النسخ لغة: الرفع والإزالة، ومنه نسخت الريح الأثر، قال في الحلي: ومنه قوله ﷾ جل من قائل: (فينسخ الله ما يلقي الشيطان) ويطلق بمعنى النقل، والتحويل، ومنه تناسخ الأرواح، قيل: ومنه نسخت الكتاب، قال الزركشي ﵀ ﷾: وهو المعني بقوله ﷾ جل من قائل: (إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون) اهـ
ومذهب الأكثرين أنه حقيقة في الرفع والإزالة، مجاز في الثاني، وقيل مشترك بينهما، وقيل حقيقة في القدر المشترك بينهما.
واصطلاحا عرفه القاضي أبو بكر ﵀ ﷾ بأنه: رفع الحكم الثابت، بطريان الحكم اللاحق، المضاد له، مع تراخيه عنه، لأن الله ﷾ شرع الحكم السابق دائما على خلقه، والحكم الثاني اقتضى عدم دوام الحكم الأول، فعدم الحكم الأول، مضاف إلى وجود الحكم الثاني، قاله في النشر.
واختار التاج السبكي ﵀ ﷾ هذا القول، لتناوله للنسخ قبل
_________________
(١) متفق عليه.
[ ١ / ٢٦٣ ]
التمكن.
وقال السرخسي ﵀ ﷾: وأوجه ما قيل فيه، إنه عبارة عن التبديل، من قول القائل: نُسخت الرسوم، أي: بدلت برسوم أخر، إلى أن قال: وعبارة التبديل منصوص عليه في القرآن الكريم، قال ﷾ جل من قائل: (وإذا بدلنا آية مكان آية) اهـ
وهو في معنى ما قبله، قال في المحصول: والتبديل يشتمل على رفع وإثبات، والمرفوع إما التلاوة، وإما الحكم، وكيف ما كان فهو رفع ونسخ اهـ
وقيل: النسخ هو بيان انتهاء زمن الحكم السابق، بالخطاب الثاني، فعدم الحكم الأول، ليس مضافا لوجود الحكم الثاني، بل لأنه كان مغيا بغاية، علمناها بورود الحكم الثاني، وهذا هو مذهب جمهور الفقهاء، فهو راجع إلى التخصيص في الزمن، وقد يتصمن النص الأول تلويحا بالتوقيت، وذلك - في ما أحسب - كقوله ﷾ جل من قائل: (أو يجعل الله لهن سبيلا) وإلى هذا التعريف أشار الشيخ ﵀ ﷾ بقوله:
رفع لحكم أو بيان الزمن
وهذا يتناول نسخ التلاوة دون الحكم، لأنه نسخ للتعبد بألفاظ الآية الكريمة، وحرمة قرائتها على الجنب، ومسها للمحدث على الخلاف، وغير ذلك من الأحكام المتعلقة بالنظم.
وخرج بقوله: رفع لحكم، رفع البراءة كما تقدم بيانه، وخرج بكون الرفع بحكم، الرفع بزوال السبب، ولذلك لم يكن قول من قال: من سقط رجلاه نسخ غسلهما، جاريا على الاصطلاح، وإلى ذلك أشار﵀ ﷾ - بقوله:
بمحكم القرآن أو بالسنن
فلم يكن بالعقل
وأشار ﵀ ﷾ بقوله:
أو مجرد … الاجماع بل ينمى إلى المستند
إلى أن النسخ لا يقع بالإجماع، لأنه إنما ينعقد بعد متوفاه صلى الله تعالى عليه وعلى
[ ١ / ٢٦٤ ]
آله وسلم، ولا نسخ بعد متوفاه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم، فالناسخ هو دليل الإجماع الذي يستند إليه.
وكذلك القول في التخصيص والتقييد، فكل منهما لا يقع بالإجماع، فالإجماع دال على وجود ناسخ، أو مخصص، أو مقيد، وليس ناسخا بنفسه، ولا مخصصا، ولا مقيدا.
وكما لا يقع النسخ بالإجماع، كذلك لا يمكن نسخ الإجماع، لما تقدم من أنه إنما ينعقد بعد متوفاه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم، ولا نص بعد متوفاه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم.
ومنْع نسخ النص بالقياس … هو الذي ارتضاه جل الناس
أشار ﵀ ﷾ بهذا إلى أن مذهب الجمهور، امتناع النسخ بالقياس، لأن القياس إنما يستعمل مع عدم النص، ولأنه إن عارض نصا أو إجماعا كان فاسد الاعتبار.
وحكى القاضي أبو بكر ﵀ ﷾ عن بعضهم النسخ به مطلقا، لاستناده للنص.
وحكى عن قوم نسخ أخبار الآحاد به، دون المتواتر والقرآن الكريم.
وحكي عن أبي القاسم الأنماطي النسخ بمنصوص العلة دون مستنبطها.
وجعل الهندي ﵀ ﷾ محل الخلاف في حياة الرسول - صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم - وأما بعده فلا ينسخ به بالاتفاق.
وينسخ القياس بنسخ أصله، والمعول امتناع بقائه مع نسخ أصله، انظر الإرشاد.
ونسْخ بعض الذكر مطلقا ورد … والنسخ للنص بنص معتمد
والنسخ بالآحاد للكتاب … ليس بواقع على الصواب
قوله: ونسخ بعض الذكر مطلقا ورد، معناه أن نسخ بعض القرآن الكريم جائز تلاوة وحكما، مثل ما جاء عن عائشة رضي الله ﷾ عنها أنها قالت: كان في ما أنزل من القرآن " عشر رضعات معلومات يحرمن " (^١) أو تلاوة فقط، كآية الرجم، أو حكما فقط،
_________________
(١) رواه مسلم وأبو داوود والترمذي والنسائي وابن ماجة والإمام مالك.
[ ١ / ٢٦٥ ]
كآية عدة المتوفى عنها بالحول.
خلافا لمن قال: لا يجوز نسخ أحدهما دون الآخر، فنسخ أحدهما يستلزم نسخ الآخر.
قوله: والنسخ بالنص لنص معتمد، معناه أن نسخ النص - كيف كان - بالنص - كيف كان - جائز وواقع، على خلاف في نسخ القرآن بأخبار الآحاد، والأكثرون على أنه جائز، لكنه غير واقع، بل حكى طائفة الإجماع على عدم وقوعه.
وذهب قوم من أهل الظاهر إلى وقوعه، وهو رواية عن الإمام أحمد ﵀ ﷾.
وفصل قوم، فقالوا بوقوعه في زمن النبي - صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم - لا بعده.
وجعل القائلون بالوقوع من أمثلة وقوعه نسخ حديث " لا وصية لوارث " آية الوصية للوالدين والاقربين، في أمثلة أخرى عددوها.
قال في النشر: وممن قال بالوقوع أبو الوليد الباجي ﵀ ﷾ منا، وعليه مشى القرافي في التنقيح.
ونسخ النص بمساويه، متفق عليه، كنسخ الكتاب بالكتاب، والمتواتر بالمتواتر، والآحاد بالآحاد، وكذلك نسخه بأقوى منه، كنسخ السنة بالقرآن الكريم، ونسخ الآحاد بالمتواتر، كما في الإرشاد.
وأما نسخ القرآن الكريم بالسنة المتواترة، فهو مذهب الجمهور، وذهب الإمام الشافعي ﵀ ﷾ إلى منعه، ونقل عن أصحابه الاتفاق عليه، ونقل أيضا عن أكثرهم الجواز.
وأما ما نقله في الحلي هنا عن صاحب نثر الورود، فهو غلط ببن، كما بينه.
وينسخ الخِفُّ بما له ثِقَل … وقد يجيء عاريا من البدل
قوله: وينسخ الخف بما له ثقل، معناه أن الحكم الناسخ قد يكون أثقل من الحكم المنسوخ، كنسخ وجوب صوم عاشوراء، بإيجاب صوم رمضان، ونسخ جواز الخمر بتحريمها، وخالف في جواز ذلك الظاهرية، وبعض المعتزلة، معللين بعدم المصلحة في الانتقال إلى
[ ١ / ٢٦٦ ]
الأثقل.
وأجيب بمنع تعين الأصلح، ومنع لزوم عدم الأصلحية في ذلك.
وأما النسخ بالمساوي، والنسخ بالأخف، فلا خلاف في جوازه، كما في النشر والإرشاد.
وقوله: الخف، هو بكسر الخاء: الخفيف، وقوله: ثقل، هو كعوج.
وقوله: وقد يجيء عاريا من البدل، معناه أن الحكم قد ينسخ من دون بدل، عند الجمهور، كنسخ وجوب القيام للجنازة، ومنعه قوم، لقوله ﷾ جل من قائل: (ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها)
وأجيب بأن الجواب لا يجب أن يكون ممكنا، فضلا عن أن يكون واقعا.
وليس ببين، فالموضوع أنه واقع، ولا معنى للجواب به، إلا التلازم في الوقوع، والآية من المتشابه.
والنسخ من قبل وقوع الفعل … جاء وقوعا في صحيح النقل
معناه أن نسخ الحكم قبل التمكن من الفعل، بأن لم يدخل وقته، أو دخل ولم يمض منه ما يسعه، جائز عند الجمهور، كما في قصة سيدنا إبراهيم في أمره بذبح ولده - على نبينا وعليهما وعلى سائر الأنبياء والمرسلين أفضل الصلاة وأتم التسليم ـ.
وذهب أكثر الحنفية والحنابلة والمعتزلة إلى المنع.
وجاز بالفحوى ونسخه بلا … أصل، وعكسه جوازه انجلى
قوله: وجاز بالفحوى، معناه أن النسخ بالفحوى - والمراد به مفهوم الموافقة بنوعيه - جائز، وقد حكى على ذلك الرازي والآمدي - رحمهما الله ﷾ الاتفاق، وتعجب من ذلك الزركشي ﵀ ﷾ وذكر أن فيه وجهين لأصحابهم، وذكر أن بعضا منهم صحح المنع، وذلك بناء على أنه قياس.
قوله: ونسخه بلا أصل وعكسه جوازه انجلى، معناه أن نسخ المنطوق دون الفحوى، ونسخ الفحوى دون المنطوق، جائز، بناء على لفظية الدلالة فيه، فهما بمثابة نصين، فلا يلزم من نسخ أحدهما نسخ الآخر، فيجوز نسخ تحريم ضرب الوالدين، مع بقاء حرمة
[ ١ / ٢٦٧ ]
التأفيف، ونسخ حرمة التأفيف، مع بقاء حرمة الضرب.
وهذا قول أكثر المتكلمين.
ومذهب أكثر الفقهاء تلازمهما، فلا يجوز نسخ أحدهما دون الآخر، وإلى قولهم أشار ﵀ ﷾ بقوله:
ورأي الاكثرين الاستلزام
قال في الإرشاد: وذهب بعض المتأخرين إلى التفصيل، فقال: إن كانت علة المنطوق لا تحتمل التغيير، كإكرام الوالدين بالنهي عن التأفيف، امتنع نسخ الفحوى، لأنه يناقض المقصود، وإن احتملت النقض، جاز، كما لو قال لغلامه: لا تعط زيدا درهما، قاصدا بذلك حرمانه، ثم يقول: أعطه أكثر من درهم، ولا تعطه درهما، لاحتمال أنه انتقل من علة حرمانه إلى علة مواساته، قال: وهذا التفصيل قوي جدا اهـ وهو بين.
وبالمخالفة لا يرام
وهْي عن الأصل لها تجرد … في النسخ وانعكاسه مستبعد
أشار ﵀ ﷾ بهذا إلى ثلاث مسائل:
الأولى: عدم النسخ بمفهوم المخالفة، وهي المراد بقوله ﵀ ﷾: وبالمخالفة لا يرام، وذلك لضعفه عن مقاومة النص.
قال الشربيني ﵀ ﷾: لاحتمال القيد لأن يكون مخرجا على سبب من الأسباب، وبوجود النص يتقوى ذلك، بخلاف الفحوى، فإنها تنبيه بالأدنى على الأعلى اهـ
وصحح الشيخ أبو إسحاق الشيرازي ﵀ ﷾ جواز النسخ بالمخالفة، قال الزركشي ﵀ ﷾ في البحر: ويحتمل وجها ثالثا، وهو التفصيل بين أقوى المفاهيم، وهو ما قيل فيه إنه منطوق، كالحصر، والشرط، وبين ما أجمعوا على أنه ليس بمنطوق اهـ
ومقتضى تعليل المانع بضعفها عن مقاومة النص، جواز نسخ مفهوم المخالفة بها، ثم رأيت العطار نظر في ذلك، والله ﷾ أعلم.
[ ١ / ٢٦٨ ]
والثانية: جواز نسخ مفهوم المخالفة مع بقاء المنطوق، وذلك كقوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم: " إنما الماء من الماء " (^١) فمفهومه الذي هو سقوط الغسل عن من جامع ولم ينزل، منسوخ بإيجاب الغسل من التقاء الختانين، ومنطوقه الذي هو وجوب الغسل من الإنزال باق، وهذا هو المراد بقوله ﵀ ﷾: وهي عن الأصل لها تجرد في النسخ.
الثالثة: امتناع نسخ المنطوق دون المخالفة، وهي المراد بقوله ﵀ ﷾: وانعكاسه مستبعد، وقد ذكر الصفي الهندي ﵀ ﷾ في ذلك احتمالين، واستظهر منهما المنع، وحكى سليم الرازي ﵀ ﷾ عن بعض أصحابهم الجواز، قال: والمذهب أنه لا يجوز ذلك، نقله في الإرشاد.
ووجه المنع، أن المخالفة تابعة للمنطوق، لأن سبب اعتبارها، هو اعتبار المنطوق قيدا، فمتى ارتفعت قيديته بارتفاع اعتبار الدلالة عليها، كيف يثبت مفهوم القيد؟ قاله الشربيني ﵀ ﷾ قال: فإن قلت يثبت لا من حيث إنه مفهوم القيد، قلت: حينئذ يثبت بلا حكمة، لانتفاء الحكمة التي كانت معتبرة شرعا، وهي ثقل المؤنة في المعلوفة مثلا، وانتفاء الحكمة ملزوم لانتفاء الحكم، لاستحالة بقائه بلا حكمة، وهذا بخلاف مفهوم الأولى، فإنه لا يلزم من انتفاء حكمة حرمة التأفيف مثلا، وهي غاية التعظيم، انتفاء حكمة حرمة الضرب مثلا، وهي أصل التعظيم اهـ
ويجب الرفع لحكم الفرع … إن حكم أصله يرى ذا رفع
معناه أن نسخ الحكم المقيس عليه، يقتضي نسخ حكم المقيس، لتبعيته له، وذهب بعض الحنفية إلى أنه لا يستلزمه، وذلك بناء على مذهبهم من أن حكم الأصل لا يضاف إلى العلة، وإنما يضاف إليها حكم الفرع، ولا تلازم بين العلة وحكم الأصل، فلا يكون نسخ حكم الأصل نسخا للعلة، فيبقى الفرع، وعلى مذهبهم في أن القياس مظهر لحكم الفرع، لا مثبت له.
قال في النشر: مثاله على ما حكاه أبو الوليد الباجي ﵀ ﷾ عنهم،
_________________
(١) رواه مسلم والترمذي والإمام أحمد.
[ ١ / ٢٦٩ ]
جواز شهادة أهل الذمة بعضهم على بعض، بالقياس على شهادتهم على المسلمين في السفر، ثم نسخت شهادتهم على المسلمين، وبقي حكم شهادة بعضهم على بعض.
وينسخ الإنشا ولو مؤبدا … والقيد في الفعل أو الحكم بدا
وفي الاخير منع ابن الحاجب … كمستمر بعد صوم واجب
معناه أن نسخ الإنشاء، جائز، ولو وصف بكونه مؤبدا، عند الجمهور.
سواء وصف بذلك الفعل، نحو: صوموا أبدا وجوبا، أو الحكم، نحو: الصوم واجب أبدا، إذا قيل إنشاء، ويتبين بورود الناسخ، أن المراد: افعلوا إلى وجوده، أو واجب إلى وجوده، فالمراد بالأبد البعض مجازا، كما يقال: لازم غريمك أبدا، أي إلى أن يعطيك الحق.
قال الشربيني ﵀ ﷾: فإن قلت: لا قرينة على المجاز، قلت: القرينة إنما تلزم عند تعين المعنى المجازي، لا عند احتماله، كما نص عليه عبد الحكيم في حاشية القاضي، والكلام هنا مسوق على الاحتمال، وإلا فلا مساغ للنسخ فيه، بل تقدم أنه لا بد أن يكون النسخ على خلاف ظاهر الكلام.
ومنع ابن الحاجب ﵀ ﷾ النسخ في الثاني، لظهور منافاة ذلك للنسخ.
قال في النشر: وأجيب من جهة الجمهور بعدم الفارق، لأنه إذا كان المراد بقوله: الصوم واجب مستمر الإنشاء، كان بمعنى صوموا صوما مستمرا، أو صوموا أبدا، وإنما يظهر الفرق بين كون التأبيد قيدا للواجب، أن لو كان المراد به الخبر، وهو محل وفاق.
ونسخ الاخبار بإيجاب خبر … بناقض، يجوز، لا نسخ الخبر
معناه أنه يجوز نسخ الأمر بالإخبار بشيء، بالأمر بالإخبار بنقيضه، كأن يؤمر بالإخبار عن زيد بالقيام، ثم يؤمر قبل الإخبار عنه بذلك، بالإخبار عنه بعدم القيام، لجواز تغير حاله، ولا خلاف في نحو هذا مما يمكن فيه تغير، وخالفت المعتزلة في ما لا يتغير، كالإخبار عن العالم بالقدم، لأنه كذب وهو قبيح، بناء على مذهبهم في التحسين والتقبيح.
ورد بعدم تسليم مبناه، وعدم تسليم اطراد قبح الكذب، واطراد خلوه من المصلحة. وأما نسخ وجوب الإخبار، بإيجاب ترك الإخبار، كأن يقال - بعد إيجاب الإخبار عن شيء
[ ١ / ٢٧٠ ]
بأمر ـ: لا تخبروا عنه بشيء، فجائز.
وأما الخبر فلا يجوز نسخ مدلوله، سواء كان عما يتغير أو لا، وفيه أقوال أخرى.
وكل حكم قابل له، وفي … نفي الوقوع الاتفاق قد قُفي
قوله: وكل حكم قابل له، يعني به أنه يجوز عقلا نسخ الأحكام الشرعية كلها دفعة، وينقطع التكليف جملة، ومنع أبو حامد الغزالي ﵀ ﷾ ذلك لتوقف العلم به - على تقدير وقوعه - على معرفة النسخ والناسخ، وهي من التكاليف، إذ النسخ لا يكون إلا بدليل شرعي، وهو خطاب يجب فهمه ومعرفته، ولا يتأتى نسخها، لأنها لو نسخت لوجب معرفة النسخ والناسخ لها أيضا، وهكذا.
وأجيب بتسليم ذلك، لكن بحصول معرفة النسخ والناسخ ينتهي التكليف، وهو المراد، ولا خلاف في عدم وقوع ذلك، كما أشار إليه ﵀ ﷾ بقوله: وفي نفي الوقوع الاتفاق قد قفي.
وما شرح به في نثر الورود البيت، هو ظاهر العبارة، لكن مراده ما سبق.
هل يستقل الحكم بالورود … أو ببلوغه إلى الموجود
فالعزل بالموت أو العزل عرض … كذا قضاء جاهل للمفترض
قوله: هل يستقل الحكم البيت، معناه أنه اختلف هل يثبت الحكم في حق المكلفين بمجرد وروده على النبي - صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم - من غير اشتراط علمهم به، بمعنى تقرره في ذممهم، والأمر بقضائه، كحال النائم وقت الصلاة، أو لا يستقر حتى يبلغهم، وعليه الأكثر، لأنه تكليف محال، لا تكليف بالمحال، لأن الخلل فيه من جهة المأمور، لا المأمور به.
ومثال المسألة ما وقع ليلة الإسراء من تخفيف فرض الصلاة - فضلا من الله ﷾ من خمسين إلى خمس، فهذا لا يسمى على قول الأكثر نسخا في حق الأمة خاصة، وأما على مقابله فيسمى نسخا.
وأشار ﵀ ﷾ بقوله: فالعزل بالموت أو العزل عرض، إلى ما ينبني على الاختلاف في تقرر الحكم بمجرد حصوله، وعدم تقرره إلا ببلوغ المخاطب، من
[ ١ / ٢٧١ ]
الاختلاف في انعزال الوكيل بمجرد عزل الموكل له، أو موته، وإن لم يعلم بذلك، وعدم انعزاله، حتى يبلغه ذلك.
وينبني على ذلك: الاختلاف في مضي تصرفه بعد عزله قبل علمه، أو بعد موت الموكل قبل علمه بذلك.
وأشار ﵀ ﷾ بقوله: كذا قضاء جاهل للمفترض، إلى أن مما ينبني على الاختلاف المذكور أيضا: الاختلاف في من أسلم ولم يتمكن من العلم بالفرائض إلا بعد زمن، لكونه في شاهق، أو بدار الحرب، مما يتعذر معه العلم، هل يجب عليه القضاء إذا علم؟
وأما من يمكنه تعلم الشرائع ولم يعلم، فيجب عليه القضاء لتفريطه.
وليس نسخا كل ما أفادا … في ما رسا بالنص الازديادا
معناه أن الزيادة المتصلة على مدلول النص، ليست نسخا له، وذلك كزيادة جزء في العبادة، كزيادة ركعة، أو زيادة شرط، كزيادة شرط الإيمان في رقبة الكفارة، هذا مذهب الإمام مالك ﵀ ﷾ وأكثر أصحابه، والشافعية، والحنابلة.
ووجهه أن الزيادة غير منافية، ومن شرط النسخ التنافي.
وذهبت الحنفية إلى أن ذلك نسخ، واحتجوا بأن السلام كان واجبا بعد الركعتين، فبطل ذلك، وصار في موضع آخر، فقد بطل حكم شرعي.
وأجيب بأن الفرض في السلام أن يكون آخر الصلاة، وهو باق على حاله، لا تغير فيه.
وقيل: إن غيرت المزيد عليه، بحيث يكون غير معتبر دونها، فهي نسخ، وإلا فلا، وقيل غير ذلك.
قال في النشر: ومثار الخلاف: الاختلاف في النص المزيد عليه، هل يقتضي ترك الزيادة أو لا؟
فالجمهور يرون أنه ساكت عن الزيادة، وأن تركها مأخوذ من البراءة الأصلية، ورفعها ليس بنسخ، والحنفية يرون أنه مقتض لذلك، والزائد وارد بخلافه، فيكون ناسخا، والمفصل
[ ١ / ٢٧٢ ]
يرى أنه يقتضي ذلك أحيانا، على حسب المعاني التي نحوا إليها في التفصيل.
قال الزركشي ﵀ ﷾ في البحر: واعلم أن فائدة هذه المسألة أن ما ثبت أنه من باب النسخ، وكان مقطوعا به، فلا ينسخ إلا بقاطع، كالتغريب، فإن أبا حنيفة لما كان عنده نسخا نفاه، لأنه نسخ للقرآن بخبر الواحد، ولما لم يكن عند الجمهور نسخا قبلوه، إذ لا معارضة، نقله في الإرشاد.
وأما الزيادة المنفصلة، فإن لم تكن من جنس المزيد عليه، كزيادة الحج على الصلاة، فليست بنسخ اتفاقا، وإن كانت من جنسه، كزيادة صلاة على الصلوات، فليست بنسخ عند الجمهور، وجعلها بعض العراقيين نسخا، والله ﷾ أعلم.
واختلف كذلك في النقص من العبادة، هل هو نسخ للباقي؟
فالوجوب كان متعلقا بالكل، وبعد النقص صار الواجب البعض فقط، فقد نسخ وجوب الكل، أو المنسوخ إنما هو الساقط خاصة، إذ البعض الباقي لم يحصل تجدد لوجوبه، بل هو واجب بالوجوب الأول، وإنما طرأ بالنص إسقاط البعض، فالبعض الساقط هو الذي تغير حكمه.
وهذا الخلاف ناظر أيضا إلى ما سبق، ولا فرق في ما ذكر بين كون الساقط جزءا، كركعة من الصلاة، أو شرطا، كالوضوء، وإلى هذا أشار ﵀ ﷾ بقوله:
والنقص للجزء، أو الشرط انتقي … نسخه للساقط لا للذْ بقي
وقيل: نقص الجزء نسخ، بخلاف نقص الشرط.
وقيل: نقص الشرط المتصل، كالاستقبال، نسخ، بخلاف المنفصل، كالوضوء.
وقول الشيخ ﵀ ﷾: وليس نسخا كل ما أفادا، هو على حد قوله ﷾ جل من قائل: (لا يحب كل مختال فخور) فالمراد: عموم السلب، لا سلب العموم.
الاجماع والنص على النسخ ولو … تضمنا كلا معرفا رأوا
أشار ﵀ ﷾ بهذا إلى ما يستدل به على النسخ، فذكر أن النسخ يعلم بتأخر أحد النصين ورودا، مع عدم إمكان الجمع بينهما، والتأخر يعرف بإجماع أهل
[ ١ / ٢٧٣ ]
العلم عليه، كإجماعهم في آيتي عدة الوفات، وكذلك أيضا إذا أجمعوا على أن النص كذا، ناسخ للنص كذا، أو أن النص كذا منسوخ، كما تقدم بيانه.
ويعرف أيضا بالنص صريحا أو لا، كقوله ﷾ جل من قائل: (الآن خفف الله عنكم) وقوله ﷾ جل من قائل: (فالآن باشروهن) الآية وقوله ﷾ جل من قائل: (علم أن لن تحصوه فتاب عليكم) وقوله ﷾ جل من قائل: (ءأشفقتم أن تقدموا بين يدي نجويكم صدقات فإذ لم تفعلوا وتاب الله عليكم فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطيعوا الله ورسوله والله خبير بما تعملون)
وكقوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم: " نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها، ونهيتكم عن لحوم الأضاحي فوق ثلاث، فأمسكوا ما بدا لكم ونهيتكم عن النبيذ إلا في سقاء، فاشربوا في الأسقية كلها، ولا تشربوا مسكرا " (^١) ويعرف أيضا بنصه على خلاف ما نص عليه في الشيء قبل ذلك، مع تعذر الجمع بينهما.
كذاك يعرف لدى المحرر … بالمنع للجمع مع التأخر
كقول راو: سابق، والمحكي … بما يضاهي المدني والمكي
وقوله: الناسخ
معناه أن النسخ يعرف أيضا بتعذر الجمع بين النصين، مع معرفة المتأخر منهما، فالمتأخر ناسخ، وذلك كقول جابر - رضي الله ﷾ عنه ـ: كان آخر الأمرين من فعله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ترك الوضوء مما مست النار.
ويعرف التأخر بقولهم في أحدهما: إنه مدني، وفي الآخر إنه مكي، فالمدني ناسخ، وما في معنى ذلك، كقوله: كان هذا في غزوة كذا، وهذا في غزوة كذا، حيث كان تقدم إحداهما معلوما، أو هذا عام كذا، وهذا عام كذا.
ويعرف كذلك بقوله: هذا هو الناسخ، أو هذا ناسخ، إذا قال ذلك في ما علم نسخه،
_________________
(١) رواه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة والإمام أحمد.
[ ١ / ٢٧٤ ]
وجهل ناسخه كما قالوا.
وانظره فإن هذا وإن دل على التأخر، إلا أنه ليس في ثبوت النسخ، بل في ثبوت الناسخية لنص جهل اتصافه بها، فهو بيان للناسخ، لا للنسخ، إذ لو قال ذلك في ما لا يعلم نسخه، لم يكن لقوله أثر، على المعول، وإنما يدل على النسخ على مقابله الذي لم يشترط في دلالته عليه العلم بنسخ الآخر.
والفرق بين قوله: هذا سابق، وقوله: هذا ناسخ، أن دعوى السبق لا تكون - عادة - عن اجتهاد، بخلاف دعوى النسخ، فقد تقع عن اجتهاد.
والتأثير دع … بوفق واحد للاصل تتبع
وكون راويه الصحابي يقتفي … ومثله تأخر في المصحف
أشار ﵀ ﷾ بأول البيتين، إلى أن موافقة أحد النصين المتعارضين للبراءة الأصلية، لا تدل على أنه الناسخ، خلافا لمن قال بذلك، لأن الأصل مخالفة الشرع لها.
وأجيب بأنه غير لازم، فقد يكون المنسوخ جاء على وفق البراءة الأصلية، وسيأتي - إن شاء الله ﷾- في المرجحات أن منهم من استدل بموافقة البراءة على التقدم.
وأشار ﵀ ﷾ بقوله: وكون راويه الصحابي يقتفي، إلى أنه إذا تعارض حديثان تعارضا لا يتأتى الجمع معه، وكان إسلام راوي أحدهما متأخرا عن إسلام الآخر، فذلك لا يستلزم كون مرويه هو الناسخ، لجواز كون رواية المتقدم الإسلام متأخرة، خلافا لمن استدل بذلك.
وذلك كحديث أبي هريرة (^١) مع حديث طلق (^٢) - رضي الله ﷾ عنهما - في الوضوء من مس الذكر، فطلق - رضي الله ﷾ عنه - أقدم إسلاما.
_________________
(١) يعني حديث " إذا أفضى أحدكم بيده إلى فرجه وليس بينهما ستر ولا حائل فليتوضأ " أخرجه ابن حبان في صحيحه، والحاكم في المستدرك، وصححه.
(٢) يعني حديث " هل هو إلا مضغة منك، أو بضعة منك؟ " روه أبو داوود والترمذي وابن ماجة والإمام أحمد، وهو حديث صحيح.
[ ١ / ٢٧٥ ]
وهذا ما لم يتوف الأسبق إسلاما، قبل إسلام الثاني، إذ الأغلب في التحمل كونه بعد الإسلام.
قوله ﵀ ﷾: ومثله تأخر في المصحف، معنى أن تأخر إحدى الآيتين المتعارضين في ترتيب المصحف، لا يستلزم كونها متأخرة في النزول، فتكون ناسخة، إذ قد تتقدم المتأخرة في النزول ترتيبا، كما في آيتي عدة الوفاة، فترتيب الآيات على حسب الترتيب في النزول، ليس بمطرد، وأولى ترتيب السور، فإن السور الأوائل في النزول، من آخر السور في المصحف الشريف، وهذا آخر النصف الأول من هذا الكتاب الميمون، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، اللهم صل، وسلم، وبارك، على سيدنا، وشفيعنا، وحبيبنا، وقرة أعيننا: محمد سيد الأولين والآخرين، وعلى آله، وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
[ ١ / ٢٧٦ ]
فتح الباقي
على
منظومة المراقي
تأليف:
محمد بن محمد محمود بن محمد المصطفى بن دي
اليعقوبي الأعمامي
الجزء الثاني
[ ٢ / ١ ]