قال في النشر: الحقيقة من حق الشيء يحق بالكسر والضم، بمعنى: ثبت، ووجب، فهي فعيل بمعنى فاعل، أو بمعنى مفعول، من حققته: أثبته، نقل إلى الكلمة الثابتة - أو المثبتة - في مكانها الأصلي، والتاء في الحقيقة عند صاحب المفتاح للتأنيث، وعند الجمهور للنقل من الوصفية إلى الاسمية، فهي علامة للفرعية، كما أن المؤنث فرع المذكر اهـ
والحقيقة هي: اللفظ المستعمل في ما وضع له، في اصطلاح التخاطب.
فخرج باللفظ: غيره من الدوال.
وخرج بقولنا: المستعمل في ما وضع له: اللفظ المستعمل في غير ما وضع له، كاستعمال الحمار في البليد، فهو مجاز.
وخرج بقولنا: في اصطلاح التخاطب: اللفظ المستعمل في ما وضع له في غير اصطلاح التخاطب، كإطلاق الصلاة في الدعاء، إذا كان التخاطب باصطلاح الشرع. وتنقسم الحقيقة إلى لغوية، وعرفية، وشرعية، ولا خلاف في ثبوت اللغوية والعرفية.
واختلف في ثبوت الشرعية، والمراد بها: اللفظ المستعمل في ما وضع له بوضع الشارع، لا بوضع أهل الشرع، والمعول ثبوتها، وذلك كالصلاة الموضوعة شرعا للأذكار والأفعال المخصوصة على النظام المخصوص، والصوم الموضوع شرعا لإمساك مخصوص، في وقت مخصوص، عن أشياء مخصوصة.
وقال المانعون: إن هذه الألفاظ مستعملة في معانيها اللغوية، لكن اشترط الشرع فيها شروطا.
ورد بالإجماع على ركنية الركوع، والسجود - مثلا - في الصلاة.
وبأن ما ذكر يستلزم جعل الأكثر شروطا، والأقل مشروطا، وهو خلاف المعهود. وتنقسم الحقيقة الشرعية إلى منقولة ومرتجلة.
فالمنقولة هي: التي سبق لها استعمال، كالصلاة، والزكاة، والحج.
والمرتجلة هي: التي لم يسبق لها استعمال.
[ ١ / ١١٤ ]
ومثل لها بعض شروح المراقي بالحروف المقطعة في أوائل السور، عند من جعلها أسماء للسور، أو أسماء للقرآن.
والأوجه أنها على القول بذلك، حقيقة شرعية منقولة، لا مرتجلة، فهي كالصلاة، سواء.
فهذه الألفاظ معروفة قبل التسمية، لبعض ما جعلت اسما له.
والتسمية بها شبيهة بالتسمية بالبقرة، وآل عمران.
ومنهم من نفى المرتجلة خاصة، وهو أمر موقوف على الاستقراء.
نعم حكي عن بعضهم أنه قال بابتداء الحقائق الشرعية كلها، وأن التسمية بها لم تقع للمناسبة بين معانيها المعروفة عند العرب، وبين مسمياتها الشرعية، وعليه فالحقائق الشرعية ليس فيها ما هو منقول أصلا، وليس ببين، والله ﷾ أعلم.
والخلف في الجواز والوقوع … لها من المأثور والمسموع
أشار بهذا إلى ما أسلفنا من الاختلاف في جواز الحقيقة الشرعية، وإلى اختلاف القائلين بجوازها في وقوعها.
والمعول أنها جائزة، وواقعة، كما تقدم تمثيله.
وحجته تبادر المعنى الشرعي عند الإطلاق في الشرع، كحديث " الصوم جنة " (^١) " والصلاة نور " (^٢) والتبادر هو برهان الحقيقة.
واحتج المانع بأن بين المعاني والألفاظ مناسبة مانعة من النقل.
ويلزم القائل به نفي الحقيقة العرفية أيضا.
وهذا القول منسوب للمعتزلة، والقول بالجواز مع عدم الوقوع منسوب للقاضي أبي بكر، وابن القشيري - رحمهما الله ﷾ وآخرين.
وما أفاد لاسمه النبي … لا الوضع مطلقا هو الشرعي
صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم.
_________________
(١) رواه الترمذي، والنسائي، وابن ماجة، والدارمي، والإمام أحمد، وهو حديث صحيح.
(٢) رواه مسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجة، والدارمي، والإمام أحمد.
[ ١ / ١١٥ ]
أراد بهذا ما أسلفنا من أن الحقيقة الشرعية، هي اللفظ الذي استفيد من الشرع وضعه للمعنى، وإن كان ظاهر اللفظ أن المراد المسمى، وذلك كالصلاة، فاسميتها للعمل المخصوص، المركب من التكبير، والقراءة، والركوع، والسجود وغيرها، لم تعلم إلا من الشرع، وهكذا.
والحقيقة العرفية هي: اللفظ الذي نقله العرف إلى بعض ما وضع له لغة.
وينقسم إلى عام، وهو ما لا ينسب لمعين، كالعرف في بعض البلاد باختصاص الدابة بالحمار.
وخاص، وهو ما ينسب لمعين، كعرف النحاة في الفاعل والمفعول.
وربما أطلق في المأذون … كالشرب والعشاء والعيدين
أشار بهذا إلى أن لفظ الشرعي، يطلق في غير المنهي عنه، وهو المباح، ومثل له بالشرب، كشرب الحائض في رمضان، والمندوب، ومثل له بالعيدين، فيقال: صلاة العيدين مشروعة، والواجب، ومثل له بصلاة العشاء، فيقال: صلاة العشاء مشروعة.