أشهر ما عرف من مختصرات كتاب «المحصول» في عصر للمؤلف: «الحاصل من المحصول» لتاج الدين أبو الفضائل محمد بن الحسين الأرموي ثم البغدادي (تـ ٦٥٣ هـ). وأتمه سنة (٦١٤ هـ) (^١).
و«تحصيل الأصول من كتاب المحصول» (^٢) لسراج الدين أبي الثناء محمود بن أبي بكر الأرموي ثم الدمشقي (تـ ٦٨٢ هـ).
وأشهر هذين الكتابين هو: «الحاصل»، لمكان مؤلفه من جهة صحبته لأبي عبد الله الرازي، ومعرفته التامة بأصول هذا الفن واقتداره على حل مشكلاته، وزد عليه: شهرة صاحبه بين أهل الفنون. ومنه أخذ البيضاوي كتابه «المنهاج» (^٣).
ولقرب العهد بين هؤلاء واشتراكهم في اختصار «المحصول»، قد ينقدح في الذهن استفادة أحدهم من الآخر. ولم يكن بين «الحاصل» وبين «التحصيل» أو «الغرر» - بعد المراجعة والبحث - صلة، مع تقدم تأليفه عنهما.
فإن عطفت لتقارن بين «التحصيل» و«الغرر» ظهر لك القرب في اللفظ
_________________
(١) انظر: «كشف الظنون» للحاج خليفة (٢/ ١٦١٥).
(٢) هكذا سماه صاحبه في مقدمة كتابه (١/ ١٦٣). ولكن المحقق أعرض عن هذا وأثبت على صفحة العنوان «التحصيل من المحصول».
(٣) «نهاية السول» للإسنوي (١/¬٤).
[ ١٠ ]
في مواطن كثيرة. حتى يخيل إليك أن أحدهما مأخوذ من الآخر، فليس بينهما كبير اختلاف سوى في ترتيب الجمل واختصار بعض المسائل.
وبما أن صاحب «الغرر» توفي قبل سراج الدين الأرموي بخمس وعشرين سنة، فقد تقول: إن «الغرر» أصل «التحصيل». أو أنه استفاد منه.
وقد يقوي هذا الظن: أنهما [البرزي والأرموي] سكنا دمشق واستوطناها مدة من الزمان، أما صاحبنا فتوفي فيها كما قد علمت مما سبق. وأما الأرموي، فقد سكن دمشق وصنف فيها جملة من كتبه - ومنها «التحصيل» حسبما رجح محققه -، ثم ارتحل عنها في آخر سنة (٦٥٥ هـ) إلى قونية من بلاد الروم [تركيا] وبقي فيها إلى أن توفي ﵀ (^١).
إلا أن نظرة يسيرة تدخل في نفسك الريب، فإن سراج الدين الأرموي، وإن تأخرت وفاته، إلا أن تأليفه «التحصيل» متقدم جدا، ويدلك على هذا أن من النسخ التي وصلت إلينا من هذا الكتاب نسخة يرجع تأريخها إلى سنة (٦٥٥ هـ) (^٢). بنحو سنتين قبل وفاة صاحبنا. وقد رجح المحقق أنه فرغ منه قبل (٦٤٥ هـ) في دمشق على وجه التقريب والترجيح (^٣).
فالظاهر (^٤) أن صاحبنا هو الذي استفاد من «التحصيل» في كتابه، ويقوي هذا: أن «الغرر» دون «التحصيل» بنحو الربع تقريبا في الحجم، وهذا
_________________
(١) انظر: «التحصيل» (١/ ١٢٥).
(٢) انظر: «التحصيل» (١/ ٨٥).
(٣) انظر: «التحصيل» (١/ ١٢٥).
(٤) استفادة صاحبنا من «التحصيل» أكاد أجزم بها، لما ذكرت من شواهد المقارنة، ولكن عبرت بالظاهر للاحتياط.
[ ١١ ]
نتيجة زيادة الأرموي كثيرا من الأسئلة على أدلة صاحب «المحصول».
وتجاوز صاحب «الغرر» عن بعض الأدلة والوجوه التي كان الأرموي يذكرها تبعا «للمحصول»، وعلى كل حال فـ «الغرر» أقل ألفاظا من «التحصيل».
وإليك مثالا تدرك به ما وراءه للمقارنة بين الكتابين في الفصل الأول:
الغرر «التحصيل» (١/ ١٦٧ - ١٦٩) الأول: في أصول الفقه
معرفة المركب مرتبطة بمعرفة مفرداته من الوجه الذي وقع التركيب فيه. فالأصل: المفتقر إليه.
والفقه لغة: الفهم. وعند العلماء: العلم بالأحكام الشرعية العملية بحيث لا تعلم ضرورة من الشرع.
وما خرج بهذه القيود معلوم.
[وجعل الفقه علما لقطع المجتهد بوجوب العمل بظنه]، فالحكم معلوم، والظن المقدمة الأولى
أصول الفقه مركب، فيتوقف معرفته على معرفة مفرداته من حيث يصح تركبها. فالأصل هو المحتاج إليه.
والفقه عند العلماء: العلم بالأحكام الشرعية العملية التي لا يعرف بالضرورة كونها من الدين إذا حصل بالاستدلال على أعيانها.
وإنما جعل الفقه علما لقطع المجتهد بوجوب العمل بموجب ظنه فالحكم معلوم وقع الظن في طريقه.
وخرج عنه العلم بالذوات والصفات الحقيقية. وبالأحكام الشرعية العملية. العقلية والعلمية ككون الإجماع حجة
[ ١٢ ]
واقع في طريقه.
وأصول الفقه: مجموع طرقه إجمالا وكيفية الاستدلال والمستدل بها.
[ونريد] بالكيفية الأولى: شرائط الاستدلال. وبالثانية: حد المفتي والمستفتي والمجتهد.
والطريق: ما يفضي النظر الصحيح فيه - وهو: ترتيب تصديقات يتوصل بها إلى [غيرها - إلى] علم أو ظن.
ويسمى الأول دليلا. والثاني أمارة. والعلم بوجوب الصوم والصلاة وعلم المستفتي.
*وإضافة اسم المعنى لغيره لاختصاص المضاف بالمضاف إليه في معنى لفظ المضاف*، فإذن أصول الفقه: جميع طرق الفقه من حيث هي طرق وكيفيتي الاستدلال وحال المستدل بها.
والطريق: ما يفضي النظر الصحيح - وهو ترتيب أمور مطابقة لمتعلقاتها في الذهن ليتوسل بها إلى غيرها - فيه إلى العلم أو الظن.
والأول يسمى دليلا والثاني أمارة.
والكيفية الأولى: بيان شرائط الاستدلال والثانية: بيان وجوب الاجتهاد على المجتهد والاستفتاء على المقلد.
وأنت كما ترى، لم يصنع صاحبنا شيئا سوى أنه حذف ما بين النجمتين [**] من كلام صاحب «التحصيل»، وقدم في النص وأخر، وأبدل اللفظ في تعريف الأصل بغيره. وعلى هذا فقس في تالي فصول الكتاب. وليس يقال: إنهما صدرا عن «المحصول» فقد تجد بينهما هذا الشبه؛ لأنك إن
[ ١٣ ]
رجعت إلى «المحصول» علمت حجم الفرق الذي بينه وبين لفظ هذين الكتابين.
نعم، استقل صاحب «الغرر» عن «التحصيل» في النصف الثاني من الكتاب من بعض الوجوه من جهة التعبير، حتى ترى التمييز بينهما باديا بعض الشيء في آخر الكتاب، وإن كان في حالتيه لم ينفك عنه في الجملة. والتمييز الذي عنيت شيء تراكمي حصل في الكتاب شيئا فشيئا، لا تستطيع أن تعين الموطن الذي بدأ الافتراق فيه بينهما. فكأن المصنف بدأ وهو مقيد بكتاب «التحصيل» قد وقع في أسر ألفاظه وتراكيبه، ومع الاختصار والمضي في الكتابة وتكرار النظر والمراجعة استقل عنه في الشيء بعد الشيء، حتى نال منه حريته في آخر الكتاب وعتق من رقه.
وإليك مثالا آخر للمقارنة بين الكتابين من (فصل المفتي والمستفتي) يثبت صدق ما ذكرت لك:
«الغرر» «التحصيل» (٢/ ٣٠١) مسألة: إذا أفتى المجتهد مرة ثم سئل عنها مرة أخرى فإن ذكر طريق اجتهاده أفتى، وإلا استأنف الاجتهاد وأفتى وإن خالف الأول
ولقائل أن يقول: لما ظن أن المسألة الأولى: إذا أفتى مرة في واقعة بعد الاجتهاد، ثم سئل عنها أخرى وهو ذاكر لطريق اجتهاده أفتى وإلا استأنف الاجتهاد، فإن أدى اجتهاده إلى خلافه أفتى بموجبه. * والأحسن إعلام المستفتي أولا بذلك، كما فعله ابن
[ ١٤ ]
الطريق الأول كان قويا لم يجب الاستئناف، لأن العمل بالظن واجب.
مسألة: إذا حكي عن الميت فتوى لم يجز العمل بها، إذ لا قول للميت، لانعقاد الإجماع مع خلافه. وإنما صدقنا كتب الفقه لاستفادة طرق الاجتهاد ومعرفة المتفق والمختلف منها.
وقيل: إذا روى ثقة فاهم عن مجتهد عالم ثقة حصل للعامي ظن أن حكم الله ما حكاه، والعمل بالظن واجب. وأيضا: انعقد الإجماع في زماننا على ذلك.
وإن حكى عن حي أو سمع منه جاز العمل به ولغيره بقوله، إذ رجع علي إلى حكاية المقداد عن النبي ﷺ في شأن المذي. وإن رواه عن كتاب موثوق بصحته جاز، وإلا فلا. والله أعلم. ﵁ مسعود لئلا يبقى عملهم بغير موجب *.
وربما قيل: إنه إذا ظن أن الطريق الأول كان قويا لم يجب الاستئناف، إذ العمل بالظن واجب.
المسألة الثانية: اختلفوا في فتوى غير المجتهد بحكاية قول الغير. فنقول: ذلك الغير إن كان ميتا لم يجز الأخذ بقوله إذ لا قول لميت لانعقاد الإجماع على خلافه. وإنما صنفت كتب الفقه لمعرفة المتفق والمختلف واستفادة طرق الاجتهاد من تصرفهم.
وربما قيل: إذا كان المجتهد ثقة عالما والحاكي ثقة فاهما معنى كلامه حصل للعامي ظن أن حكم الله ما حكاه والظن حجة، وأيضا انعقد الإجماع في زماننا على هذا، إذ لا مجتهد فيه وإن كان حيا وسمع منه مشافهة فله العمل به ولغيره بقوله، إذ يجو ﵁ ز للمرأة أن تعمل في حيضها بنقل زوجها عن المفتي، ورجع علي إلى حكاية المقداد عن النبي ﷺ في شأن المذي، وإن رجع إلى كتاب موثوق به جاز أيضا.
[ ١٥ ]
وعلى كل حال، فصاحب «الغرر» لا يخلو من أحد أمرين في النظر والعقل:
إما أن يكون قد استعان في اختصاره «المحصول» بكتاب «التحصيل»، فكان ينظر في الكتابين وقد تغلب عليه عبارة الثاني في بعض المواطن. وإما أنه اختصر كتابه من «التحصيل» دون نظر لأصله.
وإذا كنا في سعة الاحتمال ومجمل الحال، حملنا الأمر على الأول، فلنا في هذا مندوحة عن الاحتمال الثاني، صيانة للمؤلف وإحسانا للظن به أن يكون أتى بدلسة في كتابه أو أنه لم يف بما قال من أن كتابه اختصار «للمحصول». حتى تقوم بينة على خلاف هذا، فنحمل كلامه على أنه تأول شيئا ولم يصب فيه (^١). وعلى كل حال، فاستفادة المؤلف من «التحصيل» وإن كانت ظاهرة طاغية على الكتاب، لا تعني اقتصاره عليه وحده، بل لعل صواب العبارة أن يقال: أن المؤلف أثناء كتابته كان بين يديه «التحصيل» فتعجبه عبارته فيستفيد منها في كتابه، وقد يخالفه ويضع عبارة هي أولى عنده منها. ولم يزل هذا شأن الناس في العلم، يفيد بعضهم من بعض ويأخذ اللاحق من السابق.
ويبقى بعد هذا أمر لا يسعنا إلا أن نقر فيه بتقصير المؤلف سامحه الله، ألا وهو عدم ذكره - ولو بالإشارة الملغزة والتنبيه المبهم - لصاحب «التحصيل»، مع ما له عليه من منة الانتفاع بكتابه، والاستعانة به في عرض
_________________
(١) قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "من أعظم التقصير: نسبة الغلط إلى متكلم مع إمكان تصحيح كلامه، وجريانه على أحسن أساليب كلام الناس"، «مجموع الفتاوى» (٣١/ ١١٤).
[ ١٦ ]
بضاعته. فكان حريا به أن يشير لصاحب الفضل ويدل على موطن الاستفادة ليبارك له فيما كتب ويكون قد أدى بذلك شكر العلم (^١).
وإن كان في المقام ما يحتمل العذر للمصنف ﵀، فيقال: لعل المانع له من ذكر صاحب «التحصيل» زيادة على ما في المعاصرة الموجبة للنفرة، عظم الفرق بينهما في السن، فبين تاريخ وفاتيهما ربع قرن، وهذا يدل - في غالب الظن - على أن صاحبنا أسن من سراج الدين، فلعل هذا هو المانع له من عدم ذكره وإغفاله الإشارة إليه. على ما في هذا من منافاة أدب العلم وأخلاق العلماء وما هو اللائق بهم من نسبة الفضل لأهله والتواضع لهم فيه، ثم هبك سكت فلم تبين مأخذ كلامك، أفتحسب أن الكتاب ما عرفه غيرك؟! (^٢)، إلا أن هذا من طبائع نفوس بني آدم، يعسر عليهم التخلص منه، فتجد المرء تغالبه نفسه حتى تخرجه إلى نوع من التدليس والتعمية. والله يعفو بمنه وفضله.
* * *
_________________
(١) قال أبو عبيد القاسم بن سلام: "من شكر العلم أن تستفيد الشيء، فإذا ذكر لك قلت: خفي علي كذا وكذا، ولم يكن لي به علم حتى أفادني فلان، فهذا شكر العلم"، «المنتظم» لابن الجوزي (١٥/ ١٣١)، وأبسط منه في «الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع» للخطيب البغدادي (رقم: ١٤٦٧). وانظر: «المزهر» للسيوطي (٢/ ٢٧٣).
(٢) وقف ابن حجر على كتاب شيخه ابن الملقن الذي ذيل به على «طبقات الشافعية» له، وتبين له أنه مأخوذ من «الطبقات الوسطى» لتاج الدين ابن السبكي، ولم يشر ابن الملقن لذلك، فعلق ابن حجر على طرة الكتاب ما نصه: "أتراه ظن أن «طبقات» تاج الدين تدفن معه فلا تظهر؟ وما جوز قط أن ينقل منها نسخة أخرى؟ إن هذا لشيء عجيب"، «الجواهر والدرر» للسخاوي (١/ ٣٩٢).
[ ١٧ ]