هو اقتضاء الكف عن فعل ودع … وما يضاهيه كذر قد امتنع
وهو للدوام والفور متى … عدم تقييد بضد ثبتا
واللفظ للتحريم شرعا، وافترق … للكرْه والشرْكةِ والقدرِ الفِرَق
وهُو عن فرد وعن ما عُدِّدا … جمعا، وفرقا، وجميعا وُجدا
وجاء في الصحيح للفساد … إن لم يجي الدليل للسداد
لعدم النفع وزيد الخلل … وملك ما بيع عليه ينجلي
إذا تغير بسوق أو بدن … أو حقُّ غيره به قد اقترن
وبث للصحة في المدارس … معللا بالنهي حبر فارس
_________________
(١) متفق عليه.
[ ١ / ١٧٨ ]
والخلف في ما ينتمي للشرع … وليس في ما ينتمي للطبع
الاجزاء والقبول حين نفيا … لصحة وضدها قد رويا
أغلب مباحث هذا الباب، تقدم الكلام فيها، والمذكور هنا إنما هو تتمات فقط.
فأول الأبيات أشار ﵀ ﷾ به إلى تعريف النهي، فذكر أنه اقتضاء الكف عن فعل.
قال في النشر: والمراد بالاقتضاء عندنا الجازم، لأنه حقيقة في التحريم.
ومقتضاه أن النهي حقيقة في التحريم خاصة، والأمر في ذلك على ما تقدم في الأمر. … وتقدم هناك - أيضا - أن عدَّ "دع " أمر غير بين.
وذكروا هنا أنه يقال في حد اللفظي: اللفظ الدال على ما ذكر، ويرد على تقييد النفسي بكونه بغير دع ونحوها نحو ما تقدم.
وأشار ﵀ ﷾ بالبيت الثاني إلى أن النهي النفسي يدل على طلب الكف على وجه الدوام، لأنه يقتضي انتفاء الماهية، وذلك لا يحصل إلا بانتفائها دواما، فمتى وجدت لم يكن ممتثلا، وذلك يقتضي الفور أيضا، قال في النشر: إجماعا أو على المشهور.
وهذا ما لم يقيد بمرة، أو تراخ.
وقد ذكروا أن النهي لا يخالف الأمر إلا في هذين الأمرين المذكورين في هذا البيت.
وأشار ﵀ ﷾ بالبيت الثالث، إلى أن صيغة النهي حقيقة في التحريم عندنا، لتبادره منها، ولحمل السلف لها عليه، وهو ظاهر حديث الصحيحين " فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم "
وقيل: إنه حقيقة في الكراهة.
وقيل: إنه مشترك بينهما.
وقيل: إنه للقدر المشترك بينهما، وهو طلب الكف جازما أو غير جازم.
وقيل غير ذلك.
قال في التنقيح: وهو عندنا للتحريم وفيه من الخلاف ما سبق في الأمر.
[ ١ / ١٧٩ ]
وهذا كله عند عدم القرينة، فإن قامت قرينة عمل عليها اتفاقا، والله ﷾ أعلم.
وأشار ﵀ ﷾ بالبيت الرابع إلى أن النهي يتعلق بفرد، كالنهي عن شرب الخمر، ويتعلق بمتعدد، وهو على وجوه:
فتارة يكون عن الجمع خاصة، كشرب الخليطين.
وتارة يكون عن التفريق خاصة، كما في لبس النعلين وخلعهما، لقوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم: " لينعلهما جميعا أو ليخلعهما جميعا " (^١) وتارة يكون عن آحاده كالنهي عن عقوق الوالدين.
وأشار ﵀ ﷾ بقوله:
وجاء في الصحيح للفساد … إن لم يجي الدليل للسداد
لعدم النفع وزيد الخلل
إلى أن النهي عن الشيء - تحريما أو تنزيها - يقتضي فساد المنهي عنه شرعا، لحديث الصحيح " من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد " ولاستدلال العلماء على ممر العصور على الفساد بالنواهي، في أبواب العبادات والمعاملات.
وقيل: يدل عليه لغة، لاستدلال العلماء به على الفساد.
وأجيب بأنهم إنما استدلوا به على ذلك أخذا من الشرع، وفساد الشيء عبارة عن سلب أحكامه، وليس في لفظ النهي ما يدل عليه لغة.
وقيل: يقتضي الفساد في العبادات، دون المعاملات.
وقيل: لا يقتضي الفساد مطلقا.
وقيل: يقتضي الفساد على وجه تثبت معه شبهة الملك، وهو مذهب مالك - ﵀ ﷾ - قاله القرافي - ﵀ ﷾ - في شرح التنقيح.
وقال في التنقيح: ومعنى الفساد في العبادات: وقوعها على نوع من الخلل، يوجب بقاء
_________________
(١) متفق عليه.
[ ١ / ١٨٠ ]
الذمة مشغولة بها، وفي المعاملات: عدم ترتب آثارها عليها، إلا أن يتصل بها ما يقرر آثارها على أصولنا في البيع وغيره.
قال في النشر: وإنما يدل على الفساد، إذا كان النهي لأمر داخل في الذات، أو لازم لها، لا إن كان لأمر منفصل كما تقدم، ودلالته على الفساد مع إثباته شبهة الملك هو الصحيح من مذهبنا.
وقوله: لعدم النفع وزيد الخلل: تعليل لاقتضاءالنهي الفساد، أي: إنما كان النهي يقتضي الفساد، لأن النهي إنما يكون لدرء المفسدة الكائنة في المنهي عنه، وإمضاؤه تقرير للمفسدة وتتميم لها.
وقوله: إن لم يجي الدليل للسداد، معناه أن محل ما ذكر من اقتضاء النهي الفساد ما لم يدل الدليل على الصحة، كالطلاق في الحيض، لقوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم: " مره فليراجعها " (^١) فالمراجعة فرع عن الطلاق.
وأشار ﵀ ﷾ بقوله:
وملك ما بيع عليه ينجلي
إذا تغير بسوق أو بدن … أو حق غيره به قد اقترن
إلى أنه ينبني على ما ذكر من اقتضاء النهي الفساد وشبهة الصحة: ملك المشتري ما اشتراه بعقد منهي عنه، إذا حصل مفوت من هذه المفوتات المذكورة، وقد تقدم الكلام على هذه المسألة بما يغني عن التطويل فيها، وأشار ﵀ ﷾ بقوله:
وبث للصحة في المدارس … معللا بالنهي حبر فارس
إلى أن الإمام أبا حنيفة - ﵀ ﷾ - ذهب إلى أن النهي عن الشيء يقتضي إمكان وجوده شرعا، وإلا لم يتأت النهي عنه، وقد تقدم الكلام على هذه المسألة بما يكفي.
وأشار ﵀ ﷾ بقوله:
والخلف في ما ينتمي للشرع … وليس في ما ينتمي للطبع
_________________
(١) متفق عليه.
[ ١ / ١٨١ ]
إلى أن الخلاف المذكور في اقتضاء النهي الفساد أو الصحة، المراد بالصحة فيه: الصحة الشرعية، لا الصحة العادية، كأنه يشير بهذا إلى قول القرافي - رحمهما الله ﷾ في شرح التنقيح:
قاعدة: الصحة ثلاثة أقسام:
صحة عقلية، وهي إمكان الشيء، وقبوله للوجود والعدم في نظر العقل، كإمكان العالم والأجسام والأعراض.
وصحة عادية، كالمشي أماما ويمينا وشمالا، دون الصعود في الهواء.
وصحة شرعية، وهي الإذن الشرعي في جواز الإقدام على الفعل، وهو يشمل الأحكام الشرعية إلا التحريم، فلا إذن فيه، والأربعة الباقية فيها الإذن.
إذا تقررت هذه القاعدة، فالنزاع مع الحنفية إنما هو في الصحة الشرعية، وهي الإذن في جواز الإقدام على الفعل، واستدلوا بحديث الأعمى والمقعد، وذلك إنما يوجب اشتراط الصحة العادية، وهي مجمع عليها، اتفق الناس على أنه ليس في الشريعة منهي عنه، ولا مأمور به، ولا مشروع على الإطلاق، إلا وفيه الصحة العادية، وكذلك حصل الاتفاق أيضا على أن اللغة لم يقع فيها طلب وجود ولا عدم، إلا في ما يصح عادة، وإن جوزنا تكليف ما لا يطاق، فذلك بحسب ما يجوز على الله ﷾ لا بحسب ما يجوز في اللغة، فاللغات موضع إجماع، فعلى هذا دليلهم لا يمس صورة النزاع.
قال الإمام فخر الدين - ﵀ ﷾ -: سلمنا أن دليلكم يدل على الصحة الشرعية، لكن تلك الصحة متقدمة على النهي لا متأخرة عنه، وتقرير ذلك أن الموكل إذا عزل وكيله بقوله: لا تبع هذه السلعة التي وكلتك على بيعها، فيكون هذا النهي عزلا له، ونسخا لتلك الصحة السابقة، وكذلك الخلائق وكلاء الله ﷾ في أرضه، لقوله ﷾ جل من قائل: (ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون) وقوله ﷾ جل من قائل: (وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه) وإذا ورد النهي بعد ذلك عليهم كان ناسخا لتلك الصحة السابقة، وأنتم تطلقون على أنه يدل على صحة لاحقة، حتى تثبتون الملك في عقود الربا، بناء على النهي اهـ
[ ١ / ١٨٢ ]
قال في النشر: قوله: إنها أي: الصحة: الإذن، لعل مراده أنها موافقة الإذن اهـ
ومما يشكل في كلامه أيضا إخراج المكروه عن الفاسد.
وأشار ﵀ ﷾ بالبيت الأخير، إلى الاختلاف في نفي الإجزاء عن الشيء، أو نفي القبول، هل يستلزم عدم صحته، أو لا؟
بمعنى أنه إذا قيل في عبادة - مثلا ـ: إنها غير مجزئة، أو غير مقبولة، فهل ذلك مقتض لفسادها، أو يجوز أن تكون صحيحة.
وقد تقدم ذكر الاختلاف في القبول في قوله:
والصحة القبول فيها يدخل … وبعضهم للاستواء ينقل
ومنشأ الخلاف: ورود ما يشهد لكل من الأمرين، ولذلك قال البرماوي - ﵀ ﷾-: إنه لا ترجيح لأحدهما على الآخر.
وتقدم ذكر ترادف إجزاء العبادة وصحتها، وهو الأبين، والله ﷾ أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وصلى الله تعالى وسلم وبارك على سيدنا محمد سيد الأولين والآخرين وعلى آله وصحبه أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين