المجاز: مفعل للمكان من جاز جوازا، إذا مر، وهو في الاصطلاح: اللفظ المستعمل في غير ما وضع له، في اصطلاح التخاطب لعلاقة بين المعنيين، مع قرينة صارفة عن إرادة معناه الحقيقي، وهو أنواع:
نوع مجمع على جوازه.
ونوع مجمع على منعه.
ونوع مختلف فيه.
أما المجمع على جوازه، فهو ما كان المحمل فيه متحدا، بحيث لا يمكن قصد غير المراد، وكانت العلاقة فيه بين المعنى الأصلي، والمعنى المراد ظاهرة، وذلك كقولك: رأيت أسدا يرمي.
فالمقصود بالأسد هنا: الرجل الشجاع، ولا يحتمل غيره، والعلاقة بين المعنى الموضوع له
[ ١ / ١١٦ ]
الذي هو السبع، والمعنى المقصود الذي هو الرجل الشجاع - وهي الشجاعة - ظاهرة ..
وما حكي من الخلاف في هذا النوع، ضعيف بين الضعف، فليس بحيث يعتد به.
وما عول عليه في نثر الورود من منعه في القرآن الكريم، بحجة جواز نفيه، ليس بشيء، فنفيه إنما يكون باعتبار معنى غير المعنى المراد، وليس فيه محذور، وقد تنفى الحقيقة ليدل على أبلغية المعنى المجازي في المعنى الذي وضع له لفظها، كما في آية (فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور) وكما في حديث " ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب " (^١) وحديث " أتدرون من المفلس؟ (^٢) وغيرهما كثير. … وأما المجمع على منعه، فهو ما لا يفيد المقصود، لكونه معقدا، بأن يقصد المتكلم باللفظ لازما من لوازم المعنى الأصلي لا يقصد به عادة، فيتعذر الانتقال من المعنى الأصلي إليه، لعدم عهد اتخاذه واسطة في الإطلاق، فيترتب على ذلك خفاء المقصود، لخفاء العلاقة، وذلك كأن تقول: زيد حمار، تريد أنه رمادي اللون - مثلا - فالحمار - وإن كان رمادي اللون – إلا أنه إنما تعهد استعارته للرجل بعلاقة البلادة، واستعارته له بعلاقة رمادية اللون غير معهودة.
وأما النوع المختلف فيه، فهو ما تقدم من حمل اللفظ على حقيقته ومجازه، وحمل المشترك على أكثر من معنى.
وإلى هذا أشار الناظم ﵀ ﷾ بقوله:
ومنه جائز، وما قد منعوا … وكل واحد عليه أجمعوا
ما ذا اتحاد فيه جاء المحمل … وللعلاقة ظهور أول
ثانيهما ما ليس بالمفيد … لمنع الانتقال بالتعقيد
ثم قال الناظم ﵀ ﷾:
وحيث ما استحال الاصل ينتقل … إلى المجاز أو لأقرب حصل
معناه أنه إذا امتنع حمل اللفظ على حقيقته عقلا، أو عادة، أو شرعا، حمل على
_________________
(١) متفق عليه.
(٢) رواه مسلم، والترمذي، والإمام أحمد.
[ ١ / ١١٧ ]
مجازه إن كان له مجاز واحد، وإن تعددت مجازاته، حمل على أقربها إلى حقيقته، فالأقرب مع الأبعد كالأقرب مع الحقيقة.
أولها: كما تقدم من قولك: رأيت أسدا يرمي.
والثاني: كقولك: أكل زيد النخلة، فالنخلة حقيقة: الجذع ونحوه مما يعلم أنه لا يؤكل، فيعلم أنه غير مراد، فينتقل إلى المجاز، والمجاز متعدد، إذ يحتمل قصد الثمرة، ويحتمل قصد الثمن، فيصار إلى الأقرب الذي هو أكل الثمرة.
ونقلت عن الشافعية المخالفة في هذا الأصل، ونوزع في ذلك أيضا، والله ﷾ أعلم.
فإذا استوى استعماله في مجازاته فهي مسألة:
وفي المجازين أو المجاز … وضده الإطلاق ذو جواز
والله ﷾ أعلم.
وليس بالغالب في اللغات … والخلف فيه لابن جني آت
معناه أن المجاز ليس غالبا في اللغة على الحقيقة، خلافا لابن جني - ﵀ ﷾ - حيث قال إن استعمال كل لفظ مجازا مقرونا بالقرينة، أكثر من استعماله في حقيقته بالاستقراء، وله وجه.
وظاهر الشيخ ﵀ ﷾ أن مراده باللغات - بالجمع - الألفاظ، لا اللغات بالمعنى المتبادر، والله ﷾ أعلم.
وبعد تخصيص مجاز فيلي … الاضمار، فالنقل على المعول
فالاشتراك، بعده النسخ جرى … لكونه يحتاط فيه أكثرا
قوله: وبعد تخصيص مجاز، أشار به إلى أن التخصيص مقدم على المجاز عند احتمال اللفظ لهما، وذلك لوجهين:
أحدهما: أن اللفظ يبقى في حمله على التخصيص في بعض الحقيقة.
قال في شرح التنقيح: كلفظ المشركين إذا بقي في الحربيين، وخرج غيرهم، والحربيون هم بعض المشركين، فهو مجاز أقرب للحقيقة.
[ ١ / ١١٨ ]
الثاني: أن البعض إذا خرج بالتخصيص، بقي اللفظ مستصحبا في الباقي من غير احتياج إلى قرينة، وهذان الوجهان لا يوجدان في غير التخصيص، قاله القرافي ﵀ ﷾ في شرح التنقيح.
ومثل لاحتمال اللفظ لهما بقوله ﷾: (وأتموا الحج والعمرة لله) قال: يقول الشافعي: الأمر للوجوب، فتجب العمرة.
يقول المالكي: تخصيص النص بالحج والعمرة المشروع فيهما، لأن استعمال الإتمام في الابتداء مجاز اهـ.
وانظر هذا، فحمل الإتمام على المشروع فيه، ليس تخصيصا بالمعنى الاصطلاحي. ومثل له في النشر بقوله ﷾: (ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه) فقال ﵀ ﷾: خص عند الإمام مالك والإمام أبي حنيفة - رحمهما الله ﷾ الناسي للتسمية، فتؤكل ذبيحته، وحمله بعضهم على المجاز، أي: مما لم يذبح اهـ
ويقدم المجاز على الإضمار، لأنه أكثر منه في الكلام، والكثرة تدل على الرجحان، ولأن الإضمار يحتاج إلى ثلاث قرائن:
قرينة تدل على أصل الإضمار.
وقرينة تدل على موضع الإضمار.
وقرينة تدل على نفس المضمر.
بخلاف المجاز، فإنه إنما يحتاج لقرينة واحدة.
وقال الإمام فخر الدين ﵀ ﷾ في المحصول: هما سواء، لأن كل واحد محتاج للقرينة، نقله في شرح التنقيح.
ومثال احتمال اللفظ لهما قوله ﷾: (إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم) الآية الكريمة.
قال في شرح التنقيح: يقول المالكي والشافعي: تقديره إذا قمتم محدثين، ولولا هذا الإضمار، لكان الأمر بالطهارة بعد الصلاة.
يقول السائل: هذا المحذور يزول بجعل القيام مجازا عبر به عن إرادة القيام.
[ ١ / ١١٩ ]
وإذا قدم المجاز على الإضمار، قدم عليه التخصيص، لما سبق من أرجحيته على المجاز.
ويقدم الإضمار على النقل، لما فيه من تغيير الوضع، بخلاف الإضمار.
ومثال تعارضهما: قوله ﷾ جل من قائل: (وحرم الربا)
يقول الحنفي: في الكلام إضمار، والأصل: وحرم أخذ الربا، وهو الزيادة، كما في درهم بدرهمين، فإذا أسقطت الزيادة صح البيع، وارتفع الإثم.
ويقول غيره: الربا وإن كان في الأصل الزيادة، إلا أنه نقل إلى العقد، فهو فاسد، وإن أسقطت الزيادة.
وإذا قدم الإضمار على النقل، قدم عليه ما تقدم أنه مقدم على الإضمار من التخصيص والمجاز.
ويقدم النقل على الاشتراك، لأن اللفظ في النقل لحقيقة واحدة مفردة في جميع الأوقات، والمشترك مشترك في الأوقات كلها.
وقيل: يقدم المشترك، إذ لا نسخ فيه لوضع سابق، ولأنه أكثر في الكلام من المنقول، بل قيل: إن الاشتراك يقدم على الإضمار، لاحتياج الإضمار إلى ثلاث قرائن.
ومثال احتمال الاشتراك والنقل: قوله - صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ـ: " طهر إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرات " (^١) يقول الشافعي: الطهارة في عرف الشرع: منقولة إلى إزالة الحدث أو الخبث، ولا حدث، فيتعين الخبث.
يقول المالكي: الطهارة لفظها مشترك في اللغة بين إزالة الأقذار، والغسل على وجه التقرب إلى الله ﷾ لأنه مستعمل فيهما حقيقة إجماعا، والأصل عدم التغيير.
ويقدم الاشتراك على النسخ، لأن النسخ إبطال للحكم بعد إرادته، فلا يصار إليه ما أمكن البقاء.
_________________
(١) رواه الإمام أحمد بإسناد على شرط الشيخين.
[ ١ / ١٢٠ ]
ومثاله: ما لو قيل في حديث النهي عن أكل كل ذي ناب من السباع، (^١) مع آية الأنعام: إن النهي مشترك بين الحرمة والكراهة، فيكون الجمع بينه وبين الآية الكريمة ممكنا، وإعمال الدليلين أولى من إهمالنا.
بخلاف ما لو قلنا: إن النهي حقيقة في الحرمة خاصة، فيكون ناسخا، وهذا فرض مثال فقط.
ومثل له بعضهم بما لو قال صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم: صلوا وقت كذا، ثم أمر بالطواف في ذلك الوقت، فعلى أن الطواف مشترك بين معناه المعروف، وبين الصلاة، فلا تعارض، وعلى أنه مفرد، يكون الأمر الثاني ناسخا.
أما ما قاله في نثر الورود هنا من أن ذلك لا يتصور إلا في الاشتراك بين معنيين متضادين، فمراده به - على ما يظهر ـ: أن الاشتراك إذا كان بين معنيين متخالفين، لا يقع التقابل بينه وبين النسخ، لعدم التضاد، فنسبة كل من معنييه لمعنى النص المقابل سواء، فالتقابل إنما يقع بينهما إذا كان الاشتراك المحتمل بين معنيين متضادين، لأن معنى اللفظ على تقدير الإفراد، إذا لم يكن ضد معناه الاخر على تقدير الاشتراك، لم يرتفع بالحمل عليه التعارض المقتضي للمصير إلى النسخ.
وهذا غير بين، فإن التعارض المقتضي للقول بالنسخ، يرتفع بالحمل على معنى مخالف، وبيان ذلك بالمثال: أنا لو افترضنا نصا بعدم الاعتداد بالقروء، أمكن الجمع بينه وبين النص الوارد بالاعتداد بالقروء، بحمل القرء على الاشتراك بين معنيين متخالفين، بأن يقال: القرء مشترك بين الشهور مثلا والحيض، والمراد في الإثبات مثلا الحيض، وفي النفي الشهور، وهكذا أيضا إذا حملناه على الاشتراك بين معنيين متضادين، وقلنا المراد في الإثبات أحدهما، وفي النفي غيره، فلا تعارض، فلا نسخ.
وهذا وهم سرى له من تضاد الناسخ والمنسوخ كما ذكره، والتضاد في النسخ لا يستلزم التضاد بين متعلق المنسوخ وبدله.
وأما حمل كلامه على عدم تعدد النص، وأن اللفظ إن حمل على الاشتراك كان ناسخا
_________________
(١) متفق عليه.
[ ١ / ١٢١ ]
لنفسه، فهذا أمر لا يمكن أن يقصده عامي فدم، فكيف بمثل هذا الشيخ الجليل، والله ﷾ أعلم.
وأما ما استشكله من تقديم المجاز على الإضمار، وتقديم الإضمار على النقل، فغير بين، فالمراد بالمجاز ما لا يعم النقل بدليل المقابلة، ووجه الترتيب بينهما، ما تقدم، ووجه تأخير الإضمار ما تقدم أيضا من توقفه على قرائن متعددة، مع أنه أقل في الكلام بكثير من المجاز والنقل.
وأما ما ذكره من أن المجاز نسخ للمعنى الأصلي فليس ببين، بل هو استعمال عارض للفظ في غير حقيقته، والله ﷾ أعلم.
وحيث ما قصد المجاز قد غلب … تعيينه لدى القرافي منتخب
ومذهب النعمان عكس ما مضى … والقول بالإجمال فيه مرتضى
معناه أن اللفظ إذا دار بين الحقيقة المرجوحة، والمجاز الراجح، لغلبة استعمال اللفظ فيه على استعماله في حقيقته، تعين عند أبي يوسف صاحب أبي حنيفة - رحمهما الله ﷾ حمله على المجاز، لرجحانه بغلبة الاستعمال فيه، واختاره القرافي ﵀ ﷾.
وذهب أبو حنيفة ﵀ ﷾ إلى أنه يحمل على حقيقته لأصالتها، ولا يحمل على المجاز إلا بقرينة خاصة أو نية.
وذهب الإمام الرازي والتاج السبكي - رحمهما الله ﷾ إلى أنه يكون مجملا، لترجح كل من وجه.
وانظر نقل القرافي ﵀ ﷾ لهذه المسألة مع قوله في التنقيح: كل مجاز راجح منقول، فمقتضى ذلك أن الدوران بين المجاز الراجح والحقيقة، هو عين الدوران بين الحقائق المختلفة (^١).
_________________
(١) وسيأتي ذلك إن شاء الله ﷾ في قوله ﵀ ﷾: واللفظ محمول على الشرعي … إن لم يكن فمطلق العرفي إلخ.
[ ١ / ١٢٢ ]
وما ذكره من أن كل مجاز راجح منقول، أبين، فأعظم أمارات الحقيقة التبادر، والمعروف في المنقول أيضا بقاء استعماله في المنقول عنه، عكس ما يدعي القائل بالفرق بين المجاز الراجح، والحقيقة العرفية، وذلك كقوله ﷾ جل من قائل: (تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلواتك سكن لهم والله سميع عليم) (^١)
أجمع إن حقيقة تمات … على التقدم له الأثبات
معناه أن حقيقة اللفظ إذا أميتت، بحيث صار لا يستعمل فيها جملة، حمل على مجازه باتفاق، ومثلوا لذلك بالحلف عن الأكل من النخلة، فيحنث بالأكل من ثمرها، فالنخلة لا تستعمل في مثل هذا السياق في حقيقتها التي هي الجذع.
وعلى هذا فالمراد بإماتتها: انتصاب القرينة القاطعة على عدم إرادتها، خلاف ما يتبادر من اللفظ، والله ﷾ أعلم.
والحاصل أن أحوال اللفظ من حيث الحمل على الحقيقة أو المجاز أربعة، لأن الحقيقة إما أن تكون أكثر في الاستعمال، كما هو الأصل أو تكون مساوية، فتقدم على المجاز في الوجهين، حيث لا قرينة على إرادته، أو تكون مرجوحة، وهي مسألة أبي يوسف وأبي حنيفة - رحمهما الله ﷾ أو تكون مماتة فيقدم المجاز قولا واحدا.
وهو حقيقة أو المجاز … وباعتبارين يجي المجاز
معناه أن اللفظ المستعمل في معنى، يكون حقيقة، كالأسد في السبع.
ومجازا، كالأسد في الرجل الشجاع.
وحقيقة ومجازا باعتبارين، كالصلاة فهي حقيقة شرعا في الأفعال المعروفة، مجاز في الدعاء، وهي لغة على عكس ذلك، فهي حقيقة في الدعاء، مجاز في العبادة المخصوصة، ولا يمكن أن يكون حقيقة ومجازا باعتبار واحد، لأنهما وصفان متناقضان.
وحصر اللفظ في ما ذكر بناء على أن الكناية حقيقة، أو مجاز، وأما على القول بكونها واسطة، فلا ينحصر في الثلاثة كما نبه عليه في نثر الورود.
_________________
(١) فقد ذكرت في الآية الكريمة الطهارة والزكاة والصلاة مستعملة - في ما يظهر - في معانيها اللغوية، والله ﷾ أعلم.
[ ١ / ١٢٣ ]
واللفظ محمول على الشرعي … إن لم يكن فمطلق العرفي
فاللغوي على الجلي
اللفظ يحمل على حقيقته في عرف المتكلم به، فإذا قامت القرينة على عدم إرادته، حمل على أقرب حقائقه في غير عرفه، فهو أقرب مجازاته في استعماله.
فإذا كان اللفظ شرعيا، حمل على المعنى الشرعي، فإذا قامت القرينة على عدم إرادته حمل حقيقته العرفية، لأنه أقرب مجازاته، والمراد بالعرف العرف وقت الخطاب، كما سيأتي إن شاء الله ﷾ في مبحث المخصص المنفصل.
وإذا قامت القرينة على عدم إرادته، حمل حقيقته اللغوية.
وقوله: فمطلق العرفي، أشار به إلى أن لا فرق في العرف بين العرف العام، والعرف الخاص، ولا بين العرف القولي والعرف الفعلي، كذا قالوا، ولا معنى لذكر العرف الخاص، فهو عين الشرعي، وسيأتي الكلام - إن شاء الله ﷾ على الحمل على العرف في مبحث المخصص المنفصل.
وقوله: على الجلي، أشار به إلى قول من قال بتقديم الحقيقة اللغوية، على الحقيقة العرفية، وقول من قال بتأخير الحقيقة الشرعية، قال: كما فعل سيدي خليل ﵀ ﷾ في مختصره، إلا أن موضوع كلام سيدي خليل ﵀ ﷾ لفظ المكلف لا اللفظ الشرعي، وقد تكلم على ذلك سيدي كنون ﵀ ﷾.
نعم قول من قال بتقديم الحقيقة الشرعية، في موضوع سيدي خليل ﵀ ﷾ على الحقيقة اللغوية، عند التجرد عن القرائن، أبين، فهي أجرى في كلام عوام المسلمين، أو - على ما أعلم - في بلادنا من الحقيقة اللغوية، والله ﷾ أعلم.
ولم يجب … بحث عن المجاز في الذي انتخب
كذاك ما قابل ذا اعتلال … من التأصل والاستقلال
ومن تأسس عموم وبقا … الافراد والإطلاق مما ينتقى
كذاك ترتيب لإيجاب العمل … بما له الرجحان مما يحتمل
[ ١ / ١٢٤ ]
قوله: ولم يجب بحث عن المجاز فى الذي انتخب، معناه أن المختار جواز حمل اللفظ على معناه الحقيقي، قبل البحث هل هو مستعمل في مجازه أوحقيقته؟
لأن الأصل عدم المجاز بلا قرينة، وقد نسبه في النشر للفهري - رحمهما الله ﷾ قال: وذكر القرافي - رحمهما الله ﷾ أنه لا يصح التمسك بالحقيقة إلا بعد الفحص عن المجاز، كالعام مع المخصص، وكذا كل دليل مع معارضه اهـ.
وقد نقل الغزالي، والآمدي، وابن الحاجب ﵏ ﷾ الإجماع على منع العمل بالعام قبل البحث عن المخصص، واختلفوا في قدر البحث، والأكثرون إلى أن يغلب على الظن عدمه، وقال القاضي أبو بكر الباقلاني ﵀ ﷾ حتى يقطع بذلك، وهو ضعيف، قاله في إرشاد الفحول.
قوله: كذاك ما قابل ذا اعتلال، التشبيه على ما تقدم، من تقديم الشرعي في ألفاظ الشارع، ثم العرفي، ثم اللغوي.
فكما يقدم الشرعي إذا احتمل اللفظ أكثر من معنى، فكذلك يقدم التأصل على الزيادة، إذا كان اللفظ محتملا لهما، عملا بالأصل، وهكذا في بقية المذكورات.
ومثلوا لدوران اللفظ بين احتمال التأكيد، واحتمال الزيادة، بقوله ﷾ جل من قائل: (لا أقسم) فلا، يحتمل أن تكون زائدة، ويحتمل أن تكون نافية، كقول الشاعر:
فلا وأبيك ابنت العامر … يِّ لا يدعي القوم أني أفر
وكذلك يقدم الاستقلال، على الإضمار، ومثلوا لذلك بقوله ﷾ جل من قائل في حد الحرابة: (أن يُقتَّلوا أو يُصلَّبوا) فمن أهل العلم كالشافعية من قال فيه إضمار، والتقدير أن يقتلوا إن قتلوا، أو تقطع أيديهم إن سرقوا.
وقال المالكية: الأصل عدم الإضمار، فيخير السلطان بين هذه الخلال، بحسب اجتهاده، وذلك بحسب حال المحارب، وما تقتضيه المصلحة فيه.
ويقدم التأسيس على التأكيد، ومثلوا لذلك بقوله ﷾ جل من قائل: (ويل يومئذ للمكذبين) المتكرر في سورة المرسلات، فهل يحمل ما بعد أولها على التأكيد له، أو يحمل كل لفظ منها على تكذيب آخر، غير ما قبله.
[ ١ / ١٢٥ ]
ويقدم العموم على الخصوص، ومثلوا له بقوله ﷾ جل من قائل: (وأن تجمعوا بين الأختين) فإنه يحتمل أن يكون عاما في الجمع بالملك والنكاح، وأن يكون خاصا في الجمع بالنكاح.
وما في النشر من التقييد بكون ذلك قبل البحث عن المخصص، يظهر أنه محرف، أو سبق قلم، وأن الأصل، أو المقصود ' بعد البحث عن المخصص ' وذلك لما سبق من حكاية الغزالي، والآمدي، وابن الحاجب ﵏ ﷾ الإجماع على منع العمل بالعام قبل البحث عن المخصص، فحمله على عمومه إنما هو بعد البحث، وعدم ثبوت التخصيص، سواء كان هناك نص آخر يحتمل أن يكون مخصصا، أو احتمل أن يكون المراد به الخصوص، لوروده على سبب معين، أو نحو ذلك، مما يكون معه خصوص العام محتملا.
وما في نثر الورود من استشكال المقابلة، منشؤه توهم اطراد مرجوحية احتمال التخصيص، وليس كذلك، فقد يكون احتماله مساويا لاحتمال العموم، كما يقع في بعض قضايا الأعيان كثيرا، وكما يقع في سياق بعض العمومات، حيث يؤذن إيذانا قويا باختصاص الحكم ببعض أفراد العام، وغير ذلك، وسيأتي الكلام على التخصيص بالسياق والقرائن، في الكلام على العام الوارد على سبب - إن شاء الله ﷾.
وما قيل في العام مع المخصص، يقال أيضا في الحقيقة مع المجاز، والإطلاق مع التقييد، والنسخ مع البقاء، وغيرها، ولا يمكن أن يقال في الاحتمالين المتساويين إنه لا تقابل بينهما، ولا وجه لتخصيص الثلاثة التي خصها بالاستشكال، بل غيرها من المذكورات، أولى بالإشكال، لأنها أندر من الثلاثة بكثير، والله ﷾ أعلم.
وإلى مسألة تقديم العموم أشار الشيخ ﵀ ﷾ بقوله: عموم.
والآية التي مثلوا بها للمسألة، سيأتي أنها مع آية ملك اليمين من العامين الذين بينهما عموم وخصوص، ومثل ذلك لا يصح فيه القول بتقديم العموم، لأن كلا من النصين عام، في صورة التعارض، والله ﷾ أعلم.
ويقدم أيضا البقاء على النسخ، وذلك كقوله ﷾ جل من قائل: (وإذا
[ ١ / ١٢٦ ]
حضر القسمة أولوا القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه) قيل: أمر استحباب للبالغين، وقيل: أمر وجوب كان في صدر الإسلام ثم نسخ، وذلك هو قوله: وبقا.
ويقدم أيضا الإفراد على الاشتراك، ومثلوا لذلك بلفظ النكاح، فقد قيل إنه حقيقة في الوطء، مجاز في العقد الذي هو سببه، وقيل: هو مشترك بينهما.
ويقدم أيضا الإطلاق على التقييد، ومثال ذلك: الصيام في كفارة اليمين، منهم من أوجب متابعته، حملا على كفارتي الظهار والقتل، ومنهم من لم يوجب تتابعه.
والظاهر أن الآية التي مثلوا بها من قبيل العام، (^١) لا من قبيل المطلق، والله ﷾ أعلم.
وإلى هذه المسألة الإشارة بقول الشيخ ﵀ ﷾: والإطلاق.
ويقدم أيضا الترتيب على التقديم والتأخير، ومثلوا لذلك بقوله سبحانه جل من قائل: (والذين يظهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا) الآية الكريمة.
قال في النشر: ظاهرها أن الكفارة لا تجب إلا بالظهار والعود معا، وقيل: فيها تقديم وتأخير، تقديره: والذين يظهرون من نسائهم فتحرير رقبة، ثم يعودون لما قالوا قبل الظهار، سالمين من الإثم بسبب الكفارة، وعلى هذا لا يكون العود شرطا في كفارة الظهار اهـ
والشأن لا يعترض المثال … إذ قد كفى الفرض والاحتمال
وإلا فحمل العود على المجاز أقرب من هذا، والله ﷾ أعلم.
وإن يجي الدليل للخلاف … فقدمنَّه بلا اختلاف
معناه أن محل ما ذكر من تقديم حقيقة اللفظ، التي هي معناه الشرعي، وتقديم التأصل على الزيادة، والاستقلال على الإضمار، والتأسيس على التأكيد، والعموم على التخصيص، والبقاء على النسخ، والإفراد على الاشتراك، والإطلاق على التقييد، والترتيب على التقديم والتأخير، ما لم يقم الدليل على خلاف ذلك، كما هو بين، والله ﷾ أعلم.
وبالتبادر يُرى الأصيل … إن لم يك الدليل لا الدخيل
_________________
(١) يعني قوله ﷾ جل من قائل: (لئن أشركت ليحبطنَّ عملك) الآية الكريمة.
[ ١ / ١٢٧ ]
وعدم النفي والاطراد … إن وُسم اللفظ بالانفراد
أشار بهذا إلى ما يعرف به كون اللفظ حقيقة في المعنى.
فذكر في أول البيتين، أن من علامة كون اللفظ حقيقة في المعنى، تبادره منه إلى أفهام أهل اللغة عند سماعه بدون قرينة، فإن كان المعنى المراد لا يفهم منه إلا بالقرينة، فهو المجاز، وذلك هو قوله: لا الدخيل، فمراده به المجاز.
واعترض على هذه العلامة بالمشترك المستعمل في معنييه، أو معانيه، فإنه لا يتبادر أحدهما، أو أحدها، لولا القرينة المعينة للمراد مع أنه حقيقة.
وأجيب بأنها يتبادر جميعها عند من قال بجواز حمل المشترك على جميع معانيه، ويتبادر أحدها لا بعينه عند من منع من حمله على جميع معانيه، ورد بأن علامة المجاز تصدق حينئذ على المشترك المستعمل في المعين، إذ يتبادر غيره، وهو علامة المجاز مع أنه حقيقة فيه.
ودُفع هذا الرد، بأنه إنما يصح ذلك لو تبادر أحدهما لا بعينه على أنه المراد، واللفظ موضوع للقدر المشترك مستعمل فيه، وأما إذا علم أن المراد أحدهما بعينه - إذ اللفظ يصلح لهما وهو مستعمل في أحدهما ولا يعلمه - فذلك كاف في كون المتبادر غير المجاز، فلا يلزم كونه للمعين مجازا، قاله في إرشاد الفحول.
وأشار بقوله: وعدم النفي، إلى أن من علامات كون اللفظ حقيقة في المعنى، عدم صحة نفيه عنه باعتبار ما في نفس الأمر، فإن صح نفيه عنه في نفس الأمر، فهو مجاز. أولهما: كاستعمال لفظ إنسان في زيد، فهو معنى لا يصح نفيه عنه في نفس الأمر.
والثاني كاستعمال الحمار فيه أيضا، فهو غير حمار في نفس الأمر.
قال في النشر: واعترض على هذه العلامة، بأنه يلزم عليها الدور، لتوقفها على أن المجاز ليس من المعاني الحقيقية، وكونه ليس منها يتوقف على كونه مجازا.
وأجيب بأن المراد صحة النفي بالنسبة إلى من لم يعرف أنه معنى حقيقي لذلك اللفظ اهـ
وأشار بقوله: والاطراد إلخ، إلى أن مما يعرف به أيضا كون اللفظ حقيقة في المعنى، اطراده فيه، بأن يصح إطلاقه في كل المواضع التي يوجد بها ذلك المعنى، مع تعذر العدول
[ ١ / ١٢٨ ]
عنه في بعض أفراد المعنى، إلى تعبير حقيقي، إذا لم يكن مشتركا، وذلك لصحة التعبير بكل من الرديفين مكان الآخر.
وهذا ما لم يمنع من الإطلاق مانع، شرعيا كان أو لغويا.
أولهما: كأسماء الله ﷾ لأنها توقيفية.
والثاني: كالقارورة، لما تقدم من وضعه لمعين.
ومقتضى هذا توقف الاستدلال بهذه العلامة على استقراء الألفاظ الأخرى التي تستعمل في ذلك المعنى، ومعرفة مجازيتها بعدم اطرادها، وهذا يجب أن يكون علامة بانفراده للحقيقة، وإلا لزم أن يكون كل ما يعبر به عن ذلك المعنى مجاز، وهو خلاف الأصل، وإذا كان كذلك لم يكن الاطراد حجة، وقد صرح بعدم حجيته بعضهم.
والضد بالوقف في الاستعمال … وكون الاطلاق على المحال
وواجب القيد وما قد جمعا … مخالف الأصل مجازا سمعا
معناه أن اللفظ يعرف كونه مجازا في المعنى، بتوقف إطلاقه فيه، على إطلاقه في نفس الكلام على معنى آخر، وهو المسمى عند أهل البديع بالمشاكلة، كقوله ﷾ جل من قائل: (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم) فإطلاق الاعتداء في الجزاء، متوقف على إطلاقه في نفس الكلام في الظلم، الذي هو المعنى الحقيقي له، بخلاف إطلاقه في الظلم، فإنه غير متوقف على شيء، وهذا هو المراد بقوله: والضد بالوقف في الاستعمال.
ويعرف أيضا، بكون إطلاق اللفظ فيه إطلاقا في ما يستحيل، لامتناع تعلق المعنى به، كقوله ﷾: (واسأل القرية) فالقرية حقيقة في الأبنية، وسؤالها معلوم الامتناع، إذ لا يسأل من لا يتوقع منه الفهم والإجابة، وذلك قرينة على أن المراد أهلها، وهذا هو المراد بقوله: وكون الاطلاق على المحال.
ويعرف كذلك، بوجوب تقييد اللفظ عند استعماله فيه، كنور العلم، فالانكشاف والاهتداء الحاصل بالعلم، لا يمكن أن يستعمل فيه النور مطلقا، بخلاف النور الحسي، وكظلمة الجهل، وأوار الحرب، وصبح الحقيقة، وإلى هذا أشار بقوله: وواجب القيد.
[ ١ / ١٢٩ ]
ويعرف أيضا، بجمعه في المعنى على غير جمعه في معنى آخر هو فيه حقيقة، لأن ذلك يقتضي أنه لم يوضع للقدر المشترك بينهما، فلزم المجاز أو الاشتراك، والمجاز أرجح من الاشتراك.
قال في النشر: كالأمر بمعنى الفعل مجازا، يجمع على أمور، بخلافه بمعنى القول، فيجمع على أوامر.