مكملات المقاصد الشرعية هي -كما ذكرنا-: الأحكام التي تتم وتكمل تلك المصالحة الحقيقية؛ ولذلك اشترط أن لا تبطل أو تفوت أو
[ ١ / ٩٧ ]
تضيع هذه المصلحة بوجود ما يكملها ويتمها، وهذا الذي ذكره الشاطبي بقوله: "كل كلمة فلها -من حيث هي تكملة- شرط، وهو أن لا يود اعتبارها على الأصل بالإبطال؛ وذلك أن كل تكملة يفضي اعتبارها إلى رفض أصلهن فلا يصح اشتراطها عند ذلك"١؛ لوجهين:
أحدهما: أن في إبطال أصل إبطال للتكلمة؛ لأن الكلمة مع ما كلمته كالصفة مع الموصوف.
والثاني: أنا لو قدرنا تقديرًا أن المصلحة التكميلية تحصل مع فوات المصلحة الأصلية، لكان حصول الأصلية أولى لا بينهما من التفاوت٢.
وعليه يكون المكمل مع المصلحة الحقيقية كالفرع مع الأصل، أو الصفة مع موصوفها في لزوم التلازم والترابط والدوران والجريان معًا، إلا إذا خشي على الأصل من زواله بسبب الفرع، فيضحِّي عندئذ بالفرع محافظة على بقاء الأصل، أما إذا لم يعد الفرع على أصله بالإبطال، والمكمِّل -بالكسر- على المكمِّل -بالفتح- بالإبطال؛ فلا شك أن في الجمع بينهما تحقيقًا لأحسن المقاصد وأتمها، وجلبًا لأفضل التكليف وأكمله.
ومن أمثلة ذلك:
-حفظ حياة النفس ضروري، وتحريم النجاسات والقاذورات حسيني، ويجوز تناول النجاسة من أجل إحياء النفس، إذا دعت الضرورة إلى ذلك، عملًا بأولية الأصل الضروري على التحسيني المكمل عند التعارض.
_________________
(١) ١ الموافقات: ٢/ ١٤. ٢ الموافقات: ٢/ ١٤ بتصرف.
[ ١ / ٩٨ ]
- حفظ النفس ضروري، وستر العورة تحسيني مكمل له، وشرط هذا المكمل أن لا يعود على أصل حفظ النفس بالإبطال؛ فلو دعت الضرورة إلى كشف العورة والنظر إليها بقصد العلاج، لحفظ النفس من الموت أو الهلاك، لجاز كشفها ولأبيحت التضحية بهذا المكمل من أجل بقاء الأصل الضروري.
- إقامة الجهاد مصلحة ضرورية، وإقامته مع أئمة العدل مكمل لتلك المصلحة؛ غير أن العلماء أجازوا القيام بالجهاد مع أئمة الجور؛ لأن اشتراط الأئمة العادلين عند فقدهم سيُفَوِّت أصلية الجهاد، ويضيع مصالح الأمة وقوتها وعزتها، ولذلك يضحي بالمكمل محافظة على أصلية الجهاد ومقاصده وفوائده، وكذلك الأمر بالنسبة للصلاة خلف أئمة الجور.
[ ١ / ٩٩ ]