في العام ودلالته
إذا ورد في النص الشرعي لفظ عام ولم يقم دليل على تخصيصه، وجب حمله على عمومه وإثبات الحكم لجميع أفراده قطعًا، فإن قام دليل على تخصيصه وجب حمله على ما بقي من أفراده بعد التخصيص. وإثبات الحكم لهذه الأفراد ظنا لا قطعًا. ولا يخصص عام إلا بدليل يساويه أو يرجحه في القطعية أو الظنية.
تعريف العام:
العام: هو اللفظ الذي يدل بحسب وضعه اللغوي على شموله واستغراقه لجميع الأفراد، التي يصدق عليها معناه من غير حصر في كمية معينة منها، فلفظ «كل عقد» في قول الفقهاء: كل عقد يشترط لانعقاده أهلية العاقدين، لفظ عام يدل على شمول كل ما يصدق عليه أنه من غير عقد من غير حصر في عقد معين أو عقود معينة. ولفظ «من ألقى» في حديث: «من ألقى سلاحه فهو آمن»، لفظ عام يدل على استغراق كل فرد من غير سلاحه من غير حصر في فرد معين أو أفراد معينين.
[ ١٨١ ]
ومن هذا يؤخذ أن العموم من صفات الألفاظ لأنه دلالة اللفظ على استغراقه لجميع أفراده. وأن اللفظ إذا دل على فرد واحد كرجل، أو اثنين كرجلين، أو كمية محصورة من الأفراد كرجال ورهط ومائة وألف، فليس من ألفاظ العموم. وأن الفرق بين العام والمطلق، هو أن العام يدل على شمول كل فرد من أفراده، وأما المطلق فيدل على فرد شائع أو أفراد شائعة لا على جميع الأفراد. فالعام يتناول دفعة واحدة كل ما يصدق عليه من الأفراد، والمطلق لا يتناول دفعة واحدة إلا فردًا شائعًا من الأفراد. وهذا هو المراد بقول الأصوليين: «عموم العام شمولي، وعمومي المطلق بدلي» .
ألفاظ العموم:
باستقرار المفردات والعبارات في اللغة العربية دل على أن الألفاظ التي تدل بوضعها اللغوي على العموم والاستغراق لجميع أفرادها هي:
١-لفظ كل، ولفظ جميع: «كل راع مسئول عن رعيته»، ﴿خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة:٢٩]، «كل خطأ يحدث ضررًا بالغير يلزم فاعله بالتعويض» .
٢- المفرد المعرف بأل تعريف الجنس: ﴿الزانية والزاني﴾ [النور:٢]، ﴿السارق والسارقة﴾ [المائدة:٣٨]، ﴿واحل الله البيع وحرم الربا﴾ [البقرة:٢٧٥]، «البيع ينقل الملكية»، لأن الجنس يتحقق في كل فرد من أفراده لا في فرد خاص أو أفراد مخصوصين.
٣- الجمع المعرف بأل تعريف الجنس: ﴿والمطلقات يتربصن٠٠٠﴾ [البقرة:٢٢٨]، ﴿والمحصنات من النساء﴾ [النساء:٢٤]، والجمع المعرف بالإضافة: ﴿خذ من أموالهم صدقة﴾ [التوبة:١٠٣]، ﴿حرمت عليكم أمهاتكم﴾ [النساء:٢٣] .
٤- الأسماء الموصولة: ﴿والذين يرمون المحصنات﴾ [النور:٤]، ﴿واللأئي يئسن من المحيض﴾ [الطلاق:٤]، ﴿وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن﴾ [الطلاق:٤]، ﴿وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ﴾ [النساء:٢٤] .
[ ١٨٢ ]
٥- أسماء الشرط: ﴿وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَئًا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ﴾ [النساء:٩٢]، ﴿مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [البقرة:٢٤٥] .
٦- النكرة في سياق النفي أي النكرة المنفية: «لا ضرر ولا ضرار»، «لا هجرة بعد الفتح»، ﴿فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة:٢٣٣] .
فلكل لفظ من هذه الألفاظ موضوع في اللغة وضعًا حقيقيًا للدلالة على استغراق جميع أفراده، وإذا استعمل في غير هذا الاستغراق كان استعمالًا مجازيًا، لابد له من قرينة تدل عليه وتصرفه عن المعنى الحقيقي.
دلالة العام:
لم يختلف الأصوليين في أن كل لفظ من ألفاظ العموم التي بيناها موضوع لغة لاستغراق جميع ما يصدق عليه من الأفراد، ولا أنه إذا ورد في نص شرعي دل على ثبوت الحكم المنصوص عليه لكل ما يصدق عليه من الأفراد، إلا إذا قام دليل تخصيص على الحكم ببعضها. وإنما اختلفوا في صفة دلالة العام الذي لم يخصص على استغراقه لجميع أفراد، هل هي دلالة قطعية أو دلالة ظنية.
فذهب فريق منهم وفيهم الشافعية إلى أن العام الذي لم يخصص ظاهر العموم لا قطعي فيه، فهو ظني الدلالة على استغراقه لجميع أفراده، وإذا خصص كان ظني الدلالة أيضًا على ما بقي من أفراده بعد التخصيص، فهو ظني الدلالة قبل التخصيص وبعده.
ويترتب على هذا أنه يصح تخصيص العام بالدليل الظني مطلقًا، سواء كان أول تخصيص أو ثاني تخصيص، لأن الظني يخصص بالظني، وانه لا يتحقق التعارض بين الدليلين أن يكونا قطعيين أو ظنيين، بل يعمل بالخاص فيما دل عليه، ويعمل بالعام فيما عداه. وحجتهم على ما ذهبوا إليه أن استقرار النصوص الشرعية التي وردت فيها ألفاظ العموم دل على أنه ما من عام إلا وخُصِّص، وعلى أن العام
[ ١٨٣ ]
الذي بقي على عمومه نادر جدًا، وما استفيد بقاؤه على عمومه إلا من قرينة صاحبته. وإذا كان هذا الشأن والكثير فهو بناء على عام الكثير الغالب محتمل للتخصيص، وعلى هذا فالعام المطلق عن دليل يخصصه ظاهر في العموم لا قطعي فيه.
وذهب فريق منهم وفيهم الحنفية إلى أن العام الذي لم يخصص قطعي في العموم، فهو قطعي الدلالة على استغراقه لجميع أفراده، وإذا خصص صار ظاهرًا في دلالته على ما بقي بعد التخصيص، أي ظني الدلالة عليه. ففي هذا المذهب: العام الذي لم يخصص قطعي الدلالة على استغراقه جميع الأفراد، وإذا خصص صار ظني الدلالة على ما بقي من أفراده بعد التخصيص.
ويترتب على هذا أنه أن يصح العام أول تخصيص بدليل ظني، لأن الظني لا يخصص القطعي، وأنه يصح أن يخصص ثانيًا وثالثًا بدليل ظني، لأنه بعد التخصيص الأول صار ظنيًا، والظني يخصص الظني، وأنه يتحقق التعارض بين العام الذي لم يخصص، وبين الخاص القطعي لأنهما قطعيان. وحجتهم على ما ذهبوا إليه «أن اللفظ العام موضوع حقيقة لاستغراق جميع ما يصدق عليه معناه من الأفراد» . واللفظ حين إطلاقه يدل على معناه الحقيقي قطعًا، فالعام المطلق عن قرينة تخصصه يدل على العموم قطعًا، ولا يصرف عن معناه الحقيقي إلا بدليل، ولهذا استدل الصحابة والتابعون والأئمة والمجتهدون بعموم الألفاظ العامة التي وردت في النصوص مطلقة عن التخصيص، واستنكروا تخصيصها من غير دليل، فإذا خصص العام بدليل دل هذا على صرفه عن متناه الحقيقي وهو العموم، واستعماله معنى مجازي وهو الخصوص، وصار محتملًا لتخصيص ثان قياسيًا على التخصيص الأول، لأن علة التخصيص الأول قد تتحقق في أفراد أخرى. ولهذا صار العام الذي خصص ظني الدلالة على ما بقي بعد التخصيص.
[ ١٨٤ ]
والذي يظهر لي بعد المقارنة بين أدلة الفريقين وأمثلتهما وشواهدهما أنه ليس بين رأييهما اختلاف جوهري من الناحية العلمية، لأنه لا خلاف بينهما في أن العام يجب العمل بعمومه حتى يقوم على تخصيصه دليل، ولا في العام يحتمل أن يخصص بدليل، وأن تخصيصه بغير دليل تأويل غير مقبول. والقائلون بأن العام الذي لم يقم دليل على تخصيصه قطعي الدلالة على العموم، ما أرادوا بكونه قطعي الدلالة أنه لا يحتمل التخصيص مطلقًا، وإنما أرادوا أنه ل يخصص إلا بدليل والقائلون بأنه ظني الدلالة على العموم ما أرادوا أنه يخصص مطلقًا، وإنما أرادوا أنه يخصص بالدليل.
أنواع العام:
وقد ثبت باستقراء النصوص أن العام ثلاثة أقسام:
١- عام يراد به قطعًا العموم، وهو العام الذي صحبته قرينة تنفي احتمال تخصيصه، كالعام في قوله تعالى: ﴿وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللهِ رِزْقُهَا﴾ [هود:٦]، وفي قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء:٣٠]، ففي كل واحدة من هاتين الآيتين، تقرير سنة إلهية عامة لا تتخصص ولا تتبدل، فالعام فيهما قطعي الدلالة على العموم، ولا يحتمل أن يراد به الخصوص.
٢- وعام يراد به قطعًا الخصوص، وهو العام الذي صحبته قرينة تنفي بقاءه على عمومه وتبين أن المراد منه بعض أفراد، مثل قوله تعالى: ﴿وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران:٩٧]، فالناس في هذا النص عام، ومراد به خصوص المكلفين لأن العقل يقضي بخروج الصبيان والمجانين، مثل قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُم مِّنَ الأَعْرَابِ أَن يَتَخَلَّفُواْ عَن رَّسُولِ اللهِ﴾ [التوبة:١٢٠]، فأهل المدينة والأعراب في هذا النص لفظان عامان مراد بكل منهما خصوص القادرين، لأن العقل لا يقضي بخروج العجزة، فهذا عام مراد به الخصوص، ولا يحتمل أن يراد به العموم.
[ ١٨٥ ]
٣- عام مخصوص، وهو العام المطلق الذي لم تصحبه قرينة تنفي احتمال تخصيصه، ولا قرينة تنفي دلالته على العموم، مثل أكثر النصوص التي وردت فيها صيغ العموم، مطلقه عن قرائن لفظية أو عقلية أو عرفية تعين العموم أو الخصوص، وهذا ظاهر في العموم حتى يقوم الدليل على تخصيصه، مثل: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ﴾ [البقرة:٢٢٨] .
قال الشوكاني في التفريق بين العام الذي يراد به الخصوص، والعام المخصوص: العام الذي يراد به الخصوص هو العام الذي صاحبته حين النطق به قرينة دالة على انه مراد به الخصوص لا العموم، مثل خطابات التكليف العامة، فالمراد بالعام فيها خصوص من هم أهل للتكليف لاقتضاء العقل إخراج من ليسوا مكلفين، ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ [الأحقاف:٢٥]، فالمراد كل شئ مما يقبل التدمير. وأما العام المخصوص فهو الذي لم تصحبه قرينة دالة على أنه مراد به بعض أفراده، وهذا ظاهر في دلالته على العموم حتى يقوم دليل على تخصيصه.
تخصيص العام:
تخصيص العام في اصطلاح الأصوليين: هو تبيين أن مراد الشارع من العام ابتداء بعض أفراده لا جميعها، أو هو تبيين أن الحكم المتعلق بالعام هو من ابتداء تشريعه حكم لبعض أفراده. فحديث: «لا قطع في اقل من ربع دينار»، تخصيص للعام في قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة:٣٨]، لأنه تبيين لأن حكم القطع ما شرع لكل سارق وسارقة، وحديث: «ليس للقاتل ميراث» تخصيص لعموم الوارث في آيات المواريث، لأنه تبيين لأن حكم الإرث ما شرع لكل قريب.
أما إذا شرع الحكم ابتداء متعلقًا بكل أفراد العام، ثم قضت المصلحة بقصر الحكم على بعض أفراده، وقام الدليل على هذا القصر فلا يسمى هذا في اصطلاح الأصوليين تخصيصًا، وإنما يسمى نسخًا جزئيًا، لأنه إبطال العمل بحكم
[ ١٨٦ ]
العام بالنسبة لبعض أفراده. فقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُن لَّهُمْ شُهَدَاء إِلَّا أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [النورك٦]، هو نسخ جزئي للعام في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور:٤]، لأن هذه الآية الثانية بعمومها تشمل كل قاذف سواء قذف زوجته أو غيرها، وقد شرع الحكم ابتداء عامًا، ثم قام الدليل وهو آيات اللعان على قصر الجلد على القاذف الذي يقذف غير زوجته. ودل على هذا حديث ابن مسعود قال: كنا جلوس في المسجد ليلة الجمعة إذ دخل أنصاري فقال يا رسول الله، أرأيتم الرجل يجد من زوجته رجلًا، فإن قتله قتلتموه، وإن تكلم جلدتموه، وإن سكت سكت على غيظ؟ ثم قال «اللهم افتح»، فنزلت آية اللعان في سورة النور: ﴿والذين يرمون أزواجهم٠٠٠﴾ [النور:٦]، الآيات.
ومن هذا ينتج أن التخصيص في اصطلاح الأصوليين لابد أن يكون بدليل مقارن للتشريع العام، لأنه بهذا المقارنة يتبين أن المراد ابتداء من العام بعض أفراده، وأما إذا كان متأخرًا عنه فهو نسخ جزئي له.
دليل التخصيص:
ودليل التخصيص قد يكون غير مستقل لفظًا عن نص العام بأن يكون متصلًا به كالجزء منه. وقد يكون مستقلًا عن نص العام، ومنفصلًا عنه.
ومن أظهر الأدلة المتصلة غير المستقلة: الاستثناء، والشرط، والوصف، والغاية.
فالاستثناء كقوله تعالى في آية المداينة، بعد أن أمر بكتابة الدين المؤجل: ﴿إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلاَّ تَكْتُبُوهَا﴾ [البقرة:٢٨٢]
والشرط كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلاَةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ [النساء:١٠١] .
والوصف كقوله تعالى: ﴿مِّن نِّسَآئِكُمُ اللاَّتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ﴾ [النساء:٢٣]
والغاية كقوله تعالى: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة:٦] .
[ ١٨٧ ]
ومن أظهر أدلة التخصيص المستقلة المنفصلة: العقل، والعرف، والنص، وحكمة التشريع.
فمن التخصيص بالعقل، ما بيناه من قبل من تخصيص الناس في قوله تعالى: ﴿وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران:٩٧]، بمن عدا فاقدي الأهلية من الصبيان والمجانين، وتخصيص العام في كل خطاب تكليفي بمن هم أهل للتكليف، وتخصيص أهل المدينة ومن حولهم من الأعراب القادرين على الجهاد مع الرسول، لأن العقل يقضي بأن يوجه الخطاب إلى من هم أهل له، وأن يخص الذي يقتضيه العقل، وعلى هذا أصول القوانين الوضعية.
ومن التخصيص بالعرف، تخصيص الوالدات في قوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة:٢٣٣]، بمن عدا الوالدة الرفيعة القدر، التي ليس من عادة مثلها أن تلزم بإرضاع ولدها، كما ذهب إلى هذا الإمام مالك. وتخصيص الطعام في حديث نهي رسول الله عن بيع الطعام بجنسه متفاضلًا بالطعام الذي كان متعارفًا إطلاق لفظ الطعام عليه وقت التشريع. وتخصيص كل شئ في قوله تعالى: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ [الأحقاف:٢٥]، بكل شئ قابل للتدمير. وبعض الأصوليين يعتبر دليل التخصيص في المثال الأخير الحس، وبعضهم يعتبره العقل والنتيجة واحدة، وعلى هذا أصول القوانين الوضعية، فكثيرًا ما يخصص العرف بعض الألفاظ العامة في مواد القانون، وكثيرًا ما يخصص العرف التجاري بعض النصوص العامة في صيغ العقود.
ومن التخصيص بالنص، ما أشرنا إليه من قبل في مواضع كثيرة، كقوله تعالى في المطلقات قبل الدخول: ﴿فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب:٤٩]، الذي خصص عموم قوله سبحانه: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ﴾ [البقرة:٢٢٨] .
ولا خلاف بين الأصوليين، في أنه يجوز تخصيص عام القرآن بالقرآن وبالسنة المتواترة، لأن نصوص القرآن والسنة المتواترة قطعية الثبوت، فيخصص
[ ١٨٨ ]
بعضها بعضًا، وأما تخصيص القرآن بالسنة غير المتواترة، فذهب جمهور الأصوليين إلى أنه سائغ، واحتجوا بوقوعه والاتفاق على العمل به، فحديث «هو الطهور ماؤه الحل ميتته»، خصص عموم قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدةك٣]، وحديث: «ليس للقاتل ميراث» خصص عموم الوارث في آيات المواريث، وحديث الرجم خصص عموم الزاني والزانية، وحديث «لا قطع في أقل من ربع دينار» خصص عموم السارق والسارقة، وحديث «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» خصص عموم ﴿وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ﴾ [النساء:٢٤] . ودعوى تواتر بعض هذه الأحاديث أو شهرتها لا يقوم عليها دليل، وهذا المذهب هو السديد، والذين منعوا تخصيص عام الكتاب بالسنة غير المتواترة يصطدمون بعدة تخصيصات نبوية، لا سبيل لهم إلى إنكارها، ولا إلى تأويلها، ولا إلى إثبات تواترها.
وتخصيص نصوص في القوانين الوضعية لنصوص فيها كثير. فمن ذلك المادة ١٦٤ من القانون المدني، التي تجعل التمييز مناط المسؤولية عن العمل غير المشروع وتعويض ما ينجم عنه من ضرر، وقد خصت بفقرتها الثانية إذ تقرر انه إذا وقع الضرر من شخص عديم التمييز ولم يكن من يسال عنه، أو تعذر الحصول على تعويض من المسئول، فغنه يجوز للقاضي إلزام من وقع منه الضرر بتعويض عادل.
العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب:
إذا ورد النص الشرعي بصيغة عامة وجب العمل بعمومه الذي دلت عليه صيغته، ولا اعتبار لخصوص السبب الذي ورد الحكم بناء عليه، سواء كان السبب سؤالًا أم واقعة حدثت. لأن الواجب على الناس إتباعه، هو ما ورد به نص الشارع، وقد ورد نص الشارع بصيغة العموم فيجب العمل بعمومه، ولا يعتبر خصوصيات السؤال أو الواقعة التي ورد النص بناء عليها، لأن عدول الشارع في نص جوابه أو فتواه عن الخصوصيات، إلى التعبير بصيغة العموم قرينة على عدم اعتباره تلك الخصوصيات.
روي أن قومًا قالوا: يا رسول الله إنا نركب البحر، ولو توضأنا بما معنا من الماء خشينا العطش، أنتوضأ بماء البحر؟ فقال الرسول: «هو الطهور ماؤه
[ ١٨٩ ]
الحل ميتته»، فهذه الصيغة العامة - هو الطهور ماؤه - تدل بعمومها على أن ماء البحر مطهر كل أنواع الطهور في حال الضرورة والاختيار. فيجب العمل بعمومها، ولا عبرة بكون السؤال ورد خاصًا عن التوضؤ، ولا بكون السائلين سألوا عن حال ضرورتهم من الماء خشية العطش.
وروى أن امرأة سعد بن الربيع قالت: يا رسول الله، هاتان ابنتا سعد بن الربيع، قتل أبوهما معك في أحد، وقد أخذ عمهما مالهما، ولا تنكحان إلا ولهما مال، فقال الرسول لعم البنتين: «أعط البنتين الثلثين وللزوجة الثمن، وما بقي فهو لك»، فهذا الحديث يدل على أن لبنتي المتوفى الثلثين، ولا اعتبار لكونهما لا مال لهما أو لكون أبيهما قتل في احد.
وروى انه - ﷺ - مر بشاة ميمونة وهي ميتة فقال: «أيما إهاب دبغ فقد طهر»، فكل جلد دبغ صار طاهرًا ولا اعتبار لخصوص جلد الشاة.
قال الآمدي في الإحكام: أكثر العموميات وردت على أسباب خاصة. فآية السرقة نزلت في سرقة المجن أو رداء صفوان، وآية الظهار نزلت في حق مسلمة بن صخر، وآية اللعان نزلت في حق هلال بن أمية، إلى غير ذلك. والصحابة عمموا أحكام هذه الآيات من غير نكير، فدل ذلك على أن السبب غير مسقط للعموم.
نعم إذا ورد جوابًا غير مستقل بنفسه عن السؤال بأن كان الجواب نعم، أولا، أو ما في معنى أحدهما، فمثال ما روي أن رسول الله سئل عن بيع الرطب بالتمر، فقال: «أينقص الرطب إذا يبس؟» قالوا: نعم، قال: «فلا إذا»، وأما في خصوصه فمثاله قول الرسول لأبي بردة وقد سأله عن الأضحية بجزعة من المعز: «تجزئك ولا تجزئ أحدا بعدك»، فما دام الجواب الشرعي عن السؤال ورد تابعًا للسؤال في عمومه وخصوصه، وكان السؤال معاد في الجواب.
وأما الجواب المستقل إذا ورد عامًا فهو عام ولا عبرة بخصوصيات سببه، وعلى هذا أصول القوانين الوضعية، فمادة تحديد سن الزواج عامة، ولا عبرة
[ ١٩٠ ]
بخصوصيات الواقعة، أو الوقائع التي كانت سبب قي تشريعها. والمواد التي منعت سماع دعوى الزواج أو الطلاق أو النفقة في بعض الحالات عامة، ولا عبرة بخصوصيات الوقائع التي كانت سببًا في تشريعها. والمادة ١١٥ من الدستور التي كانت التجديد النصفي كل خمس سنوات عامة، ولا عبرة بخصوصيات السبب الذي بني عليه تشريعها، لأن السبب كما قال الشافعي لا يصنع شيئًا، إنما تصنع الألفاظ.
ويلاحظ الفرق بين حكمة تشريع النص وبين ما ورد النص بناء عليه من سؤال أو واقعة، فإن حكمة تشريع العام قد تخصصه بلا خلاف، وأما ما ورد النص بناء عليه فهو المراد بقولهم: لا عبرة بخصوص السبب مع عموم اللفظ.