التقليد في اللغة: جعل قلادة في العنق، ومنه تقليد الهدي.
قال في نثر الورود: فكأن المجتهد جعل الفتوى في عنق السائل، أو أن السائل جعل الأمر في عنق المسؤول، وهذا الأخير معروف في كلام العرب، ومنه قول لقيط الأيادي:
وقلِّدوا أمركم لله دركم … رحْبَ الذراع بأمر الحرب مطلعا
وأشار الشيخ - ﵀ ﷾ - إلى معناه اصطلاحا، بقوله:
هو التزام مذهب الغير بلا … علم دليله الذي تأصلا
والمعنى أن التقليد في اصطلاح الأصوليين، هو التزام مذهب الغير من غير معرفة دليله، وعرفه التاج السبكي - ﵀ ﷾ - في الجمع بقوله: أخذ القول من غير معرفة دليله.
وكتب عليه الشربيني - ﵀ ﷾ - ما نصه: أما الفعل والتقرير فلا يظهر جواز العمل بمجردهما من المجتهد، لجواز سهوه وغفلته.
وإنما يعول على الفعل والتقرير الواقعين من النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - لكن ذلك ليس بتقليد، بل استدلال، وقد تقدم ذلك أول الكتاب.
فإن قلت: قد يقترن التقرير بما يدل على عدم الغفلة والرضا بالفعل.
قلت: يحتمل أنه رضيه لكونه مذهب غيره، وشرط الإنكار أن يكون منكرا عند الفاعل، ولعله قلد الغير تدبر اهـ
ونقل في النشر عن إمام الحرمين - رحمهما الله ﷾ - أنه قال: ينبغي الإتيان، بلفظ يعم القول والفعل اهـ وهو بين.
وأما التقرير فإن أريد التقرير على أنه مذهبه، فواضح، وإن أريد مطلق التقرير، فالأوجه ما قاله الشربيني - ﵀ ﷾ -.
وخرج بقولنا: من غير معرفة دليله، أخذ قول الغير مع معرفة دليله، قال جلال الدين
[ ٢ / ٢٤١ ]
المحلي - ﵀ ﷾ -: فهو اجتهاد وافق اجتهاد القائل، لأن معرفة الدليل إنما تكون للمجتهد، لتوقفها على معرفة سلامته عن المعارض، بناء على وجوب البحث عنه، وهي متوقفة على استقراء الأدلة كلها، ولا يقدر على ذلك إلا المجتهد اهـ
يلزم غير ذي اجتهاد مطلق … وإن مقيدا إذا لم يطق
معناه أن التقليد واجب على من لم يبلغ رتبة الاجتهاد المطلق في ذلك الباب، وإن بلغها في غيره عند من يجيز تجزأ الاجتهاد، واستدل لذلك بقوله ﷾ جل من قائل: (فسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون)
وقيل: إنما يجب تقليده المجتهد، بشرط تبين صحة اجتهاده، ليسلم من لزوم اتباعه في الخطإ الجائز عليه.
قال الشربيني - ﵀ ﷾ -: إن كان المراد أنه يتبين للمقلد، فالخطأ عليه أجوز، أو لمجتهد آخر، فجائز عليه الخطأ أيضا، فإن ألزم ببيان مستنده في معرفة عدم خطئه، تسلسل الأمر اهـ
وقيل: لا يقلد العالم، وإن لم يكن مجتهدا، لأن له صلاحية أخذ الحكم من الدليل في الجملة.
وأجيب بأن المدار في عدم التقليد على الصلاحية الكاملة، إذ بها تؤمن كثرة الأخطاء ويكون الناظر على بصيرة.
وهو للمجتهدين يمتنع … لنظر قد رزقوه متسع
معناه أن المجتهد لا يجوز له تقليد غيره، إجماعا بعد اجتهاده في المسألة، وقبله عند الإمام مالك - ﵀ ﷾ - والاكثرين، لتمكنه من الاجتهاد.
وذهب الإمام أحمد - ﵀ ﷾ - إلى الجواز، لعدم علمه بالحكم حينئذ، وقيل: يجوز للقاضي، وقيل: يجوز له تقليد من هو أعلم منه، دون مساويه، وقيل: يجوز عند ضيق الوقت، لما يسأل عنه، بخلاف ما اتسع وقته، وقيل: يجوز له في ما يخصه، دون ما يفتي به.
وليس في فتواه مفت يتبع … إن لم يضف للدين والعلم الورع
[ ٢ / ٢٤٢ ]
من لم يكن بالعلم والعدل اشتهر … أو حصل القطع فالاستفتا انحظر
معناه أنه لا يجوز اتباع المفتي في فتواه، حتى يجمع بين ثلاث صفات:
أحدها: الدين، وهو امتثال الأوامر واجتناب النواهي.
والثاني: العلم.
والثالث: الورع.
قال في النشر: لعدم الثقة بمن عدمت فيه خصلة من الثلاث اهـ
هذا هو المراد بقوله - ﵀ ﷾ -: وليس في فتواه البيت.
وأشار - ﵀ ﷾ - بالبيت الثاني إلى أن ذلك يشترط أيضا في جواز الاستفتاء، على ما ذكره في النشر، وأصله للقرافي ﵀ ﷾ واشتراط الورع، زيادة على العدالة، مشكل.
فالأبين أن الورع شرط كمال فقط، والله ﷾ أعلم.
قال في النشر: والأصح وجوب البحث عن علمه، وعدالته، وورعه، وقيل: يكفي مجرد اشتهاره بها بين الناس، وإن لم يحصل علم بها أو ظن، والأصح الاكتفاء بظاهر العدالة، وقيل: لا بد من البحث عنها، والاكتفاء بخبر الواحد عن علمه، وعدالته، وورعه، وقيل: لا بد من اثنين.
وفي جواز استفتاء من عُلم علمه، وجهلت عدالته احتمالان، وذكرهما النووي وجهين عند الشافعية.
وعلى الجواز يفرق بأن الناس كلهم عوام إلا القليل، والعلماء كلهم عدول إلا القليل اهـ
وواجب تجديد ذي الرأي النظر … إذا مماثل عرى وما ذكر
للنص مثل ما إذا تجددا … مغيِّرٌ، إلا فلن يجددا
إذا تكررت الواقعة للمجتهد، فإن لم يتذكر مستنده في ما رآه أولا، أو تذكره ولكن تجدد له ما يقتضي الرجوع عن ما ظهر له أولا، وجب عليه تجديد الاجتهاد والنظر في ذلك.
وإن تذكر مستنده أولا، ولم يحدث في رأيه تغير، كان له أن يكتفي باجتهاده السابق،
[ ٢ / ٢٤٣ ]
ولا فرق في ما ذكر بين المجتهد المطلق، والمجتهد المقيد بنوعيه.
وهل يكرر سؤال المجتهد … من عم إن مماثل الفتوى يعد
معناه أنه اختلف في العامي إذا استفتى المجتهد - مطلقا كان أو مقيدا - ثم حدث له مثل تلك الواقعة، هل يلزمه استفتاؤه من جديد، لاحتمال تغير اجتهاده، أو له أن يكتفي بجوابه السابق؟
قال في النشر: تردد فيه ابن القصار من المالكية ﵀ ﷾ وحكى ابن الصلاح ﵀ ﷾ فيه خلافا، ثم قال: الأصح لا يلزمه اهـ
إلى أن قال - ﵀ ﷾ -: ولا تجب إعادة السؤال اتفاقا حيث استند الجواب الأول إلى نص، أو إجماع، إذ لا حاجة إليه حينئذ اهـ
وقال الشربيني - ﵀ ﷾؟: لا يخفى أن التفصيل المتقدم بين ذكر الدليل الأول، وعدمه، مع التجدد، وعدمه، آت هنا أيضا تأمل اهـ
وأما المفتي الذي ليس له اجتهاد، لا مطلق ولا مقيد، فلا تجب إعادة سؤاله إذا تكررت الحادثة، كما قال القرافي - ﵀ ﷾ -.
قال في النشر: لعدم احتمال تغير ما عنده في تلك الحادثة اهـ
وإلى هذا أشار - ﵀ ﷾ - بقوله:
وثانيا ذا النقل صِرفا أهمل
ومقتضى هذا أن غير المجتهد بأنواعه، لا يفتي إلا بعلم، وهو مشكل.
وخيرنْ عند استواء السبل
وزائدا في العلم بعض قدما … وقدم الأورع كل القدما
معناه أن العالم إذا استفتاه العامي في مسألة اختلف فيها أهل العلم على قولين متساويين، أو أقوال متساوية، خيره بين أن يأخذ بأيها شاء.
قال في النشر: وبعضهم يقول: يأخذ العامي بأغلظ الاقوال، لما فيه من الاحتياط اهـ
ومقتضى العلة تقديم الأحوط المساوي، والله ﷾ أعلم.
ومحل ما ذكر حيث استوى أصحاب الأقوال علما وورعا، فإن اختلفوا في العلم مع
[ ٢ / ٢٤٤ ]
الاستواء في الورع، فقيل: يقدم الأعلم، وهو الابين، وقيل لا ترجيح بذلك، وإلى هذا أشار - ﵀ ﷾ - بقوله: وزائدا في العلم بعض قدما.
وإن استووا في العلم مع التفاوت في الورع، قدم الأورع، لسببية الأورعية لزيادة التثبت في الاجتهاد، وإلى هذا أشار - ﵀ ﷾ - ببقية البيت.
ونحو هذا البحث في تقليد العامي لأحد المجتهدين عند مانع تقليد المفضول، - كما سيأتي إن شاء الله ﷾ -.
وانظر ما حكم العالم المذكور إن كان قاضيا، أو محكما.
وجائز تقليد ذي اجتهاد … وهو مفضول بلا استبعاد
مذهب الجمهور جواز تقليد العامي للمجتهد المفضول علما وورعا، مع وجود الفاضل علما وورعا، لوقوعه في زمن الصحابة منتشرا متكررا، من غير نكير، فكان كالإجماع منهم على الجواز، فتقليد العامي أي واحد من مذاهب المجتهدين كاف في براءة ذمته، فهي كلها طرق موصلة إلى الجنة، كما أشار إليه - ﵀ ﷾ - بقوله:
فكل مذهب وسيلة إلى … دار الحبور والقصور جعلا
والحبور: النعيم، والقصور: جمع قصر، والمراد بدارهما الجنة.
وذهب قوم - منهم الإمام أحمد، وابن القصار من المالكية، وابن سريج والغزالي من الشافعية ﵏ ﷾ أجمعين - إلى منع تقليد المفضول، لأن أقوال المجتهدين في حق المقلد كالأدلة، فيجب الأخذ بالراجح منها، وهو قول الفاضل، ويعرفه العامي بالتسامع وغيره، وإليه أشار - ﵀ ﷾ - بقوله:
وموجب تقليد الارجح وجب … لديه بحث عن إمام منتخب
قال التاج السبكي - ﵀ ﷾ -: ثالثها المختار يجوز لمعتقده فاضلا أو مساويا، ومن ثم يجب البحث عن الأرجح، فإن اعتقد رجحان واحد منهم تعين، والراجح علما، فوق الراجح ورعا، على الاصح اهـ
إذا سمعتَ فالإمام مالكُ … صح له الشأو الذي لا يدرك
للأثر الصحيح معْ حسن النظر … في كل فن كالكتاب والأثر
[ ٢ / ٢٤٥ ]
أشار - ﵀ ﷾ - بهذا إلى رجحان مذهب الإمام مالك - ﵀ ﷾ -.
والشأو: الغاية، والمعنى أن الإمام مالكا - ﵀ ﷾ - رزقه الله - ﷾ - نظرا حسنا، وفهما جيدا، في الكتاب والسنة، وما يتفرع عنهما، مع ما جاء في الحديث الشريف " يوشك أن يضرب الناس أكباد الإبل يطلبون العلم فلا يجدون أحدا أعلم من عالم المدينة " (^١) فقد كان أهل العلم يرون أنه المقصود في الحديث.
وبراعته - ﵀ ﷾ - في فهم الشرع في الجملة، بلطف المأخذ، وحسن المنزع، وجودة استخراج المناطات، وقوة المدارك، وغير ذلك، مع شدة التعلق بالسنن، وعمل السلف، كل ذلك مشهور والله ﷾ أعلم.
والخلف في تقليد ميت، وفي … بيع طروس الفقه الان قد نفي
اختلف في تقليد الميت، فذهب الجمهور إلى جوازه، وذهب الإمام الرازي ﵀ سبحانه وتغالى - إلى منعه مطلقا، وقيل: يجوز إن لم يوجد مجتهد حي.
لكن حكى ابن عرفة - ﵀ ﷾ - أن الإجماع اليوم منعقد على جواز تقليد الميت، لفقدان المجتهدين، وإلا تعطلت الأحكام، نقله في النشر، وهو مشكل.
ونقل عن حلولو - رحمهما الله ﷾ - أنه قال: ويجري عندي في هذه المسألة الكلام في بيع كتب الفقه، فإن الخلاف الواقع فيها، إنما هو حيث كان المجتهدون موجودين وأما اليوم فلا يختلف في بيعها، كما صرح به اللخمي - ﵀ ﷾ - قال في تعليل ذلك: وإلا أدى إلى تعطيل الأحكام اهـ
والطروس: جمع طرس - بكسر الطاء - وهو الكتاب.
ولك أن تسأل للتثبت … عن مأخذ المسؤول لا التعنت
ثم عليه غاية البيان … إن لم عذر بالاكتنان
معناه أنه يجوز للعامي، سؤال العالم عن مأخذه في ما أفتاه به، إذا كان ذلك على وجه
_________________
(١) رواه الترمذي وحسنه، ورواه الإمام أحمد، والحاكم في المستدرك، وقال: صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه.
[ ٢ / ٢٤٦ ]
الاسترشاد، لتذعن نفسه وتطمئن، لا إن كان على وجه التعنت والمغالبة والجدال، ويؤمر العالم استحبابا كما صرح به البناني - ﵀ ﷾ - ببيانه له، إن لم يقصر فهمه عنه، وإلا اعتذر له بخفاء المدرك.
يندب للمفتي اطراحه النظر … إلى الحطام جاعل الرضا الوطر
متصفا بحلية الوقار … محاشيا مجالس الأشرار
معناه أنه يندب للمفتي أن يجعل حاجته ومقصده من إفتائه، نيل رضى الله - ﷾ - بإرشاد من يفتيهم، إلى حكم الله - ﷾ - وبيان الشرع لهم في ما ينزل بهم، ولا يجعل تحصيل حطام الدنيا الفانية من مال أو منصب، مطلبا له في ذلك، وأن يلازم السكينة والوقار، ويتجنب مجالس أهل السفه والمجون.
وكذلك كل أصحاب المناصب الدينية من معلم، وإمام، ومحتسب، وغيرهم، وأصل بعض ذلك واجب، والتنزه في ما لا يحرم منه مستحب متأكد الاستحباب.
والارض لا عن قائم مجتهد … تخلو إلى تزلزل القواعد
وهو جائز بحكم العقل … مع احتمال كونه بالنقل
المختار عند قوم - منهم ابن الحاجب - جواز خلو الزمان عقلا وشرعا عن مجتهد، إذ لا موجب لمنعه، والأصل عدمه، بل جاء في الشرع ما ظاهره وقوع الخلو منه كحديث " حتى إذا لم يبق عالما اتخذ الناس رؤوسا جهالا " (^١) الحديث.
ومنع ذلك الحنابلة عقلا، واستدلوا بحديث " لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلم حتى يأتي أمر الله ﷾ وهم كذلك " (^٢) وأجيب بأن هذا أعم من المطلوب، فظهور الحق لا يستلزم الاجتهاد، وعلى تسليم استلزامه لذلك، فليس مقتضيا نفي الجواز، وإنما يقتضي نفي الوقوع.
وعلى الجواز الذي هو قول الأكثر، اختلف هل ثبت أنه يقع، أو لا؟ قال التاج
_________________
(١) متفق عليه.
(٢) رواه مسلم وأبو داوود وابن ماجة والإمام أحمد.
[ ٢ / ٢٤٧ ]
السبكي - ﵀ ﷾ - في الجمع: والمختار أنه لم يثبت وقوعه اهـ
وفهمه بعضهم على أن مراده أن مختاره أنه لم يقع، وليس كذلك، وإنما مراده أنه وإن كان جائزا عقلا لم يثبت أنه سيقع، لتعارض الأحاديث، خلافا لابن الحاجب، القائل بثبوت أنه سيقع، كما بينه الشربيني - ﵀ ﷾ -.
ومقتضى ثاني البيتين أن خلو الزمان عن مجتهد جائز عقلا قطعا، وشرعا على احتمال، ومقتضى أولهما أنه لا يقع، والحكم بأنه لا يقع هو الحكم بالمنع، فإن كان عن عقل، نافى أول شطري البيت الثاني، وإن كان عن شرع، نافى الاحتمال في الشطر الثاني.
وقوله في النشر: يعني أنه لم يقع في الأرض خلو الزمان عن مجتهد اهـ
يريد: ولا يقع، بدليل بقية كلامه.
وإن بقول ذي اجتهاد قد عمل … من عم فالرجوع عنه منحظل
سيأتي الاختلاف في تعين التزام مذهب معين، وأن الأصح وجوبه، وعلى مقابله إذا استفتى العامي - وهو المقصود بقوله ﵀ ﷾: من عم - المجتهد في حادثة، وأفتاه فيها، وعمل بما أفتاه به، ثم حدثت له مرة أخرى، وجب عليه العمل فيها بما أفتاه به، ولا يجوز له الرجوع إلى غيره، لأنه التزم قوله بالعمل به.
ومقتضى هذا أنه قبل العمل، بفتواه بالخيار، وفيه خلاف أشار إليه - ﵀ ﷾ - بقوله:
إلا فهل يلزم أو لا يلزم … إلا إذا شرع أو يلتزم
والمعنى أنه اختلف قبل عمله بقوله، فقيل: لا يجوز له أن يعرض عن فتواه، ويسأل غيره، بل يتعين عليه العمل بمجرد الفتوى، لأنها في حقه كالدليل في حق المجتهدين.
وقيل: لا يلزمه الأخذ بفتواه، إلا إذا شرع في العمل بها، وقيل: لا يلزمه العمل بفتواه إلا أن يلتزم العمل بها، فإن التزم العمل بها، تعينت عليه وإن لم يشرع في العمل.
والمراد بالتزامها: أن يصمم على التمسك بها كما في حاشية العطار - ﵀ ﷾ - وقيل: يلزمه العمل إن وقع في نفسه صحتها.
وقول الشيخ - ﵀ ﷾ -: أو يلتزم، إشارة إلى قول آخر، غير القول
[ ٢ / ٢٤٨ ]
الذي أشار إليه - ﵀ ﷾ - بقوله: إلا الذي شرع.
رجوعه لغيره في آخر … يجوز للإجماع عند الاكثر
معناه أن العامي إذا استفتى مجتهدا في مسألة، وعمل بقوله فيها، ثم حدثت له مسألة أخرى مغايرة لها، جاز له أن يستفتي فيها مجتهدا آخر، وقد حكى القرافي - ﵀ ﷾ - إجماع الصحابة - رضي الله ﷾ عنهم أجمعين - على جواز ذلك، ولم يرتضه ابن عاشور - رحمهما الله ﷾ -.
وقيل: لا يجوز له أن يرجع إلى غيره، لأن ذلك بمثابة التزام مذهبه.
ومال إمام الحرمين - ﵀ ﷾ - إلى الجواز في عصر الصحابة والتابعين - رضي الله ﷾ عنهم أجمعين - ومنعه في الأعصار التي استقرت فيها المذاهب.
وذو التزام مذهب هل ينتقل … أو لا وتفصيل أصح ما نقل
هذا مما ينبني أيضا على الاختلاف في تعين التزام مذهب.
والمعنى أنه - على الأصح من تعين التزام العامي مذهبا - اختلف إذا التزم مذهبا، هل له أن يخرج عنه في بعض المسائل، فقيل: لا يجوز له إذ ليست له أهلية ترجيح، فلا يكون انتقاله لوجه صحيح.
وقيل: يجوز له ذلك، إذ لا يتعين عليه قبل الالتزام، والتزام ما لا يلزم غير ملزم.
وقيل: يجوز في ما لم يعمل به، ويمنع في ما عمل به، وجعله الشيخ - ﵀ ﷾ - الأصح.
ومن أجاز للخروج قيدا … بأنه لا بد أن يعتقدا
فضلا له، وأنه لم يبتدع … بخلف الاجماع وإلا يمتنع
وعدم التقليد في ما لو حكم … قاض به بالنقض حكمه يؤم
معناه أن جواز الخروج في بعض المسائل مقيد بأمور:
منها اعتقاده فضل من يخرج إلى مذهبه.
ومنها كذلك أن لا يجمع بين أكثر من مذهب على وجه يخالف الإجماع، بأن يفضي
[ ٢ / ٢٤٩ ]
تلفيقه إلى صورة لا يقول أحد بجوازها.
قال في النشر: كمن تزوج بغير صداق، ولا ولي، ولا شهود، فإن هذه الصورة لم يقل بجوازها أحد.
ومنها أن لا يكون ما يقلد فيه ينقض فيه حكم الحاكم.
قال في النشر: لأنه إذا لم نقره شرعا، مع تأكده بقضاء القاضي المجتهد، فأولى أن لا نقره إذا لم يتأكد به، وهذا هو المراد بقولهم: يمنع تتبع الرخص اهـ
أما التمذهب بغير الاول … فصنْع غير واحد مبجل
كحجة الإسلام والطحاوي … وابن دقيق العيد ذي الفتاوي
إن ينتقل لغرض صحيح … ككونه سهلا أو الترجيح
معناه أن الانتقال عن المذهب، بحيث يترك تقليده جملة، وينتقل إلى مذهب آخر، كأن يصير مالكيا، بعد ما كان شافعيا، أو بالعكس، جائز، إذا كان لغرض صحيح، ككونه أسهل تحصيلا، وكتبين رجحانه عنده، وكتوطنه أرضا لا يجد فيها متفقها على مذهبه يفتيه في ما ينزل به ونحو ذلك.
وقد حصل من جماعة من العلماء المحققين، عد الشيخ - ﵀ ﷾ - منهم أبا حامد الغزالي - ﵀ ﷾ - وقد نقل في الحلي عن عبد الحي الكتاني - ﵀ ﷾ - أن ذلك وهم، سببه كلام لأبي بكر ابن العربي تعرض فيه لاختيار الغزالي قول الإمام مالك - ﵏ ﷾ أجمعين - في مسألة من مسائل المياه.
وعد منهم أيضا أبا جعفر الطحاوي - ﵀ ﷾ - فقد صعب عليه مذهب الإمام الشافعي فانتقل إلى مذهب الإمام أبي حنيفة - ﵏ ﷾ أجمعين - وتفقه فيه.
وذكر منهم ابن دقيق العيد - ﵀ ﷾ - فقد كان مالكيا ثم تحول شافعيا، وكان يفتي بالمذهبين، وإلى ذلك أشار الشيخ - ﵀ ﷾ - بقوله: ذي الفتاوي.
[ ٢ / ٢٥٠ ]
وذم من نوى الدنا بالقيس … على مهاجر لأم قيس
معناه أن الانتقال المذكور إذا كان بقصد نيل دنيا، كأخذه من أحباس أهل المذهب المنتقل إليه، وهو غير مضطر ممنوع، قياسا على مهاجر أم قيس، وهو رجل خطب امرأة يقال لها أم قيس، فأبت أن تتزوجه حتى يهاجر، فهاجر فتزوجها، فكانوا يسمونه مهاجر أم قيس، ويقال إن ذلك هو سبب حديث " إنما الأعمال بالنية، وإنما لامرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ﷾ ورسوله - صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم - فهجرته إلى الله ﷾ ورسوله - صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم - ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو امرأة يتزوجها، فهجرته إلى ما هاجر إليه " (^١)
وإن عن القصدين قد تجردا … من عم فلتبح له ما قصدا
معناه أن العامي إذا أراد الانتقال من مذهب، إلى مذهب يلازمه، جاز له ذلك إذا لم يكن لغرض دنيوي، وإن لم يكن لغرض ديني.
والمراد العامي الذي ليس بفقيه، فهو كمن أسلم جديدا.
وأما الفقيه، فيكره له أو يمنع، لأنه حصل فقه السابق، فيحتاج إلى زمن طويل لتحصيل المذهب الثاني، قاله السيوطي - ﵀ ﷾ - كذا في النشر.
وأصل هذه المسألة ما ذكره الشعراني ﵀ ﷾ في الميزان - نقلا من خط جلال الدين السيوطي ﵀ ﷾ ونصه:
ورأيت بخط جلال الدين السيوطي ﵀ ﷾ ما نصه - حين سئل عن الانتقال من مذهب إلى آخر ـ:
الذي أقول به، إن للمنتقل أحوالا:
أحدها: أن يكون الحامل له على الانتقال أمرا دنيويا اقتضته الحاجة إلى الرفاهية اللائقة به، كحصول وظيفة، أو مرتب، أو قرب من الملوك، وأكابر الدنيا، فهذا حكمه حكم مهاجر أم قيس، لأنه الأعز من مقاصده.
_________________
(١) متفق عليه.
[ ٢ / ٢٥١ ]
الثاني: أن يكون الحامل له على الانتقال أمرا دنيويا كذلك، لكنه عامي لا يعرف الفقه، وليس له من المذهب سوى الاسم، كغالب المباشرين، وأركان الدولة، وخدامهم، وخدام المدارس، فمثل هذا أمره خفيف إذا انتقل عن مذهبه الذي كان يزعم أنه متقيد به، ولا يبلغ إلى حد التحريم، لأنه إلى الآن عامي لا مذهب له، فهو كمن أسلم جديدا، له التمذهب بأي مذهب شاء من مذاهب الأئمة.
الثالث: أن يكون الحامل له أمرا دنيويا كذلك، ولكنه من القدر الزائد على ما يليق بحاله، وهو فقيه في مذهبه، وأراد الانتقال لغرض الدنيا الذي هو من شهوات نفسه المذمومة، فهذا أمره أشد، وربما وصل إلى حد التحريم، لتلاعبه بالأحكام الشرعية لمجرد غرض الدنيا، مع عدم اعتقاده في صاحب المذهب الأول أنه على كمال هدى من ربه، إذ لو اعتقد أنه على كمال هدى، ما انتقل عن مذهبه.
الرابع: أن يكون انتقاله لغرض ديني، ولكنه كان فقيها في مذهبه، وإنما نتقل لترجيح المذهب الآخر عنده، لما رآه من وضوح أدلته، وقوة مداركه، فهذا إما يجب عليه الانتقال، أو يجوز له كما قاله الرافعي ﵀ ﷾ وقد أقر العلماء من انتقل إلى مذهب الإمام الشافعي ﵀ ﷾ حين قدم مصر، وكانوا خلقا كثيرا، مقلدين للإمام مالك ﵀ ﷾.
الخامس: أن يكون انتقاله لغرض ديني، لكنه كان عاريا من الفقه، وقد اشتغل بمذهبه فلم يحصل منه على شيء، ووجد مذهب غيره أسهل عليه، بحيث يرجو سرعة إدراكه والتفقه فيه، فهذا لا يجب عليه الانتقال قطعا، ويحرم عليه التخلف، لأن تفقه مثله على مذهب إمام من الأئمة الأربعة، خير من الاستمرار على الجهل، لأنه ليس له من التمذهب سوى الاسم، والإقامة على الجهل، نقص عظيم في المؤمن، وقل أن تصح معه عبادة.
قال الجلال السيوطي ﵀ ﷾: وأظن أن هذا هو السبب في تحول الطحاوي ﵀ ﷾ حنفيا، بعد أن كان شافعيا، فإنه كان يقرأ على خاله: الإمام المزني ﵀ ﷾ فتعسر يوما عليه الفهم، فحلف المزني أنه لا يجيء منه شيء، فانتقل إلى مذهب الإمام أبي حنيفة ﵀ ﷾ ففتح الله ـ
[ ٢ / ٢٥٢ ]
﷾ عليه، وصنف كتابا عظيما، شرح فيه المعاني والآثار، وكان يقول: لو عاش خالي، ورآني اليوم، لكفر عن يمينه اهـ
السادس: أن يكون انتقاله لا لغرض ديني، ولا دنيوي، بأن كان مجردا عن القصدين جميعا، فهذا يجوز مثله للعامي، أما الفقيه فيكره له أو يمنع منه، لأنه قد حصل فقه ذلك المذهب الأول، ويحتاج إلى زمن آخر ليحصل فيه فقه المذهب الآخر، فيشغله ذلك عن الأمر الذي هو العمل بما تعلمه قبل ذلك، وقد يموت قبل تحصيل مقصوده من المذهب الآخر، فالأولى لمثل هذا ترك ذلك اهـ
وقد أشار الشيخ ﵀ ﷾ إلى الوجه الرابع والخامس، بقوله: إن ينتقل لغرض البيت.
وأشار ﵀ ﷾ إلى الوجه السادس بقوله: وإن عن القصدين البيت.
وأشار إلى الأوجه الثلاثة الأخرى بقوله: وذم من نوى الدنا البيت.
ثم التزام مذهب قد ذكرا … صحة فرضه على من قصرا
معناه أن الأصح أن من لم يبلغ رتبة الاجتهاد المطلق، يجب عليه التزام مذهب معين، وقيل: لا يجب.
والمجمع اليوم عليه الاربعه … وقفو غيرها الجميع منعه
معناه أن الإجماع وقع أخيرا على وجوب تقليد المذاهب الأربعة المعروفة، ومنع اتباع غيرها من القرن الثامن الذي انقرض فيه مذهب داوود - ﵀ ﷾ -.
وإنما تعين اتباع هذه الأربعة كما قال الحطاب - ﵀ ﷾ - لأنها انتشرت حتى ظهر فيها تقييد مطلقها، وتخصيص عامها، وشروط فروعها، فإذا أطلقوا حكما في موضع، وجد مكملا في موضع آخر، وأما غيرهم فتنقل عنهم الفتاوى مجردة، فلعل لها مكملا، أو مقيدا، أو مخصصا، لو انضبط كلام قائله لظهر، فيصير في تقليده على غير ثقة اهـ
حتى يجيء الفاطمي المجدد … دين الهدى لأنه مجتهد
معناه أنه إذا جاء المهدي المنتظر، جاز لمن تمذهب بمذهب من المذاهب الأربعة، أن
[ ٢ / ٢٥٣ ]
ينتقل عنه إلى تقليده، لأنه مجتهد.
وليس في كلام الشيخ - ﵀ ﷾ - امتناع وجود مجتهد قبل ظهور المهدي المنتظر.
ولعل وجه منع الانتقال المذكور، عدم الجزم بحصول أهلية الاجتهاد في الأزمنة المتأخرة، والجزم بأهلية سيدنا المهدي المنتظر، والله ﷾ أعلم.
والفاطمي: نسبة إلى سيدتنا وبضعة نبينا - صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ـ: فاطمة الزهراء - رضي الله ﷾ وعنها ـ.
أنهيت ما جمعه اجتهادي … وضربي الاغوارَ مع الأنجاد
مما أفادنيه درس البرره … مما انطوت عليه كتب المهره
كالشرح للتنقيح والتنقيح … والجمع والآيات والتلويح
مطالعا لابن حلولو اللامعا … مع حواش تعجب المطالعا
الأغوار: جمع غور، وهو ما انخفض من الأرض، والانجاد: جمع نجد، وهو ما ارتفع منها، والبررة: جمع بار، والمهرة: جمع ماهر، والتنقيح: المراد به تنقيح شهاب الدين القرافي - ﵀ ﷾ - والمراد بشرحه: شرحه لمؤلفه، والمراد بالجمع: جمع الجوامع لتاج الدين السبكي - ﵀ ﷾ - وبالآيات: الآيات البينات للعبادي على شرح جلال الدين المحلي لجمع الجوامع - ﵏ ﷾ أجمعين - وبالتلويح: التلويح لسعد الدين التفتازاني على التنقيح لصدر الشريعة الحنفي - رحمهما الله ﷾ - وباللامع: الضياء اللامع على جمع الجوامع لابن حلولو - رحمهما الله ﷾ - وبالحواشي: حواشي جمع الجوامع، كحواشي ابن أبي شريف، وحواشي شيخ الإسلام زكريا الأنصاري، وحواشي ناصر الدين اللقاني، وحواشي شهاب الدين عميرة ﵏ ﷾ أجمعين ـ.
فالحمد لله العلي المجزل … المانح الفضل لنا المكمل
لنعم عنها يكل العد … لو كان من في الارض لي يمد
ثم صلاة الله والسلام … على الذي انجلى به الظلام
[ ٢ / ٢٥٤ ]
محمد الذي سما فوق السما … وأهله من بعد الأرض سما
أسأله الحسنى وزيدا والرضى … واللطف بي في كل أمر قد قضى
المجزل: اسم فاعل من أجزل العطاء، إذا أكثره، ويكل: مضارع كل إذا قصر، وفتر، ويمد: مضارع أمده إذا أعانه، والحسنى: الجنة، والزيد: النظر إلى وجهه الكريم ﷾.
والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وصلى الله تعالى، وسلم، وبارك، على سيدنا وشفيعنا محمد سيد الأولين والآخرين، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.
وقد وافق الفراغ من هذا التعليق الميمون عشية يوم الجمعة المبارك الرابع والعشرين من شهر رجب المحرم من سنة ١٤٤٣ من هجرة سيدنا محمد المصطفى صلى الله تعالى عليه وسلم الموافق لثلاث بقين من شباط، سنة اثنتين وعشرين بعد الألفين، بمحروسة كيف، والحمد لله رب العالمين الذي بنعمته تتم الصالحات وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.
[ ٢ / ٢٥٥ ]