وقيل عكسه وتوجيههما يعلم مما مرّ. وأجيب في الديني بأن سبق البيان أو تأخيره لا يبيح السكوت عند وقوع المنكر لما فيه من إيهام تغير الحكم
في الأول، وتأخير البيان عن وقت الحاجة في الثاني، وفي الدنيوي أنه إذا كان كذبا ولم يعلم به النبي يعلمه الله به عصمة له عن أن يقر أحدا على كذب، أما إذا وجد حامل على ما ذكر كأن كان المخبر ممن يعاند ولا ينفع فيه الإنكار فلا يكون صادقا قطعا.
(وأما مظنون الصدق فخبر الواحد وهو ما لم ينته إلى التواتر) سواء أكان راويه واحدا أم أكثر أفاد العلم بالقرائن المنفصلة أو لا. (ومنه) أي خبر الواحد (المستفيض وهو الشائع) بين الناس (عن أصل) بخلاف الشائع لا عن أصل (قد يسمى) المستفيض (مشهورا) فهما بمعنى، وقيل المشهور بمعنى المتواتر، وقيل قسم ثالث غير المتواتر والآحاد، وعند المحدّثين هو أعم من المتواتر. (وأقله) أي المستفيض أي أقلّ عدد راويه (اثنان) وهو قول الفقهاء. (وقيل ما زاد على ثلاثة) وهو قول الأصوليين، وقيل ثلاثة وهو قول المحدثين.
(مسألة الأصح أن خبر الواحد يفيد العلم بقرينة) كما في إخبار رجل بموت ولده المشرف على الموت مع قرينة البكاء وإحضار الكفن والنعش، ولا يشترط في الواحدة العدالة تعويلًا على القرينة، وقيل لا يفيد العلم مطلقا، وعليه الأكثر. واختاره صاحب الأصل في شرح المختصر، وقيل يفيده مطلقا بشرط العدالة لأنه حينئذ يجب العمل به كما سيأتي، وإنما يجب العمل بما يفيد العلم لقوله تعالى ﴿ولا تقف ما ليس لك به علم﴾، ﴿إن يتبعون إلا الظن﴾ نهى عن اتباع غير العلم وذم على اتباع الظن. قلنا ذاك فيما المطلوب فيه العلم من أصول الدين كوحدانية الله تعالى لما ثبت من وجود العمل بالظن في الفروع، وقيل يفيد علما نظريا إن كان مستفيضا جعله قائله واسطة بين المتواتر المفيد للعلم الضروري والآحاد المفيد للظن. (ويجب العمل به) أي بخبر الواحد (في الفتوى والشهادة) أي ما يفتي به المفتي ويشهد به الشاهد بشرطه، وفي معنى الفتوى الحكم (إجماعا. وفي باقي الأمور الدينية والدنيوية في الأصحّ) وإن عارضه قياس كالإخبار بدخول وقت الصلاة أو بتنجس الماء وكإخبار طبيب أو غيره بمضرة شيء أو نفعه، وقيل يمتنع العمل به مطلقا لأنه إنما يفيد الظن، وقد نهى عن اتباعه كما مر. قلنا تقدم جوابه آنفا. وقيل يمتنع العمل به في الحدود لأنها تدرأ بالشبهة واحتمال الكذب في الآحاد شبهة. قلنا لا نسلم أنه شبهة على أنه موجود في الشهادة أيضا، وقيل يمتنع فيما تعم به البلوى أو خالفه راويه أو عارضه قياس، ولم يكن راويه فقيها وقيل غير ذلك، وإذا قلنا بأنه يجب العمل به فيجب. (سمعا) لأنه ﷺ كان يبعث الآحاد إلى القبائل والنواحي لتبليغ الأحكام، فلولا أنه يجب العمل بخبرهم لم يكن لبعثهم فائدة. (قيل وعقلًا) أيضا. وهو أنه لو لم يجب العمل به لتعطلت وقائع الأحكام المروية بالآحاد ولا سبيل إلى القول بذلك وترجيح الأول من زيادتي.
(مسألة المختار أن تكذيب الأصل الفرع) فيما رواه عنه. (وهو جازم) به. كأن قال رويت هذا عنه. فقال ما رويته له. (لا يسقط مرويه) عن القبول وقيل يسقطه، لأن أحدهما كاذب، ويحتمل أن يكون هو الفرع فلا يثبت مرويه، قلنا يحتمل نسيان الأصل له بعد روايته للفرع فلا يكون واحد منهما بتكذيب الآخر له مجروحا. (لأنهما لو اجتمعا في شهادة لم تردّ) لأن كلًا منهما يظن أنه صادق والكذب على النبي في ذلك بتقدير إنما يسقط العدالة إذا كان عمدا، وإذا لم يسقط مروي الفرع بتكذيب الأصل له فبشكه في أنه رواه له أو ظنه أنه ما رواه له أولى، وعليه الأكثر كما صرح به الأصل، وقيل يسقط به قياسا على نظيره في شهادة الفرع على شهادة الأصل. قلنا باب الشهادة أضيق
[ ١٠٢ ]
إذ يعتبر فيه الحرية والذكورة وغيرهما ودخل بقيد وهو جازم ما لو جزم الأصل بنفي الرواية أو ظنه أو شك فيه، وخرج به ما لو شك الفرع في الرواية أو ظنها فيسقط مرويه إلا إن ظنها الفرع مع ظنّ الأصل نفيها أو شك فيه. وبما تقرر علم أن صور الجزم والظن والشك من الأصل والفرع تسع، وأن المروي يسقط في أربع منها دون البقية. (وزيادة العدل) فيما رواه على غيره من العدول (مقبولة إن لم يعلم اتحاد المجلس بأن علم تعدده) لجواز أن يكون النبي ذكرها في مجلس وسكت عنها في آخر، أو لم يعلم تعدده ولا اتحاده، لأن الغالب في مثل ذلك التعدد. (وإلا) أي وإن علم اتحاده (فالمختار المنع) أي منع قبولها. (إن كان غيره) أي غير من زاد (لا يغفل) بضمّ الفاء أشهر من فتحها. (مثلهم عن مثلها عادة أو كانت الدواعي تتوفر على نقلها) وإلا قبلت، وقيل لا تقبل مطلقا لجواز خطأ من زاد فيها. وقيل تقبل مطلقا، وهو ما اشتهر عن الشافعي، ونقل عن جمهور الفقهاء والمحدثين لجواز غفلة من لم يزد عنها، وقيل إن كان غير من زاد لا يغفل مثلهم عن مثلها عادة لم تقبل وإلا قبلت، وقيل بالوقف عن
قبولها وعدمه. (فإن كان الساكت) عنها فيما إذا علم اتحاد المجلس. (أضبط) ممن ذكرها. (أو سرّح بنفيها على وجه يقبل) . كأن قال ما سمعتها (تعارضا) أي خبر الزيادة وخبر عدمها بخلاف ما إذا نفاها على وجه لا يقبل بأن محض النفي فقال لم يقلها النبي ﷺ.، فإنه لا أثر لذلك.
(والأصح أنه لو رواها) الراوي (مرة وتركـ) ـها (أخرى أو انفرد) بها (واحد عن واحد) فيما روياه (قبلت) . وإن علم اتحاد المجلس لجواز السهو في الترك في الأولى، ولأن مع راويها زيادة علم في الثانية، وقيل لا يقبل لجواز الخطأ فيها في الأولى ولمخالفة رفيقه في الثانية، وقيل بالوقف في الأولى وقياسه يأتي في الثانية. (و) الأصح (أنه إن غيرت) زيادة العدل (إعراب الباقي تعارضا) أي الخبران لاختلاف المعنى حينئذ كما لو روي في خبر فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر صاعا من تمر نصف صاع، وقيل تقبل الزيادة كما إذا لم يتغير الإعراب. (و) الأصح (أن حذف بعض الخبر جائز إلا أن يتعلق به الباقي) . فلا يجوز حذفه اتفاقا لإخلاله بالمعنى المقصود كأن يكون غاية أو مستثنى بخلاف ما لا يتعلق به الباقي فيجوز حذفه، لأنه كخبر مستقلّ، وقيل لاحتمال أن يكون للضمّ فائدة تفوت بالتفريق مثاله. قوله ﷺ في البحر «هو الطهور ماؤه الحل ميتته» . إذ قوله الحل ميتته لا تعلق له بما قبله. (ولو أسند وأرسلوا) أي أسند الخبر إلى النبي واحد ووقف الباقون على الصحابي أو من دونه (فكالزيادة) أي فالإسناد أو الرفع كالزيادة فيما مرّ من التفصيل والخلاف وغيرهما. ومعلوم أن التفصيل بين ما تتوفر الدواعي على نقله، ولا تتوفر لا يمكن مجيئه هنا وتعدد مجلس السماع من الشيخ هنا كتعدد مجلس السماع من النبي ثمّ (وإذا حمل صحابي مرويه على أحد محمليه حمل عليه إن تنافيا) كالقرء يحمله على الطهر أو الحيض، لأن الظاهر أنه إنما حمله
عليه لقرينة، وتوقف الشيخ أبو إسحاق الشيرازي فقال فيه نظر أي لاحتمال أن يكون حمله لموافقة رأيه لا لقرينة وخرج بالصحابي غيره، وقيل مثله التابعي، والفرق على الأصح أن ظهور القرينة للصحابي أقرب. (وإلا) أي وإن لم يتنافيا (فكالمشترك في حمله على معنييه) وهو الأصح كما مرّ فيحمل المروي على محمليه ولا يختص بحمل الصحابي إلا على القول بمنع حمل المشترك على معنييه. (فإن حمله) أي حمل الصحابي مرويه فيما لو تنافى المحملان (على غير ظاهره) كأن حمل اللفظ على معناه المجازى دون الحقيقي (حمل على ظاهره في الأصح) اعتبارا بالظاهر، وفيه وفي أمثاله قال الشافعي كيف أترك الحديث بقول من لو عاصرته لحججته، وقيل يحمل على حمله مطلقا لأنه لم يفعله إلا لدليل. قلنا في ظنه وليس لغيره اتباعه فيه، وقيل يحمل عليه إن فعله لظنه أنه قصد النبي ﷺ من قرينة شاهدها. قلنا ظنه ذلك ليس لغيره
[ ١٠٣ ]