البيان اسم مصدر بيَّن إذا أظهر، قال البناني: قال العضد - رحمهما الله ﷾: البيان يطلق على فعل المبين، وهو التبيين، كالسلام والكلام للتسليم والتكليم، واشتقاقه من بان إذا ظهر وانفصل، وعلى ما حصل به التبيين، وهو الدليل، وعلى متعلق التبيين ومحله، وهو المدلول، وبالنظر إلى المعاني الثلاثة اختلف تفسير العلماء له، فقال الصيرفي ﵀ ﷾ بالنظر إلى الأول: هو الإخراج من حيز الإشكال، إلى حيز التجلي والوضوح اهـ
وهذا هو ما عقده الشيخ ﵀ ﷾ بقوله:
تصيير مشكل من الجلي
وقال أبو حامد الغزالي ﵀ ﷾: هذا الحد لفرع من البيان، وهو بيان المجمل خاصة، والبيان يكون فيه وفي غيره اهـ
وقال القاضي أبو بكر، وإمام الحرمين، والغزالي، والآمدي، والإمام الرازي ﵏ ﷾ والأكثرون - نظرا إلى الثاني ـ: إنه الدليل.
وقال أبو عبد الله البصري - نظرا إلى الثالث ـ: هو العلم عن الدليل.
وهُو واجب على النبي
إذا أريد فهمه
معناه أن البيان واجب على النبي - صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم - على امتناع
[ ١ / ٢٥٨ ]
التكليف بما لا يطاق، لكن إنما يجب عليه لمن أريد فهمه للمشكل، ليعمل به كأحكام الوضوء، أو يفتي به كأحكام الحيض بالنسبة للرجال.
ويجب على النبي - صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم - بيان ما يتعلق بأحكام الشرع، واجبها، ومندوبها، وحرامها، ومكروهها، ومباحها.
وقال بعض المتكلمين: يجب عليه بيان الواجب، ويستحب له بيان المندوب، ويباح له بيان المباح.
قال ابن القشيري ﵀ ﷾: وهذا خرق للإجماع، لإجماع الأمة على وجوب تبليغ جميع الشرعيات، نقله الزركشي ﵀ ﷾ في البحر.
وهْو بما … من الدليل مطلقا يجلو العمى
معناه أن البيان يكون بكل ما يرتفع به الإشكال، ويتضح به المراد، من قول، أو فعل، أو قرينة عقلية، أو حسية، أو غير ذلك.
أما القول، فلا خلاف في وقوع البيان به، وأما الفعل، فمذهب الجمهور أنه يقع به البيان، كمسحه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم على خفيه.
ومحل الخلاف، حيث لم ينضم إليه قول، كقوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم " صلوا كما رأيتموني أصلي " (^١) وقوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم " خذوا عني مناسككم " (^٢) ومنهم من حكى الاتفاق في البيان بالكتابة والإشارة.
ومن الفعل: الترك، والتقرير.
وبين القاصر من حيث السند … أو الدلالة على ما يعتمد
معناه أنه لا يشترط عند جمهور أهل العلم في المبين - بالكسر - أن يكون مساويا للمبين - بالفتح - في قوة السند، ولا في قوة الدلالة، فيجوز بيان الكتاب الكريم، والسنة المتواترة، بأخبار الآحاد، ويجوز بيان المنطوق بالمفهوم.
وذهب الكرخي ﵀ ﷾ إلى اشتراط المساواة.
_________________
(١) متفق على أصله، واللفظ للبخاري.
(٢) رواه مسلم والنسائي.
[ ١ / ٢٥٩ ]
واختار ابن الحاجب ﵀ ﷾ اشتراط كونه أقوى دلالة من المبين - بالفتح ـ.
واختار الآمدي ﵀ ﷾ التفصيل بين المجمل وغيره، فالمجمل يكفي في تعيين أحد محتملاته أدنى ما يفيد الترجيح، وأما العام والمطلق، فلا بد فيهما من كون المخصص والمقيد أقوى دلالة.
وأوجبنَّ عند بعض عِلما … إذا وجوبُ ذي الخفاء عما
معناه أن منهم من اشترط في المبين - بالكسر - أن يكون قطعيا إذا كان المبين - بالفتح - مما يعم التكليف به، كالطهارة والصلاة، لأن ما كان كذلك، تتوفر الدواعي على نقله تواترا.
وهذا القول لا يختص بالبيان، على ما نقله ابن حزم ﵀ ﷾ في الإحكام عن قوم من الحنفية وقوم من المالكية، فأخبار الآحاد عندهم مطروحة في ما تعم البلوى به.
ونسبه الزركشي ﵀ ﷾ في البحر لأكثر الحنفية وأبي عبد الله البصري وابن خويز الخارجي وابن سريج، وسيأتي الكلام على ذلك - إن شاء الله ﷾ في كتاب السنة.
والقول والفعل إذا توافقا … فانم البيان للذي قد سبقا
وإن يزد فعل فللقول انتسب … والفعل يقتضي بلا قيد طلب
والقول في العكس هو المبيِّن … وفعله التخفيف فيه بيِّن
إذا ورد بعد المجمل قول وفعل، وكان كل منهما صالحا لبيانه، فإما يتوافقا، بأن لا تكون في أحدهما زيادة على الآخر، أو لا، فإن توافقا فإما أن يعلم السابق منهما، أو لا.
فإن علم السابق منهما، فهو المبين، والثاني تأكيد له.
وقيل: إذا كان الفعل أضعف دلالة منه، لم يحمل على تأكيده، إذ يمتنع التأكيد بالأضعف.
وإن لم يعلم السابق منهما، لم يحكم على واحد منهما بأنه المبين، فالمبين هو السابق في نفس الأمر، والثاني تأكيد له.
[ ١ / ٢٦٠ ]
وإن لم يتفقا، بأن زاد أحدهما على الآخر، فالمبين هو القول خاصة، تقدم أو تأخر، وذلك هو قوله ﵀ ﷾: بلا قيد، والنقص الحاصل في الفعل تخفيف خاص به صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم، وإن كان هو الزائد، فالزيادة إما مستحبة مطلقا، أو واجبة في حقه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم خاصة.
وذلك كما لو طاف صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في بيان الحج طوافين، وأمر بواحد، فالطواف الثاني إما مستحب في حقه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وفي حق الأمة، أو واجب يختص وجوبه به صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم.
وأما تمثيل صاحب نثر الورود بالوصال فسهو، كما بينه في الحلي.
تأخر البيان عن وقت العمل … وقوعه عند المجيز ما حصل
تأخيره للاحتياج واقع … وبعضنا هو لذاك مانع
وقيل بالمنع بما كالمطلق … ثم بعكسه لدى البعض انطق
أشار ﵀ ﷾ بأول الأبيات، إلى أن تأخر البيان لمجمل أو ظاهر لم يرد ظاهره، عن وقت العمل، بحيث لا يكون المكلف متمكنا من المعرفة لما تضمنه الخطاب قبل الوقت، ممتنع عند القائلين بمنع التكليف بما لا يطاق، لاستحالة الإتيان بالشيء مع عدم العلم به، جائز عند من أجاز ذلك، إلا أنه لم يقع.
فعدم الوقوع متفق عليه، وإنما الخلاف في الجواز.
وأما تأخيره عن وقت الخطاب بالمبين - بالفتح - إلى وقت العمل، فقد اختلف في جوازه على مذاهب:
أحدها: أنه جائز مطلقا، وواقع، حكاه القاضي عن الإمام مالك - رحمهما الله ﷾ وقال أبو الوليد الباجي ﵀ ﷾: عليه أكثر أصحابنا، وهو مذهب الأكثرين.
قال في الإرشاد: واستدلوا بقوله ﷾ جل من قائل: (فإذا قرأناه فاتبع قرآنه ثم إن علينا بيانه) وثم للتعقيب مع التراخي.
وقوله ﷾ جل من قائل - في قصة سيدنا نوح على نبينا وعليه أفضل الصلاة
[ ١ / ٢٦١ ]
وأتم التسليم -: (وأهلك)
وبقوله ﷾ جل من قائل: (إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم) ثم لما سأل ابن الزبعرى عن عيسى والملائكة - على نبينا وعليهم أفضل الصلاة وأتم التسليم - نزل قوله ﷾ جل من قائل: (إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون) اهـ منه بتصرف.
والثاني: أنه لا يجوز مطلقا، وهو قول المعتزلة، وكثير من الحنفية، وبعص الشافعية، وداود الظاهري، والأبهري - رحمهما الله ﷾.
وإلى هذين القولين أشار ﵀ ﷾ بالبيت الثاني.
والثالث: أنه يمتنع في ما له ظاهر، كالعام، والمطلق، ويجوز في ما لا ظاهر له، كالمجمل، ونسب لأبي الحسين المعتزلي.
والرابع: أنه يمتنع في ما لا ظاهر له، كالمجمل، ويجوز في ما له ظاهر، كالعام، حكاه الماوردي والروياني - رحمهما الله ﷾ وجها لأصحاب الشافعي.
وإلى هذين القولين أشار ﵀ ﷾ بالبيت الثالث.
وقيل غير ذلك، والمعول مذهب الجمهور والله ﷾ أعلم.
وجائز تأخير تبليغ له … ودرء ما يُخشى أبى تعجيله
قوله ﵀ ﷾: وجائز تأخير تبليغ له، معناه أن تأخير النبي - صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم - بلاغ ما أوحي إليه إلى وقت العمل به، جائز، لا فرق في ذلك بين القرآن الكريم وغيره، إذ لا محذور فيه، خلافا لمن قال بعدم جواز ذلك، محتجا بقوله ﷾ جل من قائل: (بلغ ما أنزل إليك من ربك) قالوا: المراد بلغ على الفور، لأن وجوب التبليغ معلوم بالعقل ضرورة، فلا فائدة للأمر به، والوجوب بالعقل مبني على أن العقل يحسن ويقبح، فهو غير مسلم عند الجمهور، وكلام ابن الحاجب والإمام الرازي والآمدي ﵏ ﷾ يقتضي الاتفاق على المنع في القرآن الكريم، للتعبد بتلاوته، فالحاجة إليه حاصلة قبل وقت العمل بمقتضاه، وهو بين، إذ قد ينسخ التعبد بالتلاوة دون الحكم - كما هو معلوم - والله ﷾ أعلم.
[ ١ / ٢٦٢ ]
وأشار ﵀ ﷾ بقوله: ودرء ما يخشى أبى تعجيله، إلى أن تعجيل التبليغ قد يمتنع، وذلك حيث ترتب على التأخير درء فساد، ولهذا المعنى كان صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إذا أراد غزوة ورى بغيرها، وكان يقول: " الحرب خدعة " (^١)
ونسبة الجهل لذي وجود … بما يُخصِّصُ من الموجود
معناه أن تعين البيان قبل وقت الحاجة عليه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لا يقتضي تعين إعلام كل فرد من المكلفين، فإعلام البعض كاف، وعدم علم بعض المكلفين الموجودين حين الخطاب، ببعض الأحكام معروف عن أعيان الصحابة، كما في قصة سيدنا أبي بكر - رضي الله ﷾ عنه - في ميراث الجدة، وقصة سيدنا عمر - رضي الله ﷾ عنه - في مجوس هجر.
وحكي فيه قول بالمنع، والله ﷾ أعلم.