المشترك هو: اللفظ الموضوع لحقيقتين مختلفتين، أو أكثر، وضعا أولا، من حيث هما كذلك.
فخرج بكونه موضوعا لحقيقتين: ما يدل على الشيء بالحقيقة، وعلى غيره بالمجاز. وخرج بقيد الحيثية: المتواطئ، فإنه يتناول الماهيات المختلفة، لكن لا من حيث هي كذلك، بل من حيث إنها مشتركة في معنى واحد.
ومذهب الأكثرين أنه جائز، وواقع مطلقا، في الوحي وغيره.
وذهب قوم إلى منعه مطلقا، لما يترتب عليه من اللبس في المعنى.
وأجيب بمنع اللبس غالبا، إذ لا يكاد يتجرد عن قرينة، دالة على إرادة أحد معانيه على وجه الخصوص، وإن لم تصحبه قرينة حمل على الجميع.
وذهب قوم إلى الفرق بين الوحي وغيره، فمنعوه في الوحي، وأجازوه في غيره.
وعللوا بأنه لو وقع في الوحي، فإما أن يكون مع بيان، فيؤدي إلى التطويل بلا فائدة، أو دونه، فيكون خطابا بما لا يعرف المراد منه.
وأجيب بأن البيان لا يستلزم التطويل، فقولك: زكاة العين، إضافة الزكاة فيه إلى العين،
[ ١ / ١١١ ]
قرينة صريحة في أن المراد بالعين: النقد من غير تطويل، وهكذا.
مع عدم تسليم خلو التطويل من فائدة، فالبيان بعد الإجمال مقصد بلاغي معروف، فهو أبلغ في ثبوت المعنى، وأقوى في البيان، فإذا اقتضاه المقام كان راجحا على الاختصار.
وإلى هذا أشار الشيخ ﵀ ﷾ بقوله:
في رأي الاكثر وقوع المشترك … وثالث للمنع في الوحي سلك
وأشار بقوله:
إطلاقه في معنييه مثلا … مجازا أو ضدا أجاز النبلا
إلى أن استعمال اللفظ المشترك في جميع معنييه، أو معانيه، في وقت واحد، من متكلم واحد، جائز عند الإمام الشافعي، والقاضي أبي بكر - رحمهما الله ﷾ والجمهور.
كأن تقول: اشتريت كذا بالنقد، تعني أنك اشتريته بالعين على الحلول.
واحتجوا بقوله ﷾ جل من قائل: (ألم تر أن الله يسجد له من في السموات ومن في الأرض) إلى قوله جل من قائل ﷾: (وكثير من الناس) وذهب أبو هاشم، وأبو الحسن البصري، والكرخي، إلى امتناعه.
وقيل: يجوز بمجرد القصد، لا من حيث اللغة، ونسب للغزالي والرازي - رحمهما الله ﷾.
وقيل: يجوز في النفي، ولا يجوز في الإثبات، فتقول - مثلا ـ: ما رأيت عينا، تريد العين الباصرة، والعين الجارية، وعين النقد، ولا يجوز أن تقول: رأيت عينا، وأنت تريد أكثر من معنى.
وقيل: يجوز في الجمع نحو عندي عيون، ولا يجوز في الإفراد.
واختلف فيه على رأي الأولين، هل هو حقيقة، وهو منسوب للإمام الشافعي، والقاضي أبي بكر - رحمهما الله ﷾ لأنه موضوع لكل منهما.
وأورد عليه أنه إنما وضع لكل واحد على حدته، والشيء مع غيره غيره، لا مع غيره. وقيل: مجاز، لأنه استعمال له في غير ما وضع له، واختاره ابن الحاجب، والسبكي - رحمهما
[ ١ / ١١٢ ]
الله ﷾ واستشكل من جهة العلاقة.
إن يخل عن قرينة فمجمل … وبعضهم على الجميع يحمل
معناه أن المشترك إذا تجرد عن القرينة المبينة للمقصود منه، كان مجملا، فيتوقف عنه إلى البيان.
وقال الشافعي ﵀ ﷾ يحمل على الجميع، لظهوره في الجميع، لوضعه لكل، وعدم قرينة إرادة بعض.
وروي عن القاضي أبي بكر ﵀ ﷾ أنه يحمل على الجميع احتياطا، وأورد أن الاحتياط قد لا يقع بالحمل على الجميع.
وقيل لم يجزه نهج العُرْب … وقيل بالمنع لضد السلب
أشار بهذا إلى قولين من الأقوال التي ذكرنا سابقا، في استعمال المشترك في معنييه، أو معانيه، وهما:
القول بمنع ذلك لغة، لأن العرب إنما استعملته في كل واحد من معانيه على حدته. والقول بمنعه في سياق الإثبات، ويلزم القائل به القول بالجواز في الاقتران بأدوات العموم كلها.
وفي المجازين أو المجاز … وضده الإطلاق ذو جواز
معناه أن استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه معا، أو مجازيه معا، أو مجازاته معا، جائز، كقولك: لا أشتري، تريد عدم شرائك، وعدم سومك، وعدم شراء وكيلك أو غلامك. وذلك حيث قامت القرينة على إرادة ذلك كله، أو تساوى الاستعمال في الجميع، ولم يكن ثم مرجح لبعضها، ولم تتناف، كالأمر في التهديد والتخيير.
قال في النشر: ومحل الخلاف حيث ساوى المجاز الحقيقة في الشهرة، وإلا امتنع الإطلاق عليه معها قطعا.
ونقل في الحلي عن العطار اشتراط ذلك في الحمل، ولعل غيره وهم.
واختلف في اللفظ المستعمل في حقيقته ومجازه، هل هو مجاز؟ أو حقيقة ومجاز باعتبارين؟
[ ١ / ١١٣ ]