سمي بذي الكفاية أو الكفائي، لكفاية البعض فيه، وسمي غيره بالعيني، لتوجه الخطاب فيه لكل عين - أي: ذات من المكلفين - أو لعين معينة.
ما طلب الشارع أن يحصلا … دون اعتبار ذات من قد فعلا
معناه أن ذا الكفاية هو ما طلب الشرع مجرد حصوله، من غير نظر إلى ذات فاعله، إلا تبعا للفعل ضرورة أنه لا يحصل دون فاعل، سواء كان دينيا، كتجهيز الميت، أو دنيويا، كالحرف المهمة.
وهْو مفضل على ذي العين … في زعم الاستاذ مع الجويني
معناه أن القيام بالواجب الكفائي، أفضل من القيام بالواجب العيني، عند الأستاذ أبي إسحاق الاسفرائيني، وأبي محمد الجويني، وكذلك ابنه إمام الحرمين ﵏ ﷾ بحجة أنه يصان عن القيام به جميع المكلفين به عن الإثم، بخلاف العيني، ولكن الذي يقتضيه اهتمام الشرع بالعيني حيث وجه الخطاب به لكل مكلف، أنه آكد من الكفائي، ولذلك أشار الناظم ﵀ ﷾ تبعا للتاج السبكي ﵀ ﷾ بعبارة الزعم.
مزه من العيني بأن قد حظلا … تكرير مصلحته إن فعلا
[ ١ / ١٧٢ ]
أشار بهذا إلى قول القرافي - رحمهما الله ﷾ في التنقيح:
قاعدة: الفعل على قسمين:
منه ما تتكرر مصلحته بتكرره، كالصلوات الخمس، فإن مصلحتها الخضوع لذي الجلال، وهو متكرر بتكرر الصلاة.
ومنه ما لا تتكرر مصلحته بتكرره، كإنقاذ الغريق، فإنه إذا شيل من البحر، فالنازل بعد ذلك إلى البحر لا يحصل شيئا من المصلحة، وكذلك إطعام الجائع، وكذلك كسوة العريان وقتل الكفار.
فالقسم الأول، جعله الشرع على الأعيان، تكثيرا للمصلحة، والقسم الثاني على الكفاية، لعدم الفائدة في الأعيان اهـ
مع قوله في شرحه: هذه القاعدة هي سر ما يشرع على الكفاية، وما يشرع على الأعيان، تكرار المصلحة، وعدم تكررها، فمن علم ذلك، علم ما هو الذي يكون على الكفاية، وما هو الذي يكون على الأعيان في الشريعة اهـ
وما ذكره ﵀ ﷾ غير بين، بل الوجه في ما ذكره، أن الأمر في الكفائي أمر واحد، والمطلوب فيه شيء واحد، فإذا حصل سقط الطلب، ولم يكن لفعله مرة أخرى معنى، بخلاف العيني، فإن الأمر فيه متعدد بتعدد المكلفين، والمطلوب فيه متعدد بتعدد المكلفين أيضا، كما نصوا في العام أنه في قوة قضايا بعدد أفراده، فلا يسقط الطلب جملة، حتى يقع من جميع المخاطبين.
لكن هذا خاص بالعيني العام، كالصلوات ونحوها.
وأما العيني الخاص، فالأمر فيه واحد أيضا، فيسقط الطلب بفعله مرة، كأداء الدين، والأروش، ورد الوديعة، والمظلمة، وتطهير النجس، وأداء الكفارة، ودواء المرض، ونحو ذلك.
وما ذكره هو في القاعدة من إطعام الجائع وكسوة العريان، فإن ذلك قد يؤمر به عينا أيضا.
وتمثيله لمتكرر المصلحة بالصلوات الخمس مشكل، لأنه إن أراد تكريرها من غير تكرر
[ ١ / ١٧٣ ]
سببها، فليس ببين، لما جاء في الحديث من النهي عن الصلاة في يوم واحد مرتين، (^١) وإن أراد تكريرها لتكرر سببها، فكذلك الحال في الكفائي، فإذا تكرر الغرق، أو حلول الضيفان، توجه الطلب من جديد وهذا بين، والله ﷾ أعلم.
وما ذكره من سقوط الطلب في الكفائي بفعله مرة على الجملة، ليس على إطلاقه، فقد يبقى الطلب قائما، كما في الصلاة على الجنازة عند بعض أهل العلم، وكما في بعض أحوال الجهاد، وكما في طلب العلم، ونشره، والأذان ونحوه مما هو واجب بمطلقه، مندوب الجزئيات الآتي في البيت بعد - إن شاء الله ﷾ وكالسلام ابتداء وردا (^٢).
وما ذكره في الجنازة من امتناع القطع بحصول المغفرة - مثلا - فلا يكون لتكرير الصلاة معنى، لحصول الظن، غير بين، فإن الظن درجات، وليس الظن في صلاتين مثل الظن في واحدة، ولا الظن في صلاة الكثير، مثل الظن في صلاة اليسير، ولا الظن في صلاة الفاضل، كالظن في صلاة المفضول، والله ﷾ أعلم.
وهْو على الجميع عند الاكثر … لإثمهم بالترك والتعذر
وفعل من به يقوم مسقط … وقيل بالبعض فقط يرتبط
معينا أو مبهما أو فاعلا … خلف عن المخالفين نقلا
معناه أن الواجب على الكفاية، واجب على جميع المكلفين، أو من فيه أهلية القيام به، بدليل إثمهم جميعا، عند تركه، ولتعذر خطاب المجهول.
وإذا قام به البعض سقط عن الباقين، لتعلق الخطاب بالقدر المشترك بين المكلفين، المتحقق في كل فرد.
هذا مذهبنا، ومذهب الأكثرين.
وقيل: إن الوجوب فيه يتعلق بالبعض خاصة، واستدل له التاج السبكي ﵀ ﷾ بقوله ﷾ جل من قائل: (ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير)
_________________
(١) رواه أبو داوود، والنسائي، والإمام أحمد، وهو حديث حسن صحيح.
(٢) فإذا سلم بعض الجماعة أجزأ عن باقيهم، ويستحب لباقيهم، وكذلك في الرد.
[ ١ / ١٧٤ ]
الآية الكريمة.
وليس ببين جدا، لما تقدم من تعلق الطلب فيه بالقدر المشترك، ولذلك إذا ظهر المنكر فلم يغير، عم العقاب الجميع، وإذا غيره فرد برئ الجميع.
وليس المراد بخطاب الجميع، أن الجميع مطالب بمباشرته، بل هذا قد يكون منهيا عنه، لما فيه من الإخلال بالنظام، وإضاعة المصالح، كما قد يتنسم من قوله ﷾ جل من قائل: (وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون)
واختلف القائلون بتعلق الخطاب بالبعض خاصة، فقال بعضهم: إن البعض المذكور معين عند الله ﷾ مبهم عندنا، يسقط الطلب بفعله وبفعل غيره، كأداء الدين.
وقال بعضهم: هو مبهم إذ لا دليل على تعيينه، واختاره الإبياري ﵀ ﷾ ويسقط بفعل من قام به.
وقال بعضهم: هو من قام به لسقوطه بفعله.
وهذه الأقوال في معنى الأقوال المتقدمة في الواجب المخير، يجري فيها من البحث ما سبق هناك، والله ﷾ أعلم.
ما كان بالجزئي ندبه عُلم … فذاك بالكلي كعيد منحتم
أشار بهذا إلى ما ذكره الإمام أبو إسحاق الشاطبي - رحمهما الله ﷾ في موافقاته، من أن المندوب بالنظر إلى آحاده، واجب بالنظر إلى مطلقه، كالأذان فهو واجب كفائيا في البلد، مسنون في كل مسجد، وكالصلاة في الجماعة، وليس هذا بمطرد في كل مستحب، بل هو خاص ببعض المستحبات لمعنى يخصها، ككونها من الشعائر، ونحو ذلك، والله ﷾ أعلم.
وهل يعين شروع الفاعل … في ذي الكفاية خلاف ينجلي
فالخلف في الأجرة للتحمل … فرع على ذاك الخلاف قد بُلي
أشار بهذا إلى ما سبق، من الاختلاف في تعين الكفائي - واجبا أو مندوبا - على من
[ ١ / ١٧٥ ]
شرع فيه، فيصير واجبا عليه خاصة، أو مستحبا في حقه خاصة، وعدم تعينه، وهو المعول، إلا في ما يتعين بالشروع، كالصلاة على الجنازة، أو لمعنى عارض، كما في الخروج من صف القتال.
وينبني على هذا الاختلاف: الاختلاف في الإجارة على تحمل الشهادة، فالمتعين لا تصح الإجارة عليه، بخلاف الكفائي.
وتتعين عندنا فروض الكفاية، بتعيين الإمام إلا القضاء لخطره.
وغالب الظن في الاسقاط كفى … وفي التوجه لدى من عرفا
معناه أن غلبة الظن بقيام البعض بالكفائي، كافية في سقوط الطلب به، عند الإمام الرازي، وشهاب الدين القرافي - رحمهما الله ﷾ وكذلك غلبة الظن بعدم قيام الغير به، فهي كافية أيضا في توجه الخطاب به.
وفصل الفهري ﵀ ﷾ بين ما يتصور العلم بحصوله، كميت خوطب بكفنه، ودفنه، فلا يسقطه إلا العلم بالامتثال، وما يتعذر العلم بحصوله، فيكفي فيه الظن.
وجعله الشيخ ﵀ ﷾ تفسيرا لقول القرافي ﵀ ﷾ أخذا من التعليل.
ومقتضى ما ذكر: عدم توجه الخطاب به في الشك في القيام به، وفيه خلاف، مبناه ما تقدم من الاختلاف في المخاطب به، هل هو الكل أو البعض؟ والله ﷾ أعلم.
فروضه القضا كنهي أمْر … رد السلام وجهاد الكفر
فتوى وحفظ ما سوى المثاني … زيارة الحرم ذي الأركان
إمامة منه ودفع الضرر … والاحتراف مع سد الثُّغَر
حضانة توثق شهاده … تجهيز ميت وكذا العياده
ضيافة حضور من في النزع … وحفظ سائر علوم الشرع
وغيره المسنون كالإمامه … والبدء بالسلام والإقامه
عدّد في هذه الأبيات ما يجب على الكفاية، فذكر من ذلك القضاء بين الناس،
[ ١ / ١٧٦ ]
لفصل الخصومات، وفض النزاعات، فهو فرض كفاية على المتأهلين، إذا كان السلطان يعينهم عليه.
وذكر منها الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، على الشروط المقررة في الفروع.
وذكر منها رد السلام، فإذا سلم واحد أو جمع على قوم، وجب عليهم الرد عليه، أو عليهم، كفاية، ويؤمر الباقون بالرد استحبابا.
ومنها جهاد الكفار في أهم جهة كل سنة، ويستحب بث السرايا في أوقات الغرة. ومنها الفتوى، وهي الإخبار بالحكم لا على سبيل الإلزام.
ومنها حفظ القرآن الكريم ما عدا سورة الفاتحة الشريفة، فإن حفظها واجب على كل مكلف.
ومنها إقامة الموسم كل سنة.
ومنها الإمامة العظمى، فيجب على أهل الحل والعقد نصب إمام.
ومنها دفع الضرر عن المسلمين، كإنقاذ الغريق، وتأمين الخائف، ومداواة المريض، وإطعام الجائع، وكسوة العريان، ونصر المظلوم.
ومنها الحرف المهمة، كالتجارة والخياطة والنجارة.
ومنها سد الثغور، والثغور: جمع ثغر، وهو ما يلي دار الحرب، وموضع المخافة، والثغرة مثله، جمعها: ثغر، كزمرة وزمر، وهو الجاري على الوزن في البيت.
ومنها حضانة اللقيط.
ومنها التوثيق، أي كتابة الوثائق بالحقوق.
ومنها تحمل الشهادة، وأداؤها.
ومنها ما يجب في تجهيز الميت من كفن ودفن وغسل وصلاة على ما هو مبين في الفروع.
ومنها عيادة المرضى.
ومنها الضيافة، واستدلوا له بحديث " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه
[ ١ / ١٧٧ ]
جائزته يوم وليلة، وضيافته ثلاثة أيام، وما كان بعد ذلك صدقة " (^١) وانظر ذلك، فإن ظاهره العينية، وروى أبو داوود ﵀ ﷾ بإسناد صحيح " أيما رجل أضاف قوما فأصبح الضيف محروما فإن نصره حق على كل مسلم، حتى يأخذ بقرى ليلته من زرعه وماله ".
قال في النشر: قال مالك - رحمهما الله ﷾: الضيافة إنما تتأكد على أهل القرى والبوادي، ولا ضيافة في الحضر لوجود الفنادق وغيرها، لأن القرى يقل الوارد إليها، فلا مشقة بخلاف الحضر.
ومنها حضور المحتضر، وحفظ علوم الشرع، وآلاتها من نحو، وبيان، ولغة، وغيرها، وعلوم الشرع هي التفسير والحديث والفقه، وحفظها يكون بتعلمها، وتعليمها، والتأليف فيها وغير ذلك.
وأشار بالبيت الأخير إلى أن غير ما ذكر من الكفائي، هو الكفائي المسنون، أي: المندوب، كإمامة الصلاة، والبدء بالسلام، والأذان والإقامة، وما يفعل بالميت من غير ما تقدم ذكره، وغير ذلك، والله ﷾ أعلم.