أي هذا مبحثهما، والمراد اللفظي المسمى بهما. (المختار أن المطلق) ويسمى اسم جنس كما مرّ. (ما) أي لفظ (دلّ على الماهية بلا قيد) من وحدة وغيرها فهو كلي، وقيل ما دل على شائع في جنسه وقائله توهم النكرة غير العامة، واحتج لذلك بأن الأمر بالماهية كالضرب من غير قيد أمر بجزئي من جزئياتها كالضرب بسوط أو عصا أو غير ذلك، لأن الأحكام الشرعية إنما تبنى غالبا على الجزئيات لا على الماهيات المعقولة لاستحالة وجودها في الخارج، ويردّ بأنها إنما يستحيل وجودها كذلك مجردة لا مطلقا
[ ٨٥ ]
لأنها توجد بوجود جزئي لها لأنها جزؤه وجزء الموجود موجود، فالأمر بالماهية أمر بإيجادها في ضمن جزئي لها لا أمر بجزئي لها، وقيل الأمر بها أمر بكل جزئي منها لإشعار عدم التقييد بالتعميم، وقيل هو أذن في كل جزئي أن يفعل ويخرج عن العهدة بواحد وعلى المختار اللفظ في المطلق والنكرة واحد، والفرق بينهما بالاعتبار إن اعتبر في اللفظ دلالته على الماهية بلا قيد يسمى مطلقا واسم جنس أيضا كما مرّ أو مع قيد الشيوع يسمى نكرة، والقائل بالثاني ينكر اعتبار الأوّل في مسمى المطلق.
(والمطلق والمقيد كالعام والخاص) فيما مرّ فما يخص به العام يقيد به المطلق وما لا فلا. لأن المطلق عام من حيث المعنى فيجوز تقييد الكتاب به وبالسنة والسنة بها وبالكتاب، وتقييدهما بالقياس والمفهومين، وفعل النبي وتقريره بخلاف مذهب الراوي، وذكر بعض جزئيات المطلق على الأصح في غير مفهوم الموافقة. .
(و) يزيد المطلق والمقيد (أنهما في الأصح إن اتحد حكمهما وسببه) أي سبب حكمهما. (وكانا مثبتين) أمرين كانا كأن يقال في كفارة الظهار في محل أعتق رقبة، وفي آخر أعتق رقبة مؤمنة أو غيرهما نحو تجزىء رقبة مؤمنة تجزىء رقبة أو أحدهما أمر، والآخر خبر نحو تجزىء رقبة مؤمنة أعتق رقبة. (فإن تأخر المقيد) بأن علم تأخره (عن) وقت (العمل بالمطلق نسخه) أي المطلق بالنسبة إلى صدقه بغير المقيد. (وإلا) بأن تأخر المقيد عن وقت الخطاب بالمطلق دون العمل أو تأخر المطلق عن المقيد مطلقا أو تقارنا أو جهل تاريخهما. (قيده) أي المطلق جمعا بين لدليلين، وقيل المقيد ينسخ المطلق إذا تأخر عن وقت الخطاب به كما لو تأخر عن وقت العمل به بجامع التأخر وقيل يحمل المقيد على المطلق بأن يلغى القيد، لأن ذكر المقيد ذكر لجزئي من المطلق فلا يقيده كما أن ذكر فرد من العام لا يخصصه. قلنا الفرق بينهما أن مفهوم القيد حجة بخلاف مفهوم اللقب الذي ذكر فرد من العام منه كما مرّ. (وإن كان أحدهما مثبتا) أمرا أو خبرا (والآخر خلافه) نهيا أو نفيا نحو أعتق رقبة لا تعتق رقبة كافرة أعتق رقبة لا تجزىء رقبة كافرة أعتق رقبة مؤمنة لا تعتق رقبة تجزىء رقبة مؤمنة لا تجزىء رقبة. (قيد المطلق بضد الصفة) في المقيد ليجتمعا فيقيد في المثالين الأولين بالإيمان، وفي الأخيرين بالكفر. (وإلا) بأن كانا منفيين أو منهيين أو أحدهما منفيا والآخر منهيا نحو لا يجزىء عتق مكاتب لا يجزىء عتق مكاتب كافر لا تعتق مكاتبا لا تعتق مكاتبا كافرا. (قيد) المطلق (بها) أي بالصفة (في الأصح) من الخلاف في حجية مفهوم المخالفة، وقيل يعمل بالمطلق بناء على عدم حجية المفهوم (وهي) أي المسألة حينئذ (خاص وعام) لعموم المطلق في سياق النفي الشامل للنهي ويكون المقيد مخصصا لا مقيدا. وقولي إن كان إلى قولي في الأصح أعم مما عبر به. (وإن اختلف حكمهما) مع اتحاد سببهما كما في قوله تعالى في التيمم
﴿فامسحوا بوجوهكم وأيديكم﴾ وفي الوضوء ﴿فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق﴾، وسببهما الحدث مع القيام إلى الصلاة أو نحوها واختلاف الحكم من مسح المطلق وغسل المقيد بالمرفق ظاهر، إذ المسح خلاف الغسل. (أو) اختلف (سببهما) مع اتحاد حكمهما (ولم يكن ثم مقيد) في محلين (بمتنافيين) كما في قوله تعالى في كفارة الظهار ﴿فتحرير رقبة﴾ وفي كفارة القتل ﴿فتحرير رقبة مؤمنة﴾ (أو) كان ثم مقيد كذلك. و(كان) المطلق (أولى) بالتقييد (بأحدهما) من الآخر من حيث القياس كما في قوله تعالى في كفارة اليمين ﴿فصيام ثلاثة أيام﴾ وفي كفارة الظهار ﴿فصيام شهرين متتابعين﴾ وفي صوم التمتع ﴿فصيام ثلاثة أيام في الحجّ وسبعة إذا رجعتم﴾ (قيد) المطلق بالقيد أي حمل عليه (قياسا في الأصح) فلا بد من جامع بينهما وهو في المثال الأول موجب الطهر، وفي الثاني حرمة
[ ٨٦ ]
سببهما من الظهار والقتل، وفي الثالث النهي عن اليمين والظهار، فحمل المطلق فيه على كفارة الظهار في التتابع أولى من حمله على صوم المتمتع في التفريق لاتحادهما في الجامع، والتمثيل به إنما هو على قول قديم، وقيل يحمل عليه في الأوليين لفظا أي بمجرد وجود اللفظ المقيد من غير حاجة إلى جامع، وقيل لا يحمل عليه في الثالثة بناء على أن الحمل لفظي. وقال الحنفي لا يحمل عليه لاختلاف الحكم أو السبب فيبقى المطلق على خلافه. أما إذا كان ثم مقيد في محلين بمتنافيين ولم يكن المطلق في ثالث أولى بالتقييد بأحدهما من حيث القياس كما في قوله تعالى في قضاء رمضان ﴿فعدة من أيام أخر﴾ وفي كفارة الظهار ﴿فصيام شهرين متتابعين﴾ وفي صوم التمتع ما مرّ. فيبقى المطلق على إطلاقه لامتناع تقييده بهما لتنافيهما وبواحد منهما لانتفاء مرجحه، فلا يجب في قضاء رمضان تتابع ولا تفريق والترجيح من زيادتي، ولو اختلف سببهما وحكمهما كتقييد الشاهد بالعدالة وإطلاق الرقبة في الكفارة لم يحمل المطلق على المقيد اتفاقا، وقيل على الراجح.