قال في النشر: والمراد به في هذه الترجمة، أعم من النفسي واللفظي.
هو اقتضاء فعل غير كَفِّ … دُلَّ عليه لا بنحو كُفِّي
معناه أن الأمر النفسي هو اقتضاء فعل غير كف، نحو اضرب، أو كفٍّ مدلول عليه بافعل، نحو صم.
فقوله: دل عليه لا بنحو كفي، وصف للكف في قوله: غير كف.
وكفي في قوله: لا بنحو كفي، هو بضم الكاف أمر للواحدة.
وكف في قوله: غير كف، هو بفتح الكاف: مصدر كف.
وذلك بأن لا يكون كفا نحو: اضرب، أو كفا مدلولا عليه بافعل، نحو: صم، بخلاف الكف المدلول عليه بلا تفعل، فهو نهي لا أمر، ولا فرق في الاقتضاء بين الجازم وغيره، حتى على القول بأن الأمر حقيقة في الوجوب خاصة، لأن المراد بالأمر في ذلك: افعل.
قال في النشر: وأورد عليه أيضا أنه يلزم عليه عدم التمايز بين الأمر الذي هو طلب فعل هو كف، والنهي الذي هو طلب ذلك الكف، كما في: كف عن ضرب زيد، ولا تضرب زيدا، إذ المميز بينهما كون الأول مدلولا لنحو كف، والثاني مدلولا لنحو لا تفعل، ولا دلالة في الأزل لحدوث العبارة، التي هي الدال اهـ
وأجاب عن ذلك شيخ الإسلام الشربيني - رحمهما الله ﷾ بأن الكف في طلب الكف الذي هو أمر، مطلوب لذاته، بخلاف طلب الكف في النهي، فليس مطلوبا لذاته، بل من حيث إنه حال من أحوال غيره.
وعليه فالكف المقصود لذاته لا يعبر عنه بلا تفعل، وإنما يعبر عنه بافعل كصم، بخلاف غيره، فإنما يعبر عنه بلا تفعل.
وانظر هذا مع قوله ﷾ جل من قائل: (فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع) وقوله ﷾ جل من قائل في آية الخمر: (فاجتنبوه) مع قوله ﷾ جل من قائل: (فهل أنتم منتهون) فظاهر السياق أن (فاجتنبوه) نهي لا أمر، فمنتهون: اسم
[ ١ / ١٣٣ ]
فاعل من انتهى: مطاوع نهى، والله ﷾ أعلم.
وأيضا طلب الكف الذي ليس بمقيد، يجري فيه ما يجري في النهي، من عدم تحقق امتثاله بالكف مرة، فاجتناب الخمر مثلا، وترك البيع، لا يقع امتثالهما بالكف مرة، فالمطلوب فيهما عدم الماهية، ولا يتحقق إلا بالكف المستمر، ولو كان أمرا لأمكن الخروج من عهدته بالمرة، والله ﷾ أعلم.
نعم لقائل أن يقول: الإجماع منعقد على أن الصوم أمر، للإجماع على توقفه على النية، والإجماع على عدم توقف الخروج من عهدة النهي بعدم فعله على النية.
والظاهر في جواب ذلك: أن الصوم لما كان تروكا مجموعة في وقت واحد، كان طلبه أمرا بإيجاد ماهية، والله ﷾ أعلم.
هذا الذي حُد به النفسي … وما عليه دل قل لفظي
معناه أن ما ذكر هو حد الأمر النفسي، واللفظ الدال عليه هو اللفظي، فالأمر اللفظي هو اللفظ الدال على اقتضاء فعل غير كف.
وليس عند جل الاذكياء … شرْط علو فيه واستعلاء
وخالف الباجي بشرط التالي … وشرط ذاك رأي ذي اعتزال
واعتبرا معا على توهين … لدى القشيري وذي التلقين
معناه أن الأكثرين على أنه لا يشترط في مفهوم الأمر علو ولا استعلاء.
وذهب أبو الوليد الباجي ﵀ ﷾ إلى اشتراط الاستعلاء، دون العلو ونسب للمحققين.
واشترطت المعتزلة - إلا أبا الحسين منهم - العلو، ووافقهم أبو إسحاق الشيرازي، وابن الصباغ، وابن السمعاني ﵏ ﷾ من الشافعية كما في إرشاد الفحول.
وذهب إلى اشتراطهما معا القاضي عبد الوهاب، والقشيري - رحمهما الله ﷾.
قال في النشر: ومعنى العلو: كون الطالب أعلى مرتبة من المطلوب منه، والاستعلاء: كون الطلب بغلظة وقهر، قال القرافي وغيره: فالاستعلاء هيئة في الأمر من الترفع وإظهار
[ ١ / ١٣٤ ]
القهر، والعلو راجع إلى هيئة الآمر - بكسر الميم - من شرفه وعلو منزلته اهـ
ثم ذكر أن الخلاف المذكور جار في النهي أيضا، قال: والصحيح فيه من ذلك الصحيح في الأمر، وهو عدم اشتراطهما معا.
والامر في الفعل مجاز واعتمى … تشريك ذين فيه بعض العلما
معناه أن الأمر في الفعل، كقوله ﷾ جل من قائل: (وشاورهم في الأمر) مجاز، وذلك لتبادر القول من الأمر إلى الذهن، والتبادر تقدم أنه من علامات الحقيقة. وقيل: هو مشترك بين الأمر الذي تقدم تعريفه، والفعل، والله ﷾ أعلم.
وافعل لدى الأكثر للوجوب … وقيل للندب أو المطلوب
وقيل للوجوب أمر الرب … وأمر من أرسله للندب
معناه أن صيغة " افعل " وما في معناها، إذا تجردت عن القرائن الدالة على الوجوب أو الندب أو غيرهما، مختلف فيها هل هي حقيقة في الوجوب خاصة، وهو مذهب أكثر المالكية، وصححه ابن الحاجب، والبيضاوي - رحمهما الله ﷾ قال الرازي ﵀ ﷾: وهو الحق.
وذكر الجويني أنه مذهب الإمام الشافعي - رحمهما الله ﷾.
أو هي حقيقة في الندب خاصة، وبه قال أبو هاشم، وعامة المعتزلة، وجماعة من الفقهاء، وهو رواية عن الإمام الشافعي ﵀ سيحانه وتعالى - كما في إرشاد الفحول. أو حقيقة في القدر المشترك بين الوجوب والندب، وهو الطلب، أي: ترجيح الفعل على الترك.
قال في الإرشاد: ونسبه شارح التحرير إلى أبي منصور الماتريدي ﵀ ﷾ ومشائخ سمرقند.
ونقل عن أبي بكر الأبهري ﵀ ﷾ أن الأمر من الله ﷾ للوجوب، وأمر النبي - صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم - المبتدأ منه للندب.
وهو الذي أشار إليه الشيخ ﵀ ﷾ بقوله: وقيل للوجوب البيت، وهذا قول غريب من جهة المعنى، ونسب له غير ذلك أيضا، والله ﷾ أعلم.
[ ١ / ١٣٥ ]
واحتج القائلون بكونه حقيقة في الوجوب بنصوص كثيرة من الكتاب العزيز، والسنة النبوية الشريفة دالة على ذلك، وهي وإن لم تكن قطعية في آحادها فمجموعها يحصل القطع، ونصوصية آحادها تتوقف على العلم بالتجرد عن القرائن، والله ﷾ أعلم.
وما ذكره بعض شروح المراقي من أن من أصرحها حديث بريرة - رضي الله ﷾ عنها - غير بين جدا، إذ مقتضى الحديث أن الصيغة التي هي موضوع البحث للطلب الأعم من الوجوب، إما على وجه الاشتراك أو التواطئ، ولو كانت نصا في الوجوب لم يكن لسؤالها وجه.
وإنما اقتضى كلامها أن لفظ الأمر للوجوب، والذي يجري على ما سبق له تبعا للأصل - من أن الأمر حقيقة في الطلب وإن لم يكن جازما، وأن الخلاف إنما هو في صيغة افعل وما في معناها - أن المراد بقولها: أتأمرني: أتعزم علي، مجازا.
نعم ما سبق هناك محل نظر، فمقتضاه أن الندب لم توضع له صيغة على قول الأكثرين، مع أنه أمر حقيقة، وهو غير بين.
وأيضا ما احتجوا به من النصوص مما ذكره الشيخ ﵀ ﷾ في الأصل، والبعض المذكور، صريح في انتفاء اسم الأمر عن الندب، فانظر ذلك.
والله ﷾ أعلم.
ومفهم الوجوب يُدرى الشرع … أو الحجا أو المفيد الوضع
معناه أنه اختلف في ما يدل على اقتضاء الصيغة الوجوب، فقيل: الدال على ذلك هو الشرع، واحتج قائله بما سبقت الإشارة إليه من النصوص التي ظاهرها اللوم على مخالفة الأمر المجرد.
وقيل: الدال عليه العقل، وهو المراد بالحجا في البيت، واحتج قائله بأن الطلب الذي تدل عليه اللغة، إن لم يحمل على الوجوب، جاز الترك، وصار المعنى افعل إن شئت.
قال في النشر: وقوبل بمثله في الحمل على الوجوب، فإنه يصير المعنى افعل من غير تجويز ترك اهـ
وقيل: الدال عليه هو اللغة، وهو المراد بقوله: أو المفيد الوضع، واحتج له بحكم أهل
[ ١ / ١٣٦ ]
اللغة قبل ورود الشرع باستحقاق العبد العقاب بمخالفته أمر سيده.
ومذهب الجمهور - على ما ذكر في الإرشاد - أن الدال على ذلك اللغة والشرع معا، وذهب البلخي - كما في الإرشاد أيضا - وأبو عبد الله البصري، والجويني، وأبو طالب إلى أن الدال عليه الشرع خاصة، وذكر أن كلا من الفريقين استدل بالعقل والنقل، أما العقل فما تقدم من تقرر عصيان العبد بمخالفته أمر سيده، وأما النقل فما علم من استدلال السلف بالصيغة المجردة عن القرائن على الوجوب من غير نكير، والله ﷾ أعلم.
وكونه للفور أصل المذهب … وهْو لدى القيد بتأخير أبي
وهل لدى الترك وجوب البدل … بالنص أو ذاك بنفس الاول
وقال بالتأخير أهل المغرب … وفي التبادر حصول الارب
والارجح القدر الذي يشترك … فيه، وقيل إنه مشترك
وقيل للفور أو العزم، وإن … تقل بتكرار فوفق قد زكن
أشار بأول الأبيات، إلى أنه اختلف في الأمر المجرد عن القيد بالفور أو التراخي، إذا قلنا إنه لا يقتضي التكرار، فقيل: يقتضي الفور، فيجب الإتيان بالمأمور به في أول أوقات الإمكان، وهو مذهب البغداديين من أصحابنا، وأخذ للإمام مالك ﵀ ﷾ من مسائل عديدة، وهو مذهب الحنابلة، وبعض الحنفية والشافعية.
وقوله: وهو لدى القيد بتأخير أبي، أشار به ﵀ ﷾ إلى أن كونه للفور إنما هو حيث لم يقيد بالتراخي، وهو ظاهر.
وكذلك القول بالتراخي، فمحله عند القائل به: ما لم يقيد بالفور.
واختلف على هذا القول - أعني القول بكونه للفور - إذا أخر هل يلزم البدل بنفس الأمر، أو إنما يلزم بنص جديد؟
قال في الإرشاد: قال في المحصول: ومنشأ الخلاف أن قول القائل لغيره: افعل، هل معناه افعل في الزمان الثاني، فإن عصيت ففي الثالث، فإن عصيت ففي الرابع، ثم كذلك أبدا.
أو معناه في الثاني - يعني الذي يلي وقت الخطاب - من غير بيان حال الزمان
[ ١ / ١٣٧ ]
الثالث، والرابع؟
فإن قلنا بالأول، اقتضى الأمر الأول الفعل في سائر الأزمان.
وإن قلنا بالثاني لم يقتضه.
والحق أن الأمر المطلق يقتضي الفعل من غير تقييد بزمان، فلا يخرج المكلف عن عهدته إلا بفعله، وهو أداء، وإن طال التراخي، لأن تعيين بعض أجزاء الوقت له لا دليل عليه، واقتضاؤه الفور لا يستلزم أنه بعد أول أوقات الإمكان قضاء، بل غاية ما يستلزمه أن يكون المكلف آثما بالتأخير عنه إلى وقت آخر.
وذلك هو قول الشيخ ﵀ ﷾: وهل لدى الترك وجوب البدل البيت.
وأما ما ذكره في الشرح من أن المراد بالبدل العزم فهو سهو، وقد تنبه لذلك في الحلي.
وذهب المغاربة من المالكية إلى أنه لا يقتضي الفور، فالمتراخي غير عاص، والمبادر ممتثل، وهو الصحيح عند الحنفية، وعزي إلى الإمام الشافعي ﵀ ﷾ وأصحابه، واختاره الرازي، والآمدي، وابن الحاجب، والبيضاوي ﵏ ﷾ أجمعين ـ.
قال ابن برهان ﵀ ﷾: لم ينقل عن الإمام أبي حنيفة والإمام الشافعي - رحمهما الله ﷾ نص، وإنما فروعهما تدل على ذلك، قاله في إرشاد الفحول.
وإلى قول المغاربة هذا أشار الشيخ ﵀ ﷾ بقوله: وقال بالتأخير أهل المغرب البيت.
قال في الإرشاد: وتوقف الجويني ﵀ ﷾ في أنه باعتبار اللغة للفور أو التراخي، قال: فيمتثل المأمور بكل من الفور والتراخي، لعدم رجحان أحدهما على الآخر، مع التوقف في إثمه بالتراخي، لا بالفور، لعدم احتمال وجوب التراخي.
وقيل: إنه حقيقة للقدر المشترك بين الفور والتراخي، الذي هو طلب الماهية من غير تعرض لوقت، وذلك لأنه لا إشعار له بأحدهما على الخصوص، ولذلك حسن من السيد
[ ١ / ١٣٨ ]
أن يقول لعبده: افعل الفعل كذا في الحال، أو غدا، وحذرا من الاشتراك والمجاز.
وقيل: إنه موضوع لكل منهما على انفراده، فهو مشترك، وإلى هذين القولين أشار الشيخ ﵀ ﷾ بقوله: والارجح القدر الذي يشترك البيت.
وقال القاضي ﵀ ﷾: الأمر يوجب إما الفور، أو العزم على الإتيان به في ثاني حال، وذلك هو قول الشيخ ﵀ ﷾: وقيل للفور أو العزم.
وقوله: وإن تقل بتكرار إلخ، أشار به إلى ما قدمنا من أن الخلاف في اقتضاء الأمر الفور، إنما هو على القول بعدم التكرار، وأما على أنه للتكرار فهو للفور قطعا، والله ﷾ أعلم.
وهل لمرة أو اِطلاق جلا … أو التكرر خلاف من خلا
أو التكرر إذا ما عُلقا … بشرط أو بصفة تحققا
اختلف في الأمر، هل هو موضوع للمرة، وهو مذهب أصحابنا، وعزاه الأستاذ أبو إسحاق الاسفرائيني ﵀ ﷾ إلى أكثر الشافعية، وقال إنه مقتضى كلام الإمام الشافعي ﵀ ﷾ والصحيح الأشبه بمذاهب العلماء، وبه قال أبو علي الجبائي، وأبو هاشم، وأبو عبد الله البصري، وجماعة من قدماء الحنفية.
وحجة هذا الفريق حصول الامتثال بالمرة.
وأورد عليه أن ذلك لا يقتضي اعتبارها جزءا من مدلول الأمر، لأن ذلك حاصل على تقدير الإطلاق.
أو هو موضوع لمطلق الطلب، من غير إشعار بمرة ولا تكرار، لنحو ما تقدم بيانه في عدم دلالته على فور ولا تراخ، واختاره الحنفية، والآمدي، وابن الحاجب، والجويني، والبيضاوي ﵏ سبحلنه وتعالى ـ.
قال السبكي ﵀ ﷾: وأراه رأي أكثر أصحابنا، واختاره المعتزلة، وأبو الحسين البصري، وأبو الحسن الكرخي.
أو هو موضوع للتكرار مدة العمر حسب الإمكان، إذ لو لم يكن كذلك لامتنع ورود
[ ١ / ١٣٩ ]
النسخ عليه بعد الفعل، واستقرأه ابن القصار من كلام الإمام مالك - رحمهما الله ﷾ وبه قال أبو إسحاق الشيرازي، والأستاذ أبو إسحاق الاسفرائيني - رحمهما الله ﷾ وجماعة من الفقهاء والمتكلمين.
وقيل: هو للتكرار إذا علق بشرط أو صفة، كقوله ﷾ جل من قائل: (وإن كنتم جنبا فاطهروا) وقوله ﷾ جل من قائل: (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما) ونسبه في النشر للإمام مالك ﵀ ﷾ وجمهور أصحابه، والشافعية (^١).
ونسبه في الإرشاد لبعض الحنفية والشافعية، وقال: وأجيب بأن الشرط هنا علة، فيتكرر المأمور بتكررها اتفاقا، ضرورة تكرر المعلول بتكرر علته، والنزاع إنما هو في دلالة الصيغة مجردة، والله ﷾ أعلم.
وأما مسألة الاكتفاء بمسبب واحد عند تعدد السبب، وعدم الاكتفاء به، فالأوجه أن مدركها النظر إلى المصلحة التي هي مبنى الحكم، فإذا كانت مصلحة المسببات المتعددة تحصل بالمسبب الواحد، اكتفي به، كما في الوضوء الواحد، والغسل الواحد، مع تعدد أسبابهما.
وإن كان المسبب الواحد غير محصل لمصلحة المسببات المتعددة، لم يكتف به، كما في
_________________
(١) قال في شرح التنقيح: قال القاضي عبد الوهاب - رحمهما الله ﷾: القائلون بعدم التكرار في الأمر المطلق، قالوا به عند تكرار الشرط والصفة، وهو قول كثير من أصحابنا وأصحاب الإمام الشافعي ﵀ ﷾. وقال القليلون من أصحابنا وأصحاب الإمام الشافعي والإمام أبي حنيفة - رحمهما الله ﷾: لا يقتضيه، قال: وهو الصحيح اهـ قال ابن عاشور ﵀ ﷾: قوله: قال: وهو الصحيح اهـ إذ ليس من مقتضى الشرط التكرار، بل حصول الفعل عمد شرطه مرة، وإلا لكان القائل: إن أتيتني بألف، فلك كذا قفيزا من قمح، مقتضيا أن يسلم له أضعافه عند تعدد آلافه، أما الشروط الدالة على العموم، فلا خلاف في دلالتها على التكرار، نحو مهمى، وكذا ما يشعر بسببية، أو علية، أو حكمة، ومنه المعلق على الصفة، ولهذا فصل القاضي أبو بكر الباقلاني ﵀ ﷾ فقال: المعلق على شرط، لا يتكرر، والمعلق على الصفة يتكرر اهـ
[ ١ / ١٤٠ ]
تعدد الجناية، فهي كمن اقترض من شخص عشرة دراهم، ثم اقترض منه عشرة دراهم، فالعشرة الواحدة غير محصلة لمصلحة عشرتين، فلا تكفي في قضائهما، وهكذا.
وإذا كان حصول المصلحة بالمسبب الواحد محتملا، إما للاحتمال في تعيين المصلحة، وإما للاحتمال في حصولها على وجه تام، فهاهنا يكون الخلاف، كقذف الجماعة.
وينبغي أن يعلم أن الاكتفاء بالمسبب الواحد، إنما هو إذا كان تكرر السبب قبل حصول المسبب، وأما إذا حصل السبب ثانية بعد فعل المسبب، فلا بد من مسبب آخر، وإلا لم يكن سببا.
وإذا علمت ذلك، فبناء مسألة تكرر الحكاية بتكرر الأذان على هذا غير بين، فالقائل بسقوط الحكاية إنما بنى ذلك على أصل التخفيف في مواطن المشقة، كما سقط سجود التلاوة عن المتعلم في تكراره حزب السجدة مثلا، والله ﷾ أعلم.
والامر لا يستلزم القضاء … بل هو بالأمر الجديد جاء
لأنه في زمن معين … يجي لما عليه من نفع بُني
وخالف الرازي إذ المركب … لكل جزء حكمه ينسحب
اختلف في الأمر المقيد بوقت، كافعل في يوم كذا، هل يقتضي إيقاع ذلك الفعل في ما بعد ذلك الوقت؟ لأنه أمر بمركب، هو الفعل، وكونه في وقت كذا، والأمر بالمركب أمر بأجزائه، فإذا تعذر البعض بقي الطلب متوجها بغيره، وهو مذهب الفخر الرازي ﵀ ﷾ وجماعة من الحنفية، وجماعة من الحنابلة والمعتزلة.
أو لا يقتضي ذلك، وهو مذهب الجمهور، فلا يلزم قضاؤه إلا بأمر جديد، لأن تقييده بالوقت لا يكون إلا لمعنى يختص به ذلك الوقت عن غيره من الأوقات، وإلا لصح قبل وقته.
وأما ما ذكر من التركب فهو مبني على أن المطلق والمقيد شيئان في الخارج، وهو أمر مختلف فيه.
والمعول أن الأمر بالفعل، لا يستلزم الأمر بقضائه، سواء قيد بوقت، أو لم يقيد به وقلنا إن الأمر يقتضي الفور، وهي المسألة المتقدمة في قوله:
[ ١ / ١٤١ ]
وهل لدى الترك وجوب البدل
فالقضاء إنما هو بأمر جديد، ولذلك سقط عن من لم يرد النص بوجوبه عليه من ذوي الأعذار، كالحائض، والنفساء، والمجنون، والمغمى عليه في الصلاة.
وأما العامد فهو فحوى الناسي، (^١) ولذلك قضى - صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم - الصلوات في الأحزاب، (^٢) والله ﷾ أعلم.
وما في بعض الشروح هنا عن الدبوسي من أن وجوب القضاء بالقياس على العبادات الفائتة التي دل الدليل على وجوب قضائها، والجامع بينهما استدراك مصلحة الفائت. قال: وحاصله أن ما لم ينقل فيه أمر بالقضاء، يكون مأمورا به قياسا، لا بالأمر الأول، ولا بأمر جديد اهـ
فهو مشكل، فإنه لا يمكن أن يكون إلا بالأمر السابق، أو بأمر جديد، والقياس كما هو معلوم ليس إلا تعميما لنص الأصل في الفرع، والله ﷾ أعلم.
وليس من أمر بالأمر أمر … لثالث إلا كما في ابن عمر
والامر للصبيان ندبه نُمي … لما رووه من حديث خثعم
اختلف في من أمر شخصا أن يأمر آخر، هل يكون - أعني الآمر أولا - آمرا للثالث، أو لا؟
وهذا ما لم تقم قرينة على أن المأمور أولا مأمور بالتبليغ، لا بالأمر.
وكذلك - على ما يظهر - إذا قامت قرينة على أنه مأمور بالأمر، لا بالتبليغ.
أولهما: كما في حديث ابن عمر - رضي الله ﷾ عنهما - الذي أشار إليه
_________________
(١) يعني في قوله - صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ـ: " من نسي صلاة " الحديث.
(٢) روى الشيخان أن ذلك حصل له في صلاة العصر، وروى الإمام مالك ﵀ ﷾ أن ذلك حصل له في الظهر والعصر معا، وروى الدارمي بإسناد صحيح، والإمام أحمد بإسناد على شرط مسلم، أنه وقع له في الظهرين والعشاءين، ووفق بين الروايات باختلاف الأيام التي حصل فيها ذلك، وهذا مما يؤكد أن التأخير لم يكن عن سهو.
[ ١ / ١٤٢ ]
الشيخ ﵀ ﷾ (^١) وكحديث " مروا أبا بكر فليصل بالناس " (^٢) وكحديث " مروهن فليرجعن ولا يبكين على هالك بعد اليوم " (^٣) بل نقل في النشر عن القرافي - رحمهما الله ﷾ أنه قال في شرح التنقيح: علم من الشريعة أن كل من أمره رسول الله - صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم - أن يأمر غيره فإنما هو على سبيل التبليغ، ومتى كان على سبيل التبليغ، صار الثالث مأمورا إجماعا اهـ
وهو ظاهر كلام صاحب الإرشاد، وغير واحد، وهو بين عند التجرد من القرائن.
والثاني كما في قوله ﷾ جل من قائل: (وأمر أهلك بالصلاة)
فالظاهر أن المراد أمر خاص، وهو التعاهد بالحث والحض.
وكما في حديث " مري غلامك النجار " (^٤) فكونها مالكة له ولكسبه، قرينة بينة على توجه الأمر إليها.
ومن هذا أيضا حديث " مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين " (^٥) فإن المراد ليس الأمر مرة، حتى يكون بلاغا، فهو أمر للولي بتعاهد الولد بالأمر بالصلاة، وتربيته عليها. …
ذهب الجمهور إلى الأول، وذهب إلى الثاني جماعة.
وأشار الشيخ ﵀ ﷾ بقوله: والامر للصبيان البيت، إلى أن مدرك استحباب الصلاة في حق الصبي الذي هو مذهبنا كما تقدم، هو حديث التي أخذت بضبعي صبي لها وقالت: ألهذا حج يا رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم؟ فقال: " نعم ولك أجر " (^٦)
_________________
(١) يعني حديث الشيخين أن عمر - رضي الله تعالى عنه - أخبر النبي - صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم - أن عبد الله بن عمر - رضي الله تعالى عنهما - طلق زوجه وهي حائض، فقال: " مره فليراجعها " الحديث.
(٢) متفق عليه.
(٣) رواه الإمام أحمد، وابن ماجه، وهو حديث حسن.
(٤) رواه البخاري، وأبو داوود، والنسائي، والإمام أحمد.
(٥) رواه أبو داوود، والإمام أحمد، وهو حديث حسن.
(٦) رواه مسلم، وأبو داوود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجة، والإمام أحمد.
[ ١ / ١٤٣ ]
ولذلك فظاهر كلام أصحابنا أن الاستحباب المذكور لا يتوقف على بلوغ سبع سنين. هذا ونسبة المرأة المذكورة في هذا الحديث الشريف إلى خثعم، وقعت في كلام جماعة من أهل العلم، والذي يغلب على الظن أنها وهم، والله ﷾ أعلم.
تعليق أمرنا بالاختيار … جوازه روي باستظهار
المقصود أن في جواز تعليق الأمر باختيار المأمور، نحو افعل كذا إن شئت، خلافا، واستظهر المحلي جوازه، والتخيير قرينة عدم الوجوب.
وذلك كحديث البخاري ﵀ ﷾ أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال: " صلوا قبل المغرب " قال في الثالثة: " لمن شاء "
وكحديثه أن عمر بن الخطاب - رضي الله ﷾ عنه - أصاب أرضا بخيبر فجاء إلى النبي - صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم - يستأمره فيها، فقال: " إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها "
وكحديثه أن امرأة قالت: يا رسول الله - صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم - ألا أجعل لك شيئا تقعد عليه؟ فإن لي غلاما نجارا، فقال صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ـ: " إن شئت " فعملت المنبر.
وآمر بلفظة تعم هل … دخل قصدا أو عن القصد اعتزل
اختلف في من أمر غيره بلفظ يشمله، هل يكون داخلا في ذلك الأمر؟ لتناول الصيغة له، أو لا يكون داخلا فيه بقرينة كونه الآمر.
وذلك كقول السيد لعبده: أحسن إلى من أحسن إليك، وقد أحسن هو إليه، وهذا ما لم تقم قرينة بينة أخص من القرينة المذكورة على عدم الدخول، وكذا لو قامت قرينة أيضا على دخوله على ما يظهر والله ﷾ أعلم.
أنب إذا ما سر حكم قد جرى … بها، كسد خلة للفقرا
معناه أن إنابة المأمور غيره على فعل المأمور به، جائزة، إذا كانت المصلحة التي شرع لها، تحصل مع الإنابة، سواء كان ذلك لضرورة أو لا، سواء كان الحق المأمور به ماليا، كالزكاة، أو بدنيا، كالحج.
[ ١ / ١٤٤ ]
فإن كانت المصلحة لا تحصل إلا بالمباشرة، امتنعت الإنابة، وذلك كالصلاة، والطواف، وقالت المعتزلة: لا تجوز الإنابة في البدني إلا لضرورة.
والامر ذو النفس بما تعينا … ووقته مضيق تضمنا
نهيا عن الموجود من أضداد … أو هو نفس النهي عن أنداد
وبتضمن الوجوب فرقا … بعض، وقيل لا يدل مطلقا
ففاعل في كالصلاة ضدا … كسَرقة على الخلاف يبدى
إلا إذا النصُّ الفسادَ أبدى … مثل الكلام في الصلاة عمدا
اختلف في الأمر النفسي بشيء معين مضيق الوقت، هل يستلزم النهي عن أضداده الوجودية؟
وعليه أكثر أصحاب الإمام مالك ﵏ ﷾ وصار إليه القاضي ﵀ ﷾ في آخر مصنفاته.
وحجته: امتناع تصور فعله إلا بترك أضداده، وامتناع غفلة الآمر عن ذلك، وإن كان لا يلزم استحضاره لآحاد الأضداد.
أو هو عينه، وهو مذهب الإمام أبي الحسن الأشعري، والقاضي أبي بكر - رحمهما الله ﷾ والجمهور من المتكلمين، والأصوليين، والمحدثين، ومن الحنفية، والشافعية، لما سبق أيضا.
وقيل: أمر الإيجاب نهي عن ضده، دون أمر الندب.
وقيل: ليس نهيا عنه ولا يتضمنه عقلا، واختاره الجويني، والغزالي، وابن الحاجب ﵏ ﷾ لجواز الذهول عنه، وفيه ما سبق.
وقيل: نهي عن واحد من الأضداد غير معين، وهو مذهب جماعة من الحنفية، والشافعية، والمحدثين.
واحترز بالنفسي عن اللفظي، فلا خلاف في تغاير صيغتي الأمر والنهي، كما لا خلاف في تغاير مفهوميهما.
واحترز بوصف الضد بالوجودي، عن الضد العدمي، وهو عدم المأمور به، الذي هو
[ ١ / ١٤٥ ]
النقيض، فهو نهي عنه، أو يتضمنه اتفاقا على ما ذكره بعضهم.
وإنما اتفق عليه لأنه أخص من جهة التلازم الذهني الذي هو مثار المسألة.
واحترز بالمعين، عن الواجب المخير، وقوله:
ففاعل في كالصلاة ضدا … كسرقة على الخلاف يبدى
معناه أنه ينبني على الاختلاف المذكور: الاختلاف في بطلان صلاة من سرق أثناء صلاته، فمن أثبت هناك أبطل، ومن نفى لم يبطل، هكذا في الأصل تبعا لحلولو - رحمهما الله ﷾ وليس ببين، فإن حجج القوم صريحة في أن المراد ضد خاص، وهو الضد المفوت للأمر، وقد صرح بذلك الشوكاني ﵀ ﷾ في الإرشاد، والفعل الخفيف لا ينافي الصلاة، فمسألة السرقة في الصلاة، إنما تبنى على مسألة الواحد بالشخص له جهتان، وقد نبه على هذا في الحلي.
وقوله: إلا إذا النص الفساد أبدى البيت، معناه أن محل الاختلاف ما لم يرد النص بالبطلان بفعل الضد، مثل الكلام في الصلاة عمدا، وهذا غير بين، فإن ترك الكلام في الصلاة شرط في صحتها، والشرط يلزم من عدمه العدم، كما تقدم في حده، فلا يمكن بناء ترك الشرط على الخلاف في تضمن الأمر النهي - على ما يظهر - وإن كان بعضهم قد صرح به، والله ﷾ أعلم.
ولا يقال: كيف مثل بالصلاة مع أنها من الواجب الموسع، لأن التوسيع إنما هو قبل الشروع، فإذا أحرم تعين عليه الإتمام كما تقدم.
وذكر في الإرشاد أنه ينبني على المسألة: الخلاف في تارك الواجب هل يتعدد عليه الذنب، بترك الأمر، وفعل النهي، أو لا.
ويلزم عليه مثل ذلك في فعل المأمور.
وظواهر النصوص بينة في أن تارك المأمور عليه سيئة واحدة، وفاعل المنهي عليه سيئة واحدة، وفاعل المأمور به جاء بحسنة واحدة، وكذلك تارك المنهي امتثالا، والله ﷾ أعلم.
والنهي فيه غابر الخلاف … أو اَنه أمر على ائتلاف
[ ١ / ١٤٦ ]
وقيل لا قطعا كما في المختتصر … وهْو لدى السبكي رأي ما انتصر
معناه أنه اختلف في النهي النفسي كذلك، فقيل: هو أمر بأحد أضداده الوجودية، فهو من الواجب المخير، نحو الخلاف السابق في الأمر.
وقيل: هو أمر بأحدها اتفاقا، وهي طريقة القاضي ﵀ سبحاته وتعالى - إذ لا بد من حضور الضد فيه بالذهن.
وذكر ابن الحاجب ﵀ ﷾ حكاية الاتفاق أيضا على أنه ليس أمرا به، وذكر السبكي ﵀ ﷾ أنه لم يقف على نقل ذلك لغيره، والله ﷾ أعلم.
الامران غير المتماثلين … عُدا كصم قم متغايرين
وإن تماثلا وعطف قد نُفي … بلا تعاقب فتأسيس قفي
وإن تعاقبا فذا هو الاصح … والضعف للتاكيد والوقف رجح
إن لم يكن تأسس ذا منْع … من عادة ومن حِجا وشرع
وإن يكن عطف فتأسيس بلا … منعٍ يرى لديهمُ معولا
إذا تكرر الأمر، فإما أن يكون المأمور به ثانيا مماثلا لما قبله، أو لا.
فإن كان غير مماثل له، فهما أمران، بلا خلاف، كصم يوما، صل ركعتين، سواء وقع الأمر بهما في فور، أو على التراخي، سواء كان بعطف، أو بدون عطف، سواء كانا خلافين، كالمثال المتقدم، والمثال الذي في البيت، أو كانا ضدين، نحو " اركعوا واسجدوا " إلا أنه يشرط في الضدين اختلاف الوقت، فإن اتحد حمل على التخيير، نحو أكرم زيدا وأهنه، ولا يحمل على النسخ لأن من شرطه تراخي الناسخ عن المنسوخ، هذا هو المراد بأول الأبيات.
وأشار بالبيت الثاني إلى المتماثلين، فذكر أنهما إن كانا في فور، ولم يعطف الثاني منهما على السابق، نحو: صل ركعتين، صل ركعتين، فالأصح أنهما أمران، وذلك هو المراد بالتأسيس.
وهذا إذا تكرر قبل امتثال السابق، وإلا فهما أمران بلا خلاف.
[ ١ / ١٤٧ ]
وأشار بقوله: وإن تعاقبا فذا هو الاصح، إلى أن المتماثلين إذا تعاقبا، بأن تراخى ورود الثاني منهما عن السابق - ولا يكون ذلك بعطف، لأن العطف إنما يعهد في الكلام الواحد - فالأصح أنهما أمران، لأن الأصل التأسيس لا التأكيد.
وقيل: الثاني مؤكد للسابق، لأن الأصل براءة الذمة، والأصل في المكرر التأكيد.
وقيل: بالوقف، وإلى هذين القولين أشار ﵀ ﷾ بقوله: والضعف للتأكيد والوقف رجح.
وهذا ما لم يمنع من التأكيد مانع عقليا كان، أو شرعيا، أو عاديا، كما أشار إليه ﵀ ﷾ بقوله: إن لم يكن تأسس البيت.
ومثال المانع العقلي أن يقول: اقتل زيدا، اقتل زيدا، فتكرر قتله ممتنع عقلا.
ومثال المانع العادي أن يقول: اسقني ماء، اسقني ماء، أو أطعمني أطعمني، فالعادة الاكتفاء بالسقي مرة واحدة، والأكل مرة واحدة، وأن مثل ذلك إنما يراد به التأكيد، لا تعدد السقي أو الأكل.
ومثال المانع الشرعي أن يقول: أعتق زيدا، أعتق زيدا، أو تصدق بشيئك كذا، تصدق بشيئك كذا، لعين السابق.
وإن كان الأمر بمتماثلين مع العطف - ولا يكون ذلك إلا في فور - فالمعول أيضا أنهما أمران لأن العطف يغاير التأكيد، وقيل إن الثاني مؤكد للأول.
وإلى هذا أشار ﵀ ﷾ بالبيت الأخير.
وحاصل معنى الأبيات: أن الأمر إذا تكرر قبل الامتثال، فإن كان الثاني غير مماثل للأول، فهما أمران بلا خلاف، سواء كان هناك عطف أو لا، سواء كانا خلافين أو ضدين، سواء كان ذلك في فور واحد، أو على التعاقب.
وإن كان الثاني مماثلا للسابق، فإما أن يكون مع العطف أو لا، فإن كان مع العطف فهما أمران أيضا، لأن العطف ينافي التأكيد.
وقيل: الثاني مؤكد، لأن الأصل براءة الذمة، فلا ينتقل عنه بمحتمل.
وإن كان دون عطف، فالصحيح المنسوب للأكثرين أيضا أنهما أمران، سواء كانا في
[ ١ / ١٤٨ ]
فور واحد، أو كانا متعاقبين.
وهذا ما لم تقم قرينة على خلاف ما ذكر، حالية كانت أو لفظية، كأل العهدية، واستغراق الأول الجنس.
وما وقع في شرح التنقيح من التمثيل للخلافين بالركوع والسجود، سهو، كما نبه عليه في النشر، حتى في أحوال الإيماء، فهما في تلك الأحوال أيضا إما مثلان أو ضدان، وذلك أن الإيماء إما أن يتحد أو يختلف، فإن اتحد فهما مثلان، وإلا فضدان، هذا إذا اعتبرت الصورة، وليس ببين، والأمر في ذلك كله خفيف، والحمد لله رب العالمين.
والامر للوجوب بعد الحظل … وبعد سؤل قد أتى للاصل
معناه أن الأمر الوارد بعد التحريم، للوجوب عند أبي الوليد الباجي ومتقدمي أصحاب الإمام مالك، وأصحاب الإمام الشافعي، والإمام فخر الدين ﵏ ﷾ أجمعين - كالأمر الوارد ابتداء.
خلافا لبعض أصحابنا وأصحاب الإمام الشافعي، في قولهم: إن تقدم ذلك عليه قرينة دالة على كونه للإباحة، مع كثرة استعماله فيها في ذلك.
وقيل: إنه لرفع التحريم والرجوع إلى ما كان عليه.
ونقل في شرح التنقيح عن القاضي عبد الوهاب - رحمهما الله سبحامه ونعالى - في الملخص أن النهي نوعان:
نهي معلق بغاية، أو شرط، أو علة، كقوله ﷾: (فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض) بعد قوله ﷾: (وذروا البيع).
ونهي غير معلل بعلة عارضة، ولا معلق بشرط.
فالأول يقتضي الإباحة عند الجمهور، كالثاني عند الإمام مالك ﵀ ﷾ وأصحابه.
وقال أكثر أهل الأصول إنه يقتضي الوجوب.
وإلى هذا أشار بقوله: أو يقتضي إباحة للاغلب البيتين.
وقوله: وبعد سؤل، أشار به إلى أن الأمر الوارد بعد السؤال والاستئذان، محمول على
[ ١ / ١٤٩ ]
الوجوب كالوارد ابتداء، خلافا لمن رأى ذلك أيضا قرينة على إرادة الإباحة، مع كثرة استعماله في ذلك لها، وهو أبين.
وقوله: للأصل هو تعليل لما ذكره من كون الأمر في الموضعين للوجوب.
بعد الوجوب النهي لامتناع … للجل، والبعض للاتساع
وللكراهة برأي بانا … وقيل للإبقا على ما كانا
معناه أن النهي الوارد بعد الوجوب، للتحريم عند الأكثرين على الأصل، وليس تقدم الوجوب عليه قرينة بمجرده صارفتة عن المعنى الموضوع له، خلافا لمن ذهب إلى ذلك.
وقد اختلف القائلون بكون ذلك قرينة صارفة عن المعنى الموضوع له، فمنهم من جعل ذلك قرينة صارفة عن إرادة النهي أصلا، فيكون للإباحة.
ومنهم من جعله قرينة صارفة عن إرادة الجزم في النهي، فجعله للكراهة.
ومنهم من جعله قرينة دالة على إرادة رفع الوجوب، فيعود لما كان عليه قبل الوجوب. … ولم يتكلموا على النهي بعد الندب، ويحتمل أنهم إنما نصوا على الوجوب لأنه أغلب، ويحتمل اختصاص الحكم به، وأن القرينة في أمر الندب أضعف، والله ﷾ أعلم.
قال في النشر: وأما النهي بعد السؤال فيحمل على ما يفهم من السؤال من إيجاب، أو ندب، أو إرشاد، أو إباحة، أو على ما يفهم من دليل خارج.
فمما ورد منه للتحريم، خبر مسلم والبخاري عن المقداد - رضي الله تعالى عنه - قال: أرأيت إن لقيت رجلا من الكفار، فقاتلني فضرب إحدى يدي بالسيف، ثم قطعها، ثم لاذ مني بشجرة، فقال: أسلمت لله ﷾ أفأقتله يا رسول الله - صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم - بعد أن قالها؟ قال: " لا "
وحديث أنس - رضي الله ﷾ عنه - قال رجل: يا رسول الله - صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم - الرجل منا يلقى أخاه أينحني له؟ قال: " لا " (^١) وحديث سعد - رضي الله تعالى عنه - في الوصية بجميع ماله، فقال صلى الله تعالى عليه
_________________
(١) رواه الترمذي وحسنه.
[ ١ / ١٥٠ ]
وعلى آله وسلم: " لا " (^١) حمله على التحريم من فهم أن السؤال عن الإباحة، ويحتمل أن يكون السؤال عن الندب اهـ
وقد يفهم من قوله: إنه يحمل على ما يفهم من السؤال، أن الأمر يحمل على الوجوب، وإن فهم من السؤال غيره، وليس ببين.
كالنسخ للوجوب عند القاضي … وجلنا بذاك غير راض
بل هو في القوي: رفع الحرج … وللإباحة لدى بعض يجي
وقيل للندب كما في مبطل … أوجب الانتقال للتنفل
نسخ الوجوب يقتضي عند القاضي أبي محمد عبد الوهاب ﵀ ﷾ رجوع الأمر لما كان عليه قبل الوجوب، مما هو مقتضى الأدلة العامة.
وذلك كأن يقال: نسخت وجوب الأمر كذا، أو رفعت وجوبه، أو وجوب الأمر كذا منسوخ، أو مرفوع.
وأما نسخه بالنهي فهو المسألة السابقة.
وأما نسخه بإيجاب ضده، فيرفع الطلب، على أصل عدم التكليف بالمحال، وأما اقتضاؤه المنع فليس للنسخ، بل لوجوب الضد، على أصل أن الأمر بالشيء نهي عن أضداده الوجودية المتقدم.
وكأن هذا ما أراده العبادي ﵀ ﷾ في كلامه المسوق في النشر الذي اعترضه بعض شروح المراقي، والله ﷾ أعلم.
وإلى مذهب القاضي ﵀ ﷾ المذكور أشار ﵀ ﷾ بأول الشطرين، فالتشبيه في قوله: كالنسخ للوجوب، على معنى قوله قبل: وقيل للإبقا على ما كانا، وهذا مذهب بين جدا.
وذهب الجمهور منا، ومن أهل العلم، إلى أنه لرفع الحرج، المتحقق في الإباحة خاصة، أو فيها أو في الندب، كما قال القرافي ﵀ ﷾ أو في أحدهما، أو في
_________________
(١) متفق عليه.
[ ١ / ١٥١ ]
الكراهة، كما قال المحلي ﵀ ﷾ وهو مشكل جدا.
قال الشربيني ﵀ ﷾: قد تقرر أنه لا بد لكل واحد من هذه الثلاثة من دليل خاص، والفرض أنه لا دليل هنا، ولو فرض وجوده فليس الكلام في ما يؤخذ من الدليل بعد النسخ، بل في ما يؤخذ من نفس النسخ، فلعل المراد من بقاء ذلك: بقاء ما يتحقق به كل واحد منها، وهو المعنى العام الصالح لذلك على البدل، على فرض وجود دليله، فليتأمل اهـ
وقيل: إن نسخ الوجوب يقتضي الاستحباب.
وكأن مبنى هذا أن المطلق والمقيد شيئان، فإذا نسخ أحدهما بقي الآخر، والتحقيق أنهما شيء واحد، والله ﷾ أعلم.
وقول الشيخ ﵀ ﷾: كما في مبطل إلخ، يشير به إلى قول حلولو ﵀ ﷾: وقع في مذهبنا مسائل تشهد له، كقولهم في طرو ما يوجب قطع الصلاة: إنه يسلم عن نافلة، ولم يروا هذا إبطالا للعمل الأول، وأحسب أن بعض شيوخ المذهب وجهه بأن الواجب مندوب وزيادة، فإذا طرأ ما يسقط الواجب بقي المندوب اهـ
وجوز التكليف بالمحال … في الكل من ثلاثة الأحوال
وقيل بالمنع لما قد امتنع … لغير علم الله أن ليس يقع
وليس واقعا إذا استحالا … لغير علم ربنا تعالى
معناه أن التكليف بما لا يطاق، جائز خلافا للمعتزلة والغزالي، وإمام الحرمين، وأبي حامد الاسفرائيني، والتلمساني، وابن دقيق العيد ﵏ ﷾ أجمعين - وإن كان لم يقع في الشرع، خلافا للإمام فخر الدين ﵀ سبحامه ونعالى ـ.
قال في التنقيح: لنا قوله ﷾ جل من قائل: (ربنا ولا تحمِّلنا ما لا طاقة لنا به) فسؤال دفعه يدل على جوازه، وقوله ﷾ جل من قائل: (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها)
قال: وهاهنا دقيقة، وهي أن ما لا يطاق قد يكون عاديا فقط، كالطيران في الهواء، أو عقليا فقط، كإيمان الكافر الذي علم الله ﷾ أنه لا يؤمن، أو عاديا وعقليا
[ ١ / ١٥٢ ]
معا، كالجمع بين الضدين، والأول والثالث، هما المرادان ههنا، دون الثاني اهـ
وإلى هذه الدقيقة أشار الناظم ﵀ ﷾ بقوله: في الكل من ثلاثة الأحوال.
وأشار إلى قول المعتزلة المذكور بقوله: وقيل بالمنع.
وأشار ﵀ ﷾ إلى اختصاص الاختلاف بالممتنع عقلا وعادة، أو عادة فقط، بمفهوم قوله: لما قد امتنع لغير البيت.
وأشار إلى عدم وقوع المختلف في جوازهما، بقوله: وليس واقعا إذا استحالا لغير البيت.
ومفهومه وقوع ما كانت الاستحالة فيه لعلم الله ﷾ أنه لا يقع، وهو كذلك إجماعا، كإيمان من علم الله ﷾ في سابق علمه أنه لا يؤمن.
والمعروف في الاصطلاح كون هذا من قبيل الجائز عقلا، وإن علم أنه لا يقع، واصطلاح القرافي قال ابن عاشور - رحمهما الله ﷾: لم يسبقه إليه أحد ممن رأينا اهـ
فالمستحيل العقلي في الاصطلاح المشهور هو ما يمتنع تصوره عقلا، وهو أخص من المستحيل عادة، والله ﷾ أعلم.
وما وجود واجب قدُ اُطلقا … به، وجوبه به تحققا
والطوق شرط في الوجوب يعرف … إن كان بالمحال لايكلف
كعلمنا الوضوء شرطا في أدا … فرض، فأمرنا به بعدُ بدا
وبعض ذي الخلف نفاه مطلقا … والبعض ذو رأين قد تفرقا
معناه أن الواجب الذي أطلق وجوبه، يجب بوجوبه عندنا وعند الجمهور ما لا يتحقق إلا به، مما هو مقدور للمكلف.
إذ لو لم يجب، لجاز ترك الواجب، إذ الفرض أنه لا تحقق له بدونه، سواء كان سببا، أو شرطا، شرعيا كان، كالطهارة في الصلاة، أو عقليا، كترك ضد الواجب، أو عاديا، كالسفر إلى الحج.
وقد اختلف في دلالة الواجب المطلق على سببه أو شرطه هل هي تضمنية، ونسبه في
[ ١ / ١٥٣ ]
الحلي لإمام الحرمين ﵀ ﷾ أو التزامية، ونسبه لابن برهان ﵀ ﷾ أو من دليل خارجي، وهو لابن الحاجب ﵏ ﷾ أجمعين ـ؟
وأولها مشكل، لأن لفظ (أقيموا الصلاة) غير موضوع للأمر بمجموع الطهارة والصلاة، ولذلك قال الناظم ﵀ ﷾: كعلمنا الوضوء البيت.
قال في التنقيح: فلو قال الله ﷾: صلوا ابتداء، صلينا بغير وضوء، حتى يدل دليل على اشتراط الطهارة.
وقد تقدم في كلامهم في مبحث المنطوق التمثيل بهذا للاقتضاء، قال الشيخ ﵀ ﷾:
وهْو دلالة اقتضاء إن يدل … لفظ على ما دونه لا يستقل
دلالة اللزوم
فقول الشيخ ﵀ ﷾: وما وجود واجب، ما فيه: اسم موصول مبتدأ، خبره: وجوبه، والضمير في به الأولى: عائد على الموصول، والضمير في به الثانية: عائد إلى واجب، وقوله: قد أطلقا: صفة لواجب، يحترز به من المقيد الآتي في الأبيات بعد. والاختلاف المذكور في الوجوب بموجب الواجب، لا في أصل الوجوب.
وأشار ﵀ ﷾ بقوله: والطوق شرط في الوجوب البيت، إلى ما تقدم من اشتراط كون ما يتوقف عليه الواجب مقدورا للمكلف، يحترز بذلك عن تعلق علم الله ﷾ وإرادته وقدرته بإيجاده.
وأشار ﵀ ﷾ بقوله: كعلمنا الوضوء البيت إلى مثال المسألة. وقال قوم: لا يجب بوجوبه مطلقا، وإنما يجب بدليل آخر، وإليه أشار ﵀ ﷾ بقوله: وبعض ذي الخلف نفاه مطلقا.
قال في النشر: والدليل الخارجي هو أنه لما لم يكن في وسع المكلف ترتيب المسبب على السبب، كان القصد بطلب المسببات الإتيان بأسبابها اهـ
واحتج القائلون بعدم وجوب الوسيلة بوجوب المقصد، بأن المكلف إذا ترك المقصد
[ ١ / ١٥٤ ]
كصلاة الجمعة، والحج فإنه يعاقب عليهما، دون المشي إليهما، وإذا لم يستحق عقابا عليه، لم يكن واجبا، لأن استحقاق العقاب من خصائص الوجوب، قاله في النشر.
والظاهر أن الجواب عن هذا، أن هذا شأن الوسائل، فالعقاب عند الترك إنما هو على المقاصد، وما ذكر من السعي إلى الجمعة، والمشي إلى الحج واجب بالنص، فعدم العقاب فيه لم يأت من جهة عدم الوجوب، بل من جهة عدم القصد الأصلي في الخطاب إلى ذلك، فلم يعاقب عليها فضلا من الله ﷾.
ومثل ذلك ما يتوقف عليه العلم بترك المنهي عنه الآتي في قوله: فما به ترك المحرم يرى البيت.
فلو أنه اقتحم هذه الأمور كلها، لم يعاقب إلا على المنهي عنه بالذات.
وكذلك الثواب على الوسيلة أيضا إنما هو من حيث إنها جهد في سبيل الطاعة، كغيرها من الجهود التي ليست وسائل، فقد قال ﷾ جل من قائل: (وما تفعلوا من خير فلن تكفروه) وقال جل من قائل ﷾: (ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله) الآية الكريمة، وقال صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم " إن بالمدينة أقواما، ما سرتم مسيرا، ولا قطعتم واديا، إلا كانوا معكم، قالوا: يا رسول الله - صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم - وهم بالمدينة؟ قال: " وهم بالمدينة، حبسهم العذر " (^١) والله ﷾ أعلم.
وفرق قوم فقالوا: يجب بوجوبه إن كان سببا، سواء كان شرعيا، كصيغة العتق في الكفارة - مثلا - أو عاديا كإمساس النار لما يجب إحراقه، لا إن كان شرطا، لأن ارتباط الشيء بسببه أقوى من ارتباطه بشرطه.
وقال إمام الحرمين ﵀ ﷾: يجب بوجوبه إن كان شرطا شرعيا، كالوضوء، لا عقليا أو عاديا، لأن توقف صورة الواجب عليهما مغن عن قصدهما، وإلى هذين القولين أشار ﵀ ﷾ بقوله: والبعض ذو رأين قد تفرقا والله ﷾ أعلم.
_________________
(١) رواه البخاري وأبو داوود وابن ماجة والإمام أحمد.
[ ١ / ١٥٥ ]
ومقتضى أدلة المختلفين أن المستحب في ما ذكر كالواجب، فاستحباب الغسل يقتضي استحباب أخذ الماء ونحو ذلك، والله ﷾ أعلم.
وما وجوبه به لم يجب … في رأي مالك وكل مذهب
معناه أن ما يتوقف عليه وجوب الواجب، لا يجب بوجوبه، كملك النصاب، فلا يجب تحصيله بإيجاب زكاته - إجماعا - لأن معنى سببيته له، وجوبه به، فلو وجب السبب أيضا بوجوب المسبب لزم الدور، ومثل الواجب في ذلك المستحب، كما هو ظاهر.
واعلم أن الشيء قد يكون واجبا مطلقا بالنسبة إلى مقدمة، ومقيدا بالنسبة إلى أخرى، كوجوب الصلاة، فهو بالنسبة للعقل مثلا مقيد، وبالنسبة للطهارة مطلق.
فما به ترْكُ المحرم يرى … وجوبَ تركه جميع من درى
أشار ﵀ ﷾ بهذا إلى أنه لا فرق بين توقف فعل الواجب على شيء، أو ترك المحرم عليه، وتوقف العلم بفعل أحدهما عليه، فإذا تعذر العلم بترك المحرم، إلا بترك جائزات، تعين تركها، كما لو طلق معينة من زوجاته ونسيها.
وإذا تعذر العلم بفعل الواجب إلا بفعل أمر آخر غير واجب، أو أمور، تعين فعلها، وذلك كإمساك جزء من اليل، وغسل جزء من الرأس في غسل الوجه، ومسح جزء من الوجه في مسح الرأس، وصلاة الخمس لمن جهل منسية منها.
وسوينَّ بين جهل لحقا … بعد التعيُّن، وما قد سبقا
معناه أنه لا فرق في التباس المحرم بالجائز - مثلا - الموجب لتجنب الجميع، بين الطارئ بعد التعين، كما في مسألة نسيان المطلقة، وبين السابق، بأن لم يتقدم عليه تعين، كما في التباس ذات محرم بأجنبية، والله ﷾ أعلم.
هل يجب التنجيز في التمكن … أو مطلقُ التمكين ذو تعين
عليه في التكليف بالشيء عُدِم … موجبُه شرعا خلاف قد عُلم
فالخلف في الصحة والوقوع … لأمر من كفر بالفروع
ثالثها الوقوع في النهي، يُرَدْ … بما افتقاره إلى القصد انفقد
وقيل في المرتد، فالتعذيب … عليه والتيسير والترغيب
[ ١ / ١٥٦ ]
اختلف في التمكن المشترط في التكليف، هل يشترط أن يكون ناجزا، وذلك بناء على أن الأمر لا يتوجه إلا عند المباشرة، أو يكفي التمكن في الجملة، وهو الصحيح، وقد تقدم بيان فساد غيره.
وينبني على هذا الاختلاف: الاختلاف في جواز التكليف عقلا بالشيء من مسبب، أو مشروط، مع عدم موجبه شرعا، من سبب، أو شرط.
فمن شرط كونه ناجزا، منع التكليف في ذلك، ومن لا فلا، وإلى هذا أشار بالبيتين الأولين.
قال في الإرشاد: وهذه المسألة ليست على عمومها، إذ لا خلاف في أن مثل الجنب والمحدث مأموران بالصلاة، بل هي مفروضة في جزئي، وهو أن الكفار مخاطبون بالشرائع، أي: بفروع العبادات عملا اهـ
وصرح بمثله آخرون والله ﷾ أعلم.
وإلى ذلك أشار الناظم ﵀ ﷾ بقوله: فالخلف في الصحة والوقوع البيت.
قال في النشر: قولان في كل منهما - يعني الجواز والوقوع - موجودان في المذهب من غير ترجيح.
وقال في التنقيح: قال الباجي - رحمهما الله ﷾: وظاهر مذهب الإمام مالك ﵀ ﷾ خطابهم بها، خلافا للحنفية، وأبي حامد الاسفرائيني ﵀ ﷾ لقوله ﷾ جل من قائل - حكاية عنهم: (قالوا لم نك من المصلين) وقوله ﷾ جل من قائل: (والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا) الآية الكريمة.
وما قيل من احتمال كون ما في الآية من التعبير باللوازم عن الملزومات، كحديث " نهيت عن قتل المصلين " (^١) فليس بالبين جدا، لأن مجرد الاحتمال، لا يمنع من الاستدلال،
_________________
(١) رواه أبو داوود بسند ضعيف.
[ ١ / ١٥٧ ]
وإلا لانحصرت الحجية في النص، ولا يخفى أن احتمال ذلك مرجوح، لمخالفته لظاهر اللفظ، وظاهر العطف، مع اعتضاد الظاهر بالظواهر الكثيرة، والله ﷾ أعلم.
وقيل: إنهم مخاطبون بالنواهي دون الأوامر، بل حكى عليه بعضهم الإجماع.
ووجه هذا القول عدم توقف الخروج من عهدة النواهي على نية الامتثال.
وأورد عليه أن من الأوامر ما لا يتوقف على نية، كأداء الدين والوديعة.
وإلى هذا أشار ﵀ ﷾ بقوله: ثالثها الوقوع فى النهي البيت.
ونقل عكسه أيضا، وهو مخاطبتهم بالأوامر دون النواهي.
وقيل: يخاطب المرتد دون الكافر الأصلي، استصحابا للخطاب السابق.
وإلى هذا أشار ﵀ ﷾ بقوله: وقيل في المرتد.
وقيل: يخاطبون بما عدا الجهاد، والله ﷾ أعلم.
وتوقف قوم في خطابهم.
وقوله: فالتعذيب إلخ أشار به إلى قول القرافي - رحمهما الله ﷾ في شرح التنقيح: وأذكر منها - يعني فوائد الخلاف في مخاطبته بالفروع - هاهنا نبذا:
أحدها: تيسير الإسلام عليه، فإنه إذا كان مخاطبا، وهو خيِّر النفس بفعل الخيرات، من الصدقات، وأنواع البر وغيرها، كان ذلك سببا في تيسير إسلامه، استنباطا من قوله - صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ـ: " إن المؤمن ليختم له بالكفر بسبب كثرة ذنوبه " فيناسب أن يختم للكافر بالإيمان بسبب كثرة إحسانه وحسناته، وإن أجمعنا على أنه لا يثاب عليها في الآخرة، إلا أنه ورد الحديث الصحيح أنه يطعم بها في الدنيا، ولم يرد دليل على أنها لا تكون سببا لتيسير الإسلام فبقي استنباطه لا مانع منه.
وثانيها: الترغيب في الإسلام، فإنه إذا كان كثير القتل، والفتك، والفساد، وقيل: إن الإسلام من شرفه أن يهدم جميع آثام هذه الأفعال، كان ذلك أوقع في نفسه، من قولنا: إن الإسلام لا ينهض إلا بالكفر وحده.
ثالثها تخفيف العذاب في الدار الآخرة، فإن الدليل ما دل إلا على تخليد الكافر في العذاب، وأما مقداره في الكمية، فالتفاوت واقع فيه قطعا، ولذلك قال ﷾ جل
[ ١ / ١٥٨ ]
من قائل ـ: (إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار) واليهود أسفل من النصارى، كما جاء في الحديث الصحيح، من ترتيب طبقات النار - أجارنا الله ﷾ منها فإذا قلنا هو مخاطب وفعل ذلك، كان سببا لتخفيف العذاب عنه من الخلود.
فهذه فوائد تظهر من ثمرة الخلاف في كونهم مخاطبين اهـ
وفي أكثر هذا الكلام ضعف بين، ولين لا خفاء فيه، ولا إساءة ولا ظلم أعظم من الكفر، وقد قال ﷾ جل من قائل: (إن الشرك لظلم عظيم) وقال جل من قائل ﷾: (وكان الكافر على ربه ظهيرا)
وفي تضاعيف فروع المذهب، اختلافات يصرحون بانبنائها على هذا الأصل، والله ﷾ أعلم.
وعلل المانع بالتعذر … وهو مشكل لدى المحرر
في كافر آمن مطلقا وفي … من كفره فعل كإلقا مصحف
والرأي عندي أن يكون المدرك … نفْي قبولها فذا مشترك
أشار ﵀ ﷾ بهذا إلى ما ذكره القرافي ﵀ ﷾ في شرح التنقيح ونصه:
وسبب الخلاف، يحتمل أن يكون عند من منع، أن التقرب بالفعل، فرع اعتقاد صدق المخبر بالتكليف به، ومن لم يصدق تعذر عليه أن يتقرب، فلا يكلف بالتقرب، وعلى هذا المدرك تكون هذه المسألة من مسألة منع التكليف بما لا يطاق.
ويحتمل أن يكون المدرك، إنما هو أن الله ﷾ لا يقبل الفروع منهم، لأجل كفرهم، فلا يكلفهم بها، لأن الله ﷾ لا يقبلها.
والاحتمال الأول هو الظاهر من احتجاجات العلماء في هذه المسألة، ومن أقوالهم.
إلى أن قال: وإذا كان هذا هو المدرك فهو مشكل.
إلى أن قال: فمن آمن بظاهره وباطنه منهم، أو بظاهره فقط، معتقد صدق التكليف، فالتعذر في حقه ساقط، وكذلك من كان كفره بالفعل، كإلقاء المصحف في القاذورات، أو باني كنيسة مريدا للكفر فيها، أو كان كفره بجحده آية من كتاب الله ﷾
[ ١ / ١٥٩ ]
فقط، أو بجحد سليمان النبي فقط - على نبينا وعليه وعلى جميع الأنبياء أفضل الصلاة وأتم التسليم - فإن هؤلاء كلهم يعتقدون صحة الفروع، فلا يتعذر منهم التقرب بالفروع، فلا يتجه التعليل بتعذر التقرب اهـ
وهذا غير بين، فما ذكره من الإيمان غير رافع للتعذر، فالاعتداد بالعمل بحيث يترتب عليه الثواب - فعلا كان أو تركا - متوقف على الإيمان بمعنى الإسلام، وهو أخص مما ذكره، والمطلوب الشرعي إنما هو المعتد به شرعا، فالصواب هو الاحتمال الثاني كما اختار الشيخ ﵀ ﷾ في قوله: والرأي عندي أن يكون المدرك البيت.
والمدرك: اشتهر على الألسنة بفتح الميم، والصواب الضم، لأنه اسم مكان من أدرك، وفي ذلك يقول شيخنا محمد الحسن بن أحمد الخديم - حفظنا الله تعالى وإياه ـ:
ومدرك بضم ميم: موضع … إدراكِه، والفتح فيه يمنع
لأنه من اَدرك الرباعي … فليس للفتح به من داع
والله ﷾ أعلم.
تكليف من أحدث بالصلاة … عليه مجمع لدى الثقات
معناه أن المجتهدين أجمعوا على أن المحدث مخاطب بالصلاة، وهو حجة لمن لا يشترط كون التمكن المشترط في التكليف ناجزا، وما حكى بعضهم من الخلاف في ذلك، محمول على قصد تقدم الطهارة في الفعل، ولا خلاف فيه أيضا، والله ﷾ أعلم.
وربطه بالموجب العقلي … حتم بوفق قد أتى جلي
معناه أن ربط التكليف وإناطته بالموجب العقلي، من سبب، أو شرط، كالحياة للعلم، وفهم الخطاب، أمر متفق عليه، وكذلك السبب الشرعي، نحو إن دخلت المسجد فصل ركعتين، وأما الشرط العادي كغسل جزء من الرأس في الوجه، فليس شرطا في صحة التكليف اتفاقا، وإنما الخلاف في الشرط الشرعي على ما سلف بيانه.
دخول ذي كراهة في ما أُمر … به، بلا قيد وفصل قد حظر
معناه أن مطلق الأمر بماهية بعض جزئياتها منهي عنه، لا يتناول المنهي عنه منها - مكروها كان أو محرما - خلافا للحنفية حيث قالوا بتناوله لذلك، عملا بعموم اللفظ.
[ ١ / ١٦٠ ]
وحجة الجمهور: أنه لو تناوله لكان الشيء الواحد مطلوبا منهيا عنه في وقت واحد، وهو تناقض.
ومحل الخلاف: إذا لم يقيد الأمر بغير المنهي عنه، فإن قيد بذلك لم يتناوله اتفاقا، وذلك هو المراد بقوله: بلا قيد.
ومحله أيضا: إذا لم تنفصل جهة النهي عن جهة الأمر، بأن لا تكون له إلا جهة واحدة، أو تكون له جهتان بينهما لزوم، وذلك هو المراد بقوله: وفصل، أي: وبلا فصل، فهو معطوف على قيد.
وقوله: قد حظر: خبر قوله: دخول.
فإن كانت له جهتان لا لزوم بينهما، صح أن يتعلق به الأمر من جهة، والنهي من جهة.
فنفي صحة ونفي الاجر … في وقت كره للصلاة يجري
معناه أنه ينبني على ما ذكر في البيت قبل: بطلان الصلاة في الأوقات المنهي عن الصلاة فيها، فالنهي وإن تعلق بخارج عن الصلاة إلا أنه ملازم لها، إذ لا يمكن فعل الصلاة حينه إلا فيه، فلا انفكاك عنه.
ونقل الشيخ عن الزركشي - رحمهما الله ﷾ الاتفاق على حرمة الإقدام على العبادة التي لا تصح، وانظر ذلك في المكروه المذكور.
وأما المكان المنهي عن إيقاع الصلاة فيه، فالنهي فيه متعلق بخارج غير ملازم، فالملازم إنما هو مطلق المكان، لا مكان بعينه، لإمكان الإيقاع في غيره في ذلك الوقت، فجهة النهي منفكة عن جهة الأمر، فلم تقتض فسادا، عند الجمهور.
نعم اختلف هل يؤجر عليها أو لا؟ وإلى هذا أشار ﵀ ﷾ بقوله:
وإن يك الأمر عن النهي انفصل … فالفعل بالصحة لا الأجر اتصل
وذا إلى الجمهور ذو انتساب … وقيل بالأجر مع العقاب
ومعنى البيتين أن الصلاة المذكورة، صحيحة غير مثاب عليها، في ما نسبه إلى الجمهور من المالكية وغيرهم.
[ ١ / ١٦١ ]
أما صحتها، فلاستجماعها ما يشترط في صحتها.
وأما عدم الأجر، فلأن العصيان سبب لعدم القبول مع الانفصال، فكيف به وهو مقارن.
وقيل: يؤجر عليها من جهة أنها صلاة مأمور بها، ويعاقب عليها من جهة ركوب النهي، كما لو فعل أمرا ونهيا منفصلين.
ولعل مراد الجمهور بعدم الأجر: أن ذلك مظنة له، كما أن مراد غيرهم أنه فعل سبب ثواب في الجملة، والله ﷾ أعلم.
وقد رُوِي البطلانُ والقضاء … وقيل ذا فقط له انتفاء
معناه أن الصلاة في الأماكن المكروهة، روى ابن العربي عن الإمام مالك - رحمهما الله ﷾ أنها باطلة، يجب قضاؤها، وهو مذهب الإمام أحمد ﵀ ﷾ وأكثر المتكلمين كما في النشر.
وقال القاضي والإمام الرازي - رحمهما الله ﷾ إنها باطلة، ولكن لا تقضى، لأن السلف لم يأمروا بقضائها.
مثل الصلاة بالحرير والذهب … وفي مكان الغصب والوضو انقلب
ومعطن ومنهج ومقبره … كنيسة وذي حميم مجزره
أشار بهذا إلى أمثلة من اجتماع الأمر والنهي مع تعدد الجهة، وعدم التلازم.
فمن ذلك: صلاة الرجل بثوب حرير، أو بذهب، ولو خاتما، والصلاة في المكان المغصوب، والوضوء المنكس، والصلاة بمعاطن الإبل، والجدة، والمقبرة، والكنيسة، والحمام، والمجزرة، على التفاصيل المذكورة في ذلك كله في كتب الفقه.
فالصلاة على هذه الأحوال كلها مأمور بها من جهة كونها صلاة، منهي عنها من جهة التلبس بالمنهي عنه بها، وجهة الأمر غير ملازمة لجهة النهي، فالصلاة إنما تستلزم مطلق المكان، ولذلك صح الأمر بها مع الذهول عن خصوصيات الأمكنة، والأمر بالشيء يستلزم الشعور به، وهكذا في بقية المذكورات.
من تاب بعد أن تعاطى السببا … فقد أتى بما عليه وجبا
[ ١ / ١٦٢ ]
وإن بقي فساده كمن رجع … عن بث بدعة عليها يتبع
أو تاب خارجا مكان الغصب … أو تاب بعد الرمي قبل الضرب
وقال ذو البرهان إنه ارتبك … مع بقاء النهي للذي سلك
مذهب الجمهور أن من توسط أرضا مغصوبة - مثلا - ثم تاب وتوجه للخروج واختار أقل الطرق ضررا، وأقربها، فخروجه واجب، لا تحريم فيه، وإن وجد فيه اعتباران: الشغل، والتفريغ، لأنه لا يمكن الإتيان بالتفريغ إلا بالشغل، قال القاضي ﵀ ﷾: هذا هو المختار، وكذلك القول في كف الزاني عن الزنى، قال ابن برهان ﵀ ﷾: وهذا مما أجمع عليه كافة الفقهاء والمتكلمين، وقال أبو هاشم: خروجه كلبثه، لأنه تصرف في ملك الغير بغير إذنه، وذلك قبيح لعينه.
وقال إمام الحرمين ﵀ ﷾: هو مرتبك في المعصية بحكم الاستصحاب، مع انقطاع تكليف النهي.
واسنبعد قوله، إذ ليس في الشرع معصية من غير نهي، قاله بمعناه في البحر.
وقال ابن الحاجب ﵀ ﷾ في مختصره: وأما من توسط أرضا مغصوبة، فحظ الأصولي فيه: بيان استحالة تعلق الأمر والنهي معا بالخروج اهـ
قال التاج ﵀ ﷾: فإنه تكليف بالمحال، فيتعلق التكليف بواحد منهما يعينه الفقيه، والفقيه يقول: يؤمر بالخروج، كما يؤمر المولج في الفرج الحرام بالنزع، وإن كان به مماسا للفرج الحرام، ولكن يقال: انزع على قصد التوبة، لا على قصد الالتذاذ، فكذلك الخروج من الغصب، فإن أهون الضررين يصير واجبا بالإضافة إلى أعظمهما اهـ
وقال الإمام أبو إسحاق الشاطبي ﵀ ﷾ في موافقاته: متعاطي السبب قد يبقى عليه حكمه، وإن رجع عن ذلك السبب، أو تاب منه، فيظن أن المسبب يرتفع حكمه برجوعه عن السبب، ولا يكون كذلك.
مثاله: من توسط أرضا مغصوبة، ثم تاب وأراد الخروج منها، فالظاهر الآن أنه لما أمر بالخروج، فأخذ في الامتثال، غير عاص، ولا مؤاخذ، لأنه لم يمكنه أن يكون ممتثلا عاصيا في حالة واحدة، ولا مأمورا منهيا من جهة واحدة، لأن ذلك تكليف ما لا يطاق.
[ ١ / ١٦٣ ]
فلا بد أن يكون في توسطه مكلفا بالخروج على وجه يمكنه، ولا يمكن مع بقاء حكم النهي في نفس الخروج، فلا بد أن يرتفع عنه حكم النهي في الخروج.
وقال أبو هاشم: هو على حكم المعصية، ولا يخرج عن ذلك إلا بانفصاله، عن الأرض المغصوبة.
ورد الناس عليه قديما وحديثا.
والإمام ﵀ ﷾ أشار في البرهان إلى تصور هذا وصحته، باعتبار أصل السبب الذي هو عصيان، فانسحب عليه حكم التسبب، وإن ارتفع بالتوبة، ونظر ذلك بمسائل.
وهو صحيح باعتبار الأصل المتقدم، فإن أصل التسبب أنتج مسببات خارجة عن نظره، فلو نظر الجمهور إليها، لم يستبعدوا اجتماع الامتثال، مع استصحاب حكم المعصية إلى الانفصال عن الأرض المغصوبة.
وهذا أيضا ينبني على الالتفات إلى أن المسبب خارج عن نظره، فإنه إذا رأى ذلك وجد نفس الخروج ذا وجهين:
أحدهما: كون الخروج سببا في الخلوص عن التعدي بالدخول في الأرض، وهو من كسبه.
والثاني: كونه نتيجة دخوله ابتداء، وليس من كسبه بهذا الاعتبار، إذ ليس له قدرة عن الكف عنه.
ومن هذا، مسألة من تاب عن القتل بعد رمي السهم عن القوس، وقبل وصوله إلى الرمية، ومن تاب من بدعة بعد ما بثها في الناس، وقبل أخذهم بها، أو بعد ذلك وقبل رجوعهم عنها، ومن رجع عن شهادته بعد الحكم بها، وقبل الاستيفاء.
وبالجملة بعد تعاطي السبب على كماله، وقبل تأثيره، ووجود مفسدته، أو بعد وجودها وقبل ارتفاعها إن أمكن ارتفاعها، فقد اجتمع على المكلف هنا الامتثال مع بقاء العصيان.
فإن اجتمعا في الفعل الواحد كما في المثال الأول، كان عاصيا ممتثلا، إلا أن الأمر
[ ١ / ١٦٤ ]
والنهي لا يتواردان عليه في هذا التصوير، لأنه من جهة العصيان غير مكلف به، لأنه مسبب غير داخل تحت قدرته، فلا نهي إذ ذاك، ومن جهة الامتثال مكلف، لأنه قادر عليه، فهو مأمور بالخروج، وممتثل به.
وهذا معنى ما أراده الإمام ﵀ ﷾ وما اعترض به عليه، وعلى أبي هاشم لا يرد مع هذه الطريقة إذا تأملتها والله سبحانه تعالى أعلم اهـ
وارتكب الأخف من ضرين
معناه أنه إذا تقابل ضرران، فلم يكن من ارتكاب أحدهما بد، تعين ارتكاب الأخف، دفعا للأشد، وذلك كخرق سيدنا الخضر - على نبينا وعليه أفضل الصلاة وأتم التسليم - سفينة اليتامى دفعا لغصبها.
قال في النشر: ومن ثم جبر المحتكر على البيع، عند احتياج الناس إليه، وجار المسجد إذا ضاق، وجار الطريق.
إلى أن قال: ومثل الضررين، المكروهان والمحظوران.
وجعل في الحلي الواجبين كذلك، وهو كذلك في ما يظهر.
وكذلك ينبغي أن يكون القول في تقابل مستحبين، فكما يرتكب الضرر المرجوح، اتقاء للضرر الراجح، كذلك تترك المصلحة المرجوحة، في سبيل تحصيل المصلحة الراجحة، والله ﷾ أعلم.
وتسمية المطلوب تركه مطلوبا، والمطلوب فعله منهيا عنه، باعتبار ما قبل التقابل، والله ﷾ أعلم.
وخيرنْ لدى استوا هذين
كمن على الجريح في الجرحى سقط … وضعَّف المكث عليه من ضبط
معناه أنه إذا استوى الضرران، كان المكلف بالخيار، ومن أمثلة ذلك الساقط على جريح من جرحى، إن مكث فوقه قتله، وإن تحول عنه وقع على آخر يقتله، إذ لا يجد محلا يعتمد عليه إلا بدن جريح، فهو مخير بين المكث والانتقال.
وقيل: يجب عليه المكث على من وقع عليه، لأن الانتقال فعل مستأنف.
[ ١ / ١٦٥ ]
وضعفه البعض بأن المكث الاختياري كالانتقال بلا فرق.
ورجح زكريا ﵀ ﷾ وجوب المكث لأنه دوام، ويغتفر في الدوام ما لا يغتفر في الابتداء.
ولم يستبعد العبادي ﵀ ﷾ ترجيحه في السقوط اختيارا، معللا بأن الانتقال استئناف قتل بغير حق، وتكميل القتل أهون من استئنافه اهـ
وتوقف إمام الحرمين ﵀ ﷾ في المسألة.
ومحل ما ذكر إذا تكافأ الجريحان، فإن كانا غير كفؤين، تعين المكث، إذا وقع على الأدنى، والانتقال إذا وقع على الأعلى، ولا يبعد عند العبادي ﵀ ﷾ أن يكون في معنى التفاوت في الكفاءة، ما إذا كان أحدهما إماما - مثلا - تترتب على هلاكه المفاسد، أو عالما يترتب على موته وهن في الدين، أو ضياع العلم، وهو بين.
وهو من مفردات القاعدة التي قبل هذه القاعدة أعني قوله: وارتكب الأخف من ضرين.
وظاهر كلام أصحابنا في الإكراه أنه إذا كان يمكنه الانتقال عنه إلى غير نفس، إلا أنه يخاف على نفسه الموت، كما لو أمكنه أن ينتقل عنه إلى نار أو بحر، أنه يجب عليه الانتقال، ولا يجوز له أن يؤثر نفسه بالبقاء، والله ﷾ أعلم.
ألأخذ بالأول لا بالآخر … مرجح في مقتضى الأوامر
وما سواه ساقط، أو مستحب … لذاك الاطمئنان والدلك انجلب
وذاك في الحكم على الكلي … مع حصول كثرة الجزئي
أشار بهذا إلى قول القرافي - رحمهما الله ﷾ في التنقيح: فرع اختار القاضي عبد الوهاب ﵀ ﷾ أن الأمر المعلق على الاسم يقتضي الاقتصار على أوله، والزائد على ذلك إما مندوب، أو ساقط اهـ
مع قوله في شرحه: هذه المسألة مشهورة بالأخذ بأوائل الأسماء أو بأواخرها، قولان للعلماء، وكثير من الفقهاء غلط في تصويرها، حتى خرج عليها ما ليس من فروعها، ظانا أنه
[ ١ / ١٦٦ ]
من فروعها، فقال أبو الطاهر (^١) ﵀ ﷾ وغيره، في قول الفقهاء: التيمم إلى الكوعين، أو إلى المرفقين، أو الإبطين، ثلاثة أقوال، أن ذلك يتخرج على هذه القاعدة، هل يؤخذ بأوائل الأسماء اقتصر على الكوع أو بأواخرها فيصل إلى الإبط؟ ويجعلون كل ما هو من هذا الباب مخرجا على هذه القاعدة.
وهذا باطل إجماعا، ومنشأ الغلط إجراء أحكام الجزئيات على الأجزاء، والتسوية بينهما، ولا خلاف أن الحكم في الكل لا يقتصر به على جزئه، فلا تجزئ ركعة عن ركعتين في الصبح، ولا يوم عن شهر رمضان في الصوم، ونظائره كثيرة.
إنما معنى هذه القاعدة إذا علق الحكم على معنى كلي، له محال كثيرة، وجزئيات متباينة في العلو والدناءة، والكثرة والقلة، هل يقتصر بذلك الحكم على أدنى المراتب، لتحقق المسمى بجملته فيه، أو يسلك طريق الاحتياط، فيقصد في ذلك المعنى أعلى المراتب؟ هذا موضع الخلاف.
ومثاله إذا قال رسول الله - صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ـ: " إذا ركعتَ فاطمئن راكعا " (^٢) فأمر بالطمأنينة، فهل يكتفى بأدنى رتبة تصدق فيه الطمأنينة، أو يقصد أعلاها؟ وكذلك قوله ﵊: " خللوا الشعر، وأنقوا البشرة " (^٣) يقتضي التدليك، هل يقتصر على أدنى رتبة التدليك، أو أعلاها؟
فهذه صورة هذه القاعدة في الجزئيات في المحل، لا في الأجزاء، ثم الفرق أن الجزء لا يستلزم الكل، والجزئي يستلزم الكلي، فلذلك أجزأ الثاني، دون الأول، فأدنى رتب الموالاة موالاة، وليست الركعة ركعتين، ولا اليوم شهرا.
إلى أن قال: وقوله: والزائد على ذلك إما مندوب، أو ساقط، فالمندوب كالطمأنينة، والساقط كزيادة التدلك، فإن الشرع لم يندب لزيادة التدلك، كما ندب لزيادة الطمأنينة، ووجب الاقتصار على أول الرتب، جمعا بين الدال على الوجوب، وأن الأصل براءة الذمة،
_________________
(١) لعله يقصد ابن بشير - رحمهما الله ﷾.
(٢) معناه متفق عليه من حديث الأعرابي، وهذا اللفظ لم أقف عليه.
(٣) لم أقف عليه بهذا اللفظ، وأقرب ما وقفت عليه إليه، حديث أبي داود والترمذي " تحت كل شعرة جنابة فاغسلوا الشعر وأنقوا البشر " وهو حديث ضعيف.
[ ١ / ١٦٧ ]
كما أنه لو وجب عتق رقبة، واقتصرنا على ما يسمى رقبة أجزأ، وإن كانت أدنى الرقاب، ولا يجب علينا أن نعتق رقبة بألف دينار، فهذه صورة القاعدة ومدركها من حيث النظر.
وقال ابن عاشور ﵀ ﷾ في حاشيته عليه: وليس قصر هاته المسألة على ما ذكره المصنف بمتعين، حتى يغلط من صورها من الفقهاء، في إجزاء اسم الكل، كالأوقات، عند القائل بأن أول الوقت متعين، في مسألة الواجب الموسع، ومن صورها في أحد معنيي الاسم المشترك، في معنيين متفاوتين، كاليد في التيمم كما قال أبو الطاهر، إذ لا مانع من شمول المسألة لصور متعددة، وجريان الخلاف في جميع صورها، وكيف يعمد إلى تغليط غير واحد من الفقهاء في ذلك مع صحة المراد اهـ
وما قاله هو الأبين - إن شاء الله ﷾.
وما ذكره القرافي ﵀ ﷾ من الكل والجزء لا ورود له هنا، فاسم الكل لا يصدق على الجزء، فليس اسم الركعتين صادقا على الركعة، ولا اسم الشهر صادقا باليوم، وإنما الذي يصدق بذلك اسم الصوم، واسم الصلاة على الخلاف في التنفل بركعة. وما ذكره من حمل اليد في التيمم على اليد إلى الكوع، ليس من قبيل الحمل على البعض، بل ذلك هو كل معنى اليد في وضع آخر، فهو أحد حقائق لفظ اليد، فالاجتزاء به إنما هو لصدق الاسم حقيقة في أحد الأوضاع عليه، والأصل براءة الذمة، وهذا هو وجه الاكتفاء بأدنى جزئي في المطلق، كما تقدم، والله ﷾ أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وربما اجتماع أشياء انحظل … مما أتى الأمر به على البدل
أو الترتب، وقد يُسَنُّ … وفيه قل إباحة تعنُّ
معناه أن الأشياء المأمور بها على سبيل البدل أو الترتيب، قد يكون الجمع بينها ممتنعا، وقد يكون مسنونا، وقد يكون مباحا، فالأقسام إذا ستة، من ضرب ثلاثة - وهي الامتناع، والاستنان، والإباحة - في اثنين، وهما كون الأمر بها على سبيل البدل أو الترتب. … ومثلوا لمنع الجمع في البدلية، بتزويج المرأة من الأكفاء.
ومثلوا لمنع الجمع في المرتبة بأكل المذكى والميتة.
[ ١ / ١٦٨ ]
ومثلوا لاستنان الجمع في البدلية، بالستر بأحد ثوبين كل منهما كاف في ستر العورة وحده، بالنسبة للمحرم، فالستر بأحدهما كاف في أداء الواجب، لكن الجمع بينهما بأن يتزر بأحدهما، ويرتدي بالآخر مسنون.
ومثلوا لاستنان الجمع في المرتبة بخصال كفارة الظهار، قال في شرح التنقيح: لأنها مصالح وقربات، وانظره (^١).
ومثل ابن عاشور ﵀ ﷾ لإباحة الجمع في المرتبة بالركوب في الطواف، إذا جاز له الركوب لعذر، فركب، ثم تكلف المشي في بعض الأطواف.
وحاصله: أن الجمع بينهما مع العذر جائز، لكن ينظر في كون ذلك جمعا.
ومثلوا لإباحة الجمع في البدلية بالثياب المتعددة بالنسبة لغير المحرم، إذا كان الواحد محصلا للمطلوب من الستر، والله ﷾ أعلم.