اتباعه فيه لأن المجتهد لا يقلد مجتهدا فإن ذكر دليلًا عمل به، أما إذا لم يتنافيا فظاهر حمله على حقيقته ومجازه بناء على الراجح من استعمال اللفظ فيهما.
(مسألة لا يقبل) في الرواية (مختل) في عقله كجنون وإن تقطع جنونه وكمفيق من جنونه وأثر في زمن إفاقته إذ لا يمكنه التحرز عن الخلل، وتعبيري بمختل أعم من تعبيره بمجنون. (و) لا (كافر) وإن علم منه التدين والتحرز عن الكذب، إذ لا وثوق به في الجملة مع شرف منصب الرواية عنه. (وكذا صبيّ) يميزه (في الأصح) . إذ لا وثوق به لأنه لعلمه بعدم تكليفه قد لا يحترز عن الكذب، وقيل يقبل إن علم منه التحرز عنه، أما غير المميز فلا يقبل قطعا كالمجنون. (والأصح أنه يقبل صبي) مميز (تحمل فبلغ فأدى) ما تحمله لانتفاء المحذور السابق، وقيل لا. إذ الصغر مظنة عدم الضبط ويستمر المحفوظ بحاله، ولو تحمل كافر فسلم فأدّى أو فاسق فتاب فأدى قبل. (و) الأصح أنه يقبل (مبتدع يحرم الكذب وليس بداعية ولا يكفر ببدعته) لأمنه من الكذب مع تأويله في الابتداع بخلاف من لا يحرم الكذب أو يكون داعية بأن يدعو الناس إلى بدعته أو يكفر ببدعته كمنكر حدوث العالم والبعث، وعلم الله بالمعدوم وبالجزئيات فلا يقبل واحد من الثلاثة، وممن رجحه في الثاني ابن الصلاح والنووي. وقال ابن حبان لا أعلم فيه اختلافا وقيل. يقبل ممن يحرم الكذب، وإن كان داعية لما مر وهو الذي رجحه الأصل، ومراده إذا لم يكفر ببدعته، وقيل يقبل ممن يحرم الكذب وإن كفر ببدعته، وقيل لا يقبل مطلقا لابتداعه المفسق له. (و) الأصح أنه يقبل (من ليس فقيها وإن خالف القياس) خلافا للحنفية فيما يخالفه، لأن مخالفته ترجح احتمال الكذب. قلنا لا نسلم. (و) الأصح أنه يقبل (متساهل في غير الحديث) بأن يتساهل في حديث الناس، ويتحرز في الحديث النبوي لأمن الخلل فيه بخلاف المتساهل فيه فيرد، وقيل لا يقبل المتساهل مطلقا لأن التساهل في غير الحديث النبوي يجرّ إلى التساهل فيه. (ويقبل مكثر) من الرواية (وإن ندرت مخالطته للمحدثين إن أمكن تحصيل ذلك القدر) الكثير الذي رواه (في ذلك الزمن) الذي خالطهم فيه فإن لم يمكن لم يقبل في شيء مما رواه لظهور كذبه في بعض لا نعلم عينه. (وشرط الراوي العدالة وهي) لغة التوسط وشرعا بالمعنى الشامل للمروءة (ملكة) أي هيئة راسخة في النفس. (تمنع اقتراف) أي ارتكاب (الكبائر وصغائر الخسة كسرقة لقمة) وتطفيف تمرة (والرذائل المباحة) أي الجائزة بالمعنى الأعم أي المأذون في فعلها لا بمعنى مستوية الطرفين. (كبول بطريق) وهو مكروه والأكل في السوق لغير سوقي وغيرهما. مما يخلّ بالمروءة. والمعنى يمنع اقتراف كل فرد من أفراد ما ذكر فباقتراف فرد منه تنتفي العدالة، أما صغائر غير الخسة ككذبة لا يتعلق بها ضرر ونظرة إلى أجنبية، فلا يشترط المنع من اقتراف كل فرد منها. فلا تنتفي العدالة باقتراف شيء منها إلا أن يصرّ عليه ولم تغلب طاعاته، وإذا تقرر أن العدالة شرط في الرواية. (فلا يقبل في الأصح مجهول باطنا وهو المستور، و) لا (مجهول مطلقا) أي باطنا وظاهرا (و) لا (مجهول العين) كأن يقال عن رجل لانتفاء تحقق العدالة وقيل يقبلون اكتفاء بظنّ حصولها في الأول وتحسينا للظنّ بالأخيرين وحكاية الأصل الإجماع على عدم قبولهما مردودة بنقل ابن الصلاح وغيره الخلاف فيهما. (فإن وصفه) أي الأخير (نحو الشافعي) من أئمة الحديث الراوي عنه (بالثقة أو بنفي التهمة) كقوله أخبرني الثقة أو من لا أتهمه. (قبل في الأصح) . وإن كان الثاني دون الأوّل رتبة وذلك لأن واصفه من أئمة الحديث لا يصفه بذلك إلا وهو كذلك، وقيل لا يقبل لجواز أن أن يكون فيه جارح ولم يطلع عليه الواصف. قلنا يبعد ذلك جدا مع كون الواصف مثل الشافعي محتجا به على حكم في دين الله. (كمن أقدم معذورا) بنحو تأويل أو جهل خلا عن التدين بالكذب
[ ١٠٤ ]
أو إكراه. (على) فعل (مفسق مظنون) كشرب نبيذ (أو مقطوع) كشرب خمر فيقبل في الأصح سواء اعتقد الإباحة أم لم يعتقد شيئا لعذره، وقيل لا يقبل لارتكابه المفسق، وإن اعتقد الإباحة، وقيل يقبل في المظنون دون المقطوع وخرج بالمعذور من أقدم
عالما بالتحريم باختياره أو متدينا بالكذب فلا يقبل قطعا، وبما تقرر علم أن قولي معذورا أولى من قوله جاهلًا.
(
والمختار أن الكبيرة ما توعد عليه) بنحو غضب أو لعن (بخصوصه) في الكتاب أو السنة. (غالبا) . وقيل هي ما فيه حدّ. قال الرافعي وهم إلى ترجيح هذا أميل ولأول ما يوجد لأكثرهم وهو الأوفق لما ذكروه عند تفصيل الكبائر. أي لعدّهم منها أكل مال اليتيم والعقوق وغيرهما مما لا حدّ فيه، وذكر لأصل أن المختار قول إمام الحرمين إنها كل جريمة تؤذن بقلة اكتراث مرتكبها بالدين ورقة الديانة، وإنما لم أختره لأنه يتناول صغائر الخسة مع أن الإمام إنما ضبط به ما يبطل العدالة من المعاصي مطلقا، لا الكبيرة التي الكلام فيها والكبائر بعد أكبرها وهو الكفر كما هو معلوم. (كقتل) عمدا أو شبهه ظلما (وزنا) بالزاي لآية ﴿والذين لا يدعون مع الله إلها آخر﴾ (ولواط) لأنه مضيع لماء النسل بوطئه في فرج كالزنا. (وشرب خمر) وإن لم يسكر لقلتها وهي المشتد من ماء العنب. (ومسكر) ولو غير خمر كالمشتد من نقيع الزبيب المسمى بالنبيذ لخبر صحيح ورد فيه، أما شرب ما لا يسكر لقلته من غير الخمر فصغيرة حكما في حق من شربه معتقدا حله لقبول شهادته، وإلا فهو كبيرة حقيقة لإيجابه الحد وللتوعد عليه. وفي معنى ذلك ما اختلف في تحريمه من مطبوخ عصير العنب. (وسرقة) لربع مثقال أو ما قيمته ذلك لآية ﴿والسارق والسارقة﴾، أما سرقة ما دون ذلك فصغيرة. قال الحليمي إلا إن كان المسروق منه مسكينا لا غنى به عن ذلك فيكون كبيرة. (وغصب) لمال أو نحوه لخبر الصحيحين «مَنْ ظلم قيد شبر من الأرض طوّقه من سبع أرضين» . وقده العبادي وغيره بما يبلغ قيمته ربع مثقال كما يقطع به في السرقة. (وقذف) محرّم بزنا أو لواط لآية ﴿إن الذين يرمون المحصنات﴾، نعم قال الحليمي قذف صغيرة ومملوكة وحرة متهتكة صغيرة لأن الإيذاء فيه دونه في الحرة الكبيرة
المستترة، أما القذف المباح كقذف الرجل زوجته إذا علم زناها أو ظنه ظنا مؤكدا فليس بكبيرة ولا صغيرة، وكذا جرح الراوي والشاهد بالزنا إذا علم بل هو واجب. (ونميمة) وهي نقل كلام بعض الناس إلى بعض على وجه الإفساد بينهم لخبر الصحيحين «لا يدخل الجنة نمام» . بخلاف نقل الكلام نصيحة للمنقول إليه كما في قوله تعالى حكاية ﴿يا موسى إنّ الملأ يأتمرون بك ليقتلوك﴾ فإنه واجب، أما الغيبة وهي ذكرك لإنسان بما تكرهه وإن كان فيه فصغيرة قاله صاحب العدة، وأقرّه الرافعي ومن تبعه لعموم البلوى بها. نعم قال القرطبي في تفسيره إنها كبيرة بلا خلاف، ويشملها تعريف الأكثر الكبيرة بما توعد عليه بخصوصه قال تعالى ﴿أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا﴾ قال الزركشي وقد ظفرت بنص الشافعي في ذلك، فالقول بأنها صغيرة ضعيف أو باطل. قلت ليس كذلك لإمكان الجمع بحمل النص، وما ذكر على ما إذا أصر على الغيبة أو قرنت بما يصيرها كبيرة أو اغتاب عدلًا وقد أخرجتها بزيادتي غالبا وتباح الغيبة في ستة مواضع مذكورة في محلها، وقد نظمتها في بيتين فقلت
[ ١٠٥ ]
تباح غيبة لمستفت ومن
رام إعانة لرفع منكر
ومعرّف متظلم متكلم
في معلن فسقا مع المحذر
(وشهادة زور) ولو بما قلّ لأنه ﷺ عدها في خبر من الكبائر. وفي آخر من أكبر الكبائر رواهما الشيخان. (ويمين فاجرة) لخبر الصحيحين «من حلف على مال امرىء مسلم بغير حقه لقي الله وهو عليه غضبان» . وخص المسلم جريا على الغالب وإلا فالكافر المعصوم كذلك. (وقطيعة رحم) لخبر الصحيحين «لا يدخل الجنة قاطع» . قال سفيان أي ابن عيينة في رواية يعني قاطع رحم، والقطيعة فعيلة من القطع ضد الوصل والرحم القرابة. (وعقوق) للوالدين أو أحدهما، لأنه ﷺ عدّه في خبر من الكبائر وفي آخر من أكبر الكبائر رواهما الشيخان. وأما خبرهما «الخالة بمنزلة الأم» . وخبر البخاري «عم الرجل صنو أبيه» . أي مثله فلا يدلاّن على أنهما كالولدين في العقوق. (وفرار) من الزحف لآية ﴿ومن يولهم يومئذ دبره﴾ ولأنه ﷺ عدّه من السبع الموبقات أي المهلكات. رواه الشيخان. نعم يجب إذا علم أنه إذا ثبت يقتل من غير نكاية في العدو لانتفاء إعزاز الدين بثباته. (ومال يتيم) أي أخذه بلا حق وإن كان دون ربع مثقال لآية ﴿إن الذين يأكلون أموال اليتامى﴾ وقد عد أكلها ﷺ من السبع الموبقات في الخبر السابق، وقيس بالأكل غيره وإنما عبر به في الآية، والخبر، لأنه أعم وجوه الانتفاع. (وخيانة) في غير الشيء التافه بكيل أو غيره كوزن وغلول لآية ﴿ويل للمطففين﴾ ولقوله تعالى ﴿إن الله لا يحب الخائنين﴾ والغلول الخيانة من الغنيمة أو بيت المال أو الزكاة قاله الأزهري وغيره، وإن قصره أبو عبيد على الخيانة من الغنيمة أما في التافه فصغيرة كما مر. (وتقديم صلاة) على وقتها (وتأخيرها) عنه بلا عذر كسفر قال ﷺ «من جمع بين صلاتين من غير عذر فقد أتى بابا من أبواب الكبائر» . رواه الترمذي وتركها أولى بذلك. (وكذب) عمدا (على نبي) . قال ﷺ «من كذب عليَّ متعمدا فليتبوّأ مقعده من النار» . رواه
الشيخان وغيره من الأنبياء مثله في ذلك كما هو ظاهر قياسا عليه، وقد شمله تعبيري بنبي بخلاف تعبيره كغيره برسول الله ﷺ. وقد بسطت الكلام على ذلك في الحاشية، أما الكذب على غير نبي فصغيرة إلا أن يقترن به ما يصيره كبيرة كأن يعلم أنه يقتل به قاله ابن عبد السلام، وعليه يحمل خبر الصحيحين «إن الكذب يهدي إلى الفجور وإن الفجور يهدي إلى النار، ولا يزال الرجل يكذب حتى يكتب عند الله كذابا» . (وضرب مسلم) بلا حق لخبر مسلم «صنفان من أمتي من أهل النار لم أرهما قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساء كاسيات عاريات مائلات مميلات رؤوسهنّ كأسنمة البخت المائلة، لا يدخلون الجنة ولا يجدون ريحها وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا» . وخرج بالمسلم الكافر فليس ضربه كبيرة بل صغيرة، وزعم الزركشي أنه كبيرة. (وسب صحابي) لخبر الصحيحين «لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما أدرك مدّ أحدهم ولا نصيفه» . وروى مسلم «لا تسبوا أحدا من أصحابي فإن أحدكم لو أنفق» الخ. والخطاب للصحابة السابين نزلهم لسبهم الذي لا يليق بهم منزلة غيرهم حيث علله بما ذكره، واستثنى من ذلك سبّ الصدّيق بنفي الصحبة فهو كفر لتكذيب القرآن، أما سب واحد من غير الصحابة فصغيرة، وخبر الصحيحين «سباب المسلم فسوق» . معناه تكرار السب فهو إصرار على صغيرة فيكون كبيرة.
(وكتم شهادة) . قال تعالى ﴿ومن يكتمها فإنه آثم قلبه﴾ أي ممسوخ وخص بالذكر لأنه محل الإيمان، ولأنه
[ ١٠٦ ]
إذا أثم تبعه الباقي. (ورشوة) بتثليث الراء وهي أن يبذل مالًا ليحق باطلًا أو يبطل حقا لخبر الترمذي «لعنة الله على الراشي والمرتشي» زاد الحاكم «والرائش الذي يسعى بينهما» . أما بذله للمتكلم في جائز مع سلطان مثلًا فجعلة جائزة فيجوز البذل والأخذ وبذله للمتكلم في واجب كتخليص من حبس ظلما وتولية قضاء طلبه من تعين عليه أو سن له جائز والأخذ فيه حرام. (ودياثة) بمثلثة قبل الهاء، وهي استحسان الرجل على أهله لخبر ثلاثة لا يدخلون الجنة العاق والديه والديوث ورجلة النساء. قال الذهبي إسناده صالح. (وقيادة) قياسا على الدياثة، والمراد بها استحسان الرجل على غير أهله. وقد بسطت الكلام عليه في الحاشية. (وسعاية) وهي أن يذهب بشخص إلى ظالم ليؤذيه بما يقوله في حقه لخبر الساعي مثلث أي مهلك بسعايته نفسه والمسعى به، وإليه. (ومنع زكاة) . لخبر الصحيحين «ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار فأحمي عليه في نار جهنم فيكوى بها جنبه وجبينه وظهره» . إلى آخره. (ويأس رحمة) لخبر الدارقطني. لكنه صوّب وقفه «من الكبائر الإشراك بالله والاياس من روح الله» . والمراد باليأس من رحمة الله استبعاد العفو عن الذنوب لاستعظامها لا إنكار سعة رحمته للذنوب، فإنه كفر لظاهر قوله تعالى ﴿إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون﴾ إلا أن يحمل اليأس فيه على الاستبعاد والكفر على معناه اللغوي وهو الستر. (وأمن مكر) بالاسترسال في المعاصي والاتكال على العفو. قال تعالى ﴿فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون﴾ (وظهار) كقوله لزوجته أنت عليّ كظهر أمي قال تعالى فيه ﴿وإنهم ليقولون منكرا من القول وزورا﴾ أي كذبا حيث شبهوا الزوجة بالأم في التحريم. (ولحم ميتة وخنزير) أي تناوله بلا ضرورة لآية ﴿قل لا أجد
فيما أوحي إليّ محرمّا﴾ وبمعنى الخنزير الكلب وفرع كل منهما مع غيره. (وفطر في رمضان) ولو يوما بلا عذر لخبر من أفطر يوما من رمضان من غير رخصة ولا مرض لم يقضه صيام الدهر، وهو وإن تكلم فيه فله شواهد تجبره، ولأن صومه من أركان الإسلام ففطره يؤذن بقلة اكتراث مرتكبه بالدين، وتعبيري بذلك أولى
[ ١٠٧ ]