هذا وقد كنت ذكرت في مصعد الراقي ترجمة مختصرة للشيخ الناظم ﵀ ﷾ وسأنقلها هنا - مع تصرف - تبركا بها وتيمنا، فأقول:
ولد الشيخ ﵀ ﷾ عام ١١٥٢ هـ كما في حوليات تججكه (^١).
وأخذ عن طائفة من أهل العلم ببلاده، منهم سيدي مولاي المختار بن بونا الجكني ﵀ ﷾ (^٢) ومولاي سيدي عبد الله (^٣) بن الفاضل اليعقوبي ﵀ سبحانه
_________________
(١) قال في نيل النجاح: بفوقية مكسورة، فجيمين، الأولى مكسورة، والثانية ساكنة، وكاف معقودة. إلى أن قال: ومعناها بلسان آزناقة: بئر البقر اهـ
(٢) هو العالم الكبير المختار بن محمد سعيد، المعروف ببونا، ولد في العقود الأولى من القرن الثاني عشر، وأخذ عن انجبنان الشمشوي، والمختار بن أحمدنا ألفغ، وغيرهما من علماء عصره ﵏ ﷾ أجمعين ـ. اشتهر بعلوم العربية والمعقول من نحو، ولغة، وبيان، وكلام، ومنطق، وأصول، وغير ذلك. وممن أخذ عنه من مشاهير عصره: سيدي عبد الله بن الحاج إبراهيم، وابنه سيدي محمد، وحرمة بن عبد الجليل العلوي، وعبد الله بن الحاج حمى الله، وابن أخته: محمد النابغة القلاوي، وسيدي عبد الله بن أحمد دام، وبلا، الحسنيان، وابن عيد الجكني، وادييجه الكمليلي، ومحمد لمجيدري اليعقوبي، والمختار بن حبيب الجكني، ومولود بن أحمد الجواد اليعقوبي، والسالك بن عمار العلوي، وعبد الله بن سيد محمود الحاجي، وأبات النزاري، وغيرهم من الأئمة الأعلام ﵏ ﷾ أجمعين ـ. له مؤلفات عديدة، طار صيتها، ولقيت قبولا عظيما، منها الجامع بين التسهيل والخلاصة، المعروف بالاحمرار والطرة، ومنها وسيلة السعادة في علم الكلام، وتحفة المحقق في علم المنطق، ومبلغ المأمول من علم الأصول، نظم به جمع الجوامع، ومؤلفات أخرى. توفي ﵀ ﷾ في حدود عام ١٢٣٠ هـ
(٣) سيدي عبد الله، بن الفاضل، بن بارك الله فيه، اليعقوبي، عالم متبحر، ذو مكانة عظيمة بين أهل عصره، أخذ عن علماء قبيلته، وعن سيدي أحمد الحبيب اللمطي وغيره، ويقال: إنه أخذ عن المختار بن بونا أيضا، ولا يبعد ذلك بحكم علاقة الجوار، والمحبة المعروفة بينهما، وقد أثنى على ابن بونا في رسالته تحفة المتابع، كما مدحه هو المختار في بعض قصائده، حج ولقي عددا من العلماء في رحلته، وأخذ عنه سيدي عبد الله بن الحاج إبراهيم، وعبد الله بن الحاج حمى الله وغيرهم، توفي سنة ١٢٠٩ هـ قال عنه البرتلي: كان ﵀ ﷾ من العلماء العاملين، وعباد الله الصالحين، له حظ من علم التصوف، متفننا في علوم شتى، ناصر السنة، ومخمد جمر البدعة، ورعا في مطعمه، لا يعيش إلا من لبن نياق ورثهم عن والديه ﵏ ﷾.
[ ١ / ٦ ]
وتعالى ـ.
ورحل إلى المغرب، وعمره نحو الثلاثين.
وذكر في الدر الخالد أنه مكث فيه سبع سنين، وقال: الغالب عليه الفاسان: الجديد، والبالي، ومراكُش، وهي التي أخذ فيها عن بناني اهـ
وممن تتلمذ عليهم من أهل العلم بالمغرب، سيدي محمد التاودي بن سودة - رحمهما الله ﷾.
[ ١ / ٧ ]
وسيدي عمر الفاسي ﵀ ﷾ ذكره في نشر البنود مستهل مسألة القوادح.
والشريف الحسيني: سيدي عبد الله بن مولاي إدريس - رحمهما الله ﷾ ذكره في نيل النجاح.
كان من خاصة السلطان سيدي محمد الثالث بن عبد الله بن إسماعيل - رحمهما الله ﷾.
رحل إلى الحج من هناك مع ابن الأمير: مولاي اليزيد - رحمهما الله ﷾ ودخل في رحلته الأزهر الشريف، كما في شرحه لرشد الغافل.
ومر في رجوعه بتلمسان، كما في شرحه لنظم الأربعين سادة.
كان رجوعه إلى بلاد شنقيط عام ١١٩٠ هـ كما في حوليات تججكه، وعمره يومئذ ثمانية وثلاثون سنة، وعاش بعد ذلك نحو اثنين وأربعين عاما، تخرج به فيها خلائق لا يحصون من أهل العلم والصلاح الظاهر، ورفعت إليه النوازل من البلاد البعيدة، وأذعن لإمامته في العلم، والتربية، والفتوى عامة أهل قطره، برهم وفاجرهم، وقصته مع جدنا مولاي الولي الشهير، والعالم الكبير، ذي البركات الظاهرة، والخوارق الباهرة، مولاي الشريف: سيدي أحمد الولي (^١) بن مولاي إدريس العلَمي - رحمهما الله ﷾ قصة عجيبة،
_________________
(١) ترجم له الأستاذ الباحث المبرز في التاريخ وأصول الفقه الشيخ محمد يحيى بن احريمو فقال: الشريف أحمد بن مولاي إدريس العلَمي، الحسني، الإدريسي، صالح وعالم مشهورمن أسرة من الشرفاء " العَلَميين " أبناء سيدي عبد السلام بن مشيش ﵀ ﷾. ولد ونشأ في نواحي فاس بالمغرب، ثم انتقل إلى موريتانيا بعد سياحة وجولان في الأرض. إلى أن قال: لا تسعفنا المصادر المكتوبة بمعلومات كبيرة عن هذه الشخصية العلمية والصوفية الهامة، غير أنها تتفق على بلوغه الغاية في العلم والصلاح والعبادة، فقد سلم له علماء عصره، واعترفوا بتبريزه. وقد ورد ذكره ضمن تلامذة سيدي عبد الله بن الحاج إبراهيم ﵀ ﷾ وهو أمر وارد بحكم العلاقة الوطيدة التي جمعته به. وقد تتلمذ للشريف أحمد الولي ﵀ ﷾ بعض العلماء من أشهرهم: الطالب أعمر بن علي السِّيدْ الطلابي، ومحمد المختار بن أيدَّ الجكني، والعلامة الجليل أحمد الصغير بن حمى الله التشيتي (ت ١٢٧٢ هـ) فقد ذكر ابنه محمدو في ترجمته أنه لازم الشريف أحمد الولي مدة، وانتفع به وتربى على يديه، كما تشير بعض المصادر إلى لقاء عابر جمعه مع الشيخ محمد فاضل بن مامين في صغره ﵏ ﷾ أجمعين ـ. إلى أن قال: توفي الشريف أحمد الولي ﵀ ﷾ سنة ١٢٦٧ هـ كما في حوليات تشيت اهـ إلى أن قال: أما أبناء الشريف أحمد الولي ﵀ ﷾ فهم: الطيب، ومولاي، وعبد القادر، والحضرمي، ورقية، وفاطمة، ولاله، وعائشة - رحمة الله تعالى عليهم أجمعين. ولقاء الشيخ محمد فاضل به - رحمهما الله ﷾ الذي أشار إليه، ذكره الشيخ ما العينين ﵀ ﷾ في فاتق الرتق، ونصه: يحكى أن أبانا الشيخ محمد فاضل بن مامين - رضي الله ﷾ عنه - كان يلعب مع الصبيان، وهو في غاية الصبية، إذ رأوا جملا من بعد، وعليه رجل عليه عمامة، وحوله الناس، ما بين مشيع وسائر معه، فقال شيخنا: من هذا؟ فقالوا له: ذلك سيدي أحمد الولي الشريف، الذي له من المزايا كذا وكذا، فجعل يعدو بأثره حتى وصله، فلما وصله نظر إليه الشريف، وأمسك الجمل عن السير بعد أن رأى الناس يقبلون شيخنا، ويقولون: مرحبا مرحبا، فقال له شيخنا: أيها الشريف: إني جئت زائرك، وأريد أن تدعو الله ﷾ لي بخير، فقال لهم الشريف: من هذا الصبي الذي قول هذا؟ فقالوا له: ذلك ابن مامين فلان، فقال لهم: ارفعوه لي، فرفعوه له، فوضعه على فخذيه، بينه مع قربوس راحلته، وجعل يقبله، ويمسح يده على رأسه، فقال له: أتريد أن أدعو لك بالعلم الظاهر، أو بالعلم الباطن؟ فقال له شيخنا: أريد أن تدعو لي بهما، فقال له: إن كنت تريد العلم الظاهر فتعلم هذا البيت فمن لم يذق ذل التعلم ساعة … تجرع كأس الجهل طول حياته وحكاه عليه حتى حفظه، وإن كنت تطلب العلم الباطن فتعلم هذا البيت وقدم فتوحا إذ عليه مدارها … فإن طريق الشيخ بذل العطيه فتعلم شيخنا البيتين، وعمل بهما ما شاء الله ﷾ حتى أعطاه الله ﷾ ما أعطاه بالتمام، وله الحمد والشكر على ما أولاه من بين الأنام اهـ
[ ١ / ٨ ]
دالة على أنه من كبار المكاشفين.
ألف ﵀ ﷾ تآليفه التي تلقاها الناس بالقبول، في علوم شتى.
ومن أولها: نَوْر الآقاح، أتمه بتججكه أواخر جمادى الأخيرة عام ١١٩١ هـ
ثم طرد الضوال والهمل الذي أتمه أواخر جمادى الأخيرة من العام الموالي.
ثم فيض الفتاح على نَوْر الآقاح، الذي شرع فيه في صفر الخير، عام ١١٩٤ ه
[ ١ / ٩ ]
وأتمه في رجب عام ١١٩٨ هـ بتججكه.
ثم روضة النسرين في الصلاة على النبي الأمين - صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ـ.
ثم شرحه: يسر الناظرين، وقد أتمه عام ١٢٠١ هـ
ثم شرع في هدي الأبرار في تلك السنة، منتصف شعبان، وأتمه عام ١٢٠٥ هـ
ولم أقف على تاريخ نظمه لطلعة الأنوار.
وقد اشتغل بنيل النجاح عام ١٢٠٣ هـ أثناء اشتغاله بهدي الأبرار.
ولم أقف على تاريخ نظمه لنيل النجاح.
واشتغل قبل إتمامه لنيل النجاح بمراقي السعود، حيث أتم نظمه ١٢٠٦ هـ
وبشرحه نشر البنود الذي ابتدأه عام ١٢٠٧ هـ ولم يكمله إلا عام ١٢١٤ هـ
ثم أتم نيل النجاح عام ١٢٢٣ هـ
ثم أتم شرحه لرشد الغافل عام ١٢٢٤ هـ
ولم أقف على تاريخ نظمه لرشد الغافل.
ومن مؤلفاته كذلك شرح لأسماء الله تعالى الحسنى، وقد نظمه شيخ شيوخنا الصالح الشهير والفقيه الحجة لمرابط السالم (^١) بن إسلمو الأبياري ﵀ ﷾.
ومن مؤلفاته نظم في القراآت الثلاث.
ومن مؤلفاته رسالة في نسب قبيلتي إيدوعلي والأقلال، ولم أتمكن من الوقوف عليها.
وقد جمعت فتاويه، فجاءت في جزء غزير العلم، عظيم الفائدة، تلقاه أهل العلم
_________________
(١) هو السالم بن إسلمو بن اعْلِنْبِطالِبْ بن عبد الودود بن ألفغ ألمين بن لمرابط بلعمش الأبياري الفاضلي، عالم متمكن في الفقه، شديد الشكيمة، لا تأخذه الله ﷾ لومة لائم، لا يداهن الأمراء، مبرز في الفتوى والقضاء، عابد ناسك، له ديوان شعر، وأنظام كثيرة في العقائد والفقه وغيرهما، أخذ عن لمرابط أحمد فال بن آد الجكني الرمضاني، ولمرابط محمد المصطفى بن دي اليعقوبي الأعمامي، ولمرابط أحمد بن مود الجكني الأجفاغي، وأخذ عنه جمع كثير من أعيان الفقهاء وغيرهم، توفي عام ١٣٨١ هـ بتكانت عن نحو خمسين سنة.
[ ١ / ١٠ ]
بالقبول، وتعاطوه بالنظم، والشرح.
ولا أعرف تاريخ جمعها، ويظهر من تتبعها أن جمعها تم في مراحل، ولا أستبعد أن يكون البعض منها جمع في حياة الشيخ ﵀ ﷾ لتكرر العزو إليها في نوازل القصري - رحمهما الله ﷾ المتوفى عام ١٢٣٥ هـ
توفي الشيخ ﵀ ﷾ عام ١٢٣٣ هـ كما قال الفقيه الأديب باب ابن أحمد بيب العلوي ﵀ ﷾:
عام ثلاث وثلاثين سنه … القبة الزهراء صارت مدفنه
وذكر في الدر الخالد أن ذلك وقت المغرب ليلة الجمعة الثامن والعشرين من ربيع الثاني.
المقدمة:
بفتح الدال من قدم الشيء: ضد أخره، وبكسرها من قدم بين يديه بمعنى: تقدم.
وهي نوعان:
مقدمة كتاب، وهي ما يذكر أوله غالبا، لبيان مصطلحه - مثلا - كمقدمة خليل ﵀ ﷾ في مختصره.
ومقدمة علم، وهي: ما يذكر فيه حده - مثلا - ونحوه من المبادئ، كهذه المقدمة.
أول من ألفه في الكتب … محمد بن شافع المطلبي
وغيره كان له سَلِيقه … مثل الذي للعُرْب من خَليقه
قوله: أول من ألفه البيت، معناه أن أول من ألف في علم الأصول، هو الإمام الشافعي ﵀ ﷾ وهو محمد بن إدريس، بن عباس، بن عثمان، بن شافع.
وذلك في كتاب الرسالة الذي وضعه لما بعث إليه عبد الرحمن بن مهدي ﵀ ﷾ يسأله أن يضع له كتابا يذكر فيه معاني القرآن، وشروط الأخبار، وأشياء
[ ١ / ١١ ]
من هذا القبيل.
وكان قبل ذلك سليقة للناس، كالنحو والبلاغة وغيرهما، كما أشار إليه ﵀ ﷾ بقوله: وغيره كان له سليقة البيت.
والسليقة والخليقة مترادفان، معناهما: الطبيعة، وهي الأمر المركوز في الإنسان.
وذلك أن أكثر هذا العلم - أو كثير منه - عائد إلى مسائل اللسان، كمباحث الألفاظ، وقد كانت قواعد اللسان مركوزة في طبائعهم، ككل لسان للمولود بين أهله، ولم تدون قواعده حتى دخل العجم في الإسلام، فدخل على الناشئة من العرب اللحن من قبلهم، وما سوى ذلك من قواعده ما بين عقلي، وشرعي، قريب من البدهي عند الممارسين، كشروط الأخبار.
الاحكام والأدلة الموضوعُ … وكونه هذي فقط مسموع
معناه أن موضوع علم أصول الفقه، هو أدلة الأحكام، التي هي الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس، لأنه يبحث فيه، عن العوارض اللاحقة لها، من كونها عامة أو خاصة، أو مطلقة، أو مقيدة، أو ناسخة أو منسوخة، أو محكمة، أو مجملة، أو ظاهرة، أو نصا، ونحو ذلك، وهذه الأشياء هي مسائل الفن.
وموضوع الفن: هو ما يبحث فيه عن أعراضه الذاتية، كبدن الإنسان بالنسبة لعلم الطب، والمراد حملها على نوع من أنواعه، كقولنا: الإجماع القطعي حجة قطعية، أو على أعراضه، كقولنا: الأمر للوجوب، فالأمر من عوارض النص الذي هو نوع من أنواع الأدلة، أو على أنواع أعراضه، كقولنا: الأمر المقيد ليس أمرا بتحصيل ما قيد به، فالأمر المقيد نوع من أنواع الأمر.
وقيل: موضوعه الأدلة والأحكام معا، إذ يبحث فيه أيضا عن أعراض الحكم، كانقسام الأمر إلى عيني وكفائي، ونحو ذلك، والأول رأي الأكثرين.
أصوله دلائل الإجمال … وطُرُق الترجيح قَيْد تال
وما للاجتهاد من شرط وَضَح … ويطلق الأصل على ما قد رجح
قوله: أصوله دلائل الإجمال، معناه أن أصول الفقه هي أدلته الإجمالية، أي: مسائل
[ ١ / ١٢ ]
أدلته الإجمالية، وطرق الترجيح، وشروط المجتهد.
والدليل سيأتي أنه: ما يتوصل بصحيح النظر فيه، إلى مطلوب خبري.
والإجمالية: خلاف التفصيلية، من أجمل الشيء إذا جمعه.
قال في الإبهاج: والمراد بالإجمالية: كليات الأدلة، فإن (أقيموا الصلاة) و(لا تقربوا الزنا) (اقتلوا المشركين) ونهيه صلى الله تعالى عليه وسلم عن قتل النساء والصبيان، (^١) وإطلاق الرقبة في موضع، وتقييدها بالإيمان في موضع، وصلاته صلى الله تعالى عليه وسلم في الكعبة، (^٢) وإجمال الصلاة في الآية المذكورة، وبيان جبريل - على نبينا وعليه أفضل الصلاة وأتم التسليم - لها، (^٣) ونسخ التوجه إلى بيت المقدس، والإجماع على أن بنت الإبن لها السدس، وخبر ابن مسعود - رضي الله ﷾ في ذلك، (^٤) وقياس الأرز على البر، ومرسل سعيد بن المسيب - رضي الله ﷾ عنهما - في النهي عن بيع اللحم بالحيوان، (^٥) وقول عثمان - رضي الله ﷾ عنه - في بيع الفراء، والمصلحة المرسلة في التترس، والأخذ بالأخف في دية اليهودي، والاستحسان في التحليف على المصحف، ونحو ذلك كلها أدلة معينة، وجزئيات مشخصة، والعلم بها ليس من أصول الفقه في شيء، وإنما هي وظيفة الفقه، ولهذه الأدلة وأمثالها كليات، وهي مطلق الأمر، والنهي، والعموم، والخصوص، والإطلاق، والتقييد، والفعل، والإجمال، والتبيين، والنسخ، والإجماع، وخبر الواحد، والقياس، والمرسل، وقول الصحابي، والمصلحة المرسلة، والأخذ بالأخف، والاستحسان عند من يقول به.
وهذه الكليات داخلة في الجزئيات، فإن الكلي الطبيعي موجود في الخارج، وفي الذهن، في ضمن مشخصاته، ففي الأدلة اعتباران:
_________________
(١) متفق عليه.
(٢) متفق عليه.
(٣) حديث " أمني جبريل - على نبينا وعليه أفضل الصلاة وأتم التسليم - عند البيت مرتين " رواه أبو داوود والترمذي والإمام أحمد، وهو حديث صحيح.
(٤) رواه البخاري وأبو داوود والنسائي وابن ماجة والإمام أحمد.
(٥) رواه الإمام مالك في الموطإ.
[ ١ / ١٣ ]
أحدهما من حيث كونها معينة، وهذه وظيفة الفقيه، وهي الموصلة القريبة إلى الفقه، والفقيه قد يعرفها بأدلتها إذا كان أصوليا، وقد يعرفها بالتقليد.
والاعتبار الثاني من حيث كونها كلية، أعني يعرف ذلك الكلي المندرج فيها، وإن لم يعرف شيئا من أعيانها، وهذه وظيفة الأصولي.
فمعلوم الأصولي الكلي، ولا معرفة له بالجزئي من حيث كونه أصوليا.
ومعلوم الفقيه الجزئي، ولا معرفة له بالكلي من حيث كونه فقيها، ولا معرفة له بالكلي إلا لكونه مندرجا في الجزئي المعلوم، وأما من حيث كونه كليا فلا.
فالأدلة الإجمالية هي الكلية، سميت بذلك لأنها تعلم من حيث الجملة، لا من حيث التفصيل، وهي توصله بالذات إلى حكم الإجمالي، مثل كون كل ما يؤمر به واجبا، وكل منهي عنه حراما، ونحو ذلك، وهذا لا يسمى فقها في الاصطلاح، ولا توصل إلى الفقه بالتفصيلي، وهو معرفة سنية الوتر، أو وجوبه، وبطلان بيع الغائب أو صحته - مثلا - إلا بواسطة.
ثم معرفة الأدلة من حيث كونها أدلة، لا بد معه من كيفية الاستدلال، (^١) ومعظمها يذكر في باب التعارض والترجيح، فجعلت جزءا آخر من أصول الفقه، لتوقف الفقه عليها.
وليس كل أحد يتمكن من الاستدلال، ولا يحصل له الفقه بمجرد علم تلك الأدلة وكيفية الاستدلال، لأنها أدلة ظنية، ليس بينها وبين مدلولاتها ربط عقلي، فلا بد من اجتهاد يحصل به ظن الحكم، فالفقه موقوف على الاجتهاد، والاجتهاد له شروط يحتاج إلى بيانها، فجعلت جزءا ثالثا من أصول الفقه، لتوقف الفقه عليها اهـ بخ
وعرفه ابن الحاجب ﵀ ﷾ بأنه العلم بالقواعد التي يتوصل بها إلى استنباط الأحكام الشرعية الفرعية عن أدلتها التفصيلية اهـ
وقد اعترض الإضمار في قول بعض المؤلفين: أصوله، لأن أصول الفقه - علما - مفرد،
_________________
(١) فالأمر - مثلا - قد يعارضه معارض، فيحتاج في الاستدلال، إلى معرفة ما يكون به أحدهما مقدما على الآخر.
[ ١ / ١٤ ]
والمفرد لا معنى لبعضه حتى يضاف، فأصول من قولنا: أصول الفقه - علما - كالباء من بكر، كما هو قول الأخضري:
مستعمل الألفاظ حيث يوجد … إما مركب وإما مفرد
فأول ما دل جزؤه على … جُزُء معناه بعكس ما تلا
قوله: ويطلق الأصل على ما قد رجح، هو من تتمة الكلام على كلمة أصول، فكلمة أصول الفقه لها تفسيران: تفسيره مركبا إضافيا، وتفسيره علما للفن.
أما معناه في العلمية، فهو المشار إليه بقوله: أصوله دلائل إلخ.
وأما معناه قبل العلمية، فهو مركب من كلمتين: أصول، وفقه.
أما الأصول فجمع أصل، وهو كما أسلفنا أساس الشيء، ومبناه، وأول أمره، وذكر بعضهم أن معناه في الاصطلاح الأمر الراجح، وهو ما أراد المؤلف ﵀ ﷾ هنا، ومثلوا لهذا بقولهم: الأصل براءة الذمة، وعدم المجاز عند الإطلاق، وإبقاء ما كان على ما كان، وطهارة الأعيان.
وليس ببين عندي تعين الراجحية في معنى الأصل في هذه المواضع، فما المانع من القول بأن الأصل في هذه المواضع، بمعنى أول أمر الشيء، والسابق منه، في الوضع أو الحكم؟
والفرع حكم الشرع قد تعلقا … بصفة الفعل كندب مطلقا
لما تكلم على الأصل، ناسب أن يتكلم على الفرع، فقال: والفرع البيت.
والأوضح - إن شاء الله ﷾ أن الفرع واحد الفروع، وأن الفروع هي الفقه، فيغني عن الكلام عليه، الكلام على الفقه، الذي هو علم، ويعرف من تعريف الفقه الذي هو صفة للمجتهد، المذكور في قول المؤلف ﵀ ﷾: والفقه هو العلم إلخ.
وكأنهم لم يتكلموا على الفرع في الاصطلاح، لأنه معلوم من قولنا أصول الفقه، وذلك هو قول سيدي خليل ﵀ ﷾: لعدم اطلاعي في الفرع على أرجحية منصوصة.
وقد عقد الشيخ بهذا البيت كلاما للإمام اللقاني - رحمهما الله ﷾ عند
[ ١ / ١٥ ]
النص المذكور.
قال العدوي ﵀ ﷾: الفرع هو الحكم الشرعي المتعلق بكيفية عمل، قلبي كالنية، أو غير قلبي كالوضوء، كما قال الناصر اللقاني ﵀ ﷾.
وأراد بالحكم: النسبة التامة، وهي الوقوع، واللاوقوع، أعني وقوع ثبوت المحمول - الذي هو كيفية العمل - للموضوع، كقولك: النية واجبة، فالحكم هو وقوع ثبوت الوجوب، الذي هو كيفية النية، التي هي العمل.
وقولنا: النية في الأذان غير واجبة، الحكم فيه هو انتفاء ثبوت الوجوب، الذي هو كيفية عن النية، فمعنى تعلق الحكم الذي هو وقوع النسبة التامة أنه وقع ثبوت تلك الكيفية لذلك العمل أو لم يقع، وهذا ما أفاده بعضهم.
ويصح أن تقول: الحكم هو ثبوت الوجوب الذي هو كيفية العمل اهـ
وهذا تعريف الحكم على اصطلاح الفقهاء، كما سياتي قريبا - إن شاء الله ﷾ في الكلام على معنى الحكم، لأن الحكم بالمعنى الآخر إنشاء.
وأيضا الفرعية لا يليق وصف الخطاب بها.
وقول البيضاوي ﵀ ﷾ في المنهاج: والحكم متعلق بفعل العبد، لا صفته كالقول المتعلق بالمعدومات اهـ
لفظ " صفته " فيه، مرفوع بالعطف على متعلق، وليس معطوفا على " فعل " (^١).
ومراده أن الحكم قول متعلق بفعل العبد، وليس صفة له، ومراده: الرد على المعتزلة في اعتراضهم بأن خطاب الله ﷾ قديم عندنا، والحكم يكون صفة لفعل العبد، حيث يقال: هذا الفعل حلال.
قال التاج السبكي ﵀ سيحانه وتعالى - في شرحه: هذا جواب عن قوله: ويكون صفة لفعل العبد، فأجاب بأن الحكم قول متعلق بالفعل، لا صفة للفعل، لأن معنى الإحلال قول الله ﷾: رفعت الحرج عن فاعله، وهذا القول صفة لله - سبحانه
_________________
(١) كما هو ظاهر عبارة بعض الشروح.
[ ١ / ١٦ ]
وتعالى - قائم بذاته، متعلق بغيره، لا صفة، كالقول المتعلق بالمعدومات إذا أخبرت عنها - مثلا - فليس القول صفة لها، وإلا لزم قيام الموجود بالمعدوم، وأما كون القديم متعلقا بالحادث فلا يمتنع اهـ
والفقه هو العلم بالأحكام … للشرع والفعل نماها النامي
أدلة التفصيل منها مكتسب … والعلم بالصلاح في ما قد ذهب
فالكل من أهل المناحي الاربعه … يقول: لا أدري، فكن متبعه
الفقه: العلم، أو جودته، وفقه - بالكسر - فَقَها - بفتحتين - وفقها - بالسكون - فهو فقِه - كفرح ـ: فهِم بعد جهل.
وفقَه صاحبَه - بالفتح - فَقْها - بالسكون - فهو فاقه: غلبه في العلم، وسبقه إلى الفهم. … وفقُه - بالضم - فقاهة - بالفتح - فهو فقيه: صار الفقه له سجية، والفقُه - كندُس ـ: الذي أصل أمره جودة الفهم، جمعه فِقاه بالكسر.
والحكم في العرف العام: إثبات أمر لآخر، أو نفيه عنه، ويختلف تعريفه في ما بعد ذلك باختلاف الاصطلاحات، ومن معانيه عند الفقهاء الفرع كما تقدم، ويطلق عندهم أيضا على قضاء القاضي.
وأشار بالبيتين إلى معنى الفقه اصطلاحا، الذي هو الجزء الثاني من المركب الإضافي، فذكر أنه: العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسب من الأدلة التفصيلية.
وأرورد على التعبير بالعلم، أن أكثر الفقه ظنون، فالأولى أن يقال: العلم أو الظن.
وأجاب عن ذلك، إمام الحرمين ﵀ ﷾ وغيره بأن العلم واقع في كل حكم بالعلم بوجوب العمل به.
قال في رفع الحاجب: وأشهر ما اعترض به على الحد: أن الفقه من باب الظنون، فكيف قيل فيه: العلم؟
وهو مشكل، أورده شيخ الجماعة، ومقدم الأشاعرة: القاضي أبو بكر ﵀ ﷾ والتزم لأجله جماعة العناية بالحد، فقالوا: المراد بالعلم: الإدراك.
وقيل: الصواب أن يقال: العلم أو الظن.
[ ١ / ١٧ ]
والجواب عن السؤال: ما ذكره الإمام ﵀ ﷾ في المحصول، من أن المجتهد إذا غلب على ظنه مشاركة صورة لصورة في مناط الحكم، قطع بوجوب العمل، فالحكم معلوم، والظن وقع في طريقه.
وسنوضح ذلك بترتيب خاص، فإن أصحاب الإمام لم يقنعوا منه بهذا الجواب، وزعموا السؤال باقيا.
فنقول: إذا ظننا شتاء، لظننا أيام الشتاء نزول المطر - إذا رأينا الغيم المطبق الرطب قد أرخى أهدابه - فنزول المطر غالب على عدم نزوله، وهذا ظن، ثم نحن واجدون من أنفسنا أنا عالمون بظننا، وهذا علم وجداني بالظن، والمطر يجوز أن ينزل، وأن لا ينزل حال ظننا، وأما نحن فلا يجوز أن نظن حال ظننا.
وكذا إذا قال لزوجته: متى ظننت أني طلقتك طلقة، فأنت طالق ثلاثا، فظنت أنه طلقها طلقة، طلقت ثلاثا قطعا.
فهذا حكم معلوم قطعا، والظن وقع في طريقه.
وكذلك المجتهد إذا ظن حكما من الأحكام العملية، وجب عليه العمل بمقتضى ظنه قطعا، علم ذلك بالضرورة من استقراء الشرع، والظن واقع في طريقه كما ذكرنا في المرأة.
وعند هذا نقول: إذا ظن الإمام الشافعي ﵀ ﷾ حل لعب الشطرنج، فإن حله في حقه معلوم قطعا، لأنه مظنون الحل عنده - وذلك وجداني - وكل ما ظن حله، فهو حلال في حقه قطعا، والظن لم يكن في هذا الدليل مقدمة من المقدمتين، وإنما وقع في طريق الدليل، حيث كان معلوما بالوجدان.
والذين ردوا الجواب، ظنوا الظن أحد المقدمتين، وهو غلط.
فإن الظن لم يكن مقدمة، بل كان متعلق الوجدان.
وظنوا أن مستند المقدمة الثانية الإجماع، فأوردوا على الإمام أن الإجماع عنده ظني.
والإمام لم يذكر أن مستنده الإجماع، وإنما مستنده الاستقراء، قاله الشيخ صدر الدين ابن المرحل ﵀ ﷾.
وذكر أن شيخ الإسلام سيد المتأخرين تقي الدين بن دقيق العيد ﵀ سبحانه
[ ١ / ١٨ ]
وتعالى - كان ممن يظن بطلان الجواب، ويقول: متعلق الظن مظنون قطعا، كما أن متعلق العلم معلوم قطعا، فيستحيل أن يكون معلوما مظنونا.
قال: وجوابه: أن نتيجة الأدلة الأصولية هو الظن، ففي ذلك الوقت - وهو الوقت الأول - هو مظنون، ثم إذا صار مظنونا، وجب العمل به، ووجوب العمل به معلوم في الوقت الثاني، وهما غيران: الأول منهما مظنون، والثاني معلوم.
إلى أن قال: وجواب الإمام الرازي ﵀ ﷾ مسبوق إليه، فإن إمام الحرمين ﵀ ﷾ ذكره، حيث قال:
جواب السؤال: ليست الظنون فقها، إنما الفقه العلم بوجوب العمل عند قيام الظنون، فأخذه الإمام الرازي وبسطه اهـ بخ …
وقال في الإبهاج: مضمون هذا الجواب أن الفقه كله قطعي، لا ظني، وهذه المقالة تنسب إلى أكثر الأصوليين، وحاصل كلامهم ومداره ما قاله المصنف ﵀ ﷾.
وتقريره بالمثال أن نقول في الوتر - مثلا ـ: الوتر يصلى على الراحلة، فهو سنة، فالوتر سنة، والمقدمة الأولى ثابتة بخبر الواحد، والثانية بالاستقراء، وهما لا تفيدان إلا الظن، فالنتيجة ظنية، لتوقفها على الظن، وهذا الظن الذي أراده المصنف بقوله: والظن في طريقه. وأكثر الناس إذا وصلوا إلى هذه النتيجة، وقفوا عندها، واعتقدوا أنها الفقه، وهو الظاهر من اصطلاح الفقهاء، وعليه بنى السائل سؤاله، والأصوليون لم يقفوا عند ذلك، لأن الظن لا يجوز اعتماده حتى يدل عليه دليل، فنظروا وراء ذلك، وقالوا: لما حصلت هذه النتيجة - وهي اعتقاد كون الوتر سنة ظنا - ركبنا قياسا آخر من مقدمتين هكذا: الوتر مظنون سنيته، وكل مظنون سنيته، فهو سنة في حق من ظنه.
إلى أن قال: وهذا التقرير على حسنه، إنما يفيدنا القطع بوجوب العمل، فلذلك اختار جماعة أن الفقه هو العلم أو الظن، والإنصاف أنهما مقامان:
اعتقاد كون الحكم عند الله ﷾ كذا لا يمكن دعوى القطع فيه.
واعتقاد وجوب العمل بما ظنه من ذلك، دعوى القطع فيه ممكنة، والفقهاء نظروا للأول،
[ ١ / ١٩ ]
والأصوليون نظروا للثاني، ولا مشاحة في الاصطلاح، ولم يتوارد اختلافهما على شيء واحد.
على أني أقول: قولهم: حكم الله ﷾ في حق كل مجتهد ما أداه إليه اجتهاده، سبيله أنه يجب عليه اتباعه، ودعواهم الإجماع بهذا التفسير صحيح، وبغير هذا التفسير ممنوع، فإذا قلنا: المصيب واحد، والمخطئ معفو عنه، لا يستمر هذا الإطلاق، وإن كان بعضهم قال: إنه يتعين التكليف، ولكن يجب حمله على أنه يأثم بترك ما ظنه واجبا، وبفعل ما ظنه حراما، لجراءته على ربه، بحسب اعتقاده، وأما أن ذلك يصير في حقه كالواجب والحرام في نفس الأمر، فلا يمكن، وإذا ظن زوجه أجنبية، فوطئها يأثم، ولكن أيميز إثمه، أو يساوي إثم الزاني اهـ
ولعل في اندفاع الاشكال بما ذكر، مع قيد الاكتساب من الدليل التفصيلي، نظرا.
وقولهم: بالأحكام، يحترز به كما قالوا عن الذوات، فالتصورات كلها غير فقه.
وقولهم: الشرعية، احتراز من العقلية، كالعلم بامتناع اجتماع النقيضين، والحسية كالعلم بأن النار حارة، والاصطلاحية كالعلم بأن الفاعل مرفوع، فليس شيء من ذلك بفقه. … وخرج بالعملية: العلم بالأحكام الشرعية العلمية، كمسائل الاعتقاد.
وأورد عليه أن من عمل القلب ما هو فقه، كمنع حسد، وعجب، ونحو ذلك.
وعبر الآمدي ﵀ سيحانه وتعالى - بدل العملية بالفرعية.
وقولهم: المكتسب، يحترز به عن وجوب الصلاة، والصوم، ونحو ذلك مما هو معلوم من الدين بالضرورة، لأن لفظ الفقه يشعر بالعلم بما فيه دقة، وقيل إن ذلك فقه أيضا.
وقولهم: من الأدلة التفصيلية، يحترز به عن معرفة المقلد بالحكم، سواء كانت علما أو ظنا، فهي مكتسبة من دليل إجمالي، هو أن ما يفتيه به المجتهد، هو حكم الله ﷾ في حقه.
قوله: والعلم بالصلاح في ما قد ذهب، أشار به إلى أن المراد بالعلم في تعريف الفقه المذكور: الملكة التي يقتدر بها على استنباط الأحكام.
وأشار بهذا لرد ما أورد على التعبير بالأحكام، من أنه إن أريد البعض، أشكل عليه حصول ذلك للمقلد، وإن أريد الجميع، أشكل عليه أن المجمع على فقههم كانوا يجيبون
[ ١ / ٢٠ ]
كثيرا في ما يسألون عنه بلا أدري.
وقال في الإبهاج: الألف واللام في الأحكام للجنس، هذا هو الذي نختاره، والألف واللام الجنسية إذا دخلت على جمع، قيل تدل على مسمى الجمع، ويصلح للاستغراق، ولا يقتصر به على الواحد والاثنين، محافظة على الجمع، والمختار أنه متى قصد الجنس، يجوز أن يراد به بعضه إلى الواحد، ولا يتعين الجمع، كما لو دخلت على المفرد، نعم قد تقوم قرينة تدل على مراعاة الجمع مع الجنس، فيقارب بذلك المفرد على ما قلناه، ويصدق على العلم بحكم مسألة واحدة من الفقه، أنها فقه، ولا يلزم أن يسمى العالم به فقيها، لأن فعيلا صفة مبالغة مأخوذة من فقُه - بضم القاف - إذا صار له الفقه سجية.
وقال بعضهم إنها للعموم، والمراد: التمكن، أي: يكون له قوة قريبة من الفعل، يصدق عليه بها العلم بجميع الأحكام إذا نظر، كما هي وظيفة المجتهد.
وهذا أحسن في اسم فقيه: اسم الفاعل المقصود به المبالغة، لا في اسم الفقه: المصدر.
وقال بعضهم: إنها للعهد، والمراد جملة غالبة يحكم أهل العرف عندها بصدق الاسم، وهذا ليس بشيء اهـ
وقوله: فالكل من البيت، هو مفرع على ما ذكر قبله، من أن المراد بالعلم في تعريف الفقه: الملكة.
والمناحي: جمع منحاة، تقال على المسيل الملتوي، وعلى طريق السانية.
كلام ربي إن تعلق بما … يصح فعلا للمكلف اعلما
من حيث إنه به مكلف … فذاك بالحكم لديهم يعرف
أشار بهذا إلى تعريف الحكم.
والحكم لغة: المنع والصرف، ومنه الحَكَمَة للحديدة التي في اللجام.
وفي الاصطلاح ذكر الشيخ ﵀ ﷾ أنه: كلام الله ﷾ المتعلق بما يصح أن يكون فعلا للمكلف، من حيث إنه مكلف به.
وعدل بقوله: كلام ربي، عما عبر به غير واحد من الخطاب، لما وقع من الخلاف في تسمية كلام الله ﷾ في الأزل خطابا، فعدل عما اختلف فيه، إلى ما اتفق
[ ١ / ٢١ ]
عليه.
والتعريف بالخطاب، ذكر في التوضيح أنه منقول عن الإمام أبي الحسن الأشعري - رحمهما الله ﷾
قال: والفقهاء يطلقونه على ما ثبت بالخطاب، كالوجوب والحرمة مجازا، بطريق إطلاق اسم المصدر على المفعول، كالخلق على المخلوق، لكن لما شاع فيه صار منقولا اصطلاحيا اهـ
واعترض على التعريف المذكور، بأن الحكم المصلح بين الفقهاء، هو ما ثبت بالخطاب، لا نفس الخطاب.
قال: فلا يكون ما ذكر تعريفا للحكم المصطلح بين الفقهاء، وهو المقصود بالتعريف هنا اهـ
وعرفه الزركشي ﵀ ﷾ في البحر بقوله: خطاب الشرع المتعلق بفعل المكلف بالاقتضاء أو التخيير اهـ
وقوله: إن تعلق بما يصح فعلا للمكلف، احتراز من المتعلق بالذوات، والمتعلق بفعل غير المكلف، والمتعلق بفعل المكلف لا على جهة التكليف به، كالإخبار عن كونه مخلوقا لله ﷾ في قوله ﷾ جل من قائل: (والله خلقكم وما تعملون).
وعبر بقوله: بما يصح أن يكون فعلا للمكلف، بدلا من قول بعضهم: بفعل المكلف، لأن التكليف لا يتعلق إلا بمعدوم يمكن تحصيله، والمعدوم ليس بفعل حقيقة.
وهذا التعريف لا يتناول خطاب الوضع، فهو جار على اختصاص الحكم المتعارف بخطاب التكليف.
ومن جعل خطاب الوضع من الحكم المتعارف، زاد في الحد ما يدخل به في المعرف، كابن الحاجب ﵀ ﷾ حيث عرفه بأنه: خطاب الله ﷾ المتعلق بأفعال المكلفين، بالاقتضاء أو التخيير أو الوضع اهـ
وأورد عليه نحو دلوك الشمس.
وجعل الإمام ﵀ ﷾ خطاب الوضع راجعا إلى خطاب التكليف،
[ ١ / ٢٢ ]
فيتناوله التعريف الأول، ونصه في المحصول: المراد من كون الدلوك سببا، أنا متى شاهدنا الدلوك، علمنا أن الله ﷾ أمرنا بالصلاة، فلا معنى لهذه السببية إلا الإيجاب.
وإذا قلنا: هذا العقد صحيح، لم نعن به إلا أن الشرع أذن له في الانتفاع به، ولا معنى لذلك إلا الإباحة اهـ
وأجيب بمنع اطراد هذا كما في صحة صلاة الصبي، وندبها، وكما في إسلامه، وبمنع اقتضاء التلازم الاتحاد.
وسيأتي - إن شاء الله ﷾ أن الإباحة ليست تكليفا عند غير الأستاذ أبي إسحاق ﵀ ﷾ وعليه (^١) تكون خارجة عن الحكم، وليس كذلك قطعا، فالأولى - كما عبر به بعضهم - أن يقال: المتعلق بفعل المكلف بالطلب أو الإذن، والله ﷾ أعلم.
قد كلف الصبي على الذي اعتمي … بغير ما وجب والمحرم
معناه أن الصبي مكلف عندنا بغير الواجب والمحرم، وهو الندب والكراهة.
أما الندب فلحديث التي أخذت بضبعي صبي لها، وقالت: ألهذا حج يا رسول الله - صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ـ؟ فقال: " نعم، ولك أجر " (^٢) ومعلوم أن غير المطلوب لا يقع قربة، فاقتضى ذلك استحبابه في حقه، للإجماع على عدم الوجوب، وحديث رفع القلم عنه حتى يكبر (^٣).
وأما الكراهة فلما سيأتي في مباحث الأمر - إن شاء الله ﷾ من أن الأمر بالشيء، نهي عن ضده الوجودي، على الخلاف في ذلك.
وأما الإباحة، فلما لم يكن مأمورا ولا منهيا في بعض أفعاله، مع توجه الخطاب إليه في الجملة أشبه أن يقال إنه جائز في حقه، والله ﷾ أعلم.
وهو إلزام الذي يشق … أو طلب فاه بكل خلق
_________________
(١) يعني على قولهم: من حيث إنه مكلف به.
(٢) رواه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة والإمام أحمد.
(٣) رواه أبو داود والنسائي والدارمي والإمام أحمد، وهو حديث صحيح.
[ ١ / ٢٣ ]
لكنه ليس يفيد فرعا … فلا تضق لفقد فرع ذرعا
قوله: وهو إلزام البيت، أشار به إلى تعريف التكليف، وهو لغة: من الكلفة: بمعنى المشقة، واصطلاحا معناه عند القاضي على ما نسبه له إمام الحرمين - رحمهما الله ﷾: الأمر بما فيه كلفة، أو النهي عما في الامتناع عنه كلفة، وقال إمام الحرمين ﵀ ﷾: هو إلزام ما فيه كلفة، ونحوه للقاضي أيضا في التقريب - كما في البحرـ قال: والحاصل أنه يتناول الحظر والوجوب قطعا، ولا يتناول الإباحة قطعا إلا عند الأستاذ أبي إسحاق ﵀ ﷾ وفي تناوله الندب والكراهة خلاف اهـ
والوجه أن إمام الحرمين ﵀ ﷾ نظر إلى اشتقاقه من الكلفة، ورأى أنه لا مشقة مع الإذن في الترك، قال: فالندب والكراهة لا كلفة فيهما لأنها تنافي التخيير اهـ واكتفى صاحب القول الثاني بحصول الكلفة في المأمور به، ولم يشترط الجزم في الخطاب، وهو أبين.
وهذا أمر أغلبي، كما هو ظاهر، وفي الحديث: أيأتي أحدنا شهوته وله فيها أجر؟ قال: " أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر؟ قال: " فكذلك إذا وضعها في حلال كان له أجر " (^١) قوله: لكنه ليس يفيد فرعا، معناه أن الخلاف المذكور لا ينبني عليه حكم أصلا، فهو خلاف لفظي محض، حاصله هل يسمى الخطاب غير الجازم تكليفا أو لا.
قوله: فلا تضق لفقد فرع ذرعا، معناه لا تضجر من عدم انبناء حكم على هذا الخلاف، يقال: ضاق ذرعه، وذراعه بالأمر: إذا ضجر منه، أو لم يطقه، ولم يتحمله، ويقال: فلان واسع الذراع، وأرحب القوم ذراعا، إذا كان ذا طاقة وتحمل.
والحكم ما به يجيء الشرع … وأصل كل ما يضر المنع
قوله: والحكم ما به يجيء الشرع، يعني به أنه لا حكم قبل ورود الشرع، وقد قال ﷾ جل من قائل: (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا) وذهبت المعتزلة إلى
_________________
(١) رواه مسلم وأبو داود والإمام أحمد.
[ ١ / ٢٤ ]
إمكان إدراك الحكم بالعقل، بناء على مذهبهم في التحسين والتقبيح الآتي إن شاء الله ﷾.
قوله: وأصل كل ما يضر المنع، معناه أن الأصل في الأشياء الضارة بعد ورود الشرع التحريم، للنصوص الكثيرة في ذلك، كحديث (لا ضرر ولا ضرار) سواء اشتملت على منفعة أو لا، حيث كانت المفسدة ملازمة، ولم تكن مرجوحة، بأن كانت راجحة أو مساوية، كما سيأتي الكلام عليه إن شاء الله ﷾ في المسالك في الكلام على المناسبة، وفي كتاب الاستدلال في الكلام على سد الذرائع.
ومقتضى دليل الخطاب في كلامه: أن الأصل في الأشياء النافعة عدم المنع، وهو كذلك على أحد أقوال.
ولا فرق بين أن يكون الضرر مقطوعا به، أو غالبا، وأما الشك فلم أقف على نص فيه، وقد نسب الشيخ آد ﵀ ﷾ التحريم فيه لعبد الباقي الزرقاني - وذلك حيث يقول:
وانظر إذا ما اعتدلا أو جهلا … وعابد الباقي بشك حظلا
إلا أنهم اختلفوا في النهي عن ما لا يؤمن إسكاره، هل هو نهي تحريم أو نهي كراهة.
وسيأتي الكلام على المشتبهات - إن شاء الله ﷾ وأن حكمها عند أهل المذهب الكراهة.
ولو قيل إن في قوله ﷾ جل من قائل: (قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس) إيماءً لسببية المنفعة للحلية لم يكن بعيدا، والله ﷾ أعلم.
ذو فترة بالفرع لا يُراع … وفي الأصول بينهم نزاع
الفترة بالفتح: المدة بين زمنين، أو نبيين، ومنه قوله ﷾ جل من قائل: (يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترة من الرسل).
ويراع: من أراعه إذا أفزعه.
وأهل الفترة: من كانوا بين رسولين، لم يرسل إليهم الأول، ولم يدركوا الثاني.
والمعنى أن أهل الفترة لا يعذبون على ترك الفروع كالصلاة والزكاة، بل سيأتي ذكر
[ ١ / ٢٥ ]
الاختلاف في تعذيب غيرهم من الكفار بالفروع، وإن كان المعول منه أنهم يعذبون عليها، واختلف في تعذيب أهل الفترة على الأصول - يعني العقائد - فقيل: يعذبون على ذلك، لما جاء في بعض الأحاديث، وقيل: لا يعذبون عليها، وكأن القائل به نظر إلى ظاهر بعض الآيات بالعذر بعدم البعثة، كالآية الكريمة السالفة: (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا) وكقوله ﷾ جل من قائل: (يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترة من الرسل أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير) وكقوله ﷾ جل من قائل: (ليلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل) الآية، وغير ذلك من الآيات الكريمة، وقيل: يرسل إليهم يوم القيامة، فيؤمن من علم الله ﷾ إيمانه في سابق أزله، ويكفر من علم كفره، والله ﷾ أعلم.
ثم الخطاب المقتضي للفعل … جزما فإيجاب لدى ذي النقل
وغيره الندب، وما التركَ طلب … جزما، فتحريم له الإثم انتسب
أو لا، مع الخصوص أو لا، فع ذا … خلافَ الاولى، وكراهةً خذا
لذاك، والإباحة الخطاب … فيه استوى الفعل والاجتناب
الاقتضاء: الطلب والاستدعاء، يقال: اقتضاه دينه إذا طلبه، وأخذه منه، واقتضى الحال كذا: استوجبه، واستدعاه.
وجزم عليه الأمر: أوجبه عليه، وجزم الأمر: قطع فيه قطعا لا عودة فيه.
والإيجاب: مصدر أوجب الشيء إذا صيره واجبا، والواجب: اللازم.
والندب: مصدر ندبه للأمر، إذا دعاه إليه.
والتحريم: مصدر حرم الأمر إذا جعله حراما، والحرام: نقيض الحلال.
ومعنى الأبيات أن الخطاب الذي يقتضي من المكلف فعل أمر على وجه جازم، هو الإيجاب، ويسمى متعلقه كالصلوات الخمس واجبا.
فإن كان الاقتضاء غير جازم، بأن لم يأثم بالترك، فهو ندب، ويسمى متعلقه مندوبا، كصلاة الضحى.
والخطاب المقتضي للترك، إن اقتضاه جزما تحريم، ويسمى متعلقه حراما كأكل الربا، وإن
[ ١ / ٢٦ ]
اقتضاه من غير جزم، بحيث لا يأثم بالإقدام، فهو كراهة، ويسمى متعلقه مكروها.
ومنهم من فرق، فسمى متعلقه مكروها في ما كان النهي فيه منصوصا، وخلاف الاولى إذا كان النهي عنه مستفادا من الأمر بضده.
فخلاف الأولى عند من يصطلح عليه، وصف لمتعلق الخطاب، كما هو بين، والتعبير بما يوهم خلاف ذلك سهو، كما نقل العطار في حاشيته التنبيه عليه.
ولم أر نقلا في التفريق في المندوب بين المامور به نصا، وما فهم الأمر به من النهي عن ضده، وكذلك في الواجب والمحرم.
وأما ما دل الخطاب على استواء فعله وتركه، بأن لم يترتب على أحدهما ثواب ولا عقاب، فهو الإباحة، ويسمى متعلقه مباحا، وينقلب بنية الخير به، من تقو على طاعة، أو ترفق، أو كف شهوة، أو نحو ذلك، مأمورا، كما في حديث الصحيح المتقدم: أيأتي أحدنا شهوته وله فيها أجر (^١).
ويستعمل السلف لفظ: الكراهة، كثيرا في الحرمة، إذا لم يكن دليل التحريم قطعيا.
وقد يستعملون في ذلك لفظ: لا يعجبني، ولا أحبه، ولا خير فيه.
ونقل سيدي زروق ﵀ ﷾ عن الطراز، أنه قال في قول المدونة: ومن صلى محتزما، أو جمع شعره بوقاية، أو شمر كميه، فإن كان ذلك لباسه، أو كان في عمل حتى حضرت الصلاة، فلا بأس به، وإن تعمد بذلك إكفات ثوبه، أو شعره، فلا خير فيه انتهى ما نصه: كل موضع في المدونة من قوله " لا خير فيه "على المنع إلا هذا.
وانظر هذا، مع قول القاضي أبي الوليد ابن رشد ﵀ ﷾ في البيان والتحصيل، في الكلام على مسألة شراء العظام التي بها تصوير (^٢): قوله: لا خير في الصور، ولا هذا من تجارة الناس … يدل على أنه كره ذلك، ولم يحرمه، لأن ما هو حرام لا يحل،
_________________
(١) رواه مسلم.
(٢) نص المسألة: وسئل مالك ﵀ ﷾ عن التجارة في عظام على قدر الشبر، يجعل لها وجوه؟ فقال: الذي يشتريها ما يصنع بها؟ فقيل: يبيعها، فقيل: ما يصنع بها؟ قال: يلعب بها الجواري، يتخذونها بنات، قال: لا خير في الصور، ولا هذا من تجارة الناس.
[ ١ / ٢٧ ]
فلا يعبر عنه بأنه لا خير فيه، لأن ما لا خير فيه، فتركه خير من فعله، وهذا هو حد المكروه (^١) اهـ
ويستعمل لفظ: لا بأس، في كلامهم أحيانا في الجائز المستوي الطرفين، وقد يستعمل مع راجحية أحد الطرفين.
وينقسم المكروه إلى مكروه بالنص، سواء كان النهي عنه منصوصا، أو كان مستفادا من الأمر بضده، ومكروه بالاجتهاد، وهو ما ترجح عند المجتهد فيه الجواز، مع احتمال الحرمة، فكرهه لذلك، وهو أشد مما قبله، للجزم بعدم إثم المقْدم في الأول، دون الثاني، وهو المشتبه في حديث " الحلال بين " (^٢) كما سيأتي إن شاء الله ﷾.
والحرام بعضه أشد حرمة من بعض، كما ترتب عليه لعن، ونقيضه يصدق بالحرام الذي ليس بتلك المثابة، فإذا قلنا - مثلا ـ: مستأصلة الحاجبين ملعونة، لم يقتض ذلك أن الأخذ منهما مأذون فيه، بل مقتضاه أنه ليس فيه نهي بتلك المثابة، وذلك أعم من الإذن.
وسيأتي أن المندوب مراتب ذات أسماء مختلفة.
ويلزم انقسام المكروه في شدة الكراهة، ضرورة تقابله مع الندب، فالمندوب المؤكد كالوتر ونحوه، نقيضه أشد كراهة، من نقيض المندوب الذي ليس بمؤكد، كالضحى، وقد جاء تجريح تارك الوتر، واستحباب قطع الصبح له.
وما من البراءة الأصليه … قدُ اُخذتْ فليست الشرعيه
معناه أن الإباحة المأخوذة من البراءة الأصلية، التي هي استصحاب عدم الحكم، حتى يرد الدليل به، ليست إباحة شرعية، وإنما هي إباحة عقلية، ولذلك لم يكن رفعها نسخا، خلافا للمعتزلة، حيث جعلوا الإباحة الشرعية شاملة للنوعين.
وهي والجواز قد ترادفا … في مطلق الإذن لدى من سلفا
_________________
(١) قال: ومعنى ذلك إذا لم تكن صورا مصورة مخلوقة مخروطة، مجسدة على صورة الإنسان، وإنما كانت عظاما غير مخلوقة على صورة الإنسان، إلا أنه عمل فيها شبه الوجوه بالتزويق، فأشبه الرقم في الثوب.
(٢) متفق عليه.
[ ١ / ٢٨ ]
معناه أن الإباحة والجواز يستعملان أيضا في ما يقابل التحريم، وهو الإذن في الفعل، سواء كان مع استواء الترك والفعل، الذي هو المباح في الاصطلاح السابق، أو مع راجحية الفعل، الذي هو الواجب والندب في ما سبق، أو مع راجحية الترك، الذي هو المكروه في ما سبق، وهذا هو اصطلاح المتقدمين.
والعلم والوسع على المعروف … شرط يعم كل ذي تكليف
معناه أن الخطاب التكليفي يشترط في توجهه إلى المكلف، العلم والقدرة، وهي المراد بالوسع في البيت، قال ﷾ جل من قائل: (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها) وفي الحديث " رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه " (^١) وسيأتي الكلام - إن شاء الله ﷾ في مباحث الأمر على تفاصيل التكليف بالمحال.
وأما خطاب الوضع، فما كان منه مرتبا على خطاب التكليف، اشترط ذلك فيه أيضا، كأسباب الحدود، فهي مرتبة على انتهاك الحرمة، والحرمة مشروطة بالعلم والوسع، والخلاف في حد المكره على الزنى، عائد إلى الخلاف في تصور الجماع كرها، إذ لا يكون دون انتشار، والانتشار يستلزم عند قوم الاختيار.
وأما ما ليس منه مرتبا على خطاب التكليف، كضمان المتلفات، فلا يتوقف على ذلك، والله ﷾ أعلم.
ثم خطاب الوضع هو الوارد … بأن هذا مانع أو فاسد
أو ضده أوَ اَنه قدَ اَوجبا … شرطا يكون أو يكون سببا
معناه أن خطاب الوضع، هو الخطاب الوارد بأن الشيء كذا سبب للشيء كذا، أو شرط له، أو مانع منه، أو بأن العقد كذا، أو العمل كذا، صحيح، أو فاسد، وسيأتي بيان هذه المعاني الخمسة، قريبا إن شاء الله ﷾.
واختار ابن الحاجب ﵀ ﷾ أن الصحة والفساد حكمان عقليان،
_________________
(١) رواه بألفاظ متقاربة ابن ماجة في سننه، وابن حبان في صحيحه، وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، والدارقطني والبيهقي والطبراني وهو حديث صحيح.
[ ١ / ٢٩ ]
وهو الأوجه، فالعقل قاض بأن الفعل المستجمع للشروط موافق للإذن، أو مسقط للطلب - مثلا - وذلك هو الصحة، وغيره غير موافق للإذن، ولا مسقط للطلب، وذلك هو الفساد.
وزاد القرافي ﵀ ﷾ في خطاب الوضع التقادير الشرعية، وهو غير بين، فالتقادير - عند التأمل - لا تخرج عن الشروط، والأسباب، والموانع.
وزاد الآمدي ﵀ ﷾ الرخصة والعزيمة أيضا، وهو غير بين أيضا (^١)، فمبنى الحكم كالسفر سبب، والحكم كاستنان القصر، خطاب تكليف، وقد كنت بينت ذلك في البيان والتوجيه، والحمد لله رب العالمين.
فالمتجه انحصار خطاب التكليف، في الشروط والأسباب والموانع، والله ﷾ أعلم.
وهو من ذاك أعم مطلقا
الضمير عائد إلى خطاب الوضع، والإشارة عائدة إلى خطاب التكليف.
والمعنى أن خطاب الوضع، أعم من خطاب التكليف عموما مطلقا، كما ذكره القرافي ﵀ ﷾ في التنقيح، فكل ما تعلق به خطاب تكليف، تعلق به خطاب وضع، دون العكس.
وذكر في الفروق أن النسبة بينهما العموم والخصوص من وجه، وصوبه في نشر البنود، وهو أبين، وصوب في نثر الورود الأول.
ومثال انفراد خطاب التكليف: التسبيح، والتحميد، والتكبير، والذكر كله، وقراءة القرآن، والصدقة.
ومثال انفراد خطاب الوضع: مواقيت الصلاة.
ومثال اجتماعهما: السرقة والزنا.
_________________
(١) وقد أطبق الكل على تقسيم متعلق الرخصة، إلى واجب وغيره، من أقسام متعلق خطاب التكليف، ما عدا الحرام، ولا شك أنه يلزم من تقسيم المتعلق إلى ذلك، تقسيم المتعلق - بالكسر - إلى إيجاب وغيره، من أقسام الخطاب المذكور، ما عدا التحريم اهـ من تقريرات الشربيني ﵀ ﷾ بتصرف.
[ ١ / ٣٠ ]
… والفرض والواجب قد توافقا
كالحتم واللازم مكتوب وما … فيه اشتباه للكراهة انتمى
معناه أن الفرض، والواجب، والمحتم، واللازم، والمكتوب مترادفة، للمأمور بفعله أمرا جازما.
وفرق أبو حنيفة ﵀ ﷾ بين الفرض والواجب، فالفرض عنده ما ثبت فيه الطلب الجازم بدليل قطعي، والواجب ما ثبت ذلك فيه بدليل ظني.
ويقع في كلام كثير من أصحابنا إطلاق الواجب على المسنون المؤكد، فيقولون في غسل الجمعة، وصلاة العيد - مثلا - إن ذلك واجب.
ويستعمل البغداديون من أصحابنا في المأمور به أمرا جازما كلمة: مستحق، فيقولون الأمر كذا واجب مستحق، ويستعملون المستحب في المسنون، ويقع ذلك كثيرا في كتاب التفريع لابن الجلاب ﵀ ﷾.
ويتميز مختصر ابن الجلاب ﵀ ﷾ بأن كل ما فيه من المسائل للإمام مالك ﵀ ﷾ إلا أن يعزوه لغيره (^١).
قوله: وما فيه اشتباه للكراهة انتمى، معناه أن المشتبهات المذكورة في حديث الصحيحين " الحلال بين، والحرام بين، وبينهما أمور مشتبهات " الحديث، حكمها عند أهل المذهب الكراهة، وهي الأمور المختلف في تحريمها بين أهل العلم، إذا ترجح فيها دليل الإباحة، مع احتمال التحريم.
وأما ما كان مدرك التحريم فيه ضعيفا جدا، فالظاهر أنه من قبيل الحلال البين.
وهذا الحديث يقتضي أن الإجماع حجة، إذ مقتضاه أن ما لم يختلف فيه، حلال بين، أو حرام بين، وقد كنت ذكرت ذلك في مصعد الراقي والله ﷾ أعلم.
وليس في الواجب من نَوال … عند انتفاء قصد الامتثال
في ما له النية لا تشترط … وغير ما ذكرته فغلط
_________________
(١) نقله ابن ناجي عن ابن عبد السلام - رحمهما الله ﷾ في شرحه على الرسالة في أول صلاة السفر.
[ ١ / ٣١ ]
ومثله الترك لما يحرم … من غير قصد ذا، نعم مسلم
النوال - بفتح النون ـ: العطاء.
والمعنى أن الواجب الذي لا يتوقف الاعتداد به على النية، كقضاء الديون، ورد الودائع، وأداء الديات، وأروش الجنايات، وغرم المتلفات، لا يثاب فاعله عليه، إلا إذا فعله بنية الامتثال.
وأما الواجب الذي لا يعتد بفعله دون نية، كالوضوء، والصلاة، فيثاب عليه وإن لم يتعرض في نيته للامتثال.
وليس معنى هذا أن شيئا من الأعمال يثاب عليه دون نية الامتثال، كما توهم، بل لا ثواب إلا مع قصد الامتثال " وإنما لامرئ ما نوى " (^١) لكن نية العبادة تستلزم الامتثال، لأن الامتثال هو الإتيان بالفعل لأجل أمر الشرع به، وهذا المعنى لا تتعقل القربة دونه، فالفعل الذي لم يبعث عليه أمر الشرع به، لا يصح أن يكون قربة، بالأولى مما وقع فيه شرك.
وقد نقل ابن عرفة ﵀ ﷾ في مختصره في الكلام على نيات الوضوء عن أبي عبد الله المازري - ﵀ ﷾ - أنه قال: والثلاثة (^٢) متلازمة، ولذا لو أثبت أحدها نافيا الآخر، فسدت انتهى
ولهذا استدل الأئمة كابن يونس - ﵀ ﷾ - في جامعه لوجوب نية رفع الحدث، ونية الصلاة المعينة، بقوله ﷾ جل من قائل: (وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين) وقد بينت هذا المعنى في عون المتين، على نظم رسالة القرويين، في الكلام على النية، فى الوضوء، وفي الصلاة.
قوله: ومثله الترك لما يحرم البيت، معناه أن اجتناب المنهيات مطلقا، لا ثواب فيه إلا إذا كان بنية الامتثال، وهو المشار إليه في قوله: من غير قصد ذا.
وقوله: نعم مسلم، أشار به إلى أن السلامة من الإثم في ترك المنهي عنه، لا تتوقف على
_________________
(١) متفق عليه.
(٢) يعني الثلاثة التي تكفي نية أحدها في الوضوء.
[ ١ / ٣٢ ]
الامتثال، وإنما يتوقف عليه الأجر.
وقوله: وغير ما ذكرته فغلط، أشار به إلى رد ما ذكره بعضهم من اشتراط نية الامتثال في الأجر على القربة.
ولا يختص ما ذكره من التفصيل في الأمر بالواجب، فالمندوب يفصل فيه أيضا بين ما يتوقف على النية كالضحى، وغيره كالصدقة، فلو قال: وليس في المطلوب من نوال لكان أشمل.
ومثل المحرم أيضا المكروه، فلا ثواب في تركه، إلا إذا كان بنية امتثال.
وإذا كان أصل القصد لله ﷾ لم يضر ما يعرض من الخواطر، وقد يكون ذلك من الشيطان، ليصده عن العمل، فليجدد النية، ولا يقطعه ذلك عن العمل، كما قال الإمام مالك ﵀ ﷾.
فضيلة والندب والذي استحب … ترادفت، ثم التطوع انتخب
قوله: فضيلة والندب والذي استحب ترادفت، معناه أن الفضيلة، والمندوب، والمستحب ألفاظ مترادفة، لما يثاب على فعله، ولا يعاقب على تركه.
وقوله: ثم التطوع انتخب، أشار به إلى أن التطوع في اصطلاح بعض المتأخرين، هو ما يختاره الإنسان لنفسه من الأوراد مثلا.
رغيبة ما فيه رغَّب النبي … بذكر ما فيه من الأجر جُبي
أو دام فعله بوصف النفل … والنفلَ من تلك القيود أَخْلِ
والامرِ، بل أعلم بالثواب … فيه نبي الرشد والصواب
وسنة ما أحمد قد واظبا … عليه، والظهور فيه وجبا
أشار بهذا إلى تعريف الرغيبة، والنافلة، والسنة، في اصطلاح المالكية.
والسنة آكدها، وهي ما أدامه النبي - صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم - وأظهره في جماعة.
وذلك هو قوله: وسنة ما أحمد قد واظبا البيت.
والرغيبة هي ما رغب صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في فعله، بذكر ما فيه من
[ ١ / ٣٣ ]
الأجر، بأن قال: من فعل كذا، فله كذا، أو أدامه مخفيا له.
وذلك هو قوله: رغيبة ما فيه رغب النبي - صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم - بذكر ما فيه من الأجر جبي، أو دام فعله بوصف النفل، والمراد بوصف النفل: الإخفاء.
والنفل: هو ما أعلم صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بالثواب على فعله، من غير أن يحد فيه ثوابا، أو يداوم عليه، أو يأمر به.
وهذا اصطلاح خاص بالمالكية، والاستقراء يقتضي اختصاص هذا التفريق عندهم بالعبادات.
وليس لغير الندب والاستحباب، من هذه الألفاظ، ذكر في المعاملات.
وربما يكتفون في الطعام، والشراب، واللباس، والدخول، والخروج ونحوها بالأدب. … واستقراء كلام أهل المذهب، دال على اتحاد رتبة النفل، والمستحب، والفضيلة، وأن لفظ النفل، والفضيلة، خاص بالعبادات.
ويدل كذلك، على أن السنة هي أعلى مراتب الندب، وأنها خاصة بالعبادات، وأن الرغيبة دونها، وهي أيضا خاصة بالعبادة، ونقل في المذهب قول بكونها آكد من السنة.
وبعضهم سمى الذي قدُ اُكدا … منها بواجب، فخذ ما قُيِّدا
أشار بهذا إلى ما تقدم، من أن من أهل المذهب من يستعمل لفظ الواجب في المسنون المؤكد، كالإمام الشيخ أبي محمد ﵀ ﷾ في كتاب الرسالة.
والنفل ليس بالشروع يجب … في غير ما نظمه مقرِّب
قف واستمع مسائلا قد حكموا … بأنها بالابتداء تلزم
صلاتنا وصومنا وحجنا … وعمرة لنا كذا اعتكافنا
طوافنا مع ائتمام المقتدي … فيلزم القضا بقطع عامد
قوله: والنفل ليس بالشروع يجب، المراد بالنفل فيه: ما ليس بواجب.
والمعنى أن غير الواجب، لا يتعين بالشروع فيه، إلا في هذه المسائل المذكورة، فيتعين عندنا على من شرع في نافلة من صلاة، أو صوم، أو حج، أو عمرة، أو طواف، أو اعتكاف، أن يتمها.
[ ١ / ٣٤ ]
وكذلك يجب على المؤتم أن يتم صلاته مأموما، ولا يجوز له أن يتم فذا.
ونقل في مواهب الجليل في كتاب الصلاة، قبل قول سيدي خليل - رحمهما الله ﷾: وإلا أتم النافلة أو فريضة غيرها، عن سيدي زروق ﵀ ﷾ أن أصل المذهب، أن كل عبادة توقف أولها على آخرها، يجب إتمامها (^١).
أصله الحج، فيجب إتمامه، والعمرة، والصلاة، والصوم، والاعتكاف، والطواف، بخلاف الوضوء، والقراءة، والذكر، ونحوها اهـ
ونقل عن القرافي - رحمهما الله ﷾ أنه قال في كتاب الصوم من الذخيرة حين تكلم على ما يجب بالشروع: بخلاف الوضوء، والصدقة، والوقف، (^٢) والسفر للجهاد، وغير ذلك، قاله الشيخ عياض، ﵏ ﷾ في التنبيهات.
قال الشيخ خليل ﵀ ﷾: فعلى هذا، إذا سافر للجهاد، فهل له أن يرجع عن ذلك؟ وكذلك الصدقة بشيء.
واختلف إذا خرج بكسرة خبز للسائل، فلم يجده، هل له أكلها أم لا؟
قيل: يجوز له أكلها، وقيل: إن كان معينا أكلها، وإن كان غير معين لم يأكلها اهـ
وانظر التمثيل بالوضوء، فإنه عبادة يتوقف أولها على آخرها.
وانظر التمثيل بالقراءة، ما المراد به، هل أن الكلمة لا يجب إتمامها على من شرع فيها، أو أن الآية لا يجب إتمامها على من شرع فيها، أو السورة، أو غير ذلك، وفي كل ذلك إشكال (^٣).
_________________
(١) انظر هل يمكن أن يقال: إنما لا يتوقف بعضه على بعض قُرب، لا قربة؟
(٢) قال عبد الباقي الزرقاني في شرحه لمختصر خليل - رحمهما الله ﷾: وأنشد ابن عرفة ﵀ ﷾ في ذلك: صلاة وصوم ثم حج وعمرة … عكوف طواف وائتمام تحتما وفي غيرها كالوقف والطهر خيِّرن … فمن شاء فليقطع، ومن شاء تمما قال: ويعني بالوقف، بناء الأوقاف، كالمساجد، والقناطر، والسقايات، وحفر الآبار، وغير ذلك، قاله الشيخ سالم ﵀ ﷾.
(٣) أما الأول فلأنه إذا افتتح الكلمة فلم يتمها فقد تعمد الإفساد، وأما ما بعده فتوقف المتلو على المتروك - حتى يكون قربة واحدة - محل نظر، والله ﷾ أعلم.
[ ١ / ٣٥ ]
وانظر كلام سيدي خليل ﵀ ﷾ الذي نقل عنه في السفر للجهاد، فالجهاد إذا أريد به الجهاد الواجب كفاية، فمسألته ليست مما نحن فيه، وسيأتي الكلام عليها في الواجب الكفائي - إن شاء الله ﷾ إلا أن يقال إن المسأله مفروضة في غير ما يجب عينا.
وإن أريد الجهاد المستحب، كان ظاهره أن الجهاد المستحب يجب بالشروع فيه مطلقا، وإن لم يترتب على الكف عنه ممنوع، كهزيمة، ونحو ذلك، وهو خلاف إطلاقهم هنا.
وقد يفهم من هذا الكلام أيضا أن السفر للحج، أو العمرة، يجب إتمامه، وأن من خرج للمسجد لصلاة أو اعتكاف، يلزمه التمادي، وليس كذلك، فلا يجب شيء من ذلك إلا بالشروع، وهو الإحرام في الصلاة، والحج، والعمرة، والدخول في المعتكف، في الاعتكاف.
وأما مسألة الكسرة يخرج بها لسائل، فقد ذكر ابن رشد ﵀ ﷾ في نوازله، في جواب مسألة سأله عنها عياض - رحمهما الله ﷾ أنه لم يقع فيها إعطاء أصلا.
وقد نقل ذلك سيدي الحطاب ﵀ ﷾ في مواهبه، في الهبة في الكلام على الحيازة، وذكروا في الصدقة المبتلة وجوب الإمضاء.
هذا واعلم أن في قضاء هذه المستثنيات المذكورة في الأبيات تفصيلا:
أما الصلاة فإنما يجب قضاؤها إذا أفسدها عامدا مختارا، فإن فسدت سهوا أو غلبة، فلا قضاء عليه.
وأما الصوم فيجب قضاؤه كذلك في الفساد عمدا اختيارا، وأما السهو فلا يفسده، وأما الغلبة فلا يجب القضاء معها.
وأما الحج والعمرة فيجب قضاؤهما على أي وجه كان فسادهما، ويتميزان بوجوب إتمام الفاسد منهما.
وأما الاعتكاف فيلزم قضاؤه أيضا على أي وجه كان فساده.
وأما الطواف فهو عندهم على حكم الصلاة.
وأما الائتمام فإذا قطع الصلاة بأي وجه بطلت، وتجب عليه إعادتها مطلقا إذا كانت
[ ١ / ٣٦ ]
واجبة، لكن يجوز أن يعيدها فذا، كما نص عليه في المواهب، والله ﷾ أعلم.
والمراد بالمقرب: الحطاب ﵀ ﷾ فالأبيات الثلاثة له، وقد ذكرها في مواهبه في الموضع الذي أشرت إليه آنفا، والله ﷾ أعلم.
ما من وجوده يجيء العدَمُ … ولا لزوم في انعدام يُعلم
بمانع، يمنع للدوام … والابتدا، أو آخر الأقسام
أوَ اَول فقط، على نزاع … كالطول، الاستبراء، والرضاع
قوله: ما من وجوده، إلى قوله: بمانع، أشار به إلى ما عرف به القرافي - رحمهما الله ﷾ المانع.
فذكر أنه ما يلزم من وجوده عدم الحكم، ولا يلزم من عدمه وجود ولا عدم لذاته، وذلك كالحيض، فإنه يلزم من وجوده، عدم وجوب الصلاة - مثلا - ولا يلزم من انتفائه وجوبها ولا عدمه.
فخرج بقوله: يلزم من وجوده عدم الحكم، السبب، لأنه يلزم من وجوده وجود الحكم. … وخرج بقوله: ولا يلزم من عدمه وجود، ولا عدم، الشرط، فإنه يلزم من عدمه، عدم الحكم. واحترز بقوله: لذاته، من لزوم الوجود في الانتفاء، لوجود السبب.
وهذا مانع الحكم، وأما مانع العلة، فهو ما أبطل معناها، وسيشير إليه الشيخ ﵀ ﷾ في كتاب القياس - إن شاء الله ﷾ بقوله:
وامنع لعلة بما قد اَذهبا
ومثاله الدين المسقط للزكاة، فعلة وجوب الزكاة، الاستغناء بملك النصاب، والدين ينافي ذلك.
وقوله: يمنع للدوام إلخ، معناه أن المانع ينقسم إلى ثلاثة أنواع:
مانع الابتداء والدوام معا، وذلك كالرضاع، فالعقد على مَحْرم الرضاع، ممنوع، وإذا عقد على أجنبية فأرضعتها من تحرم عليه بناتها، انفسخ العقد.
ومانع الابتداء فقط دون الدوام، وذلك كالاستبراء، فالعقد على المستبرأة غير جائز، وطرو الاستبراء على النكاح، لا يفسده.
[ ١ / ٣٧ ]
ومانع اختلف فيه، هل يمنع الابتداء فقط، أو يمنع الابتداء والدوام معا؟
وذلك كالطول بالنسبة لنكاح الإماء، فهو مانع من ابتداء النكاح، مختلف إذا طرأ عليه هل يفسده.
وقد عقد المصنف بهذا قول القرافي - رحمهما الله ﷾ في التنقيح: الموانع الشرعية على ثلاثة أقسام:
منها ما يمنع ابتداء الحكم واستمراره.
ومنها ما يمنع ابتداءه فقط.
ومنها ما اختلف فيه، هل يلحق بالأول أو بالثاني؟
ومثل بالأمثلة المذكورة، مع أمثلة أخرى. (^١) وسيأتي له - إن شاء الله ﷾ في كتاب القياس في بحث العلة منه، تقسيمه إلى مانع دوام وابتداء معا، ومانع ابتداء فقط، ومثالهما ما ذكر من الرضاع والاستبراء، ومانع دوام فقط، ومثاله الطلاق البائن القاصر عن الغاية، فهو مانع من استمرار الزوجية، دون ابتدائها، وذلك حيث يقول:
للدفع والرفع أو الأمرين … واجبة الظهور دون مين
_________________
(١) وللشيخ محمد يحيى بن احريمو تعليقا على هذه الأبيات: مثل بالطول لمانع الدوام … على خلاف فيه لا غير يرام فمنعه للابتداء ما اختلف … فيه، فقوله: فقط، لذا صرف ومانع الدوام باتفاق … رابعها لا البدء كالطلاق فهو يرفع النكاح السابقا … ولم يكن يمنع نكحا لاحقا هذا وإن خامس الأقسام … ما كان قطعا مانع الدوام بلا خلاف والخلاف يجري … في منعه الدوام دون نكر مثل الثلاث دفعة، فالخلف … فيها شهير قد حوته الصحف ولم أجد نصا به كفيلا … لكن كفى السبر به دليلا وهذه القسمة باعتبار … أمر الوفاق والخلاف الجاري وقسموه باعتبار الذات … تقسيمة لدى القياس تاتي للدفع والرفع وللأمرين … واجبة الظهور دون مين أزكى صلاة الله كل حين … على النبي الخاتم الأمين
[ ١ / ٣٨ ]
وقد ظن بعض الشروح أنه أراد هنا هذا التقسيم، فأشكل عندهم كلامه.
ويروى البيت بلفظ: أو يمنع الدوام عن نزاع.
وقد وقفت على ذلك في نسختين: إحداهما نسخة جدنا لمرابط محمد المصطفى بن ديَّ - رحمهما الله ﷾ من نشر البنود، وذلك الموضع منها بخط تلميذه سيدي لمرابط: محمد محمود بن داهي ﵀ سبحامه وتعالى ـ.
وفي هذه النسخة إضافة إلى خط الجد، وخط لمرابط محمد محمود، خطوط جماعة من أهل العلم والفضل، من بينهم سيدي لمرابط الحاج ﵀ ﷾.
وكان ختمها على يد صداف بن محمد البشير.
والنسخة الثانية: نسخة عتيقة، أوقفت عليها من قبل الشيخ اباه بن عبد الله - حفظه الله تعالى - من شرح محمد يحيى بن سليمة اليونسي الولاتي، على مراقي السعود.
وظاهر بعض الشروح أن هذه الرواية دالة على التقسيم الآخر، ولم يظهر لي فرق بينها وبين الرواية الأخرى.
فقوله: في النسخة المتداولة على نزاع، عائد إلى مفهوم قوله: فقط، أي: أو يمنع الابتداء، ولا يمنع الدوام على خلاف في الثاني.
وهذا هو معنى الرواية الأخرى، فقوله فيها: عن نزاع، عائد إلى حصر المنع في الابتداء، لا إلى منع الابتداء، فالمعنى واحد.
والحاصل أن عبارة الناظم وافية بالتقسيم الذي أراد، على كلا الرواية بوضوح، وليس فيها إشكال، والله ﷾ أعلم.
ولازم من انتفاء الشرط … عدم مشروط لدى ذي الضبط
كسبب، وذا الوجود لازم … منه، وما في ذاك شيء قائم
واجتمع الجميع في النكاح … وما هو الجالب للنجاح
أشار بهذا إلى تعريف الشرط والسبب.
فذكر أن الشرط هو ما يلزم من انتفائه العدم، ولا يلزم من وجوده، وجود ولا عدم لذاته.
[ ١ / ٣٩ ]
فأول الأبيات أشار به إلى لزوم انتفاء الحكم من انتفائه.
وأشار إلى عدم لزوم شيء من وجوده بقوله: وما في ذاك شيء قائم.
وقولنا: لذاته، يحترز به عن مقارنة وجوده، لوجود السبب، نحو ما تقدم في انتفاء المانع. ومثال الشرط: الطهارة من الحيض - مثلا - بالنسبة للصلاة، والصوم، فانتفاؤها يلزم منه عدم وجوبهما، ولا يلزم من وجودها، وجود الوجوب.
وأما السبب فهو ما يلزم من وجوده، وجود الحكم، ويلزم من انتفائه، انتفاؤه لذاته. وأشار إلى لزوم انتفاء الحكم من انتفائه، بقوله: كسبب.
وأشار إلى لزوم وجوده من وجوده، بقوله: وذا الوجود لازم منه.
وقولنا: لذاته، يحترز به عن مقارنة وجوده، لوجود مانع، أو فقد شرط، فإن الحكم منتف حينئذ، لأجل ما ذكر، ومن إخلافه بسبب آخر، فالحكم لازم لوجود ذلك السبب.
ومثال السبب: الذكاة في حلية الشاة.
فتحصل أن المانع، لا يؤثر إلا بوجوده، وأن الشرط، لا يؤثر إلا بانتفائه، وأن السبب يؤثر بكل منهما.
وقوله: واجتمع الجميع البيت، أشار به إلى أن أنواع خطاب الوضع الثلاثة مجتمعة في النكاح.
فهو سبب من أسباب الإرث - مثلا ـ.
شرط في لحوق الطلاق - مثلا ـ.
مانع من التزوج بأم الزوجة، وابنتها، وأبي الزوج، وابنه، ونحو ذلك.
وقوله: وما هو الجالب للنجاح، يعني به الإسلام، فهو سبب في عصمة الدم والمال. شرط في الإرث من المسلم.
مانع من القصاص في ما إذا كان القتيل كافرا - مثلا - ولم يكن القتل حرابة.
وانظر قول شروح النظم هنا: إن الإيمان سبب للثواب، مع كلام القرافي ﵀ ﷾ في الفروق الذي سبق لهم نقله في الكلام على النسبة بين خطابي التكليف والوضع، ونصه: ونحن لا نعني بكون الشيء سببا، إلا كونه وضع سببا لفعل من قبل
[ ١ / ٤٠ ]
المكلف اهـ
والركن جزء الذات والشرط خرج … وصيغة دليلها في المنتهج
ومع علة ترادف السبب … والفرق بعضهم إليه قد ذهب
أشار بقوله: والركن البيت، إلى جواب سؤال نشأ من تعريف الشرط، وهو أن التعريف المذكور يصدق بالركن، فالركن يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده، وجود ولا عدم لذاته، وليس بشرط.
والجواب هو أن الركن خارج من الحد بما هو معلوم من كونه جزءا من الذات، ومن كون الشرط خارجا عن المشروط.
وقوله: وصيغة دليلها في المنتهج، أشار به إلى رد ما وقع في كلام بعض الفقهاء من عد الصيغة ركنا، فذكر أنها دليل الماهية، ودليل الشيء غيره.
ويقع اللبس أيضا بين الشرط وجزء العلة، فجزء العلة يصدق عليه حد الشرط.
وفرق القرافي ﵀ ﷾ في التنقيح بينهما، بكون جزء العلة مناسبا للحكم في ذاته، والشرط مناسب في غيره، قال: كجزء النصاب، فإنه مشتمل على بعض الغنى في ذاته، ودوران الحول ليس فيه شيء من الغنى، وإنما هو مكمل للغنى الكائن في النصاب.
وقوله: ومع علة البيت، معناه أن العلة والسبب مترادفان للمعنى الذي سبق بيانه، وفرق بينهما ابن السمعاني ﵀ ﷾ تبعا لأهل اللسان، بأن السبب هو الموصل إلى الشيء من غير تأثر عنه، مع جواز المفارقة، كالحبل للماء، والعلة: ما يتأثر عنه الشيء دون واسطة، كالإسكار للتحريم، والسفه للحجر.
شرْط الوجوب ما به نكلَّف … وعدم الطلب فيه يعرف
مثل دخول الوقت، والنقاء … وكبلوغ بعث الانبياء
ومعْ تمكنٍ من الفعل الادا … وعدمُ الغفلة والنوم بدا
وشرْط صحةٍ به اعتداد … بالفعل منه الطهر يستفاد
والشرط في الوجوب شرْطٌ في الأدا … وعزْوه للاتفاق وُجدا
[ ١ / ٤١ ]
المراد بالشرط هنا، ما يلزم وجوده لوجود أمر آخر، سواء كان سببا أو شرطا في التعريف المتقدم.
ومعنى الأبيات، أن الشرط بالمعنى المذكور، ينقسم إلى ثلاثة أنواع:
شرط وجوب، وهو ما توقف طلب الشيء على حصوله، من غير أن يكون تحصيله مطلوبا منه، سواء كان تحصيله في استطاعته أو لا، وذلك كالنقاء من دمي الحيض والنفاس لطلب الصلاة والصوم - واجبين كانا أو مندوبين - وكبلوغ الدعوة، ودخول الوقت، واستهلال رمضان، والعقل، وملك النصاب، والإقامة.
وشرط أداء، وهو ما يكون به التمكن من الفعل، بعد حصول ما يكون به من أهل التكليف، كعدم الغفلة، وعدم النوم.
وشرط صحة، وهو ما يتوقف عليه الاعتداد بالماهية، كالطهارة للصلاة.
ومنهم من نوَّع الشرط إلى نوعين فقط، وهما النوع الأول، والنوع الأخير، وأرجع شرط الأداء إلى شرط الصحة، وإلى هذا أشار بالأبيات الأربعة الأولى.
وقوله: والشرط في الوجوب، شرط في الأدا البيت، معناه أن كل ما هو شرط في وجوب الماهية، فهو شرط في أدائها، عند من يجعل القسمة ثلاثية، وشرط في صحتها عند من يجعل القسمة ثنائية.
وأشار بقوله: وعزوه للاتفاق وجدا، إلى أن السعد حكى الاتفاق على ذلك.
والظاهر أنه أمر أغلبي، فقد لا يكون شرطا في الصحة، كالإقامة بالنسبة لوجوب الجمعة، والذكورة، والحرية، وكذلك الاستطاعة في وجوب الحج، والحرية والتكليف، والوضوء قبل دخول الوقت، والكفارة قبل الحنث، ونحو ذلك، والله ﷾ أعلم.
وصحة وفاق ذي الوجهين … للشرع مطلقا بدون مين
الصحة لغة: السلامة، وفي الاصطلاح: موافقة الأمر ذي الوجهين لإذن الشرع، سواء كان عبادة أو معاملة، وذلك هو المراد بالإطلاق في البيت.
ووقوعه موافقا لإذن الشرع: أن يقع على وجه مستجمع لما يشترط في الاعتداد به شرعا.
[ ١ / ٤٢ ]
وقولهم: ذي الوجهين، المراد بالوجهين فيه: كونه يقع موافقا لإذن الشرع، ويقع مخالفا له.
يحترز بذلك عما لا يقع إلا موافقا، كالاستغفار والتسبيح، ونحو ذلك.
كما لا يوصف ما لا يقع إلا مخالفا لإذن الشرع، بالفساد، فلا يقال ربا فاسد، ولا زنى فاسد، ولا سرقة فاسدة، ولا غصب فاسد.
وذلك أن الأصل أن لا يوصف الشيء بالأمر، إلا إذا كان يفارقه، وحينئذ فهذا القيد لا داعي له.
كما أن عبارة موافقة الأمر لا تستعمل إلا مع تأتي مخالفته.
وقد وقع في التنقيح تعريف الصحة بتعريف الصحيح بإسقاط القيد المذكور، فقال في تعريف الصحة: ما وافق الأمر.
وإذا وقعت العبادة موافقة للإذن، كانت صحيحة عند المتكلمين، وإن لم يسقط بذلك قضاؤها، كما لو صلاها ظانا أنه على طهارة، وتبين أنه ليس على طهارة في نفس الأمر، خلافا للفقهاء، وبعض المتكلمين، حيث اشترطوا في تسميتها صحيحة أن تقع على وجه يسقط به قضاؤها، بمعنى أنه إذا تبين تخلف بعض ما يشترط في صحتها مما لا يعذر فيه بسهو، كانت باطلة، غير مخرجة من عهدة الخطاب، وإلى هذا أشار بقوله:
وفي العبادة لدى الجمهور … أن يسقط القضا مدى الدهور
ومبنى الخلاف: الخلاف في القضاء هل هو بأمر جديد، أو بالأمر الأول؟
فعلى أنه بأمر جديد، فالصلاة الواقعة على وجه ظاهره الصحة، صحيحة، لموافقتها للإذن في ظاهر الأمر، وهو المأمور بمراعاته، كما تقدم في مسألة اشتراط العلم والوسع. وعلى أنه بالأمر الأول، فهي غير صحيحة، ولا مخرجة من عهدة الخطاب، وإلى هذا أشار بقوله:
يبنى على القضاء بالجديد … أو أول الأمر لدى المجيد
فصحتها عند المتكلمين، بالنظر إلى الخروج بها من عهدة الخطاب الأول، بدليل أنه لو لم يظهر على منافي الصحة، لم يكن عاصيا للأمر، بل ممتثل مأجور، موافق للإذن، وأن
[ ١ / ٤٣ ]
التكليف مشروط بالعلم والوسع، ولا ينافي ذلك أنهم يوجبون قضاء هذه الصلاة، كما توهمه بعضهم، فإيجابها بخطاب آخر، يستلزمه الشرط مع السهو، فاشتراط الطهارة مع السهو، عائد إلى الأمر بالإعادة بعد التذكر.
وأما استشهاد الزركشي ﵀ ﷾ بمسألة من صلى بنجس ناسيا، أو إلى غير القبلة خطأ، فغير بين، وذلك أن شرطية بعض الشروط مشروطة بالذكر والقدرة، فعدمه لا يستلزم مخالفة الإذن مطلقا.
هذا وذكر ابن عاشور ﵀ ﷾ أن تعريف الفقهاء يقتضي اختصاص الصحة بالفرض، وهذا بين، على أن المراد بالقضاء في قولهم: أسقط القضاء، القضاء بالمعنى الآتي، الذي هو فعل العبادة خارج وقتها الذي حدده الشرع لها، لكن هذا يقتضي أيضا عدم دخول وصف الصحة في الحج.
فإن قيل: الحج يصير موقتا بالشروع فيه، قلنا: كذلك نفل الصوم، والصلاة، والعمرة، والاعتكاف.
واستعمال الفقهاء يقتضي أن المراد بالقضاء، الفعل ثانية، أعم من كونه في الوقت أو لا، الذي هو الإعادة كما سيأتي قريبا - إن شاء الله ﷾ وهو مقتضى ما عُلل به كل من القولين، وإن كان كلام القرافي في شرح التنقيح صريحا في مثل ما لابن عاشور - رحمهما الله ﷾ وعليه فالنوافل التي تقدم أنها تتعين بالشروع توصف بالصحة، وإن كان في الصوم والصلاة إنما يؤمر بالقضاء حيث كان وقوع البطل عن عمد اختياري، ووصف تلك القرب بالصحة والبطلان معلوم في كلام الفقهاء، والله ﷾ أعلم.
وهْي وفاقه لنفس الامر … أو ظن مأمور لدى ذي خُبْر
أشار بهذا إلى ما ذكره تقي الدين السبكي ﵀ ﷾ من أن صحة العبادة هي موافقتها للإذن، لكن المعتبر عند الفقهاء الموافقة في نفس الأمر، وعند المتكلمين الموافقة في ظاهر الأمر، وليس إسقاط القضاء مشترطا حتى عند الفقهاء، وبنى ذلك على أن الصحة تقع في كلامهم على ما لا يكون مغنيا عن القضاء.
بصحة العقد يكون الأثر … وفي الفساد عكس هذا يظهر
[ ١ / ٤٤ ]
إن لم تكن حوالة أو تلف … تعلق الحق، ونقص يُؤْلَف
قوله: بصحة العقد يكون الأثر، أشار به إلى رد ما قيل في تفسير صحة العقد، من أنها ترتب أثره عليه، بحيث يكون للمشتري التصرف في السلعة، ويكون للبائع التصرف في الثمن، فصحة العقد موافقته للإذن، وهي سبب لانتقال الملك في العوضين، والملك سبب لإطلاق التصرف المشروع في المملوك.
فترتب الأثر ناشئ عن الصحة، لا عينها، بدليل وجودها دونه، كما في بيع الخيار، وبيع الفضولي، وبيع المرتهن، وبيع المولى عليه، ونحو ذلك.
ولا يترتب على العقد الفاسد أثر، لأن المعدوم شرعا معدوم حسا، وسيأتي في مباحث النهي - إن شاء الله ﷾ أن النهي يقتضي الفساد، خلافا للحنفية.
نعم قد يترتب في العقد الفاسد الأثر الذي يترتب على العقد الصحيح، لكن لا لنفس العقد، بل لمعنى آخر، كما في الخلع الفاسد، والكتابة الفاسدة، فترتب الطلاق والعتق فيهما ليس لنفس العقد، بل للتعليق، فالفساد راجع للتعاوض، وأصل العقدين الذي هو الطلاق والعتق، لا يتوقف على العوض.
قوله: وفي الفساد عكس هذا يظهر، أشار به إلى أن العقد الفاسد لا يترتب عليه أثر لما تقدم، وقد قال ﷾ جل من قائل: (وأحل الله البيع وحرم الربا)
وقوله: إن لم تكن حوالة البيت، ظاهره أن الأثر يترتب في الفاسد إذا لم يطلع عليه إلا بعد الفوات مطلقا، وظاهره أيضا اختصاص ذلك بالبيع، وذلك هو ظاهر كلام القرافي - رحمهما الله ﷾ في شرح التنقيح.
والمعروف أن الفاسد ينقسم إلى فاسد مجمع على فساده، وفاسد مختلف في فساده، أما المختلف في فساده فيفصل على المشهور بين ما إذا لم يطلع على فساده إلا بعد مفوت، وما إذا اطلع عليه قبل ذلك، فإن اطلع عليه قبل الفوات، فسخ، وإلا أقر بالثمن على المشهور، مراعاة للخلاف، وقيل إنه يمضي بمجرد العقد، وقيل بالقبض.
وأما شبهة الملك فهي حاصلة بظن الملك.
والوجه في مراعاة الخلاف بين، وإن أشكل على كثيرين، فمراعاة الخلاف عائدة إلى أن
[ ١ / ٤٥ ]
ما وقع صحيحا على مقتضى اجتهاد معتبر، وحصل فيه مفوت، بحيث يلحق في فسخه ضرر أو نحوه، لا ينبغي أن ينقض لمخالفته لاجتهاد آخر.
والمعول أنه لا يراعى من الخلاف ما كان مدركه ضعيفا.
وهذا كما جاء عن عمر - رضي الله ﷾ عنه - في مسألة المشتركة، حين راجعه فيها أحد الإخوة لأم، فعمل بغير اجتهاده فيها قبل ذلك، فقيل له في قضائه الأول، فقال: تلك على ما قضيناه، وهذه على ما قضينا (^١).
وأما المجمع على فساده فمفسوخ مطلقا.
وهذا غير خاص بالبيع، بل يجري في ما سواه من العقود كالنكاح، فالنكاح الفاسد المختلف في فساده يمضي بالدخول، والمجمع على فساده يفسخ أبدا، ودخوله وطء شبهة، والله ﷾ أعلم.
والمراد بالحوالة: حوالة السوق، والسوق: فسره عليش في قول سيدي خليل: بتغير سوق، بالثمن، ووقع مثله في عبارة غيره، ولا أدري هل مرادهم أنه موضوع لذلك أيضا حقيقة، أو هو تفسير باللازم، وهو استعمال معروف في لساننا الشعبي، نقول: كم سوق هذه السلعة.
والمراد بالتلف: تلف العين المعقود عليها.
وبتعلق الحق: تعلق الحق بها لثالث، كرهنها له أو إجارتها.
والمراد بالنقص: حدوث نقص فيها، كعور الشاة، وتخرق الثوب، ونحو ذلك، والله ﷾ أعلم.
كفاية العبادة الإجزاء … وهي أن يسقط الاقتضاء
أو السقوط للقضا وذا أخص … من صحة إذ بالعبادة يخص
معناه أن إجزاء العبادة هو إيقاعها على وجه يسقط به طلبها، ويُخرج به من عهدة الخطاب بها.
_________________
(١) رواه الدارمي بإسناد جيد.
[ ١ / ٤٦ ]
وقيل: إيقاعها على وجه يسقط به قضاؤها، نحو الخلاف المتقدم في صحة العبادة، ولم أقف على عزو طرفي الخلاف هنا، والظاهر أيضا أن المراد بالقضاء هنا المراد به في الصحة، خلاف ما يقتضيه بعضهم، وذلك لما أسلفنا هناك، ولما صرحوا به من ترادف صحة العبادة وإجزائها، كما هو قوله: وذا أخص من صحة إذ بالعبادة يخص.
والمعنى أن الإجزاء أخص من الصحة مطلقا، لعدم جريانه في غير العبادات، فلا يقال بيع مجزئ، ولا نكاح مجزئ.
والصحة القبول فيها يدخل … وبعضهم للاستواء ينقل
أشار به إلى أن الأكثرين على أن الصحة لا تستلزم القبول، وإنما تستلزم الخروج من عهدة الخطاب.
وقيل: هما مترادفان، وهناك نصوص كثيرة ظاهرها إناطة أصل الثواب بالفعل، فضلا من الله ﷾ وكرما وجودا وإحسانا، دون المضاعفة الزائدة على العشر مثلا، فهي محل التفاوت، والله ﷾ أعلم.
لكن لا يخفى أن الفعل الذي رتب عليه الثواب، مشروط بالامتثال، والإخلاص، وغير ذلك مما هو معروف، فعدم الجزم بالثواب إنما هو لعدم الجزم بالسلامة مما يمنع ذلك، والله ﷾ أعلم.
وخصص الإجزاء بالمطلوب … وقيل بل يختص بالمكتوب
وصف الإجزاء تقدم أنه خاص بالعبادة، وذكر هنا أنه اختلف في اختصاصه بالواجب، ودخوله في المندوبات، وهو الأبين، ولعل الأبين لو قال: وعمم الإجزاء في المطلوب، والله ﷾ أعلم.
وقابل الصحة بالبطلان … وهْو الفساد عند أهل الشان
وخالف النعمان، فالفساد … ما نهيه للوصف يستفاد
معناه أن الصحة يقابلها البطلان، ويتخرج تعريفه على ما سبق في تعريف الصحة، فبطلان المعاملة وقوعها مخالفة لإذن الشرع، وبطلان العبادة كذلك أيضا، إلا أنه يختلف هل المعتبر في ذلك ظاهر الحال، أو ما في نفس الأمر، كما تقدم بيانه.
[ ١ / ٤٧ ]
ويرادف البطلان الفساد عند الجمهور، وفرق الحنفية بينهما، فجعلوا البطلان في ما كان النهي عنه لذاته، والفساد في ما كان النهي عنه لوصفه.
أولهما كبيع الخمر والخنزير.
والثاني كبيع درهم بدرهمين، فمبادلة الدراهم جائزة في الأصل، والنهي في هذا العقد إنما هو لأجل الزيادة، وتحرير هذا يطلب من كتبهم.
فعل العبادة بوقت عُينا … شرعا لها باسم الاداء قُرنا
وكونه بفعل بعض يحصل … لعاضد النص هو المعول
وقيل ما في وقته أداء … وما يكون خارجا قضاء
والوقت: ما قدره من شرعا … من زمن مضيَّقا موسعا
وضده القضا تداركا لما … سبْق الذي أوجبه قد عُلما
أشار بأول الأبيات إلى تعريف الأداء، وهو من الأوصاف المختصة بالعبادة، فذكر أنه فعل العبادة في الوقت المحدد لها شرعا، ويقابله القضاء.
وأشار بالبيتين المواليين، إلى الاختلاف في من أدرك ركعة من الصلاة قبل أن يخرج وقتها، هل تعتبر أداء كلها، وهو المعول، لحديث الصحيحين " من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح، ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر " (^١) أو هي قضاء كلها؟
وقيل: الركعة الواقعة قبل خروج الوقت أداء، والواقعة بعده قضاء.
وأشار بقوله:
والوقت ما قدره من شرعا … من زمن مضيقا موسعا
إلى أن وقت العبادة، هو الزمن الذي عينه الشرع لها، سواء كان مضيقا، بأن كان لا يزيد عليها كرمضان، أو موسعا، كأوقات الصلوات، وسيأتي الكلام على ذلك - إن شاء الله
_________________
(١) متفق عليه.
[ ١ / ٤٨ ]
﷾ في مباحث الأمر.
وقوله: وضده القضا البيت، معناه أن القضاء هو فعل العبادة خارج الوقت المحدد لها شرعا، تداركا لما علم تقدم سبب وجوبه.
واحترز الشيخ ﵀ ﷾ بذكر الإيجاب، عن النوافل، إذ لا يجري فيها قضاء عندنا إلا في ركعتي الفجر على المشهور، وهو أحد أقوال ثلاثة: جريان القضاء فيها مطلقا، وعدم جريانه فيها مطلقا.
وقد يستشكل على قيد كون الفعل فيه خارج الوقت، قضاء تطوع الصوم والحج، والله ﷾ أعلم بالصواب.
من الاداء واجب وما منع … ومنه ما فيه الجواز قد سمع
واجتمع الأداء والقضاء … وربما ينفرد الأداء
وانتفيا في النفل
معنى أول الأبيات، أن الأداء قد يوصف بالوجوب، وذلك هو الأصل، وقد يكون جائزا، كصوم المسافر الذي يقوى على الصوم في السفر، وقد يكون ممتنعا، ومثلوا له بصوم الحائض، وهو محل نظر.
وقوله: واجتمع الأداء إلى قوله: في النفل، معناه أن العبادات باعتبار الوصف بالأداء والقضاء، تنقسم إلى ثلاثة أنواع:
نوع يوصف بهما، كالصلوات الخمس، وصوم رمضان.
ونوع يوصف بالأداء فقط، ومثل له بصلاة الجمعة، والنوافل المؤقتة كالصلوات المسنونة.
ونوع لا يوصف بهما كالنفل المطلق.
والأبين أن لا يوصف بالأداء إلا ما يوصف بالقضاء، وما وجه به القرافي ﵀ ﷾ ليس ببين.
والعباده … تكريرها لو خارجا إعاده
للعذر
[ ١ / ٤٩ ]
معناه أن الإعادة - وهي أيضا وصف خاص بالعبادة - هي فعل العبادة مرة ثانية في الوقت أوبعده، لسبب يقتضي ذلك، ولا تعاد بعد الوقت إلا لمقتض ذلك وجوبا، وهو المعبر عنه بالإعادة الأبدية.
ومنع بعض الشروح تسمية ذلك إعادة، لأن الأولى كالعدم، وليس هذا ببين جدا، فعدميتها إنما هي في جهة الإجزاء، لا في جهة صدق اسم الصلاة عليها، فهي صلاة مثاب عليها، وإطلاق أهل المذهب الإعادة على هذا معلوم، فيقولون أحيانا: يعيد في الوقت، وأحيانا: يعيد أبدا، واسم الماهية يصدق بفاسدها.
وما ذكره الشيخ ﵀ ﷾ من عدم اختصاصها بالوقت، هو مذهب الإمام مالك ﵀ ﷾ كما بينه القرافي ﵀ ﷾ في شرح التنقيح، وإن كان في التنقيح قيدها بالوقت تبعا للإمام ﵀ ﷾ في المحصول.
والرخصة حكم غيرا … إلى سهولة لعذر قررا
مع قيام علة الأصلي … وغيرها عزيمة النبي
وتلك في المأذون حتما توجد … وغيره فيه لهم تردد
وربما تجي لما أخرج من … أصل بمطلق امتناعه قمن
قوله: والرخصة إلى قوله الأصلي، أشار به إلى تعريف الرخصة، وهي بسكون الخاء وضمها، مع ضم الراء، وحكى فيها خرصة بتقديم الخاء.
وهي لغة: اليسر والسهولة، وفي الاصطلاح: الحكم الذي تغير من صعوبة إلى سهولة لعذر، مع قيام علة الحكم الأصلي، ولو تغير من استحباب إلى جواز، كما في رد الضعفة من المزدلفة إلى منى.
وخرج بهذا التعريف، ما لم يقع فيه تغير أصلا، بأن بقي على ما وقع عليه شرعه ابتداء، وهو أكثر أحكام الشرع.
وقد يسمى هذا رخصة أيضا، إذا وقع على أخف مما تقتضيه القواعد، للحاجة، وإليه أشار بقوله:
[ ١ / ٥٠ ]
وربما تجي لما أُخرج من … أصل بمطلق امتناعه قمن
وذلك كالمساقاة، فهي من قبيل الإجارة بمجهول، وكذلك القراض.
وكبيع العرية، فهو من قبيل بيع الطعام بالطعام نسيئة.
وكضرب الدية على العاقلة، وغير ذلك.
وخرج ما تغير إلى أصعب، كتعيين صيام رمضان بعد التخيير بينه وبين الافتداء.
وما تغير إلى مساو، كتحويل القبلة.
وما تغير إلى أخف لا لعذر، كسقوط الوضوء مما مست النار.
وما تغير إلى أخف لارتفاع سببه، كادخار لحوم الأضاحي، فالنهي عنه ابتداء إنما كان لأجل الدافَّة.
قوله: وغيرها عزيمة النبي - صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم - معناه أن غير الرخص من الأحكام هو العزائم.
واعترض صاحب نثر الورود حصر الأحكام في الرخصة والعزيمة، وجعل المنسوخ واسطة، ولم أقف عليه لغيره.
ولم يتبين لي وجه امتناع دخوله عنده في العزيمة.
ولا أستبعد أن يكون قد سرى له ذلك من تعريف القرافي ﵀ ﷾ في الفروق، والشاطبي ﵀ ﷾ في الموافقات، حيث عرفاها، بأنها ما شرع من الأحكام الكلية ابتداء، لكن المراد بكونه ابتداء، أن لا يكون حكما مستثنى من حكم قائم، فالمنسوخ قد ارتفع، بخلاف الرخصة فإن الحكم الأصلي فيها لم يرفع، بل هو قائم، والرخصة استثناء منه، والله ﷾ أعلم.
وأثبت القرافي ﵀ ﷾ واسطة بين الرخصة والعزيمة أيضا، وذلك حيث منع دخول وصف العزيمة في الجائز، قال: لأن العزائم مأخوذة من العزم، وهو الطلب المؤكد فيه، وعرف العزيمة بأنها: طلب الفعل الذي لم يشتهر فيه مانع شرعي.
قال: ولم أعين الوجوب، لأن المالكية قالوا إن السجدات المندوب السجود عند تلاوتها، عزائم اهـ
[ ١ / ٥١ ]
وإذا كان كما ذَكر، خرج من العزيمة أيضا المندوب الذي ليس بمؤكد، فقد نصوا أن السجدات لا تنحصر في العزائم، والله ﷾ أعلم.
وليس ما قاله ببين أيضا - إن شاء الله ﷾ فالأوجه أنها من عزم الأمر إذا قطعه ولم يبق فيه ترددا، ولا خيارا.
ولو كان الأمر كما قال، لاختصت الرخصة بالجائز، لمقابلتها للعزيمة.
ثم هذا البحث إنما هو على ما ذهب إليه القرافي ﵀ ﷾ تبعا لغيره من أن الرخصة تتحقق بالوجوب، بل نسبه في البحر لجميع الأصوليين.
أما على ما ذهب إليه غيره كالتاج السبكي ﵀ ﷾ في الإبهاج، ورفع الحاجب، والشاطبي ﵀ ﷾ في الموافقات، من أنها الإباحة خاصة، فهو وارد.
وقد احتج الشاطبي ﵀ ﷾ لما ذهب إليه من اختصاصها بالمباح، بأن النصوص الواردة في الرخص، إنما وردت بألفاظ دالة على رفع الحرج والإثم، ولم ترد بالأمر، كقوله ﷾ جل من قائل: (فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه) وكقوله ﷾ جل من قائل: (وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة) وإنما يستفاد الأمر من دليل آخر، فالآية الكريمة إنما جاءت برفع الحرج عن المضطر، ثم ينظر بعد ذلك، فإن خاف التلف وجب عليه الأكل، من جهة وجوب إحياء النفس، المستفاد من نحو آية (ولا تقتلوا أنفسكم).
ونحوه قول ابن دقيق العيد ﵀ ﷾ في مثل إساغة اللقمة بالخمر: لا مانع أن يطلق عليه رخصة من وجه، وعزيمة من وجه، فمن حيث قام الدليل المانع، نسميه رخصة، ومن حيث الوجوب نسميه عزيمة، نقله عنه في البحر.
قال: وهذا التردد الذي أشار إليه سبقه إليه إمام الحرمين ﵀ ﷾ في النهاية، وتردد في أن الواجبات هل يوصف شيء منها بالرخصة اهـ
وأشار ﵀ ﷾ بقوله:
وتلك في المأذون حتما توجد … وغيره فيه لهم تردد
[ ١ / ٥٢ ]
إلى أن الرخصة تكون في المأذون بأنواعه الثلاثة، التي هي الوجوب، والاستحباب، والجواز، بمعنى أن متعلقها قد يكون واجبا، كنكاح الإماء لمن عدم الطول، وقد يكون مندوبا كالقصر في السفر، وقد يكون جائزا، كالمسح على الخفين، وقد يكون مكروها، كالجمع في السفر عند بعض أصحابنا.
ولا يمكن تحققها في المحرم، لأن التحريم نقيض الإذن، وهذا أمر لا خلاف فيه.
وأما قول الشيخ ﵀ ﷾: وغيره فيه لهم تردد، فهو سهو في العبارة، وإنما أراد الإشارة إلى الاختلاف في اشتراط حلية السبب المقتضي للترخيص، وذلك كالسفر، فقد اختلف إذا كان السفر معصية، هل يجوز قصر الصلاة فيه، والفطر في رمضان، أو لا.
وقد تفطن لهذا من شراح النظم مولاي لمرابط: محمد الامين بن أحمد زيدان ﵀ ﷾ إلا أنه جعل متعلق الرخصة الصلاة، والصلاة المكتوبة لا يمكن وصفها بالرخصة، وإنما الرخصة قصرها، والقصر في سفر المعصية عند من لا يراه سببا للقصر لا يمكن وصفه بالرخصة، لأنه معصية، وهذا بين، والله ﷾ أعلم.
وما به للخبر الوصول … بنظر صح هو الدليل
الدليل: فعيل من الدلالة، وهي مصدر دله دَلا، ودِلالة، ودِلِّيلى، إذا أرشده، فهو لغة: المرشد.
واصطلاحا: ما يتوصل بصحيح النظر فيه إلى مطلوب خبري، والمراد بصحيح النظر: أن ينظر فيه من الجهة التي من شأنها أن ينتقل العقل بواسطتها إلى ذلك المطلوب، المعروفة بوجه الدلالة، وجهة الدلالة.
كآية (أقيموا الصلاة) فهي دليل لوجوب الصلاة، لأن النظر فيها من جهة أنها أمر بالصلاة، يتوصل به إلى وجوبها، لأن الأمر بالشيء يقتضي وجوبه، والمراد بالنظر: جولان الفكر في المعقولات، لا النظر بالمعنى الآتي قريبا - إن شاء الله ﷾.
والمراد بالخبر: التصديق، ويحترز به عن التصور، فالمتوصل به إليه هو القول الشارح. … وينقسم الدليل إلى قطعي وظني، وذلك أن ترتب المطلوب على ذلك الأمر قد يكون على
[ ١ / ٥٣ ]
وجه لا يتخلف بحال، وقد يكون على وجه الغلبة والرجحان، مع إمكان التخلف، والله ﷾ أعلم.
والدلالة اصطلاحا قيل هي: فهم أمر من أمر، وقيل: هي كون أمر بحيث يفهم منه أمر، فهم أو لم يفهم.
ودلالة اللفظ الوضعية، على ثلاثة أنواع:
دلالة مطابقة، ودلالة تضمن، ودلالة التزام.
فالأولى: دلالة اللفظ على مجموع معناه، كدلالة لفظ اثنين على مجموعهما.
والثانية: دلالته على بعض ما وضع له، كدلالة لفظ اثنين على أحدهما.
والثالثة: دلالته على خارج لازم له، كدلالة اللفظ المذكور على الشفع والزوجية.
والمراد باللزوم: اللزوم في الذهن، كالعمى والبصر، لا اللزوم في الخارج فقط، لأن الفهم حينئذ ليس ناشئا من اللفظ، وقد أشار الأخضري ﵀ ﷾ إلى ذلك في السلم بقوله:
دلالة اللفظ على ما وافقه … يدعونها دلالة المطابقه
وجزئه تضمنا، وما لزم … فهو التزام إن بعقل التزم
وكلامهم في دلالة الاقتضاء، صريح في تساوي اللزوم العقلي واللزوم الشرعي، فلعل التخصيص باللزوم العقلي اصطلاح خاص بالمناطقة، والله ﷾ أعلم.
ولا بد للطالب من معرفة هذه الأوجه، فإن بعض البحوث التي تدور في كلامهم مبنية على تفاصيلها، وإنما لم يتكلم عليها المؤلف ﵀ ﷾ لقوله:
منتبذا عن مقصدي ما ذكرا … لدى الفنون غيره محررا
ولا شك أن هذا لا يقل أهمية عن التصور والتصديق.
والنظر الفكر الموصِّل إلى … ظن بحكم، أو لعلم مسجلا
معناه أن النظر في الاصطلاح، هو الفكر الذي يوصل إلى علم أو ظن.
ومقتضى قوله: ظن بحكم: أن التصور لا يكون إلا علما، وهو كذلك في ما ذكروا، والله ﷾ أعلم.
[ ١ / ٥٤ ]
والفكر هو حركة النفس في المعقولات.
والمراد بالإطلاق في البيت، أنه لا فرق بين أن يكون العلم بذات، أو نسبة.
الادراك من غير قضا تصور … ومعْه تصديق وذا مشتهر
معناه أن التصور هو الإدراك الذي لا حكم معه، فإن كان معه حكم، فهو تصديق، والحكم تقدم أنه إثبات أمر لأمر، أو نفيه عنه.
وقيل: إن التصديق هو الإدراك الرابع من الإدراكات التي يتوقف عليها الحكم، وهي إدراك زيد في قضية: زيد كاتب، وإدراك الكاتب، وإدراك النسبة بين زيد والكاتب، التي هي مورد الإثبات والنفي، من غير حكم، كحال شاك، وكونها واقعة بالفعل، أو منتفية، وهو مذهب قدماء المناطقة، وهو المشار إليه بمفهوم قوله: وذا مشتهر.
وإنما سمي التصور تصورا، لانطباع صورة المدرَك في ذهن مدرِكه، وأما التصديق فسمي تصديقا، أخذا بأشرف الاحتمالين: الصدق والكذب، فالتصديق خبر، والخبر محتمل للصدق والكذب.
والمراد بالتصور - في ما قالوا ـ: وصول النفس إلى المعنى بتمامه، وإلا فهو شعور، ومثلوا له بشعورنا بأن الملئكة أجسام لطيفة نورانية لا تعلم حقيقتهم.
وهذا يؤدي إلى سؤال، وهو أنه إذا كان التصديق متوقفا على التصور، وكان التصور خاصا بوصول النفس إلى المعنى بتمامه، فكيف يكون التصديق في الأشياء الغيبية؟ … والجواب: أن التصديق إنما يتوقف على إدراك الشيء إدراكا يرفع أصل الجهالة به، المانع من تمييزه، ومعرفته من الجهة التي يتعلق به فيها ذلك الحكم.
فإن كان هذا هو المراد بوصول النفس إلى المعنى بتمامه، فلا إشكال.
وإن أريد تعقله على وجه تام، كما يقتضيه التمثيل بالملئكة فليس بصحيح، والله ﷾ أعلم.
جازمه دون تغير علم … علما، وغيره اعتقاد ينقسم
إلى صحيح إن يكن يطابق … أو فاسد إن هو لا يوافق
والوهم والظن وشك ما احتمل … لراجح أو ضده أو ما اعتدل
[ ١ / ٥٥ ]
معناه أن التصديق إما أن يكون جازما أو لا.
والجازم قابل للتغير، وغير قابل له.
فالجازم الذي لا يقبل التغير، كالتصديق بأن الكل أكبر من الجزء، يسمى علما. والجازم الذي يقبل التغير، يسمى اعتقادا، كالعقائد الفاسدة كلها.
وينقسم الاعتقاد إلى صحيح، وهو ما وافق الواقع، وفاسد، وهو غيره.
وغير الجازم إما أن يكون احتمال نقيضه مرجوحا، وهو الظن، أو راجحا، وهو الوهم، أو مساويا، وهو الشك، وإلى هذه الثلاثة أشار ﵀ ﷾ على سبيل اللف والنشر المرتب بقوله: والوهم والظن البيت.
وقيل: إن الشك والوهم ليسا من التصديق، إذ ليس فيهما إلا التجويز، وقد عدهما السيد وغيره من التصور، وهو أبين.
وأما قول بعض الشروح: إن الواهم حاكم بالطرف المرجوح حكما مرجوحا، وأن الشاك إن كان شكه ناشئا عن تعارض الأدلة فهو حاكم بالتردد، فمشكل.
أما في الشك، فلما ذكروه من أن التصديق الحكم بوقوع النسبة، أو عدم وقوعها، وهذا غير واحد منهما.
وأما الحكم بالتردد، فهذا حكم في نسبة أخرى، وقضية أخرى، وهي تكافؤ أدلة الوقوع، وأدلة اللاوقوع.
وأما في الوهم، فكيف يكون حاكما بعدم وقوع الشيء مثلا، مع حكمه بوقوعه؟ … فالأوجه أن الواقع منه إنما هو تجويز للنقيض.
وأيضا كيف يكون صاحب الوهم حاكما، وصاحب الشك غير حاكم، مع أن الشك أقوى من الوهم، والله ﷾ أعلم.
هذا والأصل العمل بالظن إلا في مواضع مستثناة، كالمواطن المتعبد فيها بالقطع، كالعقائد. وأما الشك والوهم، فالأصل إلغاؤهما، وقد يراعيان لمعنى عارض، كالاحتياط ونحوه، كلزوم الوضوء بالشك في الحدث، وكلزوم طلب الماء مع ظن عدم وجوده، على خلاف في المسألتين، وكندب التنزه في الرضاع، ويقول الشيخ آد ﵀ ﷾:
[ ١ / ٥٦ ]
والشك في الشرط ومانع سبب … لغو، كما الحبر القرافي جلب
وذلك لقاعدة أن اليقين لا يرتفع بالشك، وهي قاعدة متفق عليها، وسيأتي أنها من القواعد الخمس التي ذكر القاضي الحسين - رحمه ﷾ أن الفقه ينبني عليها، وذلك عملا بأصل الاستصحاب، والله ﷾ أعلم.
والعلم عند الاكثرين يختلف … جزما، وبعضهم بنفيه عُرف
وإنما له لدى المحقق … تفاوت بحسب التعلق
لما له من اتحاد منحتم … مع تعدد لمعلوم علم
يبنى عليه الزيد والنقصان … هل ينتمي إليهما الإيمان
أشار بهذا إلى أنه اختلف في تفاوت العلم في جزئياته، فذهب الأكثرون إلى أنه يتفاوت، فالعلم بأن الكل أكبر من الجزء، أقوى من العلم بمجيء زيد الثابت بالأخبار المتواترة، والعلم الناشئ عن العيان، أقوى من العلم الناشئ عن الأخبار المتواترة.
وتشهد لهذا المذهب ظواهر كثيرة، كقول سيدنا إبراهيم - على نبينا وعليه أفضل الصلاة وأتم التسليم ـ: (ولكن ليطمئن قلبي) وكقول الذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها المذكور في الآية الكريمة، وكقول الحواريين: (وتطمئن قلوبنا ونعلم أن قد صدقتنا) وكقوله ﷾ جل من قائل خبرا عن الشهداء: (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم أن لا خوف عليهم ولا هم يحزنون) الآية الكريمة، وكقوله ﷾ جل من قائل: (لترون الجحيم ثم لترونها عين اليقين) والله ﷾ أعلم.
وذهب قوم إلى أنه لا يتفاوت في نفسه، فلا فرق بين ضروريه ونظريه، وإنما يتفاوت بكثرة المتعلقات، كمثل ما في حديث الصحيحين (لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا، ولبكيتم كثيرا)
وينبني على هذا الاختلاف: الاختلاف في الإيمان هل يزيد وينقص بحسب الجزم أو لا؟ والله ﷾ أعلم.
وهذا الخلاف ينبني على خلاف آخر، وهو هل يتعدد العلم بتعدد المعلوم، أو لا؟
[ ١ / ٥٧ ]
وعلى الأول أبو الحسن الأشعري ﵀ ﷾ وكثير من المعتزلة، وعليه يجري القول بتفاوت العلم في نفسه.
وأما من ذهب إلى أن العلم واحد، ولا يتعدد بتعدد المعلوم، فيرى أن العلم لا يتفاوت في نفسه، وإلى هذا أشار بقوله: لما له من اتحاد منحتم البيت.
والجهل جا في المذهب المحمود … هو انتفاء العلم بالمقصود
معناه أن الجهل هو انتفاء العلم بما من شأنه أن يقصد ليعلم، وذلك صادق بالجهل البسيط، وهو عدم العلم به من دون اعتقاد العلم به، والجهل المركب وهو اعتقاده على هيئة خلاف هيئته.
وقولهم: عما من شأنه أن يقصد ليعلم، احتراز عن نحو جهل ما تحت الأرض - مثلا - فلا يسمى عدم معرفته جهلا على ما قالوا، والله ﷾ أعلم.
زوال ما علم قل نسيان … والعلم في السهو له اكتنان
معناه أن النسيان، هو زوال المعلوم عن الحافظة، بحيث يحتاج إلى استئناف تحصيله، والسهو هو الذهول عن الشيء مع بقائه في الحافظة، بحيث يستحضره عند التذكير، وذلك هو المراد بقوله: له اكتنان، أي اختفاء واستتار في الحافظة، من غير أن يكون قد ذهب جملة.
وقيل: هما مترادفان، والظاهر أن المراد ترادفهما لما يعم الأمرين جميعا، والله ﷾ أعلم.
ما ربنا لم ينه عنه حسن … وغيره القبيح والمستهجن
معناه أن قبح الأشياء وحسنها الشرعيين - الذين يترتب عليهما الثواب والعقاب والذم والمدح - لا يدركان إلا بالشرع.
فالحسن: ما لم ينه عنه الشرع، بأن أذن فيه، سواء كان واجبا، أو مندوبا، أو مباحا، والقبيح: ما نهى عنه الشرع، سواء كان النهي نهي تحريم أو نهي كراهة.
وقال إمام الحرمين ﵀ ﷾: المكروه واسطة، إذ لا يذم على فعله، ولا يسوغ الثناء عليه.
[ ١ / ٥٨ ]
والصواب أنه من قبيل القبيح، للإثابة على تركه، لكن قبحه دون قبح الحرام، كما أن حسن المندوب دون حسن الواجب، وحسن المباح دون حسن المندوب، فالقبح والحسن معنيان مشككان، وليسا متواطئين.
وذهب المعتزلة إلى أن ما ذكر من الحسن والقبح، يدرك بالعقل، قبل الشرع.
وصرح بعض الشروح بأن المحرم في حق الصبي حسن.
ومقتضاه أن الواجب والمحرم لا يتوجه إلى الصبي فيهما خطاب، عند من يرى توجه الخطاب إليه بالندب والكراهة، فيكون شرب الخليطين في حقه قبيحا، وشرب الخمر وغيره من كبائر الذنوب حسنا، وهو غير بين الوجاهة.
فالأوجه أن المنفي في حق الصبي التحريم والإيجاب، لا الخطاب في المحرم والواجب، فمن ذهب إلى توجه الخطاب إليه بالندب والكراهة، يرى ندب الواجب، وكراهة المحرم في حقه، وهو الذي تقتضيه تفاريع أهل المذهب، وهو مقتضى استدلالهم لاستحباب صلاته، باستحباب حجه، كما سيأتي بيانه - إن شاء الله ﷾.
ومن لا يرى توجه الخطاب إليه جملة، يرى أفعاله كلها غير موصوفة بحسن ولا قبح، فهي كأفعال المجانين والعجماوات، والله ﷾ أعلم.
وأما الحسن والقبح بمعنى ملاءمة الطبع ونفوره، ونحو ذلك، فلا خلاف أنه يدرك بالعقل قبل الشرع، والله ﷾ أعلم.
هل يجب الصوم على ذي العذر … كحائضٍ ومُمْرَض، وسَفْر
وجوبه في غير الاول وضح … وضعفه فيه لديهمُ رجح
وهو في وجوب قصدٍ للأدا … أو ضده لقائل به بدا
اختلف إذا انعقد سبب وجوب الصوم، مع قيام العذر المبيح للفطر، هل يوصف بالوجوب أو لا؟
وذلك كالحائض، والنفساء، والمريض، والمسافر، فقد اختلف في وجوب الصوم عليهم في وقت العذر، وذلك على أقوال: ثالثها وجوبه على المسافر والمريض.
واحتج من قال يجب عليهم بوجوب القضاء بقدر ما فات، قال: فلو لم يكن الفائت
[ ١ / ٥٩ ]
واجبا، لم يكن البدل واجبا.
وأجيب عن هذا، بأن وجوب القضاء قد يوجد دون وجوب الأداء، كما في الناسي والنائم عن الصلاة حتى خرج وقتها.
ومن فصل، نظر إلى إجزائه ممن ذهب إلى وجوبه عليهم، وغير الواجب لا يجزئ عن الواجب، فهو في حقهم عنده من قبيل الواجب المخير.
ومن قال لا يجب عليهم، نظر إلى عدم الإثم بالترك.
والأصح القول بالتفصيل، كما أشار إليه الشيخ ﵀ ﷾ بقوله: وجوبه في غير الاول رجح البيت.
وفائدة هذا الخلاف هل يقضي من ذكر، بنية الأداء، أو بنية القضاء، عند من يرى وجوب التعرض لذلك في النية.
ونقل بعض الشروح عن الرجراجي ﵀ ﷾ أنه قال في المرأة تسافر وهي حائض، فتطهر أثناء المسافة: مشهور المذهب أنها تتم الصلاة ولا تقصر، ويتخرج في المذهب قول ثان أنها تقصر.
قال: وينبغي أن ينبني الخلاف فيها، على الخلاف في الحائض، هل هي مخاطبة بالعبادة مع وجود الحيض، أو غير مخاطبة؟
فعلى القول بأنها غير مخاطبة، لا بالأداء ولا بالقضاء في الصلاة، والقضاء في الصيام بالخطاب الجديد، فلا بد من اعتبار بقية المسافة كما هو منصوص.
وعلى القول بأنها مخاطبة بالخطاب الأول، ويسترسل عليها مع وجود الحيض، إلى ارتفاعه، يجب أن تقصر الصلاة إذا طهرت، اعتبارا ببقية المسافة، والله ﷾ أعلم.
وهذا مشكل جدا، فعدم خطاب الحائض بالصلاة، صرح فيه غير واحد كالمازري ﵀ ﷾ وغيره بالإجماع.
والخلاف المذكور جار أيضا في المجنون يفيق أثناء المسافة، والقلم مرفوع عنه بإجماع أيضا.
ولا يكلِّف بغير الفعل … باعثُ الانبيا وربُّ الفضل
[ ١ / ٦٠ ]
فكفنا بالنهي مطلوب النبي … والترك فعل في صحيح المذهب
له فروع ذكرت في المنهج … وسردها من بعد ذا البيت يجي
من شرب أو خيط ذكاة فضل ما … وعمد رسم شهادة وما
عطل ناظر وذو الرهن كذا … مفرط في العلْف فادر المأخذا
وكالتي ردت بعيب وعَدِم … وليُّها وشبهها مما علم
قوله: ولا يكلف بغير الفعل البيت، معناه أن التكليف لا يكون إلا بفعل، بناء على امتناع التكليف بالمحال.
والمراد بالفعل: ما يقع باختيار من المكلف، وهذا بين في جهة الأمر، لاقتضائه الفعل غالبا، وأما النهي فالمطلوب فيه هو الكف بمعنى الانتهاء.
وقيل: فعل الضد، وقيل: انتفاء الفعل، وإلى الأول أشار بقوله: فكفنا بالنهي مطلوب النبي - صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ـ.
وأما قوله: والترك فعل في صحيح المذهب إلخ الأبيات، فظاهره أن الخلاف فيه في مطلق الكف هل هو فعل؟
والمتبادر أن المراد بالفعل في القاعدة المشار إليها، أخص من الفعل المراد في ما كنا فيه، فالمراد بالفعل هنا فعل خاص، وهو القيام بالإتلاف - مثلا - نظير قولهم: هل الساكت كالمقر، لا مطلق الفعل.
وعبارتهم ظاهرة في الاتفاق على أنه غير فاعل، وإنما الخلاف هل يعتبر كالفاعل، فالمثبت لا يخالف في أنه غير فاعل، وإنما يخالف في مخالفته للفاعل في الحكم، مع اتفاقهم على كونه فاعلا بالمعنى الأعم، لاتفاقهم على لومه بتركه، ولفظ الزقاق:
وهل كمن فعل تارك كمن … له بنفع قدرة، لكن كمن
والله ﷾ أعلم.
وقول صاحب المنهج: من شرب، يشير به إلى الاختلاف في ضمان من منع مضطرا فضل طعام أو شراب، حتى مات.
وأشار بقوله: أو خيط، إلى الاختلاف في ضمان من ترك مواساة من به جائفة بخيط
[ ١ / ٦١ ]
حرير عنده، حتى مات.
وأشار بقوله: ذكاة، إلى الاختلاف في ضمان من مر بصيد لم تنفذ مقاتله، وكانت تمكنه ذكاته فلم يفعل، حتى مات.
وأشار بقوله: فضل ما، إلى الاختلاف في ضمان من كان له فضل ماء، وكان لجاره زرع، وانهدمت بئره، وأخذ يصلحها، فمنعه فضل مائه حتى تلف زرعه.
وأشار بقوله: وعمد، إلى مسألة: من منع عمده من صاحب جدار يخاف سقوطه، حتى سقط.
وأشار بقوله: رسم، إلى الاختلاف في ضمان من ضيع وثيقة حق.
وأشار بقوله: شهادة، إلى الاختلاف في ضمان من كتم شهادة بحق يتعذر على ربه إثباته إلا بشهادته.
وأشار بقوله: وما عطل ناظر وذو الرهن، إلى الاختلاف في ضمان الناظر على اليتيم ونحوه كراء عقاره إذا عطله، وضمان المرتهن ذلك للراهن أيضا إذا عطل العقار المرتهن عنده. وأشار بقوله: كذا مفرط في العلف، إلى الاختلاف في ضمان من دفعت له دابة مع علفها فترك علفها حتى ماتت.
والعلف - بسكون اللام ـ: تقديم العلف - بفتحها ـ.
وأشار بقوله: وكالتي ردت بعيب البيت، إلى الاختلاف في ضمان المرأة المعيبة التي زوَّجها وليها القريب الذي لا يخفى عليه عيبها، الصداق، إذا كان الولي معدما.
والامر قبل الوقت قد تعلقا … بالفعل للإعلام قد تحققا
وبعدُ للإلزام يستمرُّ … حال التلبس، وقوم فروا
فليس يُجزي من له يُقَدِّم … ولا عليه دون حظر يُقْدِم
وذا التعبد، وما تمحضا … للفعل فالتقديم فيه مرتضى
وما إلى هذا وهذا ينتسب … ففيه خلف دون نص قد جُلب
وقال إن الامر لا يوجَّه … إلا لدى تلبس منتبه
فاللوم قبله على التلبس … بالكف، وهْي من أدق الاسس
[ ١ / ٦٢ ]
وهي في فرض الكفاية فهل … يسقط الاثم بشروع قد حصل
قوله: والامر قبل الوقت، إلى قوله: للإلزام، معناه أن الأمر يتعلق بالفعل قبل وقته، إعلاما بوجوب فعله إذا دخل وقته، ويتعلق به بعد دخول وقته إلزاما بفعله، وهكذا القول في بقية الأحكام التكليفية.
واختلف هل ينقطع توجهه بالشروع فيه، أو يستمر توجهه حتى يتم الفعل على الوجه المطلوب؟ وهو المعول، وإليه أشار بقوله: يستمر حال التلبس، لأن الخطاب لا يُخرج من عهدته إلا بالامتثال، والامتثال لا يقع إلا بالإتيان بالفعل على الوجه المطلوب، فتعلقه باق، وإلا لأجزأ عنه أدنى شطر منه، وهو باطل.
واستدل من رأى انقطاع الخطاب بالتلبس، بأن توجه الخطاب مع التلبس، طلب تحصيل حاصل، وهذا إنما يتوجه حيث كان المطلوب مجرد التلبس.
وأشار بقوله: فليس يجزي من له يقدم، الأبيات الثلاثة، إلى أنه ينبني على ما تقدم من تأخر التعلق الإلزامي - مثلا - إلى دخول الوقت، عدم إجزاء الفعل إذا قدم قبل الوقت، لأنه حينئذ غير واجب، وغير الواجب لا يغني عن الواجب، بل فعل العبادة الموقتة قبل وقتها ممنوع، كما أشار إليه بقوله: ولا عليه دون حظر يقدم.
وهذا في ما كان من الأمور تعبديا محضا، كالصلاة والصوم، وأما ما كان متمحضا للمفعولية، بأن كان معقول المعنى، كقضاء الديون، ورد الودائع، فالأصل جواز تقديمه، وإجزاؤه، وقد يمنع لمعنى عارض، وإلى ذلك أشار بقوله: وما تمحضا للفعل فالتقديم فيه مرتضى.
واختلف في ما اشتمل على شائبة التعبد، وشائبة المعقولية، كالزكاة، وإليه أشار بقوله: وما إلى هذا وهذا ينتسب، ففيه خلف.
وقوله: دون نص قد جلب، أشار به إلى أن محل الاختلاف ما لم يرد نص فيه بجواز التقديم، كالوضوء، فإنه يجزئ قبل الوقت اتفاقا.
ولو قيل: إن وجه إجزائه مقدما، عدم اختصاصه بالصلاة المفروضة، فهو عبادة مشروعة لقرب أخرى غير موقتة، كالتلاوة ونحوها، لم يكن بعيدا.
[ ١ / ٦٣ ]
وقوله: وقال إن الامر لا يوجه إلا لدى تلبس منتبه، أشار به إلى أن منهم من ذهب إلى أن التعلق الإلزامي لا يقع إلا عند التلبس بالفعل، لأنه وقتُ القدرة، لأن القدرة عرض، والعرض لا يبقى زمانين.
وهذا معترض، فالقدرة التي هي شرط في التكليف، إنما هي القدرة بمعنى سلامة الأسباب، وانعدام الموانع، وهي المفهومة من القدرة عند الإطلاق، ولو اعتبرت القدرة بمعنى العرض المقارن، لم يتحقق عصيان أصلا، إذ لا يتوجه الخطاب إلا مع القدرة، والتارك غير قادر.
وأما ما أجابوا به من أن العصيان متحقق بالتلبس بالكف، إذ هو منهي عنه، لأن الأمر بالشيء نهي عن تركه، فيرد عليه نفس ما ورد على الترك، إذ العصيان بالكف مشروط أيضا بالقدرة على تركه، وهو وقت التلبس بالكف غير قادر على تركه، فلا يكون ملوما على التلبس به.
مع أن توجه النهي عن الكف، فرع عن توجه الأمر بالفعل، فإذا انتفى الملزوم انتفى اللازم.
وإلى الجواب المذكور الإشارة بقوله: فاللوم قبله على التلبس بالكف.
وقوله: وهي من أدق الاسس، أشار به إلى قول القرافي ﵀ ﷾ في شرح التنقيح: هذه المسألة لعلها أغمض مسألة في أصول الفقه، والعبارات فيها عسرة التفهم اهـ
وقوله: وهي في فرض الكفاية البيت، أشار به إلى أن الاختلاف في انقطاع توجه الخطاب بالتلبس، ينبني عليه الاختلاف في تعين فرض الكفاية على من شرع فيه، الآتي ذكره - إن شاء الله ﷾ في مبحث الكفائي من مباحث الأمر، وعدم تعينه. وعلى التعين يسقط الإثم عن غيره، بمجرد شروعه، والظاهر أن الاختلاف المذكور لا يختص بالواجب، فهو جار في المطلوب كفاية مطلقا، والله ﷾ أعلم.
وهذا في ما لا يتعين بالشروع كتجهيز الميت، لا ما يتعين به كالصلاة على الميت.
للامتثال كلف الرقيب … فموجب تمكنا مصيب
[ ١ / ٦٤ ]
أو بينه والابتلا ترددا … شرط تمكن عليه انفقدا
عليه تكليف يجوز، ويقع … معْ علم من أُمِر بالذي امتنع
في علم من أمَر، كالمأمور … في المذهب المحقق المنصور
معناه أنه اختلف في فائدة التكليف، هل هي منحصرة في الامتثال، أو دائرة بينه وبين الابتلاء؟ وينبني على ذلك اشتراط التمكن من الفعل في التكليف، فمن قال هي منحصرة في الامتثال، شرط ذلك، ومن جعلها مترددة بينه وبين الابتلاء، لم يشترط ذلك.
واختلف على هذا، هل يجوز التكليف عقلا، ويقع شرعا، معلوما للمأمور إثر سماعه الأمر الدال عليه، مع علم الآمر انتفاء شرط وقوعه عند وقته؟
فمن لم يشترط التمكن، أجاز ذلك، ومن اشترط ذلك، منعه، وهذا هو المراد بقوله: عليه تكليف يجوز ويقع مع علم من أمر - بالبناء للمفعول - بالذي امتنع في علم من أمر - بالبناء للفاعل ـ.
وقوله: بالذي امتنع في علم من أمر، يتعلق بقوله: تكليف، والضمير في قوله: عليه تكليف، يعود للقول بتردد التكليف بين الامتثال والابتلاء، أي: على قول التردد بين الأمرين، يقع التكليف، ويعلم المكلف أنه مأمور عند سماعه الخطاب، بما علم الآمر انتفاء شرط وقوعه عند وقته، ابتلاء له، هل يعزم، ويأخذ في الاستعداد، فيؤجر، أو لا، فيأثم.
وعلى مقابله لا يقع التكليف في ذلك، ولا يعلم المأمور أنه مكلف، حتى يتمكن من الفعل.
وأشار بقوله: كالمأمور إلخ، إلى جريان ذلك الاختلاف في ما إذا علم كل من الآمر والمأمور انتفاء شرط وقوع الفعل عند وقته، كما لو أخبر المرأةَ نبي - صلى الله تعالى وسلم على نبينا وعلى سائر الأنبياء والمرسلين - أنها تحيض ظهر اليوم كذا من رمضان - مثلا - فهل يلزمها صومه وهو المعول، أو لا؟
وحكى الآمدي ﵀ ﷾ الاتفاق في هذه الصورة على المنع، وإلى رد ذلك أشار الشيخ - ﵀ ﷾ - بقوله: في المذهب المحقق المنصور.
وفي النسخة المطبوعة من نثر الورود هنا كلام غير معارض.
[ ١ / ٦٥ ]