معنى له في القصد قل تأصل … وهو الذي اللفظ به يستعمل
أشار بهذا البيت إلى تعريف المنطوق، فذكر أنه المعنى الذي يراد من اللفظ في محل النطق، بحيث لا تتوقف استفادته من اللفظ، إلا على مجرد النطق به، بأن تكون دلالته عليه ناشئة من وضع اللفظ له، ولو وضعا نوعيا، كما في المجاز، حكما كان، أو لا، ذاتا كان، أو معنى.
أولها: كمجيء زيد، في قولك: جاء زيد.
والثاني: كزيد، والثالث: كالمجيء، خلافا لابن الحاجب ﵀ ﷾ حيث خصه كالمفهوم بالحكم، لأنهما عنده الدلالة لا المدلول.
فقوله: معنى له في القصد قل تأصل، معناه أنه المعنى الذي يفهم من اللفظ ابتداء، بلا واسطة شيء، من لزوم أو غيره، بخلاف المفهوم، فإنه مفهوم بالنظر إلى المعنى، إما من جهة كونه مناط الحكم، كما في مفهوم الموافقة بنوعيه، وبعض مفاهيم المخالفة، وإما من جهة التقييد، كما في كثير من مفاهيم المخالفة، وبخلاف توابع المنطوق، فهي مفهومة من لازم خارج عن مدلول اللفظ، كما في المدلول عليه بالاقتضاء، أو الإشارة، أو من السياق، كما في الإيماء.
فالمنطوق هو المعنى الأصلي الذي يفهم من اللفظ ابتداء، والمعاني الأخرى متفرعة عنه، والله ﷾ أعلم.
نص إذا أفاد ما لا يحتمل … غيرا، وظاهر إن الغير احتمل
[ ١ / ٧٥ ]
معناه أن دلالة اللفظ على المعنى المنطوق على وجهين:
دلالة صريحة لا تحتمل، كالأعلام كزيد، وأسماء العدد، حيث لم تكن هناك قرينة صارفة كالتشبيه في أولهما، والمبالغة في الثاني.
ويسمى المنطوق في ذلك نصا.
ودلالة ظاهرة، محتملة غير المعنى الظاهر احتمالا مرجوحا، وذلك كقولك رأيت بحرا، فهو في البحر المعروف حقيقة، ويحتمل بمرجوحية: رجلا - مثلا - موصوفا بالكرم.
ويسمى المنطوق في ذلك ظاهرا.
قال إمام الحرمين ﵀ ﷾ في البرهان: فمن الظواهر إذن مطلق صيغة الأمر، فالصيغة ظاهرة في الوجوب، مؤولة في الندب والإباحة، كما سبق في القول في محامل الصيغ.
ومنها صيغة النهي المطلقة، فهي ظاهرة في التحريم، مؤولة إذا حملت على التنزيه.
ومنها النفي الشرعي المطلق في قوله صلى الله تعالى عليه وسلم " لا صيام لمن لم يبيت الصيام من اليل " (^١) فهي ظاهرة في نفي الجواز، مؤولة في نفي الكمال.
ومنها حمل الصيغ المطلقة الموضوعة في اللغة للعموم، على وجه العموم ظاهر، مؤول حمله على وجه الخصوص.
ومنها تلقي المفهوم من التخصيص على الشرط الذي سيأتي، والاستمساك به تعلق بالظاهر، وتركه في حكم التأويل اهـ
وأما اللفظ المحتمل لمعنيين من غير راجحية، فهو المجمل، وسيأتي الكلام عليه - إن شاء الله ﷾.
والكل من ذين له تجلى … ويطلق النص على ما دلا
وفي كلام الوحي
أشار بهذا إلى أن لفظ النص، يطلق بإزاء ثلاثة معان أخرى:
_________________
(١) رواه أبو داوود والترمذي والنسائي وابن ماجة بألفاظ متقاربة، وهو حديث صحيح.
[ ١ / ٧٦ ]
أحدها: ما يعم معناه المذكور ومعنى الظاهر المذكور أيضا.
فهو بهذا المعنى مرادف للمنطوق.
وإلى هذا أشار بقوله: والكل من ذين له تجلى، أي: والكل من معنى النص المذكور، ومعنى الظاهر، له تجلى أي: ظهر، يعني أنه يطلق على ما يعمهما، كما في النشر.
ونقله في البحر عن إلكيا الطبري عن الإمام الشافعي ﵏ ﷾ وعبارته: كل خطاب علم ما أريد به من الحكم.
قال الزركشي ﵀ ﷾: ثم على هذا ينقسم النص إلى ما يحتمل وإلى ما لا يحتمل اهـ
ونسب إمام الحرمين هذا القول في البرهان، للقاضي أبي بكر الباقلاني - رحمهما الله ﷾.
والظاهر أن هذا هو مراد من قال: إن النص يستعمل في الظاهر، كشيخ الإسلام زكريا ﵀ ﷾ في غاية الوصول، لا أنه يختص بالظاهر في هذا الاستعمال، عما لا يحتمل، كما هو مقتضى بعض شروح المراقي.
وظاهر الشيخ ﵀ ﷾ في النشر، أنه فهم على ما ذكر عن الإمام الشافعي والقاضي أبي بكر، قول القرافي ﵏ ﷾ أجمعين - في التنقيح: وقيل ما دل على معنى قطعا، وإن احتمل غيره، كصيغ الجموع في العموم، فإنها تدل على أقل الجمع قطعا، وتحتمل الاستغراق اهـ
وليس ببين فيه.
وقد حكى نحو ما للقرافي، التاج السبكي - رحمهما الله ﷾ في الإبهاج.
ومقتضاه أن النص على الاستعمال السابق، لا يكون نصا حتى تكون دلالته على كل ما يدل عليه قطعية.
والمعروف في استعمال العلماء أن اللفظ يكون نصا باعتبار بعض ما يدل عليه، غير نص باعتبار بعض آخر.
نظير ما يأتي للشيخ في المحكم والمجمل.
[ ١ / ٧٧ ]
الثاني: اللفظ الدال، سواء كانت دلالته قطعية، أو راجحة، سواء كانت بطريق المنطوق، أو المفهوم، أو الاقتضاء، أو الإشارة، أو الإيماء، أو غيره من الدلالات.
قال في التنقيح: وهو غالب استعمال الفقهاء اهـ
الثالث: إطلاقه في الكتاب والسنة خاصة، فيقابله القياس والإجماع.
فتحصل أنه يطلق بمعنى المنطوق الدال على وجه لا احتمال فيه، وبمعنى المنطوق عموما، وبمعنى اللفظ الدال كيف كانت دلالته، وبمعنى الكتاب والسنة.
وقد يستعمله الفقهاء في مقابل التخريج، والله ﷾ أعلم.
والمنطوق هل … ما ليس بالصريح فيه قد دخل
معناه أن المدلول عليه بالاقتضاء، أو الإشارة، أو الإيماء، اختلف فيه، هل هو داخل في المنطوق، أو المفهوم؟
وعلى الأول، فالمنطوق نوعان:
منطوق صريح، وهو ما تقدم.
ومنطوق غير صريح، وهو الثلاثة المذكورة، هذا هو المراد.
وذكر الشربيني في تقريراته على حاشية البناني - رحمهما الله ﷾ أن تنويع المنطوق إنما هو على طريقة ابن الحاجب - رحمهما الله ﷾ التي ترى المنطوق والمفهوم أقساما للدلالة.
وأما على الطريقة التي سلك الشيخ ﵀ ﷾ تبعا للأكثرين، فالمدلول عليه بالالتزام ونحوه ليس منطوقا، لأن الدلالة عليه ليست في محل النطق، قال: وإنما هو عند المصنف من توابع المنطوق.
فالمدلولات عنده ثلاثة: منطوق، وتوابعه، ومفهوم.
وقد صرح بتثليث الأقسام الآمدي ﵀ ﷾ وبعض شروح المنهاج. ثم قال: فإن قلت: ما الفرق بين المفهوم وتوابع المنطوق؟
قلت: المفهوم يقصد التنبيه بالمنطوق عليه، إما تنبيه بالأعلى على الأدنى، أو بالعكس، أو التنبيه بالشيء على ما يساويه، وكل ذلك للمناسبة بينهما، بخلاف توابع المنطوق، كما
[ ١ / ٧٨ ]
يعرفه الذكي المحقق اهـ
وهْو دلالة اقتضاء إن يدل … لفظ على ما دونه لا يستقل
دلالة اللزوم، مثل ذات … إشارة، كذاك الايما آت
فأول إشارة اللفظ لما … لم يكن القصد له قد علما
دلالة الإيماء والتنبيه … في الفن تقصد لدى ذويه
أن يقرن الوصف بحكم إن يكن … لغير علة يعبْه من فطن
أشار بهذا، إلى تفسير دلالة الاقتضاء، والإشارة، والإيماء.
فذكر أن دلالة الاقتضاء، هي: دلالة اللفظ باللزوم على معنى لا يستقل الكلام دونه، لتوقف صدقه عليه، أو صحته شرعا، أو عقلا.
مثال توقف الصدق: قوله - صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم - في حديث ذي اليدين - رضي الله تعالى عنه ـ: " كل ذلك لم يكن " (^١) يعني في ظني.
ومثال ما تتوقف عليه الصحة عقلا: قوله ﷾ جل من قائل: (حرمت عليكم الميتة) فالعقل يقتضي أنه لا تكليف إلا بفعل، وذلك يقتضي تقديرا في الكلام.
ومثال توقف الصحة شرعا: الأمر بالصلاة، فهو مقتض للأمر بالطهارة.
وإلى هذا الإشارة بقوله: وهو دلالة اقتضاء إن يدل لفظ على ما دونه لا يستقل دلالة اللزوم.
ودلالة الإشارة: دلالة اللفظ باللزوم على معنى غير مقصود بالأصالة، لا يتوقف عليه صدق الكلام، ولا صحته، كدلالة قوله ﷾ جل من قائل: (أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم) على جواز إصباح الصائم جنبا، لأن ليلة الصيام التي هي ظرف للحل، تصدق بآخر جزء منها، الذي لا يمكن أن يقع بينه وبين الصبح غسل.
وإلى هذا الإشارة بقوله: إشارة اللفظ لما لم يكن القصد له قد علما.
ودلالة الإيماء والتنبيه هي: اقتران الحكم بوصف على وجه يقتضي عليته له، كقوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم للأعرابي الذي قال: واقعت أهلي في نهار رمضان "
_________________
(١) متفق عليه.
[ ١ / ٧٩ ]
أعتق رقبة " (^١) فالسياق مقتض علية الوقاع للإعتاق، وإلى هذا الإشارة ببقية الأبيات.
فتحصل أن اللفظ يدل على ثمانية أشياء، وهي:
المنطوق بنوعيه: النص والظاهر، والدلالة عليه من وضع اللفظ دون توقف على شيء. ومفهوم الموافقة بنوعيه: الأولى والمساوي، والدلالة عليهما بالنظر إلى المعنى المنوط به الحكم، كما تقدم بيانه.
ومفهوم المخالفة، وهو أنواع، سيأتي ذكرها قريبا - إن شاء الله ﷾ والدلالة عليه من جهة اقتضاء التقييد، اختصاص المذكور بالحكم، وانتفاءه بانتفاء القيد - مثلا - أو اقتضاء العلية دوران الحكم مع المعنى وجودا وعدما.
وتوابع المنطوق الثلاثة: الاقتضاء، والإشارة، والإيماء.
ودلالة اللفظ على الأولين التزامية.
والفرق بينهما: توقف الصدق أو الصحة في الاقتضاء دون الإشارة.
وأما دلالة الإيماء فهي دلالة سياقية، والله ﷾ أعلم.
وغير منطوق هو المفهوم
أشار بهذا إلى أن المفهوم هو ما دل عليه اللفظ في غير محل النطق.
وينقسم المفهوم إلى مفهوم موافقة، ومفهوم مخالفة، وإلى الأول منهما أشار بقوله:
منه الموافقة قل معلوم
يُسْمى بتنبيه الخطاب، وورد … فحوى الخطاب اسما له في المعتمد
ومعنى البيت الثاني، أن مفهوم الموافقة يسمى بتنبيه الخطاب، وفحوى الخطاب، كما أشار له بالبيت، وأشار إلى تعريفه بقوله:
إعطاء ما للفظة المسكوتا … من باب أولى نفيا أو ثبوتا
ومعناه أن مفهوم الموافقة، هو ثبوت حكم المنطوق للمسكوت عنه على وجه الأحروية، سواء كان ذلك في سياق النهي أو غيره، كان إثباتا، أونفيا.
_________________
(١) متفق عليه.
[ ١ / ٨٠ ]
مثال النهي: قوله ﷾ جل من قائل: (فلا تقل لهما أف) فهو مقتض لحرمة ما هو أبلغ منه في الأذية، التي هي المعنى الموجب للنهي، كالضرب بالأولى والأحرى. ومثاله في النفي في سياق الخبر: قوله ﷾ جل من قائل: (ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك) فانتفاء الأمانة في الدينار، يقتضي انتفاءها في القنطار بالأولى. ومثاله في سياق الإثبات: قوله ﷾ جل من قائل: (ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك) فثبوت الأمانة في القنطار، يقتضي ثبوتها في الدينار بالأولى، وعلى هذه الطريقة، فمفهوم الموافقة خاص بالأولى، وإن كان المساوي مثله في الاحتجاج، ويسمى مفهوم مساواة.
فالمفاهيم على هذا ثلاثة: موافقة، ومساواة، ومخالفة، وهذا معزو للأكثرين، وأشار إلى المشهور من تقسيم مفهوم الموافقة إلى أولى ومساو، بقوله:
وقيل ذا فحوى الخطاب، والذي … ساوى بلحنه دعاه المحتذي
ومعنى هذا أن منهم من ذهب إلى أن مفهوم الموافقة نوعان:
أولى، ويسمى فحوى الخطاب، وهو ما تقدم.
ومساو، ويسمى لحن الخطاب، وهو ما يكون حكم المسكوت فيه، مساويا لحكم المنطوق، مع الاستواء في المعنى الذي هو مناط الحكم.
وذلك كإتلاف مال اليتيم بغير الأكل، المفهوم تحريمه من تحريم أكله، المستفاد من الوعيد عليه، في قوله ﷾ جل من قائل: (إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا) لمساواته له في تفويته عليه.
دلالة الوفاق للقياس … وهْو الجلي تُعزى لدى أناس
وقيل للفظ مع المجاز … وعزوها للنقل ذو جواز
اختلف في الدلالة على مفهوم الموافقة، هل هي لفظية أو لا؟
فنقل عن الإمام الشافعي ﵀ ﷾ وجماعة: أنها قياسية، فحرمة الضرب إنما فهمت بالقياس الجلي على حرمة التأفيف، بجامع الإيذاء، وليست مفهومة من اللفظ، وذلك لتوقفها على النظر إلى المعنى الذي هو مبنى الحكم في المنطوق.
[ ١ / ٨١ ]
فلو لا أنه عُلم أن موجب التحريم في التأفيف، أنه أذية، لم يقتض تحريمه تحريم الضرب، فقد ينهى عن السب، مع الإذن في الضرب لمعنى صحيح، كأن يقول الرجل لغلامه - مثلا ـ: لا تسب فلانا، ولكن اصفعه - مثلا - أو اضربه، فكانت دلالته قياسية.
وقيل: إنها لفظية، واختلف القائلون به، فمنهم من قال هي مجازية، حيث عبر بالأخص كالتأفيف، مرادا به الأعم، الذي هو الإيذاء.
فحرمة غير التأفيف إنما فهمت من القرينة، لما تقدم من صحة منع إيذاء، مع الإذن في ما هو أشد منه، فهي من المجاز المرسل.
ومنهم من قال: إن العرف اللغوي، نقل اللفظ من وضعه للدلالة على ثبوت الحكم به للمذكور خاصة، إلى ثبوته به للمذكور والمسكوت عنه معا، فهي حقيقة عرفية.
وغير ما مر هو المخالفه … ثمت تنبيه الخطاب حالفه
كذا دليل للخطاب انضافا
معناه أن غير ما سبق من المفهوم: هو مفهوم المخالفة.
والذي سبق ذكره من المفهوم هو ما كان المسكوت عنه فيه مساويا في الحكم للمنطوق به.
فمفهوم المخالفة هو ما كان المسكوت عنه فيه مخالفا في الحكم للمنطوق به.
ويسمى تنبيه الخطاب، ودليل الخطاب.
والثابت في المخالفة هو نقيض الثابت في المنطوق لا ضده.
ودع إذا الساكت عنه خافا
أشار بهذا إلى موانع اعتبار مفهوم المخالفة، وهي غير منحصرة في ما ذكره، فما ذكره أمثلة فقط.
وبيان ذلك: أن الأصل أن تخصيص المنطوق بالذكر، إنما يكون لاختصاصه بالحكم، فإذا ظهرت فائدة لتخصيصه بالذكر، غير اختصاصه بالحكم، امتنع اعتباره، لانعدام المعنى الذي هو مبنى اعتباره.
فإذا قامت القرينة على أنه إنما خصه بالذكر مخافة أمر إذا جاء بدله بما يعم المسكوت
[ ١ / ٨٢ ]
عنه، لم يعتبر، وهذا هو المراد بهذا الشطر.
ومثلوا له بقول حديث عهد بالإسلام لعبده بحضور المسلمين: تصدق بهذا على المسلمين، يخص المسلمين بالذكر خوف التهمة بالنفاق.
ومن الأمثلة أن يخصه بالذكر لجهل حكم المسكوت عنه، كقوله: في الغنم إذا كانت ضأنا الزكاة، يخص الضأن بالزكاة لجهله حكم المعز.
ومن الأمثلة أيضا أن يكون ذكره له على الخصوص، واقعا في جواب سؤال عن خصوص المنطوق، دون المسكوت عنه، فيخص بالذكر في الجواب كذلك.
ومن الأمثلة أن يخصه بالذكر لغلبته وكثرته، وندور المسكوت عنه، فيكون التخصيص خارجا على الوجه الغالب، لا لاختصاص المذكور بالحكم.
ومثلوا له بقوله ﷾ جل من قائل: (وربائبكم التي في حجوركم من نسائكم التي دخلتم بهن) فالوصف بكونهن في الحجر خارج مخرج الغالب، فالغالب في الربيبة أن تكون في حجر زوج أمها.
ومن أمثلته أيضا قوله ﷾ جل من قائل: (ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق) فالغالب أن الوالد لا يقتل ولده إلا خشية الإملاق، وإلى هذا أشار بقوله:
أو جَهِلَ الحكم، أو النطق انجلب … للسؤل أو جري على الذي غلب
ومن الأمثلة أيضا أن يخصه بالذكر لمزيد المنة فيه.
ومثلوا له بقوله ﷾ جل من قائل: (لتأكلوا منه لحما طريا) فتخصيص الطري بالذكر، لأن المنة فيه أعظم، فلا يكون ذلك مقتضيا لعدم جواز المجفف مثلا.
ومن الأمثلة أيضا كون النص واردا على واقعة موضوعها المنطوق، فيخص بالذكر لموافقة الواقع، ومثلوا لذلك بقوله ﷾ جل من قائل: (لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة) فالأضعاف لا مفهوم لها، وإنما خَصتها الآية الكريمة بالذكر، لأنها جاءت للنهي عما كانوا عليه من ذلك، حيث يقول صاحب الحق لصاحبه عند حلوله: إما أن تقضي، وإما أن تربي.
ومن الأمثلة أيضا أن يكون تخصيص المنطوق بالذكر خارجا على وجه التعليم لمن علم
[ ١ / ٨٣ ]
أنه يجهل حكمه دون المسكوت عنه، كأن تعلم من شخص أنه يجهل وجوب الزكاة في المعز ويعلم وجوبها في الضأن، فتقول له: نوع الغنم المسمى بالمعز تجب فيه الزكاة، فلا يكون هذا مقتضيا لاختصاص الزكاة في الغنم بالمعز.
ومن الأمثلة أيضا خروج التنصيص على المنطوق، على وجه التأكيد والتهويل.
ومثلوا له بحديث " لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا " (^١) فالوصف بالإيمان بالله واليوم الآخر، ليس لإخراج الكافرة، بل لتأكيد الحكم، بتشبيه التاركة له، بمن لا تؤمن بالله ﷾ واليوم الآخر، وإلى هذا أشار بقوله:
أو امتنان أو وفاق الواقع … والجهل والتأكيد عند السامع
وأشار بقوله:
ومقتضِي التخصيص ليس يحظُل … قيسا، وما عُرض ليس يشمل
إلى أن ما ذكر مما يمنع اعتبار المفهوم، لا يمنع إلحاق المسكوت عنه بالمنطوق، بطريق القياس، عند وجود وصف جامع يصح الإلحاق به، الذي سيأتي بيانه - إن شاء الله ﷾.
فالأمور المذكورة إنما تدل على أن لتخصيص المنطوق بالذكر فائدة غير الاختصاص بالحكم، فيبقى المفهوم مسكوتا عنه معنى أيضا، إذ لم يتناوله الكلام.
وقيل: إن الأمور المذكورة تقتضي بطلان القيد المذكور، بحيث يكون كأن لم يذكر جملة، فيكون المقيد عاما في المذكور والمسكوت عنه، فكأن لفظ (التي في حجوركم) - مثلا - لم يذكر أصلا، فيكون لفظ ربائبكم من نسائكم، عاما في مكفولته وغيرها، ونقل الإجماع على خلافه أيضا، والله ﷾ أعلم.
وقول الشيخ ﵀ ﷾: وما عرض، يعني به اللفظ، وذلك لعروض التقييد له، وعدل إلى ذلك عن الموصوف، دفعا لتوهم اختصاص ما ذكر بالصفة.
_________________
(١) متفق عليه.
[ ١ / ٨٤ ]
وهو ظرف علة وعدد … ومنه شرط غاية تعتمد
والحصر والصفة مثل ما علم … من غنم سامت وسائم الغنم
معناه أن مفهوم المخالفة - بمعنى محل الحكم - أنواع:
منها الظرف زمانيا كان أو مكانيا، أولهما كقوله ﷾ جل من قائل: (ليذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام)
والثاني كقوله ﷾ جل من قائل: (فول وجهك شطر المسجد الحرام) ومنها العلة، قال الطاهر ابن عاشور في حاشيته على تنقيح القرافي - رحمهما الله ﷾: لا شك أن المراد من العلة في تعداد المفاهيم: العلة النحوية، وهي ما يدل على أن الفعل وقع لأجله، مثل لام التعليل، وكي، والمفعول لأجله، وغير ذلك، لا العلة التي هي أحد أركان القياس، وعليه فالفرق بينها وبين الصفة النحوية، لا يحتاج إلى بيان، ولا يرد عليه سؤال كما توهمه المصنف اهـ
وهذا بين، ولذلك عدوا الشرط، ومعلوم أن الشروط اللغوية أسباب، ولو أريد كل ما قد يؤذن بالعلية، لاحتيج إلى الفرق بين العلة والظرف، وبينها وبين العدد، وبينها وبين الغاية.
ومثال العلة: قوله ﷾ جل من قائل: (رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل)
ومن مفاهيم المخالفة: العدد، كقوله ﷾ جل من قائل: (لو لا جاءو عليه بأربعة شهداء)
ومنها الشرط، كقوله ﷾ جل من قائل: (وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن)
ومنها الغاية، كقوله ﷾ جل من قائل: (حتى يضعن حملهن)
ومنها الحصر، وله أدوات، منها الاستثناء بعد النفي، كقوله ﷾ جل من قائل: (فاعلم أنه لا إله إلا الله)
ومنها إنما، كقوله ﷾ جل من قائل: (إنما تعبدون من دون الله أوثانا) الآية
[ ١ / ٨٥ ]
ومنها تقديم المعمول، كقوله ﷾ جل من قائل: (والظالمين أعد لهم عذابا أليما)
ومن مفاهيم المخالفة أيضا الصفة، كقوله ﷾ جل من قائل: (أو دما مسفوحا)
والمراد بها الصفة النحوية كما تقدم في كلام ابن عاشور ﵀ ﷾.
وأشار بقوله: مثل ما علم من غنم سامت، وسائم الغنم، إلى أنه لا فرق بين أن تتقدم الصفة على الموصوف، فلا فرق بين قولك مثلا: سابق الأزمنة، وقولك: الأزمنة السابقة، فكلاهما مقتض لاختصاص الحكم بزمن سابق.
معلوفة الغنم أو ما يعلف … ألخلف في النفي لأي يصرف
أشار بهذا إلى أنه اختلف في المقيد بقيد كالصفة مثلا، هل يرجع النفي فيه في المفهوم إذا كان المنطوق مثبتا، والإثبات إذا كان المنطوق منفيا، إلى القيد في خصوص ذلك الموضوع المدلول عليه بالمقيد، فيكون مفهوم قولنا: في الغنم السائمة زكاة، أن المعلوفة من الغنم خاصة لا زكاة فيها، ولا يتناول المفهوم معلوفة غيرها، كما لم يتناول المنطوق سائمة غير الغنم، ويكون مفهوم قوله ﷾ جل من قائل: (أو دما مسفوحا) إباحة الدم الذي ليس بمسفوح، ويكون مفهوم قوله ﷾ جل من قائل: (وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن) أن البائن التي ليست بحامل لا تجب النفقة عليها.
أو يرجع إليه مطلقا، فيكون مفهوم الأول، سقوط الزكاة في المعلوفة مطلقا، ومفهوم الثاني الإذن في كل ما ليس بمسفوح دما أو غيره، ومفهوم الثالث سقوط نفقة غير الحامل مطلقا، مطلقة أو لا، بائنا أو لا.
ولا يخفاك ما يترتب على هذا من الأمور الخارقة للإجماع.
ويبعد أن يقول بهذا أحد ممن يعتد بقوله على وجه مطلق، وغاية ما يمكن القول به في هذا أن ذلك - أعني رجوع النفي إلى القيد فقط - قد يقع، فقد تقوم القرينة على أن المقصود دوران الحكم مع القيد مطلقا، لا بشرط تحققه مع خصوص المقيد المذكور، كقولك: الرجل العابد لا يكون محروما، فهذا يفهم منه بالقرينة، سببية العبادة للرزق ولعدم
[ ١ / ٨٦ ]
الحرمان مطلقا، لا في خصوص الرجل.
وكقولك: إذا لم تكن عالما، لم تكن عزيزا، فمثل هذا يفهم منه بالقرينة سببية العلم للعز، وعدمه لعدمه مطلقا، لا في خصوص المخاطب.
لكن ينبغي أن يلاحظ هنا، أن المقيد دلت القرينة على إلغائه في المنطوق أولا، فرجع النفي بسبب ذلك إلى القيد خاصة، والقرينة مخصصة للقواعد الأصولية كلها، فمتى قامت القرينة على إرادة معنى تعين المصير إليه، لأن ظاهر القصد مقدم على ظاهر اللفظ، لأن ظاهر اللفظ إنما ترجح لظهوره في القصد، والله ﷾ أعلم.
أضعفها اللقب، وهْو ما أُبي … من دونه نظم الكلام العربي
معناه أن أضعف مفاهيم المخالفة، مفهوم اللقب، واللقب قال الطاهر بن عاشور ﵀ ﷾ في حاشيته: هو الاسم الجامد الذي لا يؤذن بموصوف.
قال في النشر: سواء كان اللقب علما بأنواعه الثلاثة، من اسم، وكنية، ولقب، أو اسم جنس، جامدا كان أو مشتقا غلبت عليه الاسمية، أما ما لم تغلب عليه، فإن ذكر موصوفه فهو ما تقدم، أو لا نحو في السائمة زكاة، فالأظهر عند السبكي ﵀ ﷾ أنه كاللقب، لاختلال الكلام بدونه، وقيل من الصفة، وكاسم الجنس اسم الجمع، كقوم ورهط اهـ
وإنما لم يراع اللقب لما تقدم من أن تخصيص المنطوق بالذكر إنما يدل على اختصاصه بالحكم إذا لم تظهر فائدة غير ذلك، واللقب محتاج إلى ذكره ليسند إليه، إذ لا يمكن إسناد خبري دون مسند إليه، وهذا هو ما أشار إليه الشيخ ﵀ ﷾ بقوله: وهو ما أبي من دونه نظم الكلام العربي.
وذلك هو المراد بتعليل قول السبكي ﵀ ﷾ في الكلام السابق على الموصوف نحو في السائمة زكاة، والأوجه أنه حجة، فترتيب الحكم على الموصوف موذن بتأثير صفته في الحكم، وقصد غير ذلك ممتنع بلاغة كما تقدم، وهذا هو المعنى الذي لأجله اعتبر مفهوم الصفة، بل مفاهيم المخالفة كلها، كما بينه القرافي ﵀ ﷾ في
[ ١ / ٨٧ ]
الفرق الحادي والستين، (^١) وتفاريع أصحابنا صريحة في الأخذ به، والله ﷾ أعلم.
أعلاه لا يرشد إلا العلما … فما لمنطوق بضعْف انتمى
فالشرط فالوصف الذي يناسب … فمطلق الوصف له يقارب
فعدد ثمت تقديم يلي … وهو حجة على النهج الجلي
أشار بهذا إلى ترتيب أنواع مفاهيم المخالفة في القوة، فذكر أن أقواها الحصر بإلا بعد النفي، لأن جماعة من أهل العلم قد ذهبوا إلى أنه منطوق صريح.
ويلي ذلك ما قيل فيه إنه منطوق بالإشارة على ضعف، كمفهوم إنما، ومفهوم الغاية.
ويلي ذلك مفهوم الشرط، وتأخر عن الغاية لأن نفاته يقولون بها.
ويلي ذلك مفهوم الصفة، وتأخرت عن الشرط لأن بعض القائلين به خالف فيها، وتقدم الصفة المناسبة نحو: في الغنم السائمة زكاة، على الصفة التي ليست مناسبة، نحو: إذا لقيت رجلا ثريا فتصدق عليه.
وما ذكر في نثر الورود هنا من اختصاص التعبد بالعبادات، سهو.
ويلي مفهوم الصفة: مفهوم العدد، وتأخر عن الصفة أيضا لأن بعض القائلين بها أنكروه.
ويلي ذلك: مفهوم الحصر بتقديم المعمول، وإنما تأخر للاختلاف في اقتضائه الحصر.
قوله: وهو حجة على النهج الجلي، معناه أن مفهوم المخالفة - ما عدا اللقب - حجة عند جماهير أهل العلم، وأنكر الإمام أبو حنيفة ﵀ ﷾ الجميع، وحكي عن القفال الشاشي، وأبي حامد المروزي - رحمهما الله ﷾ وذكر شمس الأئمة السرخسي ﵀ ﷾ من الحنفية أنه ليس بحجة في خطابات الشرع، وأما في مصطلح الناس وعرفهم فهو حجة، وعكس ذلك بعض المتأخرين من الشافعية، قاله في
_________________
(١) ونصه: ومفهوم الصفة ونحوه، فيه رائحة التعليل، فإن الشروط اللغوية أسباب أيضا، فمتى جعل الشيء شرطا، أشعر ذلك بسببية ذلك الشرطعند المتعلق عليه، أدركنا نحن ذلك أم لا، وكذلك إذا حصر أو جعل غاية. وإذا كانت هذه الأشياء تشعر بالتعليل عند المتكلم بها، والقاعدة أن عدم العلة علة لعدم المعلول، فيلزم في صورة المسكوت عنه عدم الحكم، لعدم ثبوت العلة فيه اهـ
[ ١ / ٨٨ ]
إرشاد الفحول.