وهي المشقة التي لا يستطيع المكلف تحملها ولا القيام بها، والتي هي التكليف بما لا يطاق الذي إذا فعل أوقع في العناء والتعب الذي لا يجدي.
أو هي التي يستطيع المكلف تحملها؛ غير أنها خارجة عن المعتاد في الأعمال العادية؛ بحيث يحصل للنفوس التشوش والقلق في القيام بِهَا، لما في ذلك من التعب الشديد والحرج البالغ.
ومثال هذا الضرب:
الوصال في الصوم، ففي القيام به خروج عن المعتاد الذي يوقع في الملل والسآمة، ويؤدي إلى اضطراب النفس وتشوشها وضيقها؛ مع أنه مستطاع ومقدور عليه؛ لكنه غير معتاد؛ لذلك شرع الرفق والأخذ من العمل بما لا يحصل مللًا ولا كللًا؛ فهذه المشاق التي لا يقدر عليها، سواءً أكانت من قبيل ما لا يطاق أم كانت من قبيل ما يطاق؛ لكنها غير معتادة ومفضية إلى الملل والسآمة، وربما إلى ترك التكليف من أصله؛ فهذ المشاق غير مقصودة من قبل الشرع، ولا يتعلق بها تكليف. ولا يجوز للمكلف قصدها واعتبارها وترتيب الأعمال على وفقها؛ فإن الشاعر لم يقصد إلى التكليف بالمشاق والإعنات فيه.
وأدلة ذلك:
١- النصوص الشرعية الكثيرة، كقوله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ ١.
_________________
(١) سورة البقرة، آية ٢٨٦.
[ ١ / ١٢٣ ]
وقوله: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ ١.
وقوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ ٢.
وقوله: ﴿رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ ٣.
٢- الرخص الفقهية الكثيرة التي دلت على مطلق رفع الحرج والمشقة، كرخصة القصر والفِطْر والجَمْع، وتناول المحرمات في الاضطرار، وغير ذلك من الشواهد والفروع التي دلت على أن الشارع لم يكن قاصدًا للمشقة في التكليف، ولا الحرج والعنت فيه.
_________________
(١) ١ سورة الحج، آية ٧٨. ٢ سورة النساء، آية ٢٨. ٣ سورة البقرة، ٢٨٦.
[ ١ / ١٢٤ ]