والاشتقاق ردك اللفظ إلى … لفظ
معناه أن الاشتقاق هو رد لفظ إلى لفظ، والمراد برده إليه، الحكم بتفرعه عنه، لما بينهما من المناسبة في الحروف الأصلية والمعنى.
وذلك كاشتقاق الضحية من الضحى الذي هو الوقت المأمور بذبحها فيه.
وهذا تعريف له بحكم الناظر في ذلك به، وإلا فهو مجرد تفرعه عنه، نظر فيه أو لم ينظر، وهو كتعريف التخصيص، بأنه قصر العام على بعض أفراده لحجة، ونحوه كثير.
والاشتقاق ثلاثة أنواع: صغير، وكبير، وأكبر.
والأول هو المبوب له، وهو المقصود عند الإطلاق، وأما الآخران فإنما يذكران استطرادا وتتميما للفائدة.
وقد جاءت بالاشتقاق الأحاديث الصحيحة، من ذلك ما جاء من اشتقاق اسم الرحم الحديث المعروف، (^١) وما جاء من أنهم سألوا النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عن العقيقة، فكره ذلك وقال: " لا يحب الله ﷾ العقوق، من وُلد له ولد فأحب أن
_________________
(١) عن عبد الرحمن بن عوف - رضي الله تعالى عنه - قال: سمعت رسول الله - صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم - يقول: " قال الله ﷾: أنا الرحمن، وهي الرحم، شققت لها اسما من اسمي، من وصلها وصلته، ومن قطعها بتته " رواه أبو داود، والترمذي، والإمام أحمد، وهو حديث صحيح.
[ ١ / ٩٥ ]
ينسك عنه فلينسك، عن الغلام شاتان مكافأتان، وعن الجارية شاة " (^١) ولا يختص الاشتقاق بالحقيقة، بل يجري في الحقيقة والمجاز معا، كما أشار إليه ﵀ ﷾ بقوله:
وأطلق في الذي تأصلا
يعني أن الأصل المشتق منه كما يكون حقيقة، يكون مجازا، ومثلوا لذلك بقولك: الحال ناطقة بكذا، أي: دالة عليه، فهو مشتق من النطق بمعنى الدلالة، وهو مجاز، فالنطق حقيقة التكلم.
وفي المعاني والأصول اشترطا … تناسبا بينهما منضبطا
معناه أنه يشترط في الاشتقاق، التناسب بين المشتق والمشتق منه، في المعنى، والحروف الأصلية.
والمراد بالتناسب في الحروف الأصلية: أن تكون موجودة بتمامها في المشتق، بنفس الترتيب الذي هي عليه في المشتق منه.
والمحذوف لعارض يعتبر كالموجود، سواء حذف من المشتق منه الذي هو المصدر كعدة، أو من المشتق، كيعد، وعِدْ - بصيغة الأمر - كما أشار إليه ابن مالك ﵀ ﷾ بقوله:
فا أمر أو مضارع من كوعد … إحذف، وفي كزنة ذاك اطرد
وذلك كالضارب والضرب.
فخرج بالتناسب في المعنى، ما اتفق معناه كعدة ووعد، ومقتل وقتل، على أن مقتلا مصدر لا اسم مصدر.
وجعل من هذا القبيل بعضهم العدل، كعمر وعامر.
وخرج ما اختلف معناه، كالفحم لمحروق الحطب، مع فحم صاحبه إذا أسكته.
وخرج بالتناسب في الحروف الأصلية، ما اتفق معناه واختلفت حروفه، كالمترادف،
_________________
(١) رواه أبو داود، والنسائي، والإمام أحمد، وهو حديث حسن.
[ ١ / ٩٦ ]
كميت وهالك، وما اتفقت حروفه الأصلية مع اختلاف الترتيب فقط، كجبذ وجذب، أو مع اختلاف المعنى أيضا كمِلْح، ولَمْح، وحِلْم، ولَحْم، وحَمْل، ومَحْل.
وأشار بقوله:
لا بد في المشتق من تغيير … محقق، أو كان ذا تقدير
إلى أنه لا بد في القول باشتقاق الكلمة من غيرها، أن يكون بينهما اختلاف، ولو تقديرا، فلو اتفقتا لم يكن للاشتقاق معنى، لأنها عينها.
فالاختلاف الظاهر، كاختلاف الضارب والمضروب عن الضرب، والمقدر كطلبَ: فعل ماض، من طلبٍ مصدرا، قالوا: فتحة اللام في الفعل، غيرها في المصدر، وكضمة النون في جنب مفردا، فهي - كما قالوا - غيرها فيه جمعا.
وشرط الاختلاف في اللفظ، يقتضي أن المنقول ليس من قبيل المشتق، كجمرة علم رجل، وأسد، وأسامة، ونعمان، وهو خلاف ما يقع في عبارة بعض أهل العلم عند الكلام على الأسماء الشرعية، فيقولون في الصوم - مثلا - إنه مشتق من صوم النهار: سكون رياحه ونحو ذلك.
وإن يكن لمبهَم فقد عهد … مطردا، وغيره لا يطرد
معناه أن اشتمال المحل على معنى يناسب اسمه، لا يستلزم جواز إطلاقه في كل موضع وجد فيه ذلك المعنى، فقد تضع العرب ذلك لبعض المواضع المشتملة على المعنى، دون غيره على وجه الخصوص.
فإن علم من استعمالهم ذلك في لفظ لم يتعد به موضعه، وذلك كالقارورة: لوعاء المائع من الزجاج خاصة، وكالدبران: للنجوم المعروفة، وكعيوق: للنجم المعروف، وكالأدهم: للقيد، والأخيل: للطائر المعروف.
وإن علم عدم أخذ المحل قيدا، كان مطردا، كالضارب لكل من وجد منه وصف الضرب، وبهذا احتج من منع ثبوت اللغة بالقياس، لاحتمال أخذ المحل قيدا في الاسم، والله ﷾ أعلم.
ونقل في الحلي هنا عن ولي الدين في النجم الوهاج، أنه قال: اشتقاق الألفاظ بعضها
[ ١ / ٩٧ ]
من بعض اصطلاحي قطعا، ولا يجري فيه الخلاف في وضع اللغة هل هو اصطلاحي أو توقيفي، وقال: إنها مسألة حسنة انتهى
والأوجه أنه إن أراد أن ذلك هو الكثير فمشبه، وإن أراد العموم، فيرده ما جاء في الرحم، ونحوها، والله ﷾ أعلم.
والجبذ والجذب كبير، ويرى … للاكبر الثلم وثلبا من درى
أشار بهذا إلى الاشتقاق الكبير، والاشتقاق الأكبر، واكتفى عن تعريفهما بالمثال، فمثل للكبير بالجبذ والجذب، فهو ما اتفقت فيه الحروف الأصلية مع الاختلاف في الترتيب، والتناسب في المعنى، في الجملة، كجذبه وجبذه.
ومثل للأكبر بالثلم والثلب، فهو ما حصل فيه توافق في بعض الحروف الأصلية، مع تناسب معنوي في الجملة، كالثلم والثلب، والرجم والرقم.
قال في الحلي: وينبغي أن يكون الأصل المشتق منه في الاشتقاق الكبير والأكبر، أكثر اللفظين استعمالا، وإن لم أر من تعرض لذلك اهـ.
وكأن هذا ما أراده في نثر الورود، حيث جعل الجبذ - بتأخير الذال - مشتقا من الجذب - بتقديم الذال - وجعل الثلم - بالميم - مشتقا من الثلب - بالباء ـ.
والمتجه أن المراد أن ما ذكر من التناسب لفظا ومعنى، قرينة على أن أحدهما متفرع عن الآخر، أو أنهما من مادة واحدة، وقد يظهر مع ذلك من القرائن ما يفيد أصلية أحدهما وفرعية الآخر، وقد لا يظهر ذلك، فلا يتأتى الحكم بأصلية أحدهما.
وأما كثرة الاستعمال فهذه قد تعرض للفظ في بعض الأزمنة، ثم ينعكس الحال في أزمنة أخرى، وقد يكون أحد اللفظين لغة جهة، بحيث لا يعرف فيها غيره، والآخر لغة جهة أخرى، والله ﷾ أعلم.
نعم يقال إن المدلولات الحسية، سابقة على المدلولات المعنوية، فإن كان معنى أحدهما محسوسا دون الآخر، أشبه أن يقال: إنه أصل، والله ﷾ أعلم.
هذا والمراد بالمناسبة في المعنى في الاشتقاق الصغير: الموافقة خاصة.
وفي غيره: ما يعم الموافقة والمشابهة.
[ ١ / ٩٨ ]
فالموافقة في الكبير كمثال الناظم ﵀ ﷾ والمشابهة فيه: ككنى وناك. والموافقة في الأكبر: كهدم وهذم، والمشابهة فيه: كمثال الناظم ﵀ ﷾ والله ﷾ أعلم.
والاعجمي فيه الاشتقاق … كجبراءيل قاله الحذاق
معناه أن الأسماء العجمية يقع فيها الاشتقاق، وعزاه في نشر البنود للأصفهاني - رحمهما الله ﷾ وذكر أنه احتج به بما جاء أن اسم جبريل - على نبينا وعليه أفضل الصلاة وأتم التسليم - مشتق من الجبروت.
وذكر في الحلي أن الذي ذكره الأصبهاني إنما هو منع ذلك، جاعلا الاشتقاق من خصائص العربية.
والخبر الذي ذكر لم أقف على ذكره في شيء من كتب التخريج.
والمعنى الذي ذكر الشيخ ﵀ ﷾ صحيح، فوجود أصول عربية في بعض لغات العجم، أمر معلوم اليوم، كما أن وجود أصول أعجمية في العربية معلوم أيضا، واشتراك أسماء متعددة متقاربة في المعنى في حروف معينة، معروف أيضا في ألسنة العجم، والله ﷾ أعلم.
كذا اشتقاق الجمع مما أفردا … ونفي شرط مصدر قد عهدا
معنى أول الشطرين، أن الجمع مشتق من المفرد، وكذلك المثنى، فرجلان مشتق من رجل، وكذلك رجال، وكذلك المنسوب كقرشي، والمصغر كفليس، وعلى هذا فالحرف يشتق منه، لجواز النسبة إليه، كما هو قول ابن مالك ﵀ ﷾:
وضاعف الثاني من ثنائي … ثانيه ذو لين، كلا ولائي
ومعنى الشطر الثاني، أن الاشتقاق لا يشترط فيه وجود مصدر بالفعل، ولا استعماله، فقد يشتق من مصدر مقدر.
قال في النشر: فالجمود لا ينافي الاشتقاق، وذكر أن نحو عسى، وليس، من الأفعال التي ليست متصرفة، مشتق، وظاهره قصد العموم، والمتجه أن ذلك يتوقف على استقراء. وأما اجتماع عدم التصرف مع الاشتقاق فبين جدا، ومن أمثلته قول ابن مالك ﵀
[ ١ / ٩٩ ]
﷾:
فعلان غير متصرفين … نعم وبئس رافعان اسمين
واشتقاق الفعل في الموضعين من الظهور بمكان، والله ﷾ أعلم.
ومقتضى ما ذكروا هنا أنه لا بد في الاشتقاق من مصدر، وانظره مع ما تقدم في اشتقاق المفرد من الجمع، واشتقاق الحروف، والله ﷾ أعلم.
وعند فقد الوصف لا يشتق … وأعوز المعتزليَّ الحقُّ
معنى أول شطري البيت، أنه يشترط في اشتقاق الاسم من الوصف، قيام ذلك الوصف بالمشتق له، فلا يجوز اشتقاق اسم العالم - مثلا - لمن لم يقم به وصف العلم.
واحترز الشيخ ﵀ ﷾ بالوصف، عن الذوات، فاشتقاق الاسم منها، يكفي فيه الارتباط بها ارتباطا يصحح النسبة إليها، وذلك كبقال لصاحب البقول، وبزاز لصاحب البز، وتامر لصاحب التمر، ولابن لصاحب اللبن، قال ابن مالك ﵀ ﷾:
ومع فاعل وفَعَّال فَعِل … في نسب أغنى عن اليا فقبل
وقوله: وأعوز المعتزلي الحق، أشار به إلى مذهب المعتزلة في صفات المعاني، حيث قالوا إن الله ﷾ قادر من غير قدرة قامت به، عالم من غير علم قام به، وهكذا، فأثبتوا الاسم مع نفي الصفة المشتق منها، وأعوزه الشيء احتاج إليه، قال في النشر: يعني أن المعتزلة خالفوا منهج الصواب، المحتاج إلى اتباعه.
وحيث ما ذو الاسم قام قد وجب
المراد بذي الاسم: المعنى الذي وضعت له العرب اسما مطردا.
والمعنى أن الوصف الذي وضعت له العرب اسما باطراد، إذا قام بموضع ثبت له اسم منه، وذلك كوصف البياض، فكل موضع قام به هذا المعنى، ثبت له - لقيامه به - اسم أبيض، أو بيضاء في التأنيث.
واختلف هل يكفي في إطلاق الاسم عليه - على وجه الحقيقة - مجرد حصول اتصافه به، ولو زال، فالمتصف بالبياض، إذا فارقه وصف البياض، يبقى إطلاق الأبيض عليه
[ ١ / ١٠٠ ]
حقيقة، أو لا يكفي ذلك؟
فيشترط في كون إطلاقه عليه حقيقة، بقاء المعنى قائما به، فإذا خلا من المعنى، فإطلاق الاسم المشتق منه عليه مجاز، وهو قول الجمهور، والأول لابن سينا، وبعض المعتزلة.
وفرق قوم بين ما إذا طرأ على المحل وصف وجودي مناقض، فيمتنع الاشتقاق بإجماع المسلمين وأهل اللسان، كالقائم يجلس، فلا يجوز أن يشتق له اسم من القيام، إلا على وجه المجاز، باعتبار ما كان، كقوله ﷾ جل من قائل: (فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن)
ويحترز بالضد الوجودي، عن الضد العدمي، الذي هو عدم الوصف، وإلى هذا أشار الناظم ﵀ ﷾ بقوله:
وفرعه إلى الحقيقة انتسب
لدى بقاء الاصل في المحل … بحسب الإمكان عند الجل
ثالثها الإجماع حيث ما طرا … على المحل ما مناقضا يرى
وقوله: بحسب الإمكان، أشار به إلى أن قيام الوصف بالمشتق له، المشترط في الاشتقاق، إنما هو بحسب الإمكان، فهو في المصادر السيالة، كالكلام على ما يقتضي العرف أن صاحبه لم ينزع عنه، لأنها لا تقوم بالمحل جملة، وإنما تقع على الترتيب، شيئا فشيئا.
عليه يُبنى من رمى المطلقه … فبعضهم نفى وبعض حققه
معناه أنه ينبني على الاختلاف المذكور: الاختلاف في من قذف مبانته، هل يلاعنها، كما لو قذفها قبل أن يطلقها، أو يحد حد القذف، ولا يمكن من اللعان، كما لو قذف من لم يتزوج بها أصلا، أو يفرق بين ما إذا تزوجت بعد طلاقه إياها زوجا آخر، فيحد كالأجنبي، وما إذا لم تتزوج بعده فيلاعن، كالزوجة التي لم تطلق؟
وبيان ذلك أن الله ﷾ قضى في قذف الزوج باللعان، إذا لم يأت على ذلك بالبينة، وذلك حيث قال ﷾ جل من قائل: (والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم) الآية الكريمة، وأوجب في قذف الأجنبي الجلد، حيث لم يأت
[ ١ / ١٠١ ]
على ذلك بالبينة، وذلك حيث قال ﷾ جل من قائل: (والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة) الآية الكريمة، فمن صدق عنده اسم الزوج حقيقة على المطلق طلاقا بائنا، قضى باللعان، ومن لم ير ذلك أوجب الحد، والله ﷾ أعلم.
ونسب في النشر القول بالتفصيل لابن المواز، وذكر في الحلي أن المنسوب في كتب المذهب لابن المواز ﵀ ﷾ هو القول بالحد مطلقا، والله ﷾ أعلم.
والبحوث التي نقل بعض الشروح هنا عن القرافي وغيره في حديث " البيعان بالخيار " (^١) لينة جدا.
فالنظر في الحديث بالقواعد التي ذكر، مفض إلى إبطال دلالة الحكم المنوط باسم الفاعل، فهذه البحوث واردة في مثل آية (الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة) الآية الكريمة.
فالنظر بهذه القواعد يقتضي اختصاص الأمر بالجلد بحالة الإيلاج، لأنه إذا نزع فقد انقطع صدق اسم الزاني عليه حقيقة، كما في القاعدة الأولى.
وصدق اسم الزاني عليه، هو علة الأمر بجلده، كما في القاعدة الثانية.
فيسقط عنه الحد للقاعدة الثالثة، وهو أن عدم العلة، علة لعدم المعلول.
وهكذا في السارق، والقاذف، وغيرهما.
وبطلان هذا، ومخالفته للإجماع من الظهور بمكان.
وسيأتي للقرافي ﵀ ﷾ في المسألة الموالية نقل الإجماع على أن الإطلاق في ذلك حقيقة، لا مجاز.
وهي عين مسألة الحديث الشريف.
ولا يخفاك أيضا الإجماع على عدم توقف الحكم في ذلك على كون الإطلاق حقيقة،
_________________
(١) متفق عليه.
[ ١ / ١٠٢ ]
فالجلد مأمور به إجماعا في من زنى، سواء قلنا إن استعمال الزاني فيه حقيقة أو مجاز. ومقتضى إطلاق القاعدة الأولى - وهو أيضا صريح إيرادها على الحديث الشريف المذكور - امتناع الحمل على المجاز، وإن قامت قرينة على إرادته، كما في الحديث الشريف " ما لم يتفرقا " ورد ذلك أظهر من أن يذكر، والله ﷾ أعلم.
وأما ما نقل عن بعض أرباب الحواشي من انبناء الخلاف في الرجوع في السلعة إذا فلس المشتري أو مات على هذا الأصل، وأن المالكية خالفوا أصلهم هنا فهو غير بين، فاعتقاد المجازية في ذلك لا يمنع من الحمل عليه، خاصة مع انتصاب القرينة على إرادته، والتصريح به في بعض الروايات، فحمله على البائع لا يستلزم القول بكونه حقيقة فيه.
وأما مذهب المالكية فأصله ما رواه مالك ﵀ ﷾ في موطئه عن ابن شهاب عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، أن رسول الله - صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم - قال: " أيما رجل باع متاعا، فأفلس الذي ابتاعه منه، ولم يقبض الذي باعه من ثمنه شيئا، فوجده بعينه، فهو أحق به، وإن مات الذي ابتاعه، فصاحب المتاع فيه أسوة الغرماء "
فما كسارق لدى المؤسس … حقيقة في حالة التلبس
أو حالة النطق بما جا مسندا … وغيره العموم فيه قد بدا
أشار بهذا إلى ما أجيب به عن الاشكال الذي أورده القرافي ﵀ ﷾ على استلزام ما تقدم من أن إطلاق المشتق إنما يكون حقيقة ما دام المعنى قائما بالمشتق له، كون إطلاق اسم السارق مثلا على من لم يقم به وصف السرقة حال الإطلاق، مجاز، فيكون تناول نحو آية (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما) لمن تحصل منه السرقة مجازا، والإجماع على أنه حقيقة.
فمن ذلك ما أجاب به الإمام تقي الدين السبكي وابنه تاج الدين - رحمهما الله ﷾ وهو الذي أشار إليه ﵀ ﷾ بأول البيتين.
فالمراد بالمؤسس فيه: السبكيان.
ومعناه أن المراد بالحال في ما سبق: حال التلبس، لا حال النطق والكلام.
[ ١ / ١٠٣ ]
فإطلاق اسم الفاعل حقيقة في كل ذات قام بها معناه، سواء كان قيام المعنى بها حاصلا وقت النطق به أو لا، فالسارق في الآية الكريمة حقيقة في كل من حصلت منه السرقة وقت نزول الآية، وفي من تحصل منه بعد ذلك، لكن بعد حصولها منه.
وقال الطاهر ابن عاشور ﵀ ﷾ في هذا إنه: يفضي إلى هدم قاعدة الزمان في الفعل الذي حمل عليه اسم الفاعل، إذ الزمان في الفعل هو زمان النطق بلا شك، وإلا لم يتصور ماض ومستقبل أبدا.
وأجاب القرافي ﵀ ﷾ بأن محل التفصيل المذكور إذا كان الوصف محكوما به، كقولك: زيد سارق.
وهو المراد بقوله: أو حالة النطق بما جا مسندا.
فإن كان محكوما عليه، كان الإطلاق حقيقة مطلقا في من حصل منه الاتصاف بذلك المعنى، سواء كان اتصافه به واقعا حال النطق، أو سابقا عليه، ويكون حقيقة في من يتصف به بعد الإطلاق، بعد اتصافه به، لا مطلقا، كما توهمه ابن عبد السلام، كما بينه ابن عرفة - رحمهما الله ﷾ في الجزء الثالث عشر من مختصره الفقهي في رد الاستدلال بآية (ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا) على وجوب التحمل، فلا يرد ما أشار إليه بعضهم، من أن هذا التفصيل يؤدي إلى أمور مخالفة للإجماع.
وإلى هذا أشار ﵀ ﷾ بقوله: وغيره العموم فيه قد بدا.
وذكر بعضهم أن لاسم الفاعل واسم المفعول استعمالين:
أحدهما: إرادة ذات متصفة بالمشتق منه، من غير اعتبار زمان ولا حدوث، فيكون كاسم الجنس، لا دلالة له على الزمان، ويكون حقيقة في كل من اتصف به بعد اتصافه به، سواء كان اتصافه به سابقا على وقت التكلم، أو مصاحبا، أو متأخرا، وهذا هو معناه عند البيانيين.
والثاني: قصد الحدوث، وظاهر أنه لا يكون حقيقة في هذا الاستعمال إلا إذا كان الاتصاف به حاصلا وقت الكلام.
فإن أريد الحدوث، ولم يكن الاتصاف حاصلا وقت الكلام بذلك، كان مجازا باعتبار
[ ١ / ١٠٤ ]
حصوله قبل، أو توقع حصوله.
وإذا كان كذلك، فالمسألة على هذا مختلف فيها بين أهل اللسان.
وعليه فسؤال القرافي ﵀ ﷾ إنما يتوجه على مذهب النحويين خاصة، ولا يتم جوابه إلا على هذه الطريقة خاصة.
وجواب السبكيين - رحمهما الله ﷾ غير بين، فمذهب البلاغيين الذي اختارا ليس فيه نظر إلى الزمان أصلا، وتأويل الحال بحال التلبس لا يستقيم، والمقابلة بالماضي والاستقبال، مانعة منه، كما بينه ابن عاشور ﵀ ﷾ وليس فيه انقسام إلى حقيقة ومجاز بالنسبة لمن حصل له اتصاف بالمعنى في وقت.
وهذا المنقول غير بين أيضا، فالانقسام للحقيقة والمجاز حاصل في الصفة المشبهة أيضا، فلا فرق بين قولك: زيد ضارب عمرا، وقولك: زيد حسن، فإذا لم يكن زيد متصفا بالضاربية أو الحسن في الوقت الذي وصفته فيه بذلك، بل أطلقت عليه الوصفين باعتبار اتصافه بهما سابقا مثلا، كان مجازا.
وما نُسب للنحاة، هو الفرق عندهم بين اسم الفاعل والصفة المشبهة.
فاسم الفاعل هو الدال على الحدوث، وإن جيء به من فعل لازم، ويؤتى به حينئذ على فاعل، كما أشار إليه ابن مالك ﵀ ﷾ بقوله:
وفاعل صالح للكل إن قصد الـ …
_________________
(١) حدوث، نحو غدا ذا جاذل جذلا وما قصد به الثبوت صفة مشبهة لا اسم فاعل، وإن صيغ من فعل متعد، عند من يجيز ذلك. وأما الأصوليون فالمراد عندهم هنا الصفة عموما، والله ﷾ أعلم. والمتجه أن الجواب الأقعد بالقواعد الأصولية: أن الوصف العام - مثلا - لا نظر فيه للوقت، فهو حقيقة في أفراده في كل زمن، بل لا يتأتى فيه النظر إلى الوقت، إذ لم يحكم فيه لذات معينة، حتى ينظر هل هي متصفة بمعناه أو لا. وسيأتي - إن شاء الله ﷾ للشيخ ﵀ ﷾ في العموم، استلزام العموم في الذوات، العموم في الأزمنة، حيث يقول:
[ ١ / ١٠٥ ]
ويلزم العموم في الزمان … والحال للأفراد والمكان
وأما الوصف الخاص فينظر فيه إلى الوقت على التفاصيل المتقدمة.
لأن معناه الإخبار عن فلان - مثلا - أنه متصف به، فإذا لم يكن متصفا به في الوقت الذي حكم له بالاتصاف به فيه، لم يكن حقيقة.
فإذا قلت: زيد صحيح، فإن لم يكن صحيحا في الوقت الذي حكمت له بالصحة فيه، وإنما حكمت له بذلك اعتبارا بالوقت السابق على ذلك، أو توقعا لذلك، بأن يكون قد قارب البرء - مثلا - فهو مجاز، وإن لم يتصف بذلك قبل، ولم يكن يتوقع اتصافه به بعد، أو كان قد اتصف به قبل، أو يتوقع اتصافه به، ووصفته بالصفة لا باعتبار ذلك، كان الكلام المذكور كذبا.
وهذا هو الذي يظهر أنه مراد القرافي ﵀ ﷾ لكن لم يبين وجهه.
نعم الظاهر أن النظر في الوقت، إلى الوقت الذي حكمت بالاتصاف فيه، وقد يكون ذلك وقت الكلام، كما لو قلت: زيد صحيح، أو صحيح الآن، وقد يكون غير وقت الكلام، كما لو قلت - مثلا ـ: زيد صحيح أمس، أو كنت تخبر عن أزمان سالفة، فالنظر في مثل ذلك إلى حاله أمس، أو في الزمن السالف، لا إلى حاله الآن، والله ﷾ أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وصلى الله تعالى وسلم وبارك على سيدنا محمد سيد الأولين والآخرين وعلى آله وصحبه أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.