يعرف كل من له علم بتحقيق الكتب ما في إخراج الكتاب على نسخة واحدة من المخاطرة والجهد والتعب، فالنسخة في أحسن أحوالها إذا سلمت صورتها وقرئ خطها لم تسلم من تصحيف الناسخ وإغفاله وانتقال نظره أثناء النسخ فيذهب عليه بسبب ذلك كلمات وأحيانا جمل.
وعلى كل حال، فنسختنا هذه على ما فيها من مواطن الطمس والبياضات التي تركها الناسخ، إلا أنها في الجملة لم يصعب العمل عليها بحمد الله، والذي ساعد في هذا أن الكتاب في أصله مختصر «للمحصول» ويستمد من «التحصيل» كما تقدم شرحه، فاستعنت بهما في استدراك الجمل والكلمات الساقطة والمطموسة.
وليس عندي في طريقة إخراج هذا الكتاب زيادة على ما ذكرت في
[ ٢٠ ]
«المنتخب»، إلا في موطنين:
الأول: أن الكتاب وإن كان حوى من المسائل أكثر مما في «المنتخب»، إلا أنه دونه في الحجم، وذلك لاختصاره في الألفاظ واقتصاده في التعبير عن معاني الكتاب وتجاوزه عن كثير من الأدلة. وعليه، فقد جعلت التعليق عليه من جهة العزو والتخريج على نحو ذلك. فأكتفي من ذلك بما يدل على المراد ويرفع اللبس، حتى لا ينقطع الناظر فيه عن تمام النظر بسبب الحواشي. فإن الكتاب من المختصرات التي تقصد بالشرح والحفظ، وإثقالها بالتعليق مخالف للقصد من وضعها.
والثاني: لم يكن بين يدي من الكتاب سوى نسخة واحدة، ولا تخلو من خطأ وسقط، وغالب هذا من الناسخ كما لا يخفى، فكان من أمري في تصحيح الكتاب:
* ما كان من الجمل والكلمات قد أصابه الطمس، أثبته في الأصل بما ترجح عندي بعد المراجعة والنظر بين معقوفتين []. ولم أشر إلى ذلك في الحاشية لكثرته، فلا تكاد تخلو منه صفحة.
* وما كان السقط فيه بسبب السهو وانتقال النظر، أو كان مما تركه الناسخ بياضا، فأثبته في الأصل بما ظهر لي بين معقوفتين أيضا []، ولكن مع بيان ذلك في الحاشية للتمييز.
* وما كان في النسخة من تحريف وتصحيف، أثبت مكانه في الأصل ما حسبته صوابا ونبهت عليه في الهامش، وذكرت ما كان في الأصل. فإن
[ ٢١ ]
كان لما في النسخة وجه - ولو كان بعيدا ـ، أبقيته على ما هو عليه، ونبهت عليه في الحاشية حتى لا يظن به الغلط بسبب الطباعة، خروجا من عهدته وبيانا لأمره.
وبقي من معهود الفصول في المقدمة ما لم أر حاجة لذكره، إما لتقدمه
في مقدمة «المنتخب»، كمآخذ الكتاب وبناءه. وإما لعدم ما يوجبه ويقتضيه، كتعيين التسمية (^١). وأما بحث صحة النسبة، فليس عندي ما أذكره، والأصل صحة ما في غاشية الكتاب من النسبة حتى يقوم ما يدفعها.
ولا أنسى في ختام هذه التقدمة اليسيرة أن أشير لحق علي واجب قضاؤه لمن أعانني على نسخ الكتاب، بل نسخه كله إلا قليلا وأعني به أخي ووديدي مهند الشيباني وفقه الله وشكر له ويسر له ما رجاه.
وبعد، فإليك من الأصول غررا كالبكر لم تفتض، والغانية لم تمس، فأكرم نزلها، وأحسن رفادتها. وأرجو أن أكون قد وفقت في إخراج الكتاب والعناية به، فلا أكون كمن أسراج مصباحا في شمس، أو أهدى حسناء إلى عنين، فإن كنت أصبت فيما أتيت، فمن الله، وإن أخطأت فمن نفسي ومن الشيطان، والله ورسوله منه بريئان.
"إلهي، أعوذ بك من مقال الكاذبين وإعراض الغافلين، إليك خضعت قلوب العارفين، وذلت هيبة المشتاقين. إلهي، هب لي جودك، وجللني سترك واعف عن توبيخي بكرم وجهك يا أرحم الراحمين" (^٢).
_________________
(١) فقد كفانا المؤلف عناء البحث في هذا بنفسه إذ قال: "وسميته بغرر المحصول في علم الأصول".
(٢) من دعوات الإمام الشافعي ﵀، «مناقب الشافعي» للبيهقي (٢/ ١٧٦).
[ ٢٢ ]