المخصص في الحقيقة هو المتكلم، وعرفا: اللفظ المقتضي للتخصيص مثلا. والمخصص المتصل هو ما لا يستقل بنفسه عن العام، بأن يرتبط في دلالته على معناه، بلفظ العام، كالاستثناء مع المستثنى منه.
[ ١ / ٢٢١ ]
الاستثناء
حروف الاستثناء والمضارع … من فعل الاستثنا وما يضارع
معناه أن من المخصص المتصل الاستثناء، وهو إخراج بعض العام بإلا أو غيرها من حروف الاستثناء، وما في معنى ذلك نحو أستثني، وخلا وعدا في النصب بهما.
والظاهر أن في معنى ذلك أخرج، وأستبقي، ونحو ذلك.
وهل يشترط كونه من المتكلم بالعام، فلو قال قائل: قام الرجال، وقال آخر: إلا زيدا، كان لغوا، أو لا يشترط، فيكون قول القائل المذكور استثناء.
والحكم بالنقيض للحكم حصل … لما عليه الحكم قبلُ متصل
وغيره منقطع، ورجحا … جوازه، وهو مجازا وضحا
أشار بهذا إلى أن الاستثناء نوعان:
استثناء متصل، واستثناء منفصل، والمخصص هو المتصل، وهو الحكم بنقيض المحكوم به أولا، لجنس المحكوم عليه، نحو قام القوم إلا زيدا.
فإن كان المحكوم عليه في الاستثناء من غير جنس المحكوم عليه أولا، نحو قام القوم إلا حمارا، أو كان من جنسه، ولم يحكم له بنقيض ما حكم به أولا، كقوله ﷾ جل من قائل: (لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما إلا قيلا سلاما سلاما) فهو استثناء منقطع، قال أبو بكر الصيرفي ﵀ ﷾: يشترط أن يتوهم دخوله في المستثنى منه بوجه ما، وإلا لم يجز، كقوله:
وبلدة ليس بها أنيس … إلا اليعافير وإلا العيس
فاليعافير قد تؤانس، فكأنه قال ليس بها من يؤانس به إلا هذا النوع، قاله في الإرشاد.
وقد ذكر الزركشي ﵀ ﷾ أن من أهل اللغة من أنكره، وأوله تأويلا رده به إلى الجنس، وحينئذ فلا خلاف في المعنى.
وقال العضد ﵀ ﷾: لا نعلم خلافا في صحته لغة، وإلى ذلك
[ ١ / ٢٢٢ ]
الإشارة بقوله ﵀ ﷾: ورجحا جوازه.
وأشار بقوله: وهو مجازا سمعا، إلى أن الاستثناء المنقطع مجاز عند الجمهور، وقيل حقيقة.
واختلف هل محل الخلاف لفظ الاستثناء، وهو للمحلي ﵀ ﷾ وهو الذي في الإرشاد، قال: والثالث أنه لا يسمى استثناء، لا حقيقة ولا مجازا حكاه القاضي في التقريب والماوردي، أو الصيغة كما للتفتازاني، قال: وأما لفظ الاستثناء فحقيقة اصطلاحا في القسمين بلا نزاع.
فلتنم ثوبا بعد ألف درهم … للحذف والمجاز أو للندم
وقيل بالحذف لدى الإقرار … والعقد معنى الواو فيه جار
اختلف إذا قال: له علي ألف درهم إلا ثوبا، فقيل: هو على تقدير محذوف، وأصل الكلام: قيمة ثوب، ليصير الاستثناء متصلا، إذ لا يصار إلى انقطاعه، إلا مع عدم إمكان اتصاله.
وقيل: يحمل على المجاز، فهو مستعمل في القيمة، وبه قال القاضي إسماعيل ﵀ ﷾.
وقيل: يعد ندما، فتلزم الألف كلها، لأن ذلك خلاف المعهود، فكان مرجوحا، وذلك قرينة على القصد إلى إبطال الإقرار، ولا علاقة لهذا بالخلاف في جواز الاستثناء المنقطع، فالعبرة في الإقرار بما يدل عليه، سواء وقع بجائز أو ممتنع لغة، فما استظهره في نثر الورود في ذلك غير بين، والله ﷾ أعلم.
وهذا هو المراد بالبيت الأول.
وأشار ﵀ ﷾ بالبيت الثاني إلى قول مفصِّل، وهو أن الاستثناء من غير الجنس في الإقرار يحمل على إرادة القيمة، وفي العقود تكون إلا بمعنى الواو، فإذا قال: له علي ألف درهم إلا ثوبا، كان المعنى إلا قيمة ثوب، وإذا قال: بعتك هذه السلعة بدينار إلا قفيز حنطة، كان المعنى بعتك هذه السلعة وقفيز حنطة بدينار، إذ لو جعل القفيز مستثنى من الدينار، لفسد البيع، للجهل بالثمن، بخلاف ما لو جعل مبيعا.
[ ١ / ٢٢٣ ]
وهذا التعليل مشكل، إذ المقرر حمل ألفاظ العقود على ما علم أنه مقصود المتعاقدين، صح أو فسد، والله ﷾ أعلم.
بشِرْكة وبالتواطي قالا … بعض
تقدم أن الاستثناء مجاز في المنقطع، وذكر هنا قولا بأنه حقيقة فيه، واختلف القائلون به، فمنهم من قال: إن الاستثناء متواطئ في المتصل والمنقطع، فهو موضوع للقدر المشترك بينها، وهو المخالفة بإلا أو إحدى أخواتها.
ومنهم من قال: إنه مشترك فيهما، فهو حقيقة في كل منهما على حدته.
وقيل: بالوقف، وهذا صريح في أن الخلاف في كلمة الاستثناء، لا صيغته.
وأوجب فيه الاتصالا
وفي البواقي دون ما اضطرار … وأبطلنْ بالصمت للتذكار
معناه أن الاستثناء يشترط فيه الاتصال بحسب العادة، ولا يضر الفصل اليسير اضطرارا، كالقطع لسعال، أو عطاس، ونحوهما.
فإن انفصل لا على هذا الوجه لم يعتد به.
واشتراط الاتصال هو مذهب الجمهور، وجاء عن ابن عباس - رضي الله ﷾ عنهما - جواز تأخيره، قيل: إلى شهر، وقيل: إلى سنة، وقيل: أبدا، وقيل: إنما قوله في التعليق على مشيئة الله ﷾ خاصة، كمن حلف وقال: إن شاء الله ﷾ وليس هو في الإخراج بإلا وأخواتها، وأن مدركه في ذلك قوله ﷾ جل من قائل: (ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله واذكر ربك إذا نسيت) قال: المعنى إذا نسيت قول إن شاء الله ﷾ فقل بعد ذلك، ولم يخصص.
ووجه قول الجمهور حديث الصحيحين وغيرهما " من حلف على شيء، فرأى غيره خيرا منه، فليأت الذي هو خير، وليكفر عن يمينه " فلو صح الاستثناء مع التراخي، لقال: فليستثن، ولو جاز على التراخي لزم بطلان جميع الإقرارات والإنشاآت، لإمكان الكر عليها بالاستثناء، ولو جاز على التراخي، لما صح صدق ولا كذب، لإمكان التعقب بالاستثناء.
وروي عن طاووس ﵀ ﷾ جواز الاستثناء ما دام في المجلس، وعن
[ ١ / ٢٢٤ ]
عطاء ﵀ ﷾ جوازه إلى مقدار حلب ناقة غزيرة، وعن مجاهد ﵀ ﷾ إلى سنتين، وعن سعيد بن جبير - رضي الله ﷾ عنه - إلى أربعة أشهر، وقيل: يجوز تأخيره ما لم يأخذ في كلام آخر، وقيل: يجوز تأخيره بشرط أن ينوى في الكلام، وقيل: في كلام الله ﷾ فقط.
وقوله: وفي البواقي، معناه أن الاتصال مشروط أيضا في بقية المخصصات المتصلة، لأجل المعنى المذكور.
قال في النشر: اتفاقا في غير الشرط عند بعضهم وقد حكى المازري وتاج الدين السبكي - رحمهما الله ﷾ الاتفاق على وجوب اتصال الشرط أيضا.
وقوله: دون ما اضطرار، أشار به إلى أن الفصل الواقع قهرا عن المتكلم لا ينافي الاتصال، كما لو عرضت له نوبة سعال، أو عطاس، أو ذرعه القيء ونحو ذلك.
وأشار ﵀ ﷾ بقوله: وأبطلن بالصمت للتذكار، إلى أن السكوت انشغالا باستحضار المنسي، مناف للاتصال المشترط في الاعتداد بالاستثناء.
قال في النشر: قال ابن عرفة - رحمهما الله ﷾: ظاهر أقوال أهل المذهب أن سكتة التذكار مانعة مطلقا اهـ
وعدد معَ كإلا قد وجب … له الخصوص عند جل من ذهب
وقال بعض بانتفا الخصوص … والظاهر الإبقا من النصوص
الكلام المركب من العام والمخصص المتصل، قد يورد عليه إشكال، وهو أن الخارج بالمخصص، داخل بالعموم، إذ لو لم يدخل لم يحتج إلى إخراجه، ولو لم يخرج بطل التخصيص، والشيء الواحد لا يمكن أن يكون داخلا في الحكم، وغير داخل فيه في وقت واحد، لامتناع توارد النفي والإثبات على محل واحد.
والجواب عن هذا عند الجمهور، أنه إنما يلزم في ذلك توارد النفي والإثبات على محل واحد، لو لم يكن الحكم بالنسبة بعد تقدير الإخراج، فالمراد بقول القائل: جاءني عشرة إلا ثلاثة، إنما هو سبعة، وإلا ثلاثة، قرينة إرادة السبعة من العشرة، إرادة الجزء باسم الكل، فهو من العام الذي أريد به الخصوص.
[ ١ / ٢٢٥ ]
وقال القاضي أبو بكر الباقلاني وإمام الحرمين - رحمهما الله ﷾ إن ذلك اسم مركب للباقي بعد التخصيص، فالسبعة مثلا لها اسمان: اسم مفرد، وهو السبعة، واسم مركب، وهو عشرة إلا ثلاثة.
وعلى هذا القول فليس في هذا تخصيص أصلا، وهذا هو مختار أبي إسحاق الشاطبي ﵀ ﷾ في موافقاته، فالعام المخصوص كله عنده إنما يراد به الخصوص، قال: فالأصوليون إنما اعتبروا صيغ العموم بحسب ما تدل عليه في الوضع الإفرادي، ولم يعتبروا حالة الوضع الاستعمالي، حتى إذا أخذوا في الاستدلال على الأحكام رجعوا إلى اعتباره.
ونصه: التخصيص إما بالمنفصل أو بالمتصل.
فإن كان بالمتصل، كالاستثناء، والصفة، والغاية، وبدل البعض، وأشباه ذلك، فليس في الحقيقة بإخراج لشيء، بل هو بيان لقصد المتكلم في عموم اللفظ، أن لا يتوهم السامع منه غير ما قصد، وهو ينظر إلى قول سيبويه ﵀ ﷾: زيد الأحمر، عند من لا يعرفه، كزيد وحده، عند من يعرفه.
وبيان ذلك أن زيدا الأحمر، هو الاسم المعرف به مدلول زيد، بالنسبة إلى قصد المتكلم، كما كان الموصول مع صلته هو الاسم، لا أحدهما، وهكذا إذا قلت: الرجل الخياط، فعرفه السامع، فهو مرادف لزيد، فإذا المجموع هو الدال، ويظهر ذلك في الاستثناء، إذا قلت: عشرة إلا ثلاثة، فإنه مرادف لقولك: سبعة، فكأنه وضع آخر عرض حالة التركيب، وإذا كان كذلك، فلا تخصيص في محصول الحكم، لا لفظا ولا قصدا اهـ
وبه تعلم أنه لا يراد أن ذلك اسم مركب من ثلاثة ألفاظ.
وقيل: العشرة في هذا التركيب: العشرة باعتبار أفرادها، ثم أخرجت الثلاثة بقوله: إلا ثلاثة، فأسند لفظا إلى العشرة، ومعنى إلى السبعة، فكأنه قيل: له علي الباقي من عشرة أخرج منها ثلاثة، فليس في ما حكم عليه - وهو السبعة - إلا الإثبات، وإنما النفي في الثلاثة المخرجة، ولا إثبات فيها أصلا، وهو اختيار ابن الحاجب والتاج السبكي - رحمهما الله ﷾ وذلك لإجماع النحاة على أن الاستثناء إخراج، والثلاثة على قول الأكثر
[ ١ / ٢٢٦ ]
قرينة استعمال العشرة في السبعة، وهي على قول القاضي ﵀ ﷾ جزء الاسم، ولا إخراج في القولين.
وقد أشار الناظم ﵀ ﷾ إلى مذهب الجمهور بقوله: وعدد مع كإلا قد وجب البيت.
وأشار إلى القولين الآخرين بقوله: وقال بعض بانتفا الخصوص.
قال في الإرشاد: والظاهر ما ذهب إليه الجمهور، لأن الإسناد إنما يتبين معناه، بجميع أجزاء الكلام، وعلى كل حال فالمسألة قليلة الفائدة.
وقوله: والظاهر الإبقا من النصوص، أشار به إلى أن الظاهر عنده ﵀ ﷾ أن مقتضى الأقوال الثلاثة أن المستثنى مبقى، لا مشترى، لأن المراد في المثال المتقدم من حيث الحكم السبعة باتفاق، وإنما اختلف في التناول لفظا، فما ذكره حلولو غير بين، والله ﷾ أعلم.
والمثل عند الاكثرين مبطل … ولجوازه يدل المدخل
وجُوز الأكثر عند الجل … ومالك أوجب للأقل
ومُنع الأكثر من نص العدد … والعَقْد منه عند بعض انفقد
يشترط في صحة الاستثناء أن لا يستغرق المستثنى المستثنى منه، وقد حكى الإجماع على ذلك جماعة من المحققين، منهم الرازي في المحصول، وابن الحاجب في المختصر - رحمهما الله ﷾ وحكي قول بصحته، ولا يخفى ضعفه.
وذهب الأكثرون إلى جواز استثناء الأكثر، نحو له عشرة إلا تسعة، واستدلوا بقوله ﷾ جل من قائل: (إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين) ومعلوم أن الغاوين أكثر.
وذهب قوم من النحاة منهم الزجاج إلى منعه، وقال: لم ترد به اللغة.
قال ابن جني ﵀ ﷾: لو قال: له عندي مائة إلا تسعة وتسعين، ما كان متكلما بالعربية، وكان عبثا من القول.
ويجب عند الإمام مالك ﵀ ﷾ إبقاء الأكثر، وهو مذهب
[ ١ / ٢٢٧ ]
القاضي ﵀ ﷾ فلو قال: له علي عشرة إلا خمسة، كان مقرا بعشرة، لبطلان الاستثناء.
وقيل: يمنع استثناء الأكثر إذا كان المستثنى منه نصا في العدد، ويجوز في غيره.
وهذا هو أوجه الأقوال - إن شاء الله ﷾ وأقعدها بالاستعمال.
وقيل: يمتنع استثناء عَقد صحيح من اسم العدد، ونسب لابن الماجشون ﵀ ﷾ كالعشرات من المائة، والآحاد من العشرة، فلا يقال له علي مائة إلا عشرة، بخلاف له علي مائة إلا تسعة، أو إلا ثلاثة عشر.
وقيل: يمتنع الاستثناء من العدد مطلقا، ورده ابن عصفور بقوله ﷾ جل من قائل: (فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما)
وأجيب بأن الألف تستعمل في التكثير، ورد بمنع إرادة ذلك هنا، إذ لو أريد لصار المعنى: مكث فيهم دهرا طويلا إلا خمسين عاما.
وذا تعدد بعطف حصِّلِ … بالاتفاق مسجلا للاول
الاستثناء إذا تعدد، فإما أن يكون ذلك مع العطف أو دونه.
فإن كان مع العطف، كانت الاستثناآت كلها عائدة إلى المستثنى منه أولا، لأن العطف يقتضي اشتراك المتعاطفات في المعنى، سواء كان هناك استغراق أولا، وذلك هو المراد بقوله: مسجلا.
فإن لم يكن فيها استغراق صح استثناء الجميع، نحو: له علي عشرة إلا أربعة، وإلا ثلاثة، وإلا اثنين، فيكون مقرا بواحد، عند من يجيز استثناء الأكثر.
وإن استغرق بطل الجميع، أو ما وقع به الاستغراق خاصة، على الخلاف في جمع المتفرق الآتي - إن شاء الله ﷾ -.
فإذا قال: له علي عشرة إلا خمسة، وإلا أربعة، وإلا واحدا، فعلى الجمع تبطل الاستثناآت كلها، وتلزم العشرة، لأن ذلك في معنى: له علي عشرة إلا عشرة، وعلى عدم الجمع، يبطل الاستثناء الأخير خاصة، لأنه الذي وقع به الاسغراق، فيكون مقرا بواحد.
وإلى هذا أشار ﵀ ﷾ بهذا البيت.
[ ١ / ٢٢٨ ]
ومقتضى ما سيأتي، أنه إذا تعدد المستثنى منه في هذه المسألة، تكون الاستثناآت عائدة إلى كل مستثنى على حدته، فإذا قال: له علي عشرة وعشرة إلا أربعة، وإلا ثلاثة، وإلا اثنين، لزمه اثنان، وقد صرح بذلك البناني ﵀ ﷾ والله ﷾ أعلم.
وكذلك بقية هذه المسائل، والله ﷾ أعلم.
هذا واعلم أن العطف إنما يكون بين الاستثناآت، وأما عطف الاستثناء على المستثنى منه، فهو مبطل للاستثناء اتفاقا، كما في الإرشاد عن الأستاذ أبي إسحاق الاسفرائيني - رحمهما الله ﷾ وذلك نحو: له علي عشرة، وإلا واحدا، فتلزم العشرة كلها، والله ﷾ أعلم.
وإذا تعدد الاستثناء من غير تخلل حرف عطف، كان كل واحد منها راجعا لما قبله، وذلك لقربه منه، فإذا قال: له علي عشرة إلا ستة إلا أربعة، كان مقرا بثمانية، لأن الأربعة خارجة من الستة، لا من العشرة، فكأنه قال: له علي عشرة إلا اثنين، وإلى هذا أشار ﵀ ﷾ بقوله:
إلا فكل للذي به اتصل
وهذا ما لم يمنع من ذلك مانع الاستغراق، فإن كان هناك استغراق نظر، فإن استغرق كل ما يليه، نحو: له علي عشرة، إلا عشرة، إلا عشرة، بطل الجميع، ولزمت العشرة، وإلى ذلك أشار ﵀ ﷾ بقوله:
وكلها عند التساوي قد بطل
وإن كان المستغرق هو ما بعد الأول، كان ذلك قرينة على عود الاستثناآت كلها للمستثنى منه أولا، كمسألة التعاطف، نحو: له علي عشرة، إلا اثنين، إلا ثلاثة، إلا أربعة، فيلزم واحد، لأن مجموع الخارج في الاستثناآت تسعة.
وإلى هذا أشار ﵀ ﷾ بقوله:
إن كان غير الأول المستغرقا … فالكل للمخرج منه حققا
وهذا حيث استغرق كل واحد مما بعد الأول، كما مثل.
[ ١ / ٢٢٩ ]
فإن استغرق بعض مما بعد الأول، دون بعض، نحو: له علي عشرة، إلا اثنين، إلا ثلاثة، إلا واحدا، كان المستغرق - وهو الثلاثة في المثال المذكور - عائدا إلى الأول، لامتناع خروجه مما قبله، ويكون غيره - وهو الواحد - عائدا إلى ما يليه، لقربه، وعدم المانع، وهو الثلاثة، نقله الشربيني عن العضد - رحمهما الله ﷾.
وإذا استغرق الأول دون ما بعده، نحو: له علي عشرة إلا عشرة إلا ثلاثة، فقيل يبطل الأول لاستغراقه، واختلف القائل به هل يبطل الثاني تبعا له، فيلزم مجموع العشرة، أو لا يبطل، فتلزم سبعة.
وقيل: لا يبطل الأول، بل يكون ذلك قرينة على تركب الاستثناءين، وأن المستثنى: هو الخارج من عشرة إلا ثلاثة، وهو سبعة، فتلزم ثلاثة، وكأنه قال: له عشرة إلا سبعة، وإلى هذا أشار ﵀ ﷾ بقوله:
وحيث ما استغرق الاول فقط … فألغ واعتبر بخلف في النمط
وقوله ﵀ ﷾:
وكل ما يكون فيه العطف … من قبل الاستثنا فكلا يقفو
دون دليل العقل أو ذي السمع
معناه أن الاستثناء إذا وقع بعد متعاطفات، كان استثناء من كل واحد منها، حيث لم يمنع من ذلك مانع، اتفاقا على ما لبعضهم في المفردات، نحو: أكرم الفقراء، وأبناء السبيل، وطلبة العلم، إلا الفسقة، وعند الأئمة الثلاثة: مالك، والشافعي، وأحمد، وأصحابهم، والأكثر، في الجمل، لأن ذلك هو ظاهر الكلام، إذ الأصل اشتراك المعطوف والمعطوف عليه في المتعلقات.
وقيل: إنما يعود لجميع الجمل إذ اتفق المعنى فيها، نحو حبست داري على أبناء السبيل، ووقفت بستاني على طلبة العلم، وسبلت بئري على الفقراء إلا أن يتنازعوا، فالتحبيس والوقف والتسبيل ألفاظ مترادفة، فيكون الاستثناء عائدا إلى الجمل الثلاث. وقال الإمام أبو حنيفة ﵀ ﷾: يعود إلى الأخيرة خاصة، ونقل عن الظاهرية.
[ ١ / ٢٣٠ ]
وقيل: مشترك بين العود للكل، والعود للأخيرة خاصة.
وقيل بالوقف، وهو مذهب الأشعرية واختاره إمام الحرمين وأبو حامد الغزالي ﵏ ﷾.
وهذا ما لم تقم قرينة على مرجعه، فإن قامت عمل عليها، سواء قامت على رجوعه للجميع، أو للأخيرة خاصة.
أولهما: كقوله ﷾ جل من قائل: (والذين لا يدعون مع الله إلها آخر) إلى قوله ﷾ جل من قائل: (إلا من تاب) فهو استثناء من قوله ﷾ جل من قائل: (يلق أثاما) وهو جواب للشرط المشار فيه لجميع ذلك.
والثاني: كقوله ﷾ جل من قائل: (ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا) بقرينة عود الضمير في يصدقوا إلى أهل القتيل، وهم مذكورون في الدية، لا في التحرير، مع أن التصدق إنما يتأتى في الدية، لأنها حق آدمي، بخلاف التحرير قاله شيخ الإسلام ﵀ ﷾.
وإلى ذلك أشار ﵀ ﷾ بقوله: دون دليل العقل، أو ذي السمع.
وأشار ﵀ ﷾ بقوله:
والحق الافتراق دون الجمع
إلى أنه على المعول من عود الاستثناء للمتعاطفات، فالمعول أنه يعود للجميع متفرقا، لا مجموعا، فلو قال: طالق ثلاثا، وثلاثا، إلا أربعا، كانت طالقا ثلاثا، للاستغراق، على المعول من عوده لها متفرقة، وعلى مقابله تطلق طلقتين فقط، إذ كأنه قال: طالق ستة إلا أربعة.
أما قِران اللفظ في المشهور … فلا يساو في سوى المذكور
معناه أن تعاطف الجملتين، أو الجمل، أو المفردين، أو المفردات، لا يستلزم الاستواء في غير الحكم المذكور، مما علم ثبوته لأحدهما من الأحكام، على مذهب الجمهور، خلافا لما ذهب إليه بعض المالكية، والمزني من الشافعية وأبو يوسف من الحنفية، من اقتضائه استواءهما في غير ما وقع فيه التشريك بينهما بالعطف، مما تقرر الحكم به لأحدهما، فتكون
[ ١ / ٢٣١ ]
العمرة واجبة لقوله ﷾ جل من قائل: (وأتموا الحج والعمرة لله).
قال في النشر: قال ابن عباس - رضي الله ﷾ عنهما - لما سئل عن وجوب العمرة: إنها لقرينته في كتاب الله ﷾ وقال: ما من أحد إلا وعليه حجة وعمرة.
ومنه ما كان من الشرط أعد … للكل عند الجل أو وفقا تفد
أخرج به وإن على النصف سما … كالقوم أكرم إن يكونوا كرما
معناه أن من المخصص المتصل كذلك: الشرط، والمراد به: ما دخلت عليه أداة من أدوات الشرط المعروفة، كإن وإذا، نحو أكرم بني تميم إن أحسنوا، فمعناه أكرم المحسنين منهم، وكقول الشيخ ﵀ ﷾: القوم أكرم إن يكونوا كرما
وأشار ﵀ ﷾ بقوله: أعد للكل، إلى أن الشرط الواقع بعد متعاطفات يعود إليها كلها، وحكي فيه الاتفاق.
وأشار ﵀ ﷾ بقوله: أخرج به وإن على النصف سما، إلى أنه يجوز إخراج الأكثر به، وحكي في ذلك الاتفاق أيضا، فتقول: أكرم بني تميم إن أحسنوا، مع كون المحسن منهم أقل.
وإن ترتب على شرطين … شيء فبالحصول للشرطين
وإن على البدل قد تعلقا … فبحصول واحد تحققا
إذا تعدد الشرط، فقد تكون الشروط مشترطة على وجه الاجتماع، فلا يقع المشروط إلا بحصول جميعها، وهذا هو المراد بأول البيتين، وقد يكون ذلك على سبيل البدلية، فيقع المشروط بوقوع أي واحد منها، وهذا هو المراد بالبيت الثاني.
ومسألة الحنث ببعض الشروط المتعاطفة على المعول فيها، مبنية على ما هو مقرر عندنا في اليمين من الحنث بالبعض.
وأما مسألة تعليق التعليق التي ذكر سيدي - خليل ﵀ ﷾ بقوله: وإن قال: إن كلمت إن دخلت لم تطلق إلا بهما، فالمعول توقف الطلاق فيها على مجموع الأمرين.
[ ١ / ٢٣٢ ]
ووجهه: أن ذلك ليس تعليقا للطلاق على شرطين، بل على شرط واحد، ولكن اشترط في سببيته أمر آخر، فتتوقف سببيته عليه، والله ﷾ أعلم.
ومنه في الإخراج والعودِ يُرى … كالشرط قل وصف وإن قبلُ جرى
معناه أن من المخصص المتصل أيضا: الصفة، وهي كالشرط في جواز إخراج الأكثر بها، وفي عودها إلى جميع ما تعاطف قبلها، سواء تأخرت، نحو: وقفت هذا على أولادي وأولادهم المحتاجين، أو تقدمت، نحو: وقفت هذا على محتاجي أولادي وأولادهم.
وإن توسطت نحو: وقفت على أولادي المحتاجين وأولادهم فقال السبكي ﵀ ﷾ في الجمع: المختار اختصاصها بما وليته، قال المحلي ﵀ ﷾: ويحتمل أن يقال تعود إلى ما وليها أيضا.
وذكر العبادي ﵀ ﷾ أنه لا فرق في ذلك بين الصفة وغيرها، وإليه أشار الشيخ ﵀ ﷾ بقوله:
وحيث ما مخصص توسطا … خصصه بما يلي من ضبطا
ولا يخفى أن المراد بالصفة: الصفة التي لم يمنع من اعتبار مفهومها مانع، وكذا في بقية المذكورات.
ومنه غاية عموم يشمل … لو كان تصريح بها لا يحصل
وما لتحقيق العموم فَدَعِ … نحوُ سلام هي حتى مطلع
وهْي لما قبلُ خلا تعود … وكونها لما تلي بعيد
معناه أن من المخصص المتصل كذلك: الغاية، والمراد: الغاية التي يتناول العموم ما بعدها لو لم يؤت بها، كقوله ﷾ جل من قائل: (حتى يعطوا الجزية) فإن هذه الغاية لو لم ترد، لكنا مأمورين بقتال المشركين وإن أعطوا الجزية، وهذا هو المراد بأول الأبيات.
بخلاف نحو: قوله ﷾ جل من قائل: (سلام هي حتى مطلع الفجر) إذ طلوع الفجر ليس من اليلة.
وبخلاف نحو: ما لو قيل سلام هي إلى آخرها، إذ لا إخراج أصلا، فالغاية في
[ ١ / ٢٣٣ ]
الموضعين لتحقيق العموم وتوكيده، وليست مخصصة للعموم، وإلى هذا أشار ﵀ ﷾ بالبيت الثاني.
والمراد بالعموم في الآية، استغراق أبعاض مسمى اليلة، لا العموم المصطلح عليه.
ولا فرق في التخصيص بالغاية بين تأخرها، كالمثال المذكور، وبين تقدمها، نحو: إلى أن يفسق أولادي، وقفت بستاني عليهم، وعلى أولادهم.
وإذا وقعت الغاية بعد متعاطفات، كانت عائدة إلى جميعها، ما لم تقم قرينة على خلاف ذلك، كغيرها من المخصصات، خلافا لمن جعلها عائدة إلى ما يليها خاصة، وإلى هذا أشار ﵀ ﷾ بالبيت الثالث.
وبدل البعض من الكل يفي … مخصصا لدى أناس فاعرفِ
معناه أن من المخصص المتصل كذلك: بدل البعض من الكل، كقوله ﷾ جل من قائل: (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا).
ولم يعده الأكثرون، لأن المبدل منه في نية الطرح، قال البناني ﵀ ﷾: فيه أن معنى كونه في نية الطرح، أنه غير معتمد عليه، لا أنه لا يذكر.
ونحوه في الإرشاد ونصه:
الذي عليه المحققون - كالزمخشري - أن المبدل منه في غير بدل الغلط ليس في حكم المهدر، بل هو للتمهيد والتوطئة، وليفاد بمجموعهما فضل تأكيد وتبيين لا يكون في الإفراد، قال السيرافي: زعم النحوييون أنه في حكم تنحية الأول، وهو المبدل منه، ولا يريدون إلغاءه، وإنما مرادهم أن البدل قائم بنفسه، وليس تبيينه الأول كتبيين النعت الذي هو من تمام المنعوت، وهو معه كالشيء الواحد اهـ
واختار في الحلي أنه من قبيل العام المراد به الخصوص، وقد علمت أن ذلك هو مذهب الجمهور في كل عام خصص بمتتصل لكن ذلك أبين هنا والله ﷾ أعلم.
وفي معنى بدل البعض، بدل الاشتمال، كقوله ﷾ جل من قائل: (يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه) والله ﷾ أعلم.
ومن المخصصات المتصلة كذلك: الظرف، والجار والمجرور، نحو: أكرم زيدا اليوم، أو في
[ ١ / ٢٣٤ ]
مكان كذا.
ومنها كذلك: المفعول له، فهو مقتض تخصيص الفعل بتلك العلة، وكذلك المفعول معه، فهو مقتض اختصاص الفعل بالمعية، انظر الإرشاد.