قال في النشر: وهو راجع إلى الواجب المخير قاله الفهري - رحمهما الله ﷾ ولذا ذكرت بعده مسألة الأمر بواحد مبهم من أشياء معينة.
وبيان ذلك أن المكلف مخير في أجزاء الوقت، كتخييره في المفعول في خصال كفارة اليمين.
ما وقته يسع منه أكثرا … وهو محدودا وغيره جرى
معناه أن الواجب الموسع، هو الموقت بوقت يزيد على فعله - يعني من الواجبات - وكأنهم خصوا الواجب بالذكر لاختصاصه ببعض بحوثه.
وسواء كان للوقت المذكور حد له ينتهي عنده، كما في أوقات الصلوات، أو لا، وذلك هو المقصود بقوله ﵀ ﷾: وهو محدودا وغيره جرى.
وليس هذا الإطلاق ببين عندي جدا، فإن قولنا في حده: يسع وقته أكثر من فعله، يقتضي اختصاص القسمة بالموقت، ومطلق الوقت، لا يخلو عنه مأمور، فتوجه أن يكون
_________________
(١) فذلك نظر من جهة أخرى، وإنما المراد الجمع من جهة القصد إلى التكفير بها.
[ ١ / ١٦٩ ]
المراد الوقت المعين كالذي مر في قوله:
والوقت ما قدره من شرعا … من زمن مضيقا موسعا
وإذا كان كذلك اختص بما له حد ينتهي إليه، وإلا كان كل مطلوب على التراخي موسعا، وكل مطلوب على الفور مضيقا، وهو وإن صح من جهة المعنى، ووقع في عبارة البعض أحيانا، إلا أنه غير ما عليه الاصطلاح، على ظاهر عباراتهم وتمثيلهم، والله ﷾ أعلم (^١).
وقد اختلف في ثبوت الوجوب الموسع، فنفاه قوم، لأن التوسعة تستلزم تجويز الترك، والوجوب يستلزم منعه، ومذهبنا ثبوته، وأن الأمر متعلق بالقدر المشترك بين أجزاء الوقت، ففي أي جزء منه أوقع المكلف الصلاة مثلا، كان ممتثلا مؤديا، ولا يأثم بالتأخير عن أوله، وإن لم يكن من ضرورة، لقوله - صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ـ: " ما بين هذين وقت " (^٢).
وذهب القاضي عبد الوهاب والقاضي أبو بكر الباقلاني - رحمهما الله ﷾ إلى وجوب التقديم أول الوقت المختار، أو العزم على الأداء فيه، ولا يجوز عندهما التأخير دون عزم على الأداء فيه، وهو مذهب بين، ونقل نحوه عن الغزالي ﵀ ﷾ في حق الذاكر دون الغافل، والظاهر أنه مقصود القاضيين، إذ الغافل عن الفعل حتى خرج الوقت ليس بآثم، والله ﷾ أعلم.
ونسب أبو الوليد الباجي ﵀ ﷾ لبعض المالكية، أن وقت الأداء هو ما يعينه المكلف للأداء من المختار، ولا يبعد رجوعه إلى القول المشهور، فظاهر كلام أبي الوليد الباجي ﵀ ﷾ أن مراد قائله حصول أداء الواجب به، وذلك حيث قاسه مستحسنا له على الواجب المخير، وسيأتي أن الخروج من عهدة الوجوب فيه، بما يعينه المكلف، ليس لتعينه للوجوب، بل لتحقق القدر المشترك فيه، وكذلك الحال هنا،
_________________
(١) وقفت بعد كتابتي لهذا بزمن، على التصريح بمثله للزركشي ﵀ ﷾ في البحر.
(٢) رواه النسائي، والإمام مالك، والإمام أحمد، وهو حديث صحيح.
[ ١ / ١٧٠ ]
والله ﷾ أعلم.
وإلى ما ذكر أشار الناظم ﵀ ﷾ بقوله:
فجوزوا الأدا بلا اضطرار … في كل حصة من المختار
وقائل منا يقول العزم … على وقوع الفرض فيه حتم
أو هو ما مكلف يعين
فقوله: وقائل منا، يريد به القاضيين - رحمهما الله ﷾ -.
ثم أشار ﵀ ﷾ إلى أقوال نفاة الواجب الموسع، فقال:
وخلف ذي الخلاف فيه بين
فقيل الاخر وقيل الاول … وقيل ما به الأدا يتصل
ذهب الحنفية على ما نسبه إليهم القرافي ﵀ ﷾ إلى أن الوجوب متعلق بآخر الوقت، لعدم الإثم بالترك في ما قبل ذلك.
وأورد عليه الإجماع على الإجزاء في أول الوقت.
وقيل: يتعلق بأول الوقت، لأن الزوال مثلا سبب لوجوب الظهر، والأصل ترتب المسببات على أسبابها، ونسب لبعض الشافعية.
وأورد عليه أن الإجماع منعقد على جواز التأخير في الصلوات - مثلا - فلو تعلق الوجوب بأوله خاصة، لكان المؤخر عنه آثما.
وقيل: وقت الأداء منه هو الجزء منه الذي وقع فيه الفعل، فإن لم يفعل في الوقت، تعين آخره، وهذا هو المشهور عن الحنفية.
وانظر ما الفرق بين هذا وبين القول الثالث؟
ونقل في النشر عن الكرخي - رحمهما الله ﷾ من الحنفية أنه إن قدم الفعل على آخر الوقت، وقع واجبا بشرط بقائه مكلفا إلى آخر الوقت، فإن مات أو جن قبله، وقع ما قدمه نفلا.