منه منكر الجموع عُرفا … وكان، والذي عليه انعطفا
وسائر، حكاية الفعل بما … منه العموم ظاهرا قد علما
[ ١ / ٢٠٨ ]
خطاب واحد لغير الحنبلي … من غير رعي النص والقيس الجلي
أشار في هذه الأبيات إلى ما اختلف في عمومه، والأصح فيه عدم العموم.
فذكر من ذلك الجمع المنكر، وهو على نوعين:
جمع قلة، وجمع كثرة.
أما جمع القلة، فقال في الإرشاد: إن جمهور الأصوليين على أنه ليس بعام، لظهوره في العشرة فما دونها.
وأما جمع الكثرة، فذكر أن جمهور المحققين على أنه ليس بعام، وذلك لعدم صحة الاستثناء منه ما لم يتخصص.
وذهب الجبائي، وبعض الحنفية، وابن حزم، إلى عمومه، ما لم يمنع من ذلك مانع، نحو جاء رجال.
وحكاه ابن برهان ﵀ ﷾ عن المعتزلة.
واختاره البزدوي، وابن الساعاتي - رحمهما الله ﷾ وهو أحد وجهي الشافعية، كما في الإرشاد.
واحتجوا بثبوت إطلاقه في كل مرتبة من مراتب الجموع، فكان حمله على الجميع حملا له على جميع حقائقه.
وأجيب بمنع إطلاقه في كل مرتبة حقيقة، بل هو للقدر المشترك بينها، لصحة نعته بأي جمع، فيقال رجال ثلاثة، وأربعة، وخمسة، فمفهوم رجال يمكن أن يجعل مورد التقسيم لهذه الأقسام، فلا يكون دالا عليها، وأما الثلاثة فهي مما لا بد فيه، فيثبت أنه يفيد الثلاثة فقط قاله في الإرشاد.
وذكر أيضا منه فعل كان، فالأصح أنها لا تقتضي العموم.
وقد اختلف في دلالة كان مع المضارع على التكرار، وعدم دلالتها عليه.
وعلى أنها تدل عليه، فهل تدل عليه لغة، كما للقاضي ﵀ ﷾ أو عرفا، كما لعبد الجبار لأن ذلك لا يقال في صدور الفعل مرة.
واختلف في التكرار قال في النشر: والتحقيق عند الكمال بن الهمام، وفاقا لسعد
[ ١ / ٢٠٩ ]
الدين التفتازاني - رحمهما الله ﷾ أن المفيد للاستمرار لفظ المضارع، وكان للدلالة على مضي ذلك المعنى، والتكرار غير العموم، لأن العموم في الأنواع، وغاية ما يفيد التكرار العموم في الأزمان، وليس الكلام فيه، بل في عموم الفعل لأقسامه وجهاته، قاله في الآيات البينات عن العضد - رحمهما الله ﷾.
وذكر منها كذلك المعطوف على العام، فالأصح أن عطفه عليه لا يقتضي عمومه، والاصح كذلك أن خصوص المعطوف، لا يقتضي خصوص المعطوف عليه، وهو مذهب الجمهور.
وذهبت الحنفية إلى اقتضاء ذلك العموم، وقيل بالوقف.
ومثلوا له بحديث " لا يقتل مؤمن بكافر ولا ذو عهد في عهده " (^١) قيل يعني بكافر، وخص منه غير الحربي بالإجماع.
وأجيب بأنه لا حاجة إلى ذلك، بل يقدر بحربي من أول الأمر، هذا على المسألة الأولى.
وعلى المسألة الثانية، يختلف في عموم كافر في قوله " لا يقتل مؤمن بكافر "
فهو على مذهب الجمهور عام في الذمي وغيره.
وعلى مذهب الحنفية يختص بالحربي، للإجماع على اختصاص الثاني به.
وأما تمثيل القرافي ﵀ ﷾ بآية (وبعولتهن) فسهو، كما نبه عليه ابن عاشور ﵀ ﷾ لأن الضمير الذي هو محل الشاهد ليس معطوفا، بل المعطوف البعولة وهو عام.
وذكر منها لفظ سائر، وقد اختلف أهل اللسان في معناه، فمنهم من قال: معناه: بقية الشيء، ومنهم من قال: معناه: جميعه، والمختلف فيه العموم الإحاطي، لا أصل العموم.
وذكر منها كذلك: حكاية الفعل بما ظاهره العموم، نحو نهى عن بيع الغرر، وقضى
_________________
(١) رواه أبو داوود والإمام أحمد، وهو حديث حسن.
[ ١ / ٢١٠ ]
بالشاهد واليمين، وعدم عموم ذلك هو مذهب الأكثر، لأن الحجة في المحكي لا في الحكاية، والمحكي يحتمل أن يكون غير عام، هذا مذهب الأكثر، فلا يعم ذلك كل غرر، وكل شاهد.
واختار ابن الحاجب والآمدي - رحمهما الله ﷾ عمومه لكل غرر، وكل شاهد.
قال في الإرشاد: وهو الحق، لأن مثل هذا ليس بحكاية للفعل الذي فعله، بل حكاية لصدور النهي منه، إلى أن قال: لأن عبارة الصحابي - رضي الله تعالى عن الصحابة أجمعين - يجب أن تكون مطابقة للمقول، لمعرفته باللغة، وعدالته، ووجوب مطابقة الرواية للمسموع، إلى أن قال: وحكي عن بعض أهل الأصول التفصيل بين أن يقترن الفعل بحرف أن، فيكون للعموم، كقوله: قضى أن الخراج بالضمان، وبين أن لا يقترن، فيكون خاصا نحو قضى بالشفعة للجار، وقد حكى هذا القول القاضي في التقريب، والأستاذ أبو منصور، والشيخ أبو إسحاق، والقاضي عبد الوهاب، وصححه، وحكاه عن أبي بكر القفال ﵏ ﷾ أجمعين - اهـ
قال في النشر: ولا يقال: نحو قضى بالشفعة للجار، ليس من حكاية الفعل، ولا من حكاية القول، لأنا نقول: مثل هذا القول ملحق عندنا بالفعل، قاله في الآيات البينات، ولهذا قال إمام الحرمين ﵀ ﷾ في الورقات: ولا يجوز دعوى العموم في الفعل، وما يجري مجراه اهـ
ومثلوا الثاني بالقضاء بالشفعة اهـ
وفرق في التوضيح بين حكاية الفعل، نحو صلى - صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم - في الكعبة، وبين نحو قضى بالشفعة للجار، فجعل هذا من قبيل الرواية بالمعنى، ونصه:
مسألة حكاية الفعل لا تعم، لأن الفعل المحكي عنه واقع على صفة معينة، نحو صلى النبي - صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم - في الكعبة، فيكون هذا في معنى المشترك، فيتأمل، فإن ترجح بعض المعاني بالرأي، فذاك، وإن ثبت التساوي، فالحكم في البعض يثبت
[ ١ / ٢١١ ]
بفعله ﵊ وفي البعض الآخر بالقياس. (^١) وأما نحو قضى بالشفعة للجار، فليس من هذا القبيل، وهو عام لأنه نقل الحديث بالمعنى، ولأن الجار عام.
وقال في التلويح: فهو حكاية عن قول النبي - صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم - الشفعة ثابتة للجار، ولئن سلمنا أنه حكاية الفعل، لكن الجار عام، لأن اللام لاستغراق الجنس، لعدم المعهود، فصار كأنه قال: قضى صلى الله تعالى عليه وسلم بالشفعة لكل جار اهـ
وقوله: إن نحو قضى بالشفعة للجار من قبيل الرواية بالمعنى غير بين، فالرواية بالمعنى خاصة بالألفاظ، والمعلوم في مثل هذا التركيب أن المراد به الإخبار عن الواقعة، لا رواية قوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم، وإن كنا نعلم أن هذه الواقعة لا تخلو غالبا عن قول، لكن حكاية الواقعة بمثل هذا القول لا يقتضي أن القائل شهد الأمر، ولا أنه سمع لفظ النبي - صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم - ولا تكرر الحادثة، وحينئذ فليس في خبره ما يقتضي العموم.
أما قوله: قضى فمطلق، وأما قوله: بالشاهد، فلا معنى لقصد العموم فيه، مع عدم راجحية إرادة تكرر الأمر، فالوجه أن تكون الألف واللام فيه للجنس.
لكن لا ينبغي أن يختلف في عموم الحكم، في مثل هذا التركيب إذ الأصل عدم الخصوصية، فأقل أحواله أن يكون الخطاب فيه خطاب واحد، وهو عام من حيث الحكم اتفاقا، وموطأ الإمام ﵀ ﷾ وكتب أصحابه وغيرهم، مليئة بالاحتجاج بمثل هذه التراكيب في ذلك والله ﷾ أعلم.
وذكر منها أيضا خطاب الواحد، ومحل الخلاف فيه، إذا لم يقترن بما يدل على
_________________
(١) قال في التلويح: نحن نقول: لما ثبت جواز البعض بفعله - صلى الله تعالى عليه وسلم - والتساوي بين الفرض والنفل في أمر الاستقبال حالة الاختيار ثابت، فيثبت الجواز في البعض الآخر قياسا.
[ ١ / ٢١٢ ]
اختصاصه به، نحو حديث " تجزئك ولا تجزئ أحدا بعدك " (^١) وعدم العموم مذهب الجمهور.
ونسب لبعض الحنابلة، وبعض الشافعية أنه عام.
وقال إمام الحرمين ﵀ ﷾: لا ينبغي أن يكون في هذه المسألة خلاف، إذ لا شك أن الخطاب خاص لغة بذلك الواحد، ولا خلاف أنه عام بحسب العرف الشرعي.
وقال الزركشي ﵀ ﷾: والحق أن التعميم منتف لغة، ثابت شرعا، والخلاف في أن العادة هل تقضي بالاشتراك، بحيث يتبادر فهم أهل العرف إليها، أو لا، فأصحابنا - يعني الشافعية - يقولون: لا قضاء للعادة في ذلك، كما لا قضاء للغة، والخصم يقول: إنها تقضي بذلك اهـ نقله في الإرشاد.
وأشار ﵀ ﷾ بقوله: من غير رعي النص، والقيس الجلي، إلى ما ذكر من الاتفاق على عموم الحكم شرعا، فما نسبه ابن القصار لمالك - رحمهما الله ﷾ - محل اتفاق، والله ﷾ أعلم.