ما طلبه الشارع من المكلفين من أفعال، وما شرعه لهم من أسباب وشروط، إذا باشرها المكلف قد يحكم الشارع بصحتها، وقد يحكم بعدم صحتها.
فإذا وجدت على وفق ما طلبه الشارع وما شرعه، بأن تحققت أركانها وتوافرت شرائطها الشرعية، حكم الشارع بصحتها، وإن لم توجد على وفق ما طلبه الشارع وما شرعه، بأن اختل ركن من أركانها أو شرط من شروطها حكم الشارع بعدم صحتها.
ومعنى صحتها شرعا: ترتب آثارها الشرعية عليها.
فإن كان الذي باشره المكلف فعلا واجبا عليه، كالصلاة والصيام والزكاة والحق وأداء المكلف مستكملا أركانه وشروطه سقط عنه الواجب، وبرئت ذمته منه، ولم يستحق تعزيزا في الدنيا واستحق المثوبة في الآخرة.
وإن كان الذي باشره المكلف سببا شرعيا كالزواج والطلاق والبيع والهبة وسائر العقود والتصرفات، واستوفى المكلف أركانه وشرائطه الشرعية، وترتب على كل سبب أثره الشرعي الذي رتبه الشارع عليه من إثبات الحل أو إزالته، أو تبادل ملك البدلين أو الملك بغير عوض، أوغير ذلك من الآثار والحقوق التي تترتب على الأسباب الشرعية الصحيحة.
وإن كان الذي باشره شرطا كالطهارة للصلاة، واستوفى المكلف شروطها وأركانها، أمكن تحقيق المشروط صحيحا.
[ ١٢٥ ]
ومعنى عدم صحتها عدم ترتب آثارها الشرعية عليها.
فإن كان الذي باشره واجبا لا يسقط عنه ولا تبرأ ذمته منه.
وإن كان سببا شرعيا لا يترتب عليه حكمه.
وإن كان شرطا لا يوجد المشروط.
وذلك لأن الشارع إنما رتب الآثار على أفعال وأسباب وشروط تتحقق كما طلبها وشرعها، فإذا لم تكن كذلك فلا اعتبار لها شرعا.
ومن هذا البيان يؤخذ أن ما صدر عن المكلف من أفعال أو أسباب أو شروط ولم يتفق وما طلبه الشارع أو ما شرعه يكون غير صحيح شرعا، ولا يترتب عليه أثره، سواء كان عدم صحته لاختلال ركن من أركانه أو لفقد شرط من شروطه، وسواء أكان عبادة أو عقدًا أو تصرفًا. وعلى هذا لا فرق بين باطل وفاسد، لا في العبادات ولا في المعاملات.
فالصلاة الباطلة لا تسقط الواجب عن المكلف ولا تبرئ ذمته.
والزواج الباطل كالزواج الفاسد لا يفيد ملك المتعة ولا يترتب عليه أثره.
والبيع الباطل كالبيع الفاسد لا يفيد نقل المكل في البدلين ولا يترتب عليه حكم شرعي.
وتكون القسمة ثنائية، أي أن الفعل أو العقد أو التصرف إما صحيح تترتب عليه آثاره، وإما غير صحيح لا يترتب عليه أثر شرعي، وهذا هو رأي الجمهور.
وقال علماء الحنفية: إن القسمة ثنائية في العبادات، فهي إما صحيحة وإما غير صحيحة، ولا فرق بين باطل الصيام مثلًا وفاسده في أنه لا يترتب عليه أثره ولا يسقط الواجب، وعلى المكلف قضاؤه. وأما في العقود والتصرفات فالقسمة ثلاثية، لأن العقد غير الصحيح ينقسم إلى باطل وفاسد؛ فإن كان الخلل في أصل العقد أي في ركن من أركانه بأن كان في الصيغة أو العاقدين أو المعقود عليه، كان العقد باطلا لا يترتب عليه أثر شرعي، وإن كان الخلل في وصف من أوصاف العقد بأن كان في شرط خارج عن ماهيته وأركانه، كان العقد فاسدا، وترتبت عليه بعض آثاره.
وعلى هذا قالوا: إن بيع المجنون أوغير المميز أو بيع المعدوم باطل وأما البيع بثمن غير معلوم فهو فاسد. وإن زاوج غير المميز أو زواج إحدى المحرمات
[ ١٢٦ ]
مع العلم بالحرمة باطل، وأما الزواج بغير شهود فهود فاسد. ولم يرتبوا على الباطل أثرا، ورتبوا على الفاسد المهر والعدة وأثبتوا النسب، وفي البيع الفاسد إذا رفع سب الفساد في المجلس بأن عيَّن الثمن أو الأجل ترتبت على العقد آثاره، وهو يفيد الملك بالقبض.
ومما قدمنا بيانه من معنى الصحة ومعنى البطلان: يظهر الوجه في عدهما من الحكم الوضعي؛ لأن الصحة هي ترتب الآثار الشرعية على الأفعال والأسباب أو الشروط التي باشرها المكلف، والبطلان عدم ترتب شيء من تكلك الآثار، فالحكم بصحة البعض حكم بسببيته شرعا لأحكامه.