إِمَّا بِقُوَّة الرِّوَايَة أَو بِعَمَل أَكثر الصَّحَابَة أَو كَونه مَذْهَب جُمْهُور الْمُجْتَهدين أَو مُوَافقا للْقِيَاس كفئا
[ ١٧ ]
لنظرائه ثمَّ عمِلُوا بذلك الْأَقْوَى من غير نَكِير على أحد مِمَّن أَخذ بالْقَوْل الآخر فَإِن لم يَجدوا فِي الْمَسْأَلَة حَدِيثا من تينك الطبقتين أجالوا قداح نظرهم فِي شَوَاهِد أَقْوَالهم من آثَار الطَّبَقَة الثَّالِثَة من كتب الحَدِيث وَإِلَى مَا يفهم من كَلَامهم من الدَّلِيل وَالتَّعْلِيل فَإِذا اطْمَأَن الخاطر بِشَيْء أخذُوا بِهِ فَإِن لم يطمئن بِشَيْء مِمَّا ذَكرُوهُ وَاطْمَأَنَّ بِغَيْرِهِ وَكَانَت الْمَسْأَلَة مِمَّا ينفذ فِيهِ اجْتِهَاد الْمُجْتَهد وَلم يسْبق فِيهِ إِجْمَاع وَقَامَ عِنْدهم الدَّلِيل الصَّرِيح قَالُوا بِهِ مستعينين بِاللَّه متوكلين عَلَيْهِ وَهَذَا بَاب نَادِر الْوُقُوع صَعب المرتقى يجتنبون مزالقة أَشد اجْتِنَاب وَإِن لم يقم عِنْدهم دَلِيل صَرِيح اتبعُوا السوَاد الْأَعْظَم وَأي مَسْأَلَة لَيْسَ فِيهَا تَصْرِيح أَو تَعْلِيل صَحِيح من السّلف استفرغوا الْجهد فِي طلب نَص أَو إِشَارَة أَو إِيمَاء من الْكتاب وَالسّنة أَو أثر من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ فَإِن وجدوا قَالُوا بِهِ وَلَيْسَ عِنْدهم أَن يقلدوا عَالما وَاحِدًا فِي كل مَا قَالَ اطمأنت بِهِ نُفُوسهم أَو لَا وَإِن كنت فِي ريب مِمَّا ذكرنَا فَعَلَيْك بكتب الْبَيْهَقِيّ وَكتاب معالم السّنَن وَشرح السّنة لِلْبَغوِيِّ فَهَذِهِ طَريقَة الْمُحَقِّقين من فُقَهَاء الْمُحدثين وَقَلِيل مَا هم وهم غير الظَّاهِرِيَّة من أهل الحَدِيث الَّذين لَا يَقُولُونَ بِالْقِيَاسِ وَلَا الْإِجْمَاع وَغير الْمُتَقَدِّمين من أَصْحَاب الحَدِيث مِمَّن لم يلتفتوا إِلَى أَقْوَال الْمُجْتَهدين أصلا وَلَكنهُمْ أشبه النَّاس بأصحاب الحَدِيث لأَنهم صَنَعُوا فِي أَقْوَال الْمُجْتَهدين مَا صنع أُولَئِكَ فِي مسَائِل الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ