نشأت المقاصد الشرعية مع نشأة الأحكام الشرعية نفسها، أي أن المقاصد كانت بدايتها مع بداية نزول الوحي الكريم على الرسول ﷺ؛ فقد كانت مبثوثة في نصوص الكتاب والسنة، ومتضمنة في أحكامها وتعاليمها بتفاوت من حيث التصريح بها، أو الإيماء والإشارة إليها؛ غير أن تلك المقاصد لم تكن لتحظى بالإبراز والإظهار على مستوى التأليف والتدوين، وعلى مستوى جعلها علمًا لقبيًّا واصطلاحًا له دلالاته وحقائقه ومناهجه؛ بل كانت معلومات ومقررات شرعية مركوزة في الأذهان، ويستحضرها السلف في إفهامهم واجتهادهم وأقضيتهم.
ومن أجلى وأوضح الأدلة على أن المقاصد الشرعية بدأت مع نزل الوحي الكريم.
١- البعثة النبوية نفسها التي عُللت بكونها رحمة وخيرًا وصلاحًا للناس أجمعين، فقد قال الله تعالى في شأن بعثة الرسول ﷺ: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ ١.
٢- القرآن الكريم ذاته، والذي كان مقصده الشرعي الأكبر يتمثل في هداية الناس أجمعين لأقوم المناهج، وأفضل أحوال المعاش والمعادن وأحسن
_________________
(١) ١ سورة الأنبياء، آية ١٠٧.
[ ١ / ٥٣ ]
الخواتم والموازين قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ ١.
٣- الوحي كله "الكتاب والسنة" "المتلو والمروي"، والذي كان مقصده الأعلى إحياء النفوس في الحياة الحقيقية في الدَّارين أي إحياؤها في الدنيا بأداء واجب الامتثال والتعبد والتدين، وإحياؤها في الآخرة بتحصيل مرضاة الله والفوز بجناته وخيراته قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ ٢.
_________________
(١) ١ سورة الإسراء، آية ٩. ٢ سورة الأنفال، آية ٢٤.
[ ١ / ٥٤ ]