وسم مستقله منفصلا … للحس والعقل نماه الفضلا
المخصص المنفصل هو: ما يستقل بنفسه عن العام، بحيث لا يفتقر إلى ذكر العام معه، وهو نوعان: لفظي وغيره، وقدم غير اللفظي لقلته، وهو الحس والعقل.
والمراد بالتخصيص بالحس: أن يشهد الحس بخروج بعض أفراد العام عن حكمه، وذلك كقوله ﷾ جل من قائل: (تجبى إليه ثمرات كل شيء) فالحس يدرك ضرورة خروج بعض أفراد الثمرات.
وجعله الزركشي ﵀ ﷾ من العام الذي أريد به الخصوص، لا من العام المخصوص.
والمراد بالتخصيص بالعقل أيضا: اقتضاؤه خروج بعض أفراد العام عن حكمه، كقوله ﷾ جل من قائل: (الله خالق كل شيء) فالعقل قاض بعدم تناول العموم له ﷾ لاستحالة ذلك.
ونفى قوم كون ذلك تخصيصا، إذ لو كان تخصيصا لصحت إرادة العموم، وما اقتضى العقل خروجه لا يراد من اللفظ لغة.
وخصص الكتاب والحديث به … أو بالحديث مطلقا فلتنتبه
معناه أن الكتاب يخصص بالكتاب وبالسنة، والسنة تخصص أيضا بالكتاب وبالسنة، وخالف في تخصيص الكتاب بالكتاب بعض الظاهرية، وقالوا التخصيص بيان، ولا يكون إلا بالسنة، لقوله ﷾ جل من قائل: (لتبين للناس ما نزل إليهم).
وأجيب بأن ذلك لا يستلزم اختصاص البيان بالسنة، فقد قال ﷾ جل من قائل: (وأنزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء).
ومثال تخصيص الكتاب بالكتاب: قوله ﷾ جل من قائل: (والمطلقات
[ ١ / ٢٣٥ ]
يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء) فقد خصت منه الحوامل بقوله ﷾ جل من قائل: (وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن) وخصت منه المطلقات قبل الدخول، بقوله ﷾ جل من قائل: (يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المومنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها).
وخالف في تخصيص الكتاب بالسنة قوم، أما تخصيصه بالسنة المتواترة، فحكيت عن داوود رواية بمنعه، وحكي أيضا الإجماع على جوازه.
وخالف في تخصيصه بخبر الآحاد بعض الحنابلة، والمعتزلة، ونقل عن عيسى بن أبان التفصيل بين ما دخله التخصيص بدليل قطعي وغيره، فالأول يجوز تخصيصه بخبر الآحاد، دون الثاني، ونقل عنه أيضا أنه إن دخله التخصيص، جاز تخصيصه بخبر الآحاد، سواء كان مخصصه قطعيا أو لا، وإلا فلا.
وذهب الكرخي ﵀ ﷾ إلى اختصاص الجواز بما دخله التخصيص بدليل منفصل، سواء كان قطعيا أو ظنيا.
وذهب القاضي أبو بكر ﵀ ﷾ إلى الوقف.
والجمهور على الجواز مطلقا.
ومثاله: تخصيص قوله ﷾ جل من قائل: (يوصيكم الله في أولادكم) بقوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم: " لا نورث ما تركناه صدقة " (^١) وبقوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم: " لا يرث المسلم الكافر " (^٢).
وتخصيص قوله ﷾ جل من قائل: (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما) بقوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم: " لا قطع في ثمر ولا كثر " (^٣) وقد قال صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم: " لا ألفينَّ أحدكم متكئا على أريكته يأتيه الامر من أمري مما
_________________
(١) متفق عليه
(٢) متفق عليه.
(٣) رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة والإمام مالك، وهو حديث صحيح.
[ ١ / ٢٣٦ ]
أمرت به أو نهيت عنه، فيقول لا ندري ما وجدنا في كتاب الله ﷾ اتبعناه " (^١).
ومحل الخلاف الأخبار الآحادية التي لم تجمع الأمة على العمل بها، أما ما أجمع على العمل به، كحديث " ليس لقاتل ميراث " (^٢) وحديث " لا وصية لوارث " (^٣) فالتخصيص به كالتخصيص بالمتواتر.
ومثال تخصيص السنة بالسنة: تخصيص عموم حديث " في ما سقت السماء والعيون أو كان عَثْرِيا (^٤) العشر " (^٥) بحديث " ليس في ما دون خمسة أوسق صدقة " (^٦) وتخصيص النهي عن بيع ما ليس عندك (^٧) بتجويز السلم.
ومثال تخصيص السنة بالكتاب: حديث " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله " (^٨) بقوله ﷾ جل من قائل: (حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون).
واعتبر الإجماع جل الناس … وقسمي المفهوم كالقياس
معناه أن من المخصص المنفصل: الإجماع، وقد حكى الاتفاق على ذلك الأستاذ أبو منصور ﵀ ﷾ قال: ومعناه أن يعلم بالإجماع أن المراد باللفظ العام بعض ما يقتضيه ظاهره، وفي الحقيقة يكون التخصيص بدليل الإجماع، لا نفس الإجماع، قاله في الإرشاد.
قال: ومثله ابن حزم ﵀ ﷾ بقوله ﷾ جل من قائل: (حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون) واتفقت الأمة على أنهم لو بذلوا فلسا أو فلسين، لم يجز بذلك حقن دمائهم، قال: والجزية بالألف واللام، فعلمنا أنه أراد جزية معلومة.
_________________
(١) رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة والإمام أحمد، وهو حديث صحيح.
(٢) رواه ابن ماجة، وهو حديث صحيح.
(٣) رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة والدارمي والإمام أحمد بألفاظ مختلفة، وهو حديث حسن.
(٤) العثري الذي يشرب بعروقه.
(٥) رواه البخاري وأبو دود والترمذي والنسائي وابن ماجة، واللفظ للبخاري والترمذي.
(٦) متفق عليه.
(٧) رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة والإمام أحمد، وهو حديث حسن صحيح.
(٨) متفق عليه.
[ ١ / ٢٣٧ ]
ومثله ابن الحاجب ﵀ ﷾ بآية حد القذف، وبالإجماع على التنصيف للعبد، ومثله ابن عاشور ﵀ ﷾ بالإجماع على اعتداد الأمة بقرأين.
وقول الشيخ ﵀ ﷾: واعتبر الإجماع جل الناس، ظاهره في النشر أنه يشير به إلى أن من الأصوليين من لم يذكره كالسبكي ﵀ ﷾ إذ المخصص إنما هو النص الذي يستند إليه الإجماع مباشرة أو بواسطة القياس.
ومن المخصصات المنفصلة كذلك،: المفهوم بنوعيه: الموافقة والمخالفة، قال الآمدي ﵀ ﷾: لا أعرف خلافا في تخصيص العموم بالمفهوم، بين القائلين بالعموم والمفهوم، ووقع لصفي الدين الهندي ﵀ ﷾ أن الخلاف إنما هو في مفهوم المخالفة، وأن مفهوم الموافقة متفق على التخصيص به، وقال الزركشي ﵀ ﷾: والحق أن الخلاف ثابت فيهما نقله في الإرشاد.
وذكر الشيخ أن الذي نقله أبو الوليد الباجي - رحمهما الله ﷾ عن أكثر أصحابنا امتناع التخصيص بمفهوم المخالفة، لأن تناول العام لما تعارض فيه مع المفهوم بالمنطوق، والمنطوق مقدم على المفهوم.
وهذا مشكل من وجهين:
أحدهما: تخصيص مفهوم المخالفة بذلك عن مفهوم الموافقة.
والثاني: ما اقتضاه من اشتراط مساوات المخصص للعام في القوة، فهو مشكل مع ما يأتي في البيان من عدم اشتراط مساواة المبين - بالكسر - للمبين - بالفتح - وما تقدم من تخصيص الكتاب والسنة المتواترة بأخبار الآحاد، والله ﷾ أعلم.
وظاهر هذه العلة، أن الخلاف خاص بالعام المنطوق، فلو كان العموم بطريق المفهوم، لجاز تخصيصه بالمفهوم، والله ﷾ أعلم.
ومن المخصصات المنفصلة القياس، في ما ذهب إليه الجمهور والأئمة الأربعة ﵏ ﷾.
وذهب الجبائي إلى المنع مطلقا، ونقل عن عيسى بن أبان ﵀ ﷾
[ ١ / ٢٣٨ ]
ـ نحو ما نقل عنه في تخصيص الكتاب الكريم بخبر الواحد.
ونقل عن الكرخي ﵀ ﷾ هنا أيضا نحو مذهبه هناك.
وذهب الإصطخري ﵀ ﷾ إلى التخصيص بالقياس الجلي، دون غيره.
وذهب أبو حامد الغزالي ﵀ ﷾ إلى أنه إن تفاوت القياس والعام في غلبة الظن، رجح الأقوى، وإن تعادلا فالوقف، واختاره المطرزي ورجحه الفخر الرازي واستحسنه القرافي والقرطبي ﵏ ﷾ أجمعين - نقله في الإرشاد.
ومثاله: قياس العبد على الأمة في تشطر الحد، الوارد في قوله ﷾ جل من قائل: (فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب) المخصص للعموم في قوله ﷾ جل من قائل: (الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة)
قال في الإرشاد: وقد حكى إمام الحرمين - رحمهما الله ﷾ في النهاية مذهبين لم ينسبهما إلى من قالهما أحدهما: أنه يجوز إن كان الأصل المقيس عليه مخرجا من ذلك، وإلا فلا.
ونقل في الحلي عن الإبياري ﵀ ﷾ اختصاص الخلاف بالقياس الظني، وسيأتي بيان القياس القطعي إن شاء الله ﷾ في القياس.
والعرف حيث قارن الخطابا
معناه أن العرف المقارن للخطاب، بأن كان قائما وقت ورود النص، مخصص أيضا، بمعنى أن العرف إذا خص العام ببعض معناه اللغوي اختص به، كما تقدم في محامل اللفظ، وأما العرف الفعلي فتخصيصه راجع إلى ما سبق من السنة والإجماع.
وذلك أن العادة إذا جرت بفعل بعض المنهي عنه، أو ترك بعض المأمور به، فإن كانت في زمنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وأقرها، فذلك من قبيل التخصيص بالسنة، كعدم إرضاع الشريفة، وإن كانت بعده صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم، وأجمع الناس عليها، فذلك من قبيل التخصيص بالإجماع.
ولا تؤثر العادة الفعلية في دلالة اللفظ على الأصح، قال التاج السبكي ﵀
[ ١ / ٢٣٩ ]
﷾ في بيان الأصح في مسائل من الباب: وأن العام لا يقصر على المعتاد، ولا على ما وراءه، بل تطرح له العادة السابقة اهـ
قال المحلي ﵀ ﷾: الأول كما لو كان عادتهم تناول البر، ثم نهى عن بيع الطعام بجنسه متفاضلا، فقيل: يقصر الطعام على البر المعتاد.
والثاني: كما لو كان عادتهم بيع البر بالبر متفاضلا، ثم نهى عن بيع الطعام بجنسه متفاضلا، فقيل: يقصر الطعام على غير البر المعتاد.
وهذا ما لم تقم قرينة على إرادة المعنى المعهود خاصة، كحديث معمر بن عبد الله - رضي الله ﷾ عنه " الطعام بالطعام مثلا بمثل " (^١) قال معمر - رضي الله ﷾ عنه ـ: وكان طعامنا يومئذ الشعير، فيحمل عليه، كما هو الحال لو لم تكن هناك عادة.
ودع ضمير البعض والأسبابا
قوله ﵀ ﷾: ودع ضمير البعض، معناه أنه إذا دل الدليل على أن المراد في الضمير العائد على العام بعضه خاصة، لم يقتض ذلك اختصاص العام بمرجع الضمير، وذلك كقوله ﷾ جل من قائل: (والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء) إلى قوله ﷾ جل من قائل: (وبعولتهن أحق بردهن) فالضمير في (بعولتهن) و(ردهن) عائد إلى الرجعيات خاصة، فلا يقتضي ذلك كون المطلقات في صدر الآية خاصا بالرجعيات، على ما ذهب إليه الإمام مالك ﵀ ﷾ والأكثر.
وقوله ﵀ ﷾: والأسبابا، معناه أن ورود العام على سبب خاص من سؤال أو غيره، لا يخصصه، فلا يقصر على موضع السبب، بل هو باق على ما تقتضيه الصيغة من العموم عند الجمهور.
وقال الشيخ أبو إسحاق الشيرازي وابن القشيري وإِلْكِيا الطبري وأبو حامد الغزالي ـ
_________________
(١) رواه مسلم والإمام أحمد.
[ ١ / ٢٤٠ ]
﵏ ﷾: إنه الصحيح، وجزم به القفال الشاشي ﵏ ﷾.
وقيل: يقصر على سببه، ونقل عن بعض الشافعية، وأبي الفرج من أصحابنا وأبي حنيفة.
وقيل: بالوقف، وقيل غير ذلك.
ومحل الخلاف إذا لم تقم قرينة على تخصيص، كما في مسألة البساط على الظاهر من عبارة الأكثر، ولا على تعميم، كقوله ﷾ جل من قائل: (إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها) نزل كما قال المفسرون في شأن مفتاح الكعبة، فذكر الأمانات بالجمع قرينة على إرادة العموم.
ومحل الخلاف أيضا إذا كان الخطاب يستقل بنفسه، فإن كان لا يستقل بنفسه، كجواب سؤال لا يستقل عنه، كحديث " أينقص الرطب إذا جف " قالوا: نعم، قال: " فلا إذا " (^١) كان تابعا للسؤال في عمومه وخصوصه اتفاقا كما ذكره الزركشي ﵀ ﷾.
وذكر ما وافقه من مفرد … ومذهب الراوي على المعتمد
أشار ﵀ ﷾ بالشطر الأول، إلى أن ذكر بعض أفراد العام بحكمه، لا يقتضي قصر العام عليه، عند الجمهور، إذا لم يكن له مفهوم ينفي الحكم عن ما سواه من أفراد العام، فإن كان له مفهوم ينفي الحكم عما سواه من أفراد العام، فهو من أفراد مسألة التخصيص بالمفهوم المتقدمة الذكر.
ونقل عن أبي ثور ﵀ ﷾ أنه ذهب إلى التخصيص بذلك، وقيل إنه لم يقل به، وإنما نسب له من جهة قوله بمفهوم اللقب، وقال ابن دقيق العيد ﵀ ﷾: إن كان أبو ثور نص على هذه القاعدة فذاك، وإن كان أخذها له بطريق الاستنباط من مذهبه في مفهوم اللقب، فلا يدل على ذلك.
قال الزركشي ﵀ ﷾: فإن قلت: فعلى قول الجمهور ما فائدة
_________________
(١) رواه أبو دود والترمذي والنسائي وابن ماجة والإمام مالك، وهو حديث صحيح.
[ ١ / ٢٤١ ]
هذا الخاص، مع دخوله في العام؟
قلت: يجوز أن تكون فائدته عدم جواز تخصيصه، أو التفخيم له، أو إثبات المزيد له على غيره من الأفراد، نقله في الإرشاد.
ولا فرق بين أن يكون الخاص المذكور معطوفا على العام، وأن يكون منفصلا عنه في نص آخر.
مثال أولهما: قوله ﷾ جل من قائل: (وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة) وقوله ﷾ جل من قائل: (وما تكون في شأن وما تتلو منه من قرآن) الآية الكريمة.
ومثال الثاني: قوله ﷾ جل من قائل: (وآتوا حقه يوم حصاده) مع قوله ﷾ جل من قائل: (خذ من أموالهم صدقة) الآية الكريمة.
وأشار بالشطر الثاني، إلى أن راوي العام إذا كان مجتهدا، وكان يذهب إلى اختصاص الحكم ببعض أفراد العام، فذلك لا يخصصه، عند الإمام مالك والإمام الشافعي والكرخي ﵏ ﷾ بل هو باق على عمومه، لاحتمال كون مخالفته عن اجتهاد منه، ولا يجوز للمجتهد تقليد مجتهد.
وقيل: إن ذلك مخصص، وهو مذهب بعض الحنفية.
وقيل: إن كان الراوي المخالف صحابيا فهو مخصص، لبعد خفاء المراد عليه.
وقيل: إن مذهب الصحابي مخصص للعموم مطلقا.
قال الرازي ﵀ ﷾ في المحصول: حجة الشافعي - رضي الله ﷾ عنه - أن المقتضي - وهو ظاهر اللفظ قائم، والمعارض الموجود - وهو مخالفة الراوي - لا يصلح أن يكون معارضا، لاحتمال أن يكون قد تمسك في تلك المخالفة بما ظنه دليلا، مع أنه لا يكون كذلك اهـ
ومثال ذلك ما جاء عن أبي هريرة - رضي الله ﷾ عنه - من غسل الإناء من ولوغ الكلب ثلاثا، مع روايته لحديث الغسل من ذلك سبعا.
واجزم بإدخال ذوات السبب … وارو عن الإمام ظنا تصب
[ ١ / ٢٤٢ ]
معناه أن صورة السبب الذي ورد عليه العام، قطعية الدخول فيه عند الأكثرين، بل نقل الإجماع عليه.
قال الزركشي ﵀ ﷾ في البحر: فهو نص في سببه، ظاهر في ما زاد عليه، وإنما جعلوها قطعية في السبب، لاستحالة تأخير البيان عن وقت الحاجة، وروي عن الإمام مالك والإمام أبي حنيفة - رحمهما الله ﷾ أنها ظنية كغيرها، وإليه ذهب تقي الدين السبكي ﵀ ﷾.
قال الشربيني ﵀ ﷾: ظاهر الشارح أن النزاع في عين صورة السبب، وهو ابن زمعة، ويصرح به ما قاله الشيخ الإمام ﵀ ﷾ يعني تقي الدين السبكي - وصرح السعد بأن الإمام أبا حنيفة - رحمهما الله ﷾ لم يخرج عينها، بل نوعها، لأن عين صورة السبب داخلة قطعا، واتفاقا اهـ
وجاء في تخصيص ما قد جاورا … في الرسم ما يعم خلف النظرا
قوله: خلف النظرا، هو فاعل جاء، وما في قوله: ما قد جاورا في الرسم، فاعل المصدر الذي هو تخصيص، ومفعوله ما في قوله: ما يعم.
والمعنى أنه جاء في تخصيص العام بالخاص المجاور له في الرسم، بأن يكون مواليا له في المصحف، وإن تأخر عنها نزولا، خلاف.
ولم أقف على شيء في هذا.
فالذي ذكره التاج السبكي ﵀ ﷾ في ذلك، إنما هو أن صورة الخاص فيه، قريبة من صورة السبب من جهة قطعية الدخول في العام.
وهو غير بين، فإن الترتيب لا أثر له في المعنى.
ومسألة التذييل، ليست هي مسألة المجاورة في الرسم، والله ﷾ أعلم.
والتخصيص في مسألة التذييل عند القائل به من قبيل التخصيص بالسياق، وليست دلالته هنا بينة جدا.
قال ابن دقيق العيد ﵀ ﷾ في شرح الإلمام ـ: نص بعض الأكابر من الأصوليين، أن العموم يخص بالقرائن القاضية بالتخصيص، قال: ويشهد له مخاطبات
[ ١ / ٢٤٣ ]
الناس بعضهم بعضا، حيث يقطعون في بعض الخطابات بعدم العموم، بناء على القرينة، والشرع يخاطب الناس بحسب تعارفهم، قال: ولا يشتبه عليك التخصيص بالقرائن، بالتخصيص بالسبب، كما اشتبه على كثير من الناس، فإن التخصيص بالسبب غير مختار، فإن السبب وإن كان خاصا، فلا يمنع أن يورد لفظ عام يتناوله وغيره، كما في قوله ﷾ جل من قائل: (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما) ولا ينتهض السبب بمجرده قرينة لرفع هذا، بخلاف السياق، فإنه يقع به التبيين، والتعيين، أما التبيين ففي المجملات، وأما التعيين ففي المحتملات، وعليك باعتبار هذا في ألفاظ الكتاب والسنة، والمحاورات، تجد منه ما لا يمكنك حصره نقله في الإرشاد.
قال: والحق أن دلالة السياق إن قامت مقام القرائن القوية المقتضية لتعيين المراد، كان المخصص هو ما اشتملت عليه من ذلك، وإن لم يكن السياق بهذه المنزلة، ولا أفاد هذا المفاد فليس بمخصص اهـ
ومعنى تخصيص القرائن اقتضاؤها إرادة الخصوص بالعام، والله ﷾ أعلم.
وإن أتى ما خص بعد العمل … نسخ، والغير مخصص جلي
معناه أن الخاص إذا تأخر عن وقت العمل بالعام، كان ناسخا لما تعارض فيه مع العام، قال الزركشي ﵀ ﷾ في البحر: وفاقا، ولا يكون تخصيصا، لأن تأخير بيانه عن وقت العمل غير جائز.
وإن تقدم الخاص عن وقت العمل بالعام كان مخصصا له، سواء تأخر عن وقت الخطاب بالعام، أو تقدم، سواء تأخر العام عن العمل بالخاص، أو لا، خلافا للإمام أبي حنيفة ﵀ ﷾ وأكثر أصحابه، حيث قالوا: إن تأخر العام عن وقت العمل بالخاص، كان ناسخا له.
وإذا جهل تاريخهما، فمذهب الشافعية، والمالكية، والحنابلة، وبعض من الحنفية، بل نقل عليه أبو الحسين الإجماع، أن العام يبنى على الخاص، ونقل عن الإمام أبي حنيفة ﵀ ﷾ وأكثر أصحابه الوقف حتى يعلم التاريخ، أو يظهر مرجح، وحكي عن القاضي أبي بكر والدقاق - رحمهما الله ﷾.
[ ١ / ٢٤٤ ]
وإن يك العموم من وجه ظهر … فالحكم بالترجيح حتما معتبر
معناه أنه إذا كان بين الدليلين عموم وخصوص من وجه، فإنه يصار إلى الترجيح، سواء تقارنا، أو تأخر أحدهما.
قال الشربيني ﵀ ﷾: قولهم: العام الآتي بعد الخاص ناسخ مطلقا، سواء كان موصولا أو مفصولا، في ما إذا كان العموم ليس وجهيا، نص عليه السعد ﵀ ﷾ وغيره، وذلك لأنه لو نسخ الاول لكان نسخ ما لا يتناوله منه كالرجال، في " من بدل دينه فاقتلوه " بغير دليل تأمل اهـ
ومثال تقابلهما: قوله ﷾ جل من قائل: (وأن تجمعوا بين الأختين) مع قوله ﷾ جل من قائل: (أو ما ملكت أيمانكم) فيرجح عموم الآية الأولى، لاقتضائه التحريم، ولأن الثاني مخصص بنصوص كثيرة، ولأنه سيق لغرض خاص، وقد تقدم الخلاف في ذلك، والحمد لله رب العالمين وصلى الله تعالى وسلم وبارك على سيدنا محمد سيد الأولين والآخرين وعلى آله وصحبه أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.