الترادف هو: توالي ألفاظ مفردة، على مسمى واحد، باعتبار معنى واحد، كالبر، والحنطة، والقمح، في الأسماء، وككاد، وأوشك، في الأفعال، ونعم، وأجل، في الحروف. فخرجت دلالة اللفظين - مثلا - على مسمى واحد، لا باعتبار واحد، بل باعتبار صفتين، كالصارم والمهند، أو باعتبار الصفة، وصفة الصفة، كالناطق والفصيح.
وذو الترادف له حصول … وقيل لا ثالثها التفصيل
[ ١ / ١٠٦ ]
معناه أن الترادف واقع في ما ذهب إليه الجمهور، ومن فوائده توسيع دائرة التعبير، وأن أحد اللفظين - مثلا - قد يكون موافقا للقافية، أو الوزن، أو السجعة دون الآخر، وكذلك في الجناس ونحوه من أنواع البديع.
وقد يكون النطق بأحدهما أسهل على شخص، من النطق بالآخر، لعقدة في لسانه. ونفى ثعلب وابن فارس والزجاج وقوعه، وقالوا: ما يظن مترادفا، كالإنسان والبشر، غير مترادف، بل متباين بالصفة، فالأول باعتبار النسيان، أو الأنس، والثاني باعتبار بدو البشرة، ورده ابن قاسم العبادي ﵀ ﷾ بأنا نقطع أن العرب تطلق الإنسان حيث لا يخطر ببالها معنى بدو البشرة، وذلك يقتضي عدم اعتبار ذلك المعنى، وإلا لم يتصور إطلاقهم له واستعماله في معناه من غير ملاحظة ذلك المعنى، مع أنه جزء المعنى على هذا التقدير، ولا يمكن استعمال اللفظ في معناه من غير ملاحظة جزئه، نقله الشيخ ﵀ ﷾ في النشر.
وفصل قوم فأجازوه في اللغة، ومنعوه في الأسماء الشرعية خاصة، معللين بأن علة جوازه الحاجة إليه، في النظم والسجع ونحو ذلك، وذلك منتف في كلام الشارع، وهذا توجيه لين جدا والله ﷾ الموفق للصواب وإليه المرجع والمآب.
وهل يفيد التالي للتأييد
المراد بالتالي: التابع، وهو اللفظ المهمل الذي تذكره العرب بعد لفظ بزنته، تقوية له، كقولهم حسن بسن، وعطشان نطشان، والمراد بالتأييد: التأكيد.
والمعنى أنه اختلف في اللفظ التابع، هل يفيد توكيد متبوعه، وهو المعول، وهو الذي يدل له الاستعمال، أو لا يفيده، نظرا لكونه مهملا.
كالنفي للمجاز بالتوكيد
أشار به إلى الاختلاف في التوكيد هل يرتفع به احتمال قصد المجاز؟ فإذا قلت: جاء زيد نفسه، امتنع أن يكون القصد مجيءَ رسوله، أو كتابه مثلا، كما عند أهل البيان، أو لا يرتفع به ذلك، ولا يزال قصد المجاز محتملا، ونسبه في النشر للقرافي - رحمهما الله ﷾.
[ ١ / ١٠٧ ]
والمتجه أن منه ما هو نص في قصد الحقيقة، نحو جاء زيد نفسه، ومنه ما هو ظاهر في ذلك، ككل، ولذلك أكدت بأجمع، كقوله ﷾: (فسجد الملئكة كلهم أجمعون) والله ﷾ أعلم.
وللرديفين تعاور بدا … إن لم يكن بواحد تُعبدا
وبعضهم نفي الوقوع أبدا … وبعضهم بلغتين قيدا
التعاور: التعاقب، والمراد بهذه المسألة، أنه إذا صح التعبير بأحد المترادفين في موضع، فهل يلزم أن يصح التعبير بمرادفه بدله، لأنهما مترادفان، فإذا صح التعبير في تركيب بكلمة، لزم أن يصح التعبير في موضعها بمرادفها.
فإذا صح مثلا أن تقول: إذا تكلم زيد بكذا، لزم أن يصح أن تقول: إذا نطق زيد بكذا، لأنهما مترادفان، لا زيادة لأحدهما على الآخر.
ولا فرق في هذا من جهة المعنى بين كونهما من لغة واحدة، أو من لغتين.
وقيل: لا يلزم من صحة التعبير بأحدهما في موضع، صحة التعبير بالآخر فيه.
وأما استثناء التعبد، فلا معنى له، لأن المراد لزوم صحة الإبدال، من جهة اتحاد المعنى الوضعي لا الإبدال بالفعل.
وفرق بعض، فأوجب ذلك في اللغة الواحدة، ومنعه في لغتين، كالعربية والفارسية. وما ذكرنا في تفسير المسألة من أن الاختلاف في اللزوم هو الظاهر في المعنى، وهو الذي عبر به طائفة كالفخر الرازي ﵀ ﷾ وغيره، ونص الرازي في المحصول: المسألة الثالثة في أنه هل تجب صحة إقامة كل واحد من المترادفين مقام الآخر أم لا؟
الأظهر في أول النظر ذلك، لأن المترادفين لا بد وأن يفيد كل واحد منهما عين فائدة الآخر، فالمعنى لمَّا صح أن ينضم إلى معنى حين ما يكون مدلولا لأحد اللفظين، لا بد وأن يبقى بتلك الصفة، حال كونه مدلولا للفظ الثاني، لأن صحة الضم من عوارض المعاني، لا من عوارض الألفاظ.
والحق أن ذلك غير واجب، لأن صحة الضم قد تكون من عوارض الألفاظ، لأن المعنى الذي يعبر عنه في العربية بلفظ " من " يعبر عنه في الفارسية بلفظ آخر، فإذا قلت
[ ١ / ١٠٨ ]
خرجت من الدار استقام الكلام، ولو أبدلت صيغة " من " وحدها بمرادفها من الفارسية لم يجز، فهذا الامتناع ما جاء من قبل المعاني، بل من قبل الألفاظ.
وإذا عقل ذلك في لغتين، فلم لا يجوز مثله في لغة واحدة اهـ
وقد عبر طائفة بالجواز لكن الظاهر أن مرادهم ما ذكر من تعين الجواز، لا مطلق الجواز، ولذلك شرح في الإبهاج كلام صاحب المنهاج عليه.
ولفظ المنهاج: الثالثة: اللفظ يقوم بدل مرادفه من لغته، إذ التركيب يتعلق بالمعنى دون اللفظ.
ونص الإبهاج: هل يجب صحة إقامة كل واحد من المترادفين مكان الآخر، فيه ثلاث مذاهب:
أحدها: أنه غير واجب، قال الإمام ﵀ ﷾: وهو الحق.
والثاني: أنه واجب، بمعنى أنه يصح مطلقا، وهو اختيار ابن الحاجب ﵀ ﷾ وقال الإمام: إنه الأظهر في أول النظر.
والثالث - وهو اختيار المصنف وصفي الدين الهندي رحمهما الله ﷾ إن كانا من لغة واحدة صح، وإلا فلا.
أما صحته إذا كانا من لغة واحدة، فلأن المقصود من التركيب إنما هو المعنى، دون اللفظ، فإذا صح المعنى مع أحد اللفظين، وجب أن يصح مع الآخر، لاتحاد معناهما.
وأما عدم صحته إذا كانا من لغتين، فلأن اختلاط اللغتين يستلزم ضم مهمل إلى مستعمل، فإن إحدى اللغتين بالنسبة إلى اللغة الأخرى بمثابة المهمل اهـ
وقد أوقع تعبير بعض أئمة الفن بعبارة غير صريحة - اتكالا على وضوح المعنى بالتعين - في تصور المسألة على غير وجهها، حيث توهم أن المراد: أنه إذا عبر عن معنى بلفظ، امتنع أن يعبر عنه بمرادفه، وتطرقوا للرواية بالمعنى.
وهذا معنى لا يستقيم، فالرواية بالمعنى في كلام الناس ضرورية الجواز، والخلاف في الحديث الشريف لمعنى يختص به، وتكلم المرء بغير لسانه أيضا معلوم الجواز، لا فرق في ذلك بين الألسن المتفرعة عن لسان واحد، والألسن المختلفة والله ﷾ أعلم.
[ ١ / ١٠٩ ]
دخول من عجز في الإحرام … بما به الدخول في الإسلام
أو نية، أو باللسان يقتدي
معناه أنه ينبني على الاختلاف المذكور: الاختلاف في العجمي العاجز عن النطق بالتكبير، كيف يدخل الصلاة؟
فقيل: يدخلها بما دخل به الإسلام، لتضمنه التكبير، وقيل: يدخلها بالنية فقط، وقيل يدخلها بما يرادف التكبير من لسانه.
وكثير من هذه الخلافات التي يبنون على هذه الأصول، يكتفون في بنائها عليها بمجرد القابلية، وهذا أمر قريب إن كان لبيان القاعدة وتوضيحها، وإلا فلا يخلو من إشكال.
ولا يخفى تعذر انبناء القول بدخوله بما دخل به في الإسلام، على مسألة المترادفين، وأيضا قد سبق استثناء الألفاظ التعبدية، وتكبيرة الإحرام منها، ولو كانت غير تعبدية لصح إبدالها بمرادفها من العربية، وقد قال سيدي خليل ﵀ ﷾: وإنما يجزئ ألله أكبر.
ونقل بعض الشروح عن الرجراجي، أنه بنى هذا الخلاف على خلاف آخر، وهو الاختلاف في اشتمال القرآن الكريم على ألفاظ أعجمية، فمن منع ذلك، منع الإحرام بالأعجمي، بل مقتضى ما ذكره منع تسمية الله ﷾ بالعجمية مطلقا، وأغلظ في ذلك كثيرا، بما لا خفاء في غرابته.
ومقتضى ما ساق من علة المانع، جواز الإحرام بالمرادف من العربية، مع أنه بنى الخلاف على ذلك أيضا، وكل ذلك مشكل.
والخلف في التركيب لا في المفرد
تقدم في بيان المسألة، أن المراد، أن الترادف، اختلف هل يستلزم صحة إطلاق كل من الرديفين مكان الآخر، فمتى صح التعبير بأحدهما في موضع، صح التعبير بالآخر، فالترادف تطابق اللفظين على وجه تام، بحيث لا يمكن استعمال أحدهما في تركيب، إلا صح استعمال الآخر فيه، أو الترادف لا يستلزم ذلك، فقد يصح التعبير بأحدهما في موضع، لا يصح فيه التعبير بالآخر، بأن يكون في أحدهما إشعار في تركيب معين، بمعنى لا يشعر به
[ ١ / ١١٠ ]
الآخر فيه.
وأما التعبير في حكاية كلام - مثلا - عن كلمة بمرافها فلا يختلف في جوازه بحسب الأصل، لا لغة ولا شرعا.
وإذا علمت ذلك، فلا داعي لذكر تقييد الخلاف بالتركيب، إذ لا تصور للمسألة إلا في التركيب.
إبدال قرأن بالاعجمي … جوازه ليس بمذهبي
معناه أن إبدال القرآن بالأعجمي، بأن يقرأ مكانه بتفسيره من الفارسية - مثلا - لا يجوز، خلافا للأحناف عند العجز، على تفصيل عنهم في ذلك.
بل لا يجوز عندنا إبداله أصلا لا بالعجمي ولا بالعربي، ونقل بعض الشروح عن الأحناف هنا أصلا غريبا، شديد النكارة.