المناسبة في ذكر المقيد والمطلق بعد العام والخاص بينة، فالمطلق عام عموما بدليا، والمقيد منه بمثابة المخصص من العام، مع اتفاقهما في أغلب البحوث.
فما على معناه زِيد مسجلا … معنى لغيره اعتقده الاولا
قال الآمدي ﵀ ﷾ في الإحكام: المقيد يطلق باعتبارين:
الأول: ما كان من الألفاظ الدالة على مدلول معين، كزيد وعمرو، وهذا الرجل ونحوه.
الثاني: ما كان من الألفاظ دالا على وصف مدلوله المطلق بصفة زائدة عليه، كقولك: دينار مصري، ودرهم مكي، وهذا النوع من المطلق وإن كان مطلقا في جنسه، من حيث هو دينار مصري، ودرهم مكي، غير أنه مقيد بالنسبة إلى مطلق الدينار والدرهم، فهو مطلق من وجه، ومقيد من وجه اهـ
وهذا المعنى الثاني هو المراد بالبيت.
وقوله ﵀ ﷾: مسجلا، أشار به إلى أنه لا فرق في ذلك بين كون
[ ١ / ٢٤٥ ]
القيد الدال على المعنى المزيد على أصل المعنى مذكورا نحو (رقبة مؤمنة) وكونه مقدرا، كقوله ﷾ جل من قائل: (فصيام ثلاثة أيام) أي: متتابعة، عند من يشترط التتابع، وبه قرأ ابن مسعود - رضي الله ﷾ عنه ـ.
وما على الذات بلا قيد يدل … فمطلق وباسم جنس قد عقل
وما على الواحد شاع النكره … والاتحاد بعضهم قد نصره
عليه طالق إذا كان ذكر … فولدت لاثنين عند ذي النظر
معنى أول الأبيات: أن المطلق - ويرادفه اسم الجنس ـ: هو اللفظ الدال على الماهية بلا قيد، والوحدة ضرورية عند الطلب، إذ لا وجود للماهية المطلوبة بأقل من واحد، فالتوجه إلى الماهية من حيث اتحادها مع الأفراد، أو وجودها فيها.
فخرج الدال على الماهية بقيد التعين في الخارج، وهو المعرفة، أو التعين في الذهن، وهو علم الجنس، أو بقيد الاستغراق، وهو العام، والدال عليها بقيد الوحدة الشائعة - وهي الفرد المنتشر - وهو النكرة، كما أشار إليه ﵀ ﷾ بقوله: وما على الواحد شاع النكره، والشيوع: خلاف التعيين.
فالمطلق والنكرة من حيث اللفظ سواء، والاختلاف إنما هو بالاعتبار، فإن أريدت باللفظ الماهية بلا قيد، فهو المطلق، واسم الجنس، وإن أريدت به الماهية مع قيد الوحدة الشائعة، فهو النكرة.
وأشار ﵀ ﷾ بقوله: والاتحاد بعضهم قد نصره، إلى أن من أهل الأصول من اختار ما ذهب إليه ابن الحاجب والآمدي - رحمهما الله ﷾ من استواء النكرة والمطلق، فالمطلق عندهم هو ما دل على واحد شائع في جنسه، كالنكرة في الإثبات، إذا لم يقترن بها ما يوجب عمومها، (^١) وينكرون كون المطلق يدل على الماهية بلا قيد.
والمراد بالواحد: مفرد المعنى، فإذا كان اللفظ مثنى، دل على اثنين شائعين في الجنس،
_________________
(١) كالنكرة في سياق الامتنان، والشرط، ونحو: أكرم كل رجل، والنكرة المستغرقة باقتضاء المقام، كقوله ﷾ جل من قائل: (علمت نفس) وقوله: تمرة خير من جرادة.
[ ١ / ٢٤٦ ]
وإذا كان جمعا دل على جمع شائع في الجنس، فالنظر إلى الشيوع.
قال العطار ﵀ ﷾: وقول ابن الحاجب ﵀ ﷾: ما دل على شائع في جنسه، معناه ما دل على حصة من الجنس، ممكنة الصدق على كل من حصص كثيرة مندرجة تحت مفهوم كلي.
وقول الآمدي ﵀ ﷾: إنه عبارة عن النكرة في سياق الإثبات، بنحو معناه، لا أن مراده النكرة المحضة، بدليل قوله عقبه: إنه احترز بقوله: نكرة عن المعارف، وعما مدلوله واحد معين، أو عام مستغرق، ثم تصريحه بأن النكرة تخرج بالاستغراق عن التنكير، إذ لا يخفى أنها إنما تخرج به عن كونها نكرة محضة، لا أنها تصير معرفة اهـ
والقول باستواء المطلق والنكرة هو الموافق لكلام أهل العربية، إذ لا دليل في كلامهم على الفرق المذكور، ولأن التكليف متعلق بالأفراد، دون المفهومات الكلية التي هي أمور عقلية قاله العطار ﵀ ﷾.
وأشار ﵀ ﷾ بقوله: عليه طالق البيت، إلى أنه ينبني على الاختلاف في استواء المطلق والنكرة واختلافهما: اختلاف الفقهاء في من قال لزوجته: إن كان ما في بطنك ذكرا، فأنت طالق، فولدت ذكرين، هل تطلق عليه أو لا؟
فقيل: تطلق، حملا على الجنس.
وقيل: لا تطلق نظرا للتنكير المشعر بالتوحيد، قاله المحلي ﵀ ﷾.
بما يخصص العموم قيِّد … ودع لما كان سواه تقتدي
معناه أن المطلق يقيد بنحو ما سبق أنه يخصص العام مما يتأتى تقييده به.
قال أبو الوليد الباجي ﵀ ﷾ في الإشارة: التقييد يقع بثلاثة أشياء: الغاية، والشرط، والصفة.
فأما الغاية فقولك: اضرب زيدا، وعمرا أبدا حتى يرجع إلى الحق، فلولا أنه قيد الضرب بالرجوع إلى الحق، لاقتضى ذلك ضربه أبدا.
وأما الشرط فقولك: من جاءني من الناس فأعطه درهما، فقيد ذلك بالشرط.
وأما الصفة فقولك: أعط القرشيين المؤمنين، فقيد بصفة الإيمان، ولولا ذلك لاقتضى
[ ١ / ٢٤٧ ]
اللفظ كل قرشي اهـ
والشأن لا يعترض المثال … إذ قد كفى الفرض والاحتمال
وجميع ما تقدم من البحوث في العام والخاص، جار في المطلق والمقيد، ولا يفترق البابان إلا في ما أشار إليه ﵀ ﷾ بقوله:
وحمل مطلق على ذاك وجب … إن فيهما اتحد حكم وسبب
معناه أن المطلق والمقيد إذا اتفقا في الحكم والسبب، وجب حمل المطلق على المقيد، لأن السبب الواحد لا يوجب متنافيين، وذلك كتقييد الوصية في قوله ﷾ جل من قائل: (من بعد وصية يوصي بها) الآية الكريمة، بحديث " الثلث والثلث كثير " (^١) وحديث " فلا وصية لوارث " (^٢) وأما التمثيل بقوله ﷾ جل من قائل: (أو دما مسفوحا) فالظاهر أنه سهو، وأن ذلك من قبيل تخصيص العام.
وكذلك التمثيل بقوله ﷾ جل من قائل: (يأخذ كل سفينة غصبا). … وكذلك التمثيل بقراءة ابن مسعود - رضي الله ﷾ عنه - في آية كفارة اليمين، لاتحاد المورد (^٣).
والوصف في الآية الأولى يقتضيه السياق، فالتعليل للخرق بشأن الملك مع السفن، صريح في أنه لا يأخذ ذات الخرق، فالنص ليس مطلقا، حتى يقال إنه مقيد بالإجماع والله ﷾ أعلم بالصواب.
وقد نقل الاتفاق على حمل المطلق على المقيد في هذه الحالة القاضي أبو بكر والقاضي عبد الوهاب وابن فورك وإلكيا الطبري ﵏ ﷾ قاله في الإرشاد.
وليس القول به خاصا بمن يرى حجية المفهوم، كما بينه ابن عاشور ﵀
_________________
(١) متفق عليه.
(٢) رواه أبو داوود والترمذي وابن ماجة والإمام أحمد، وهو حديث صحيح.
(٣) والنص الواحد لا يمكن أن يكون مطلقا مقيدا.
[ ١ / ٢٤٨ ]
﷾.
ومحل حمل المطلق على المقيد، إذا لم يتأخر المقيد عن وقت العمل بالمطلق، فإن تأخر كان ناسخا للمطلق، بالنسبة إلى صدقه بغير المقيد، فلو قال: إن ظاهرت فأعتق رقبة، ثم قال بعد ذلك: إن ظاهرت فأعتق رقبة مؤمنة، كان ناسخا لما اقتضاه القول من إجزاء الرقبة الكافرة، وإنما يحمل عليه إذا تقارنا، أو تأخر المطلق، أو جهل تاريخهما، أو تأخر الخطاب بالمقيد، عن الخطاب بالمطلق، لكن ورد قبل وقت العمل بالمطلق، وإلى هذا أشار ﵀ ﷾ بقوله:
وإن يكن تأخر المقيد … عن عمل فالنسخ فيه يعهد
وذلك لامتناع تأخر البيان عن وقت الحاجة، كما تقدم بيانه، والله ﷾ أعلم.
وإن يكن أمر ونهْي قُيِّدا … فمطلق بضد ما قد وجدا
المراد أنه إذا تقابل أمر ونهي، وكان أحدهما مقيدا، والآخر مطلقا، فالمطلق منهما مقيد بضد ما قيد به المقيد، جمعا بينهما.
فإذا قال: أعتق رقبة مؤمنة، وقال: لا تعتق رقبة، قيدت الرقبة في النهي بالكفر، وفي تسمية هذا تقييدا توسع.
وإذا قال: لا تعتق رقبة كافرة، وقال أعتق رقبة، قيدت الرقبة في الأمر بالإيمان.
وحيث ما اتحد واحد فلا … يحمله عليه جل العقلا
معناه أن المطلق لا يحمل على المقيد إذا اتفقا في الحكم دون السبب، أو في السبب دون الحكم، بل يبقى المطلق على إطلاقه، هذا مذهب جل المالكية، وهو مذهب الإمام أبي حنيفة ﵀ ﷾.
وذهب جمهور الشافعية إلى أنه يحمل عليه، وجعله الرازي ضعيفا جدا.
وذهب محققون منا ومنهم إلى جواز التقييد بالقياس على المقيد على نحو ما يأتي اشتراطه في القياس، لا أن ذلك مطرد، هكذا ذكر هذا القول جماعة، وليس الكلام في هذا، إنما الكلام في الحمل بمقتضى اللفظ.
[ ١ / ٢٤٩ ]
ومثال ذلك: إطلاق الرقبة في الظهار، وتقييدها في القتل، فيبقى المطلق على إطلاقه لاختلاف السبب، وإطلاق الأيدي في التيمم، وتقييدها في الوضوء بالمرافق، فيبقى المطلق على إطلاقه لاختلاف الحكم، إذ هو في المقيد الغسل، وفي المطلق المسح.