الإجماع لغة يطلق في معنيين:
أحدهما العزم والتصميم، ومنه قوله ﷾ جل من قائل: (فأجمعوا أمركم وشركاءكم) وحديث " من لم يجمع الصيام قبل الفجر فلا صيام له " (^١) ويتعدى بنفسه كما في الآية الكريمة، وبعلى، فقد حكى ابن فارس في المقاييس: أجمعت على الأمر إجماعا، وأجمعته، وتعديته بنفسه أفصح.
والثاني الاتفاق، ومنه أجمع القوم، إذا صاروا ذوي جمع، قال الفارسي: كما يقال: ألبن وأتمر إذا صار ذا لبن وتمر.
قال القاضي ﵀ ﷾: العزم يرجع إلى الاتفاق، لأن من اتفق (^٢) على شيء، فقد عزم عليه.
وقال ابن برهان وابن السمعاني - رحمهما الله ﷾: الأول أشبه باللغة، والثاني أشبه بالشرع، قاله في البحر.
وأشار الشيخ - ﵀ ﷾ - إلى معناه في الاصطلاح بقوله:
وهو الاتفاق من مجتهدي … الامة، من بعد وفاة أحمد
وأطلقنْ في العصر، والمتفَق … عليه
والمعنى أن الإجماع هو اتفاق المجتهدين من أمة محمد - صلى الله تعالى عليه وسلم - بعد وفاته - صلى الله تعالى عليه وسلم - في عصر من العصور، على أمر من الأمور.
والمراد بالاتفاق: الاشتراك في الاعتقاد، أو القول، أو الفعل، أو في الفعل المشترك بين الثلاثة، أو اثنين منها، أو بين القول - مثلا - والسكوت.
قال ابن عاشور - ﵀ ﷾: مثال القول: أن يقولوا بتوريث الجدة،
_________________
(١) رواه أبو داوود والترمذي والنسائي والدارمي والإمام أحمد، وهو حديث صحيح.
(٢) كأنه يعني أنه جزم به ولم يتردد فيه.
[ ٢ / ٥٦ ]
ولو لم تحدث الحادثة، ومثال الفعل: قضاؤهم بذلك وقت نزول الحادثة، وإجماعهم على كيفية الصلاة والحج، ومثال الاعتقاد: إجماهم على عصمة الأنبياء اهـ بخ.
وقال القرافي - ﵀ ﷾ - في شرح التنقيح: وقال أبو الحسين في المعتمد: وقد يجمعون على ترك القول، وترك الفعل، فيدل على أنه غير واحب، ويجوز أن يكون ما تركوه مندوبا إليه، لأن تركه غير محظور.
وقوله: مجتهدي الظاهر - والله ﷾ أعلم - تعين كتابته بالياء، لأن آحاد العام هنا لا يمكن أن تكون أفرادا، لأن الاتفاق لا يتأتى من الواحد، فما اختير فيه من الإفراد غير بين.
بل الأبين أن ذلك التركيب - وإن اختاره التاج السبكي ﵀ ﷾- لا يستقيم - أصلا - كما لا يستقيم أن تقول: إذا تنازع رجل، فأصلحوا بينه - فضلا عن أن يكون أولى كما في بعض شروح المراقي - (^١) والله ﷾ أعلم.
فهو من السبكي - ﵀ ﷾ – ذهول عن اقتضاء المضاف المفاعلة، المقتضي امتناع إضافته إلى المفرد - عاما كان أو لا ـ
وارتفاع دلالة اللفظ على أصل المعنى الموضوع له، لا يمكن مع بقائه دالا على ما عرضت دلالته عليه بالعموم، كما هو مقتضى كلامهم في تخصيص الجمع إلى واحد.
مع أن إفراد لفظ: مجتهد أيضا، يوهم واحدية المجتهد.
ولا يعترض ببطلان الجمع في العموم، لأن ذلك إنما هو عند عدم انتصاب القرينة على خلاف ذلك، كما تقدم التصريح به للشربيني - ﵀ ﷾ – وغيره في أكثر من موضع، وهو في غاية الظهور.
ويجاب عما يورد على الجمع من مسألة أنه إذا لم يكن في عصر إلا مجتهدان كان اتفاقهما حجة، على أن ذلك إجماع، ببناء التعريف على القول بأن أقل الجمع اثنان، والله
_________________
(١) ونص في النشر أيضا على ضبطه بالإفراد عند قوله ﵀ ﷾: والكل واجب وقيل لا يضر … الاثنان دون من عليهما كثر
[ ٢ / ٥٧ ]
﷾ أعلم.
ولا يراد بالاجتهاد هنا، خصوص الاجتهاد الفقهي، بل في كل شيء ما يناسبه كما قال الإمام ﵀ ﷾ في المحصول.
ولعل هذا يقتضي اختصاص تقييد الأمة بأمة الإجابة، بالإجماع في الشرعيات.
وبهذا القيد يخرج اتفاق غير المجتهدين، فليس بإجماع، ولا حجة.
وخرج بإضافة المجتهدين إلى الأمة، اتفاق مجتهدي الأمم السابقة.
قال القرافي - ﵀ ﷾ - في شرح التنقيح: قال الشيخ أبو إسحاق - ﵀ ﷾ - في اللمع: الأكثرون على أن إجماع غير هذه الأمة ليس بحجة، واختار الشيخ أبو إسحاق الإسفرائيني - ﵀ ﷾ - أنه حجة اهـ
والظاهر اختصاص التقييد به، بالإجماع في الشرعيات أيضا، والله ﷾ أعلم.
وقولنا: بعد وفاة النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - للاحتراز عن الاتفاق في حياته - صلى الله تعالى عليه وسلم - فالعبرة في حياته صلى الله تعالى عليه وسلم إنما هي في قوله، وفعله، وتقريره.
وقولنا: في عصر من العصور، لبيان عدم اختصاصه بعصر الصحابة - رضوان الله سبحانه وتعالي عليهم أجمعين -.
وقولنا: على أمر من الأمور، يعني نفيا كان أو إثباتا، شرعيا، أو عقليا، أو لغويا، ككون الفاء للتعقيب، أو دنيويا، كأمور الحرب.
وذهب إمام الحرمين - ﵀ ﷾ - إلى أنه لا أثر للإجماع إلا في السمعيات، ونصه:
فأما ما ينعقد الإجماع فيه حجة ودلالة، فالسمعيات، ولا أثر للوفاق في المعقولات، فإن المتبع في العقليات الأدلة القاطعة، فإذا انتصبت لم يعارضها شقاق، ولم يعضدها وفاق.
وقال في تيسير التحرير: أي فائدة في الإجماع في العقليات، مع أنه لا يجوز التقليد فيها.
وذكر قولين في الأمور الدنيوية، قال: قال البرماوي - رحمهما الله ﷾ -:
[ ٢ / ٥٨ ]
فيه مذهبان مشهوران، المرجح منهما وجوب العمل فيه بالإجماع، وهو ظاهر كلام القاضي، وأبي الخطاب، وابن عقيل ﵏ ﷾ وغيرهم في حد الإجماع، واختاره ابن حمدان، والآمدي، وأتباعه ﵏ ﷾ وهو أظهر، لأن الدليل السمعي دل على التمسك به مطلقا من غير تقييد، فوجب المصير إليه، لأن الأصل عدم التقييد.
قال ابن قاضي الجبل: هذا قول الجمهور، وللقاضي عبد الجبار المعتزلي فيه قولان: أحدهما المنع، ووجهه اختلاف المصالح بحسب الأحوال، فلو كان حجة لزم ترك المصلحة، وإثبات المفسدة، وقطع به الغزالي، وصححه السمعاني، وهو ظاهر كلام الموفق في الروضة في حد الإجماع، والطوفي في مختصره، وابن حمدان في مقنعه، وغيرهم.
قال الكوراني: لا معنى للإجماع في ذلك، إلى أن قال: والمجمع عليه لا يجوز خلافه، وما ذكروه من أمور الحرب ونحوها، إن أثم مخالف ذلك فلكونه شرعيا، وإلا فلا معنى لوجوب اتباعه اهـ
ونقل عن البرماوي - ﵀ ﷾ - الاتفاق في الأمور اللغوية، ونقل عن القرطبي - ﵀ ﷾ - قولا باختصاص الاعتداد به فيها، بالمتعلقة بالدين خاصة.
وكأن وجه القول باختصاص الإجماع بالمسائل الشرعية، أن الحديث إنما دل على أن الأمة لا تجتمع على ضلالة، والمتبادر من الضلالة المخالفة في الشرعيات خاصة، وفي الحديث " كل ضلالة في النار " (^١) والله ﷾ أعلم.
ولا ينافي ذلك تعين اتباع الإجماع في بعض الأمور الدنيوية، كما سبق من أمر الحرب، وكما في المسائل الطبية ونحوها، فوجوب العمل به في ذلك ليس لعصمته، بل لوجوب العمل بما يظهر أنه المصلحة، وقد علم اليوم بطلان مسائل كثيرة من الأمور التي كانت متفقا عليها بين أهل التجربة، والله ﷾ أعلم.
فالإلغا لمن عم انتقي
_________________
(١) رواه النسائي وهو حديث صحيح، وأصله في مسلم.
[ ٢ / ٥٩ ]
وقيل: لا، وقيل: في الجلي … مثل الزنى، والحج، لا الخفي
وقيل: لا في كل ما التكليف … بعلمه قد عمم اللطيف
وذا للاحتجاج أو أن يطلقا … عليه الاجماع، وكل ينتقى
مذهب الإمام مالك - ﵀ ﷾ – والمحققين، أنه لا عبرة بموافقة العوام في الإجماع، لجهلهم، وإنما العبرة باتفاق المجتهدين خاصة.
قال أبو الوليد الباجي ﵀ ﷾ في كتاب الإشارة: والدليل على ما نقوله، أن العامة يلزمهم اتباع العلماء في ما ذهبوا إليه، ولا يجوز لهم مخالفتهم، فهم في ذلك بمنزلة أهل العصر الثاني مع من تقدمهم، بل حال أهل العصر الثاني أفضل، لأنهم من أهل العلم والاجتهاد، ثم ثبت أنه لا اعتبار بأقوال أهل العصر الثاني مع اتفاق أقوال أهل العصر الأول، فبأن لا يعتبر بأقوال العامة مع اتفاق أقوال العلماء أولى وأحرى اهـ
وقيل: تشترط موافقتهم مطلقا، لأنهم بعض الأمة.
وقيل: تشترط موافقتهم في المشهور دون الخفي، كدقائق الفقه.
وقيل: تشترط موافقتهم في ما كلفت العامة والخاصة بمعرفته، نقله في النشر عن أبي الوليد الباجي - رحمهما الله ﷾ - قال: وما كلفت الخاصة فقط بمعرفته كالبيوع، وغيرها، لم يعتبر فيه العوام.
قال: وبهذا قال عامة الفقهاء، واعتبر بعضهم الأصولي في الفروع.
ونقل في النشر عن القاضي عبد الوهاب - رحمهما الله ﷾ - أنه ذكر قولين في اعتبار من لا يقول بالقياس.
قال: واختار الإبياري - ﵀ ﷾ - أن الظاهرية لا يعتد بخلافهم في المسائل، لأن المقايسة من شرط الاجتهاد، فمن لم يعتبرها لم يصلح للاجتهاد.
قال القاضي عبد الوهاب - ﵀ ﷾ -: وهذا غير صحيح، فإنه لو لم يعتبر من لا يعتبر بعض المدارك، لألغينا من لا يعتبر المراسيل، والأمر للوجوب، أو العموم، أو غير ذلك، وما من طائفة إلا وقد خالفت في نوع من الأدلة اهـ
وقد اختلف في مراد القائل باعتبار العوام، هل مراده توقف حجية اتفاق المجتهدين على
[ ٢ / ٦٠ ]
موافقتهم، وهو ظاهر الإبياري، والفهري، والآمدي - ﵏ ﷾-.
وعليه فالخلاف معنوي.
أو مراده توقف التسمية بالإجماع، دون الحجية، فلا يقال: أجمعت الأمة، في ما لم يوافق فيه العوام، وإنما يقال: أجمع العلماء، وبه جزم التاج السبكي - ﵀ ﷾ - في الجمع، وعليه فالخلاف في اللفظ لا في المعنى.
وفي حاشية البناني - ﵀ ﷾ - أن المراد بالعوام: من عدا المجتهدين.
وأن المراد بالأصولي: العارف بدلائل الفقه الإجمالية، وبطرق استفادة ومستفيد جزئياتها.
وكل من ببدعة يكفر … منَ اَهل الاهواء فلا يعتبر
معناه أنه لا عبرة بمخالفة أهل الأهواء الذين يكفرون ببدعهم، كالمجسمة، لعدم دخوله في الأمة المشهود لها بالعصمة.
وأما المبتدع الذي لا يكفر ببدعته، فقيل: يعتبر، وقيل: لا يعتبر.
والكل واجب، وقيل لا يضر … الاثنان دون من عليهما كثر
معناه أنه لا بد في الإجماع من اتفاق جميع المجتهدين، عند أصحاب الإمام مالك - ﵀ ﷾ - والجمهور، فلو خالف واحد منهم لم يكن إجماعا، لأن الأدلة إنما شهدت لعصمة المجموع، ولا تحقق له إلا باتفاق جميع الأفراد.
وقيل: تغتفر مخالفة الواحد، دون ما زاد عليه.
وقيل: تغتفر مخالفة الاثنين، دون ما زاد عليهما، وهو لابن خويز منداد ﵀ ﷾.
وقيل: يغتفر ما دون عدد التواتر، دون ما بلغ عدد التواتر.
وقيل غير ذلك.
واحتج بعض من اغتفر مخالفة اليسير بما جاء من الحض على لزوم الجماعة، وبأن اسم الأمة لا ينخرم به، وأنه إذا كان الإجماع حجة، وجب أن يكون معه من يجب عليه الانقياد إليه.
وأجيب عن الأول بأنه يقتضي غلبة الظن أن الحق مع الأكثر، والمراد هنا القطع.
[ ٢ / ٦١ ]
وعن الثاني بأن اسم الأمة لا يصدق بالبعض إلا مجازا.
وعن الثالث بأن المنقاد لإجماعهم من بعدهم، ومن عاصرهم ممن ليس له أهلية النظر، والنزاع هنا في من له أهلية، قاله في النشر.
واعتبرنْ مع الصحابي من تبع … إن كان موجودا وإلا فامتنع
معناه أن إجماع الصحابة - رضي الله ﷾ عنهم أجمعين - تعتبر فيه موافقة الموجود من التابعين وقته متصفا بصفات الاجتهاد، فلا ينعقد دونه، وأما من لم يكن موجودا حينه، أو كان موجودا، ولم يكن متصفا بصفات المجتهدين، فلا تشترط موافقته بناء على مذهب الأكثرين من عدم اشتراط انقراض العصر، وهو ما أشار إليه - ﵀ ﷾ - بقوله:
ثم انقراض العصر والتواتر … لغو على ما ينتحيه الاكثر
والمعنى أن الأكثرين على أنه لا يشترط في انعقاد الإجماع انقراض عصر المجمعين بموت من يعتبر فيه، لأن دليل الإجماع ليس مقيِّدا بالانقراض، فانعقاده لحظة كاف في حصول القطع بالحكم، لصدق اسم الإجماع عليه، فيتناوله دليل عصمة الإجماع، ولا يجوز لأحد منهم الرجوع عن رأيه، لحصول العلم بالحكم، وهذا مذهب الأئمة الثلاثة ﵏ ﷾ والجمهور.
وجاء عن الإمام أحمد وابن فورك - رحمهما الله ﷾ اشتراط الانقراض، وقيل: يشترط في السكوتي، دون النطقي، واختاره السيف الآمدي ﵀ ﷾ في الإحكام.
وذكر سليم الرازي ﵀ ﷾ أن محل الاختلاف النطقي خاصة، وجعل اشتراطه في السكوتي محل اتفاق.
وقيل: يشترط أن لا يبقى منهم عدد التواتر.
وقيل: يشترط في إجماع الصحابة خاصة، وهو ظاهر كلام الطبري ﵀ ﷾.
والخلاف في اشتراط ذلك لاستمرار الحجية، فمشترط الانقراض، يقول: نحتج به، لكن
[ ٢ / ٦٢ ]
لو رجع راجع قدح، فلا تستمر حجيته إلا بموت من يعتبر فيه.
وذهب الأكثرون أيضا في ما ذكره ابن برهان ﵀ ﷾ إلى أنه لا يشترط في الإجماع، بلوغ المجمعين عدد التواتر، لعدم تقييد الدليل على عصمة الإجماع بذلك، فلو لم يكن إلا اثنان، كان اتفاقهما حجة.
وقيل: لا بد من ثلاثة، لأنه مشتق من الجماعة، وأقلها ثلاثة.
والمعول هو أول الأقوال، بل لو لم يكن إلا واحد، كان قوله حجة، لانحصار الاجتهاد فيه، فلو لم يكن قوله حقا، لزم خلوهم عنه.
وقيل: ليس قوله حجة، لأن المعصوم الاجتماع، وهو غير موجود.
وهو حجة ولكن يحظل … في ما به كالعلم دور يحصل
معناه أن الإجماع حجة على من انعقد قبله، لحديث الترمذي " إن الله سبحانه وتعالي لا يجمع أمتي - أو قال أمة محمد صلى الله تعالى عليه وسلم - على ضلالة " (^١) ولظواهر أخرى من الكتاب العزيز، والسنة المطهرة، كقوله ﷾ جل من قائل: (ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا) وقوله ﷾ جل من قائل: (وكذلك جعلناكم أمة وسطا)
وقوله: صلى الله تعالى عليه وسلم: " لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق " (^٢) الحديث، وقوله صلى الله تعالى عليه وسلم: " الحلال بين، والحرام بين، وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس " (^٣) والأحاديث التي تحض على لزوم الجماعة.
وحجية الإجماع إنما تكون في ما لا تتوقف صحته - أعني الإجماع - عليه كرؤية الباري - ﷾ - وجواز البيع، والإجارة، ونحو ذلك، بخلاف وجود الله ﷾ ونبوة محمد - صلى الله تعالى عليه وسلم - للزوم الدور، وكذلك الأدلة السمعية كلها،
_________________
(١) وهو حديث صحيح.
(٢) رواه مسلم وأبو داوود والترمذي وابن ماجة والدارمي والإمام أحمد.
(٣) متفق عليه.
[ ٢ / ٦٣ ]
فحجيتها متوقفة على ثبوت وجوده ﷾، وثبوت رسالة محمد - صلى الله تعالى عليه وسلم - فلو ثبتا أيضا بالنقل، حصل دور، لثبوتهما بما يتوقف ثبوته وحجيته على ثبوتهما، وهذا هو المراد بقوله - ﵀ ﷾ -: ولكن يحظل في ما به كالعلم دور يحصل.
والمراد بالعلم: العلم الذي هو صفة من صفات الله - ﷾ - وذلك أن الشرع كله متوقف على العلم، فلا يمكن إثبات العلم به.
وما إلى الكوفة منه ينتمي … والخلفاء الراشدين فاعلم
معناه أن إجماع أهل الكوفة، ليس بحجة، لأنهم بعض الأمة، وكذلك إجماع أهل الكوفة والبصرة معا، خلافا لمن قال بحجيتهما، ولمن قال بحجة الثاني فقط، لكثرة من سكنهما من أصحاب النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم -.
وكذلك القول في إجماع الخلفاء الأربعة، والشيخين: أبي بكر وعمر - رضي الله تعالى عنهم أجمعين - خلافا لمن قال بالحجية في ذلك.
وأوجبنْ حجية للمدني … في ما على التوقيف أمره بني
وقيل: مطلقا
معناه أن إجماع أهل المدينة المنورة بأنواره صلى الله تعالى عليه وسلم من الصحابة والتابعين حجة عندنا في ما طريقه النقل، وقد حكى عياض - ﵀ ﷾ - اتفاق المحققين من المذاهب الأخرى عليه، لأنه من باب الأخبار المتواترة، فهو في معنى النص القطعي المتن والدلالة، ولذلك طرحت له أخبار الآحاد، والأقيسة، وذلك كالصاع والمد، وكالأذان، والإقامة، وترك الجهر بالبسملة، والتسليمة الواحدة، وترك زكاة الخضروات. واختلف في ما طريقه الاجتهاد، وقد نص غير واحد من أئمة المذهب على عدم حجيته، وذهب أكثر المغاربة إلى أنه حجة، وهو الذي يدل له كلام الإمام - ﵀ ﷾- في الموطإ في غير موضع.
واختلف على القول بحجيته إذا عارضته أخبار الآحاد أو القياس، كما تقدم ذلك.
وما قدَ اَجمعا … عليه أهل البيت مما منعا
[ ٢ / ٦٤ ]
معناه أن إجماع أهل البيت ليس بحجة، لأنهم بعض الأمة، خلافا لمن قال بحجيته، محتجا بقوله ﷾ جل من قائل: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) والخطأ رجس، وأجيب بمنع ذلك.
وما عرى منه على السني … من الأمارة أو القطعي
معناه أنه لا بد في حجية الإجماع من استناده إلى دليل قطعي أو ظني، وهو المراد بالأمارة.
فالإجماع المنعقد عن غير مستند ليس بحجة، ويجوز استناده إلى القياس عند الإمام مالك - ﵀ ﷾ - والجمهور، كإجماعهم على إمامة أبي بكر - رضي الله ﷾ عنه - قياسا على إمامته في الصلاة، وإجماعهم على تحريم شحم الخنزير قياسا على لحمه.
وقيل: لا بد في مستند الإجماع من القطع، ولا يكفي الظن.
وقيل: لا يشترط فيه الاستناد إلى دليل، لأن الدليل على عصمة إجماعهم بلا قيد، فيجوز أن يلهموا الحكم دون استناد إلى دليل.
ورد بأن حكمهم من غير رجوع إلى دليل، اتباع للهوى، وهو ضلال، وقد عصموا من الاجتماع على الضلال، وقد أشار إلى القول بجواز انعقاده دون مستند، بمفهوم قوله - ﵀ ﷾ -: على السني.
وخرقه، فامنع لقول زائد … إذ لم يكن ذاك سوى معاند
وقيل: إن خرق
خرقه بالرفع، معطوف على نائب الفاعل في قوله: مما منعا.
والمعنى أن خرق الإجماع، لا يجوز، لأنه اتباع لغير سبيل المؤمنين، ومخالفة لقاطع الدليل، فقد دلت ظواهر كثيرة لا يتطرق الشك إلى مجموعها، على استحالة الاجتماع على الخطإ، قال التاج ﵀ ﷾ في الإبهاج: الذي يظهر لي - وهو معتمدي في ما بيني وبين الله ﷾ - أن الظنون الناشئة عن الأمارات المزدحمة، إذا تعاضدت مع كثرتها، تؤدي إلى القطع، وأن على الإجماع آيات كثيرة من الكتاب العزيز، وأحاديث
[ ٢ / ٦٥ ]
عديدة من السنة، وأمارات قوية من المعقول، أنتج المجموع من ذلك، أن الأمة لا تجتمع على خطإ، وحصل القطع به من المجموع، لا واحد بعينه اهـ
وقد بين ذلك الشاطبي - ﵀ ﷾ - في موافقاته بما لا مزيد عليه.
وقيل: لا تمتنع مخالفة إجماع المجمعين لمن بعدهم، إذا كان إجماعهم عن اجتهاد.
ومما ينبني على وجوب اتباع الإجماع، وامتناع الخروج عنه، أنه إذا اختلف أهل العصر في مسألة على قولين، لم يجز لمن بعدهم إحداث قول ثالث، في ما ذهب إليه الجمهور.
قال في النشر: وعزاه في البرهان لمعظم المحققين، واختاره الإبياري ﵀ ﷾ منا، وقال: القائل بالحلية، قد نفى الحرمة وبقية الأحكام، والقائل بالحرمة، قد نفى الحلية وبقية الأحكام، فالفريقان متفقان على نفي ما سوى الحل والحرمة، فانتفاء ما سواهما مجمع عليه، فعندهم لا يكون إحداث الثالث إلا خارقا اهـ
وذهبت طائفة من الحنفية، والشيعة، وأهل الظاهر، إلى جواز إحداث قول زائد مطلقا، وقيل: إن لزم من القول المحدث رفع ما أجمعوا عليه امتنع، وإلا جاز، وهو الحق عند المتأخرين.
ومثال ذلك: اختلاف الأمة في النية في الطهارة على قولين:
وجوبها في الجميع، ووجوبها في البعض، فقد اتفق القولان على وجوبها في البعض، فإحداث قول بسقوطها في الجميع، خارق للإجماع على وجوبها في البعض.
بخلاف ما لو اختلف الأولون في وجوبها مطلقا، وعدمه مطلقا، فإحداث قول بإيجابها في بعض، ليس بخارق، لأنه موافق في النفي لبعض، وفي الإثبات لبعض.
والشأن لا يعترض المثال … إذ قد كفى الفرض والاحتمال
ومما ينبني عليه كذلك: امتناع الفرق بين مسألتين لم يفصل بينهما أهل عصر، لأنه خلاف ما أجمعوا عليه.
وقيل بالتفصيل بين ما إذا أجمعوا على عدم الفرق بينهما، فيكون إحداث تفصيل خرقا فيمنع، وما إذا لم يجمعوا على ذلك، فلا يمنع.
وإجماعهم على عدم الفرق بينهما، على وجهين:
[ ٢ / ٦٦ ]
أحدهما: النص على عدم الفرق بينهما.
والثاني: النص على اتحاد الجامع بينهما، كتوريث العمة والخالة، فالعلماء بين مورث لهما ومانع، والجامع بينهما عند الطائفتين كونهما من ذوي الأرحام، فلا يجوز منع واحدة، وتوريث أخرى، لأن ذلك خرق لما أجمعوا عليه من اتحاد العلة.
وهذا هو الفرق بين هذه المسألة والتي قبلها، فالخرق هنا في الحكم والعلة معا.
ولذلك لو لم يتفقوا على العلة، لم يكن توريث إحداهما دون الأخرى خارقا، إذ هما حكمان، تجوز موافقة فريق في أحدهما، وموافقة الآخر في الأخرى، فالإجماع على اتحاد العلة في المسألتين يصيرهما في معنى المسألة الواحدة، فيكون التفصيل فيها إحداث قول.
وردة الأمة لا الجهل لما … عدم تكليف به قد علما
قوله: وردة الأمة، معناه أن ارتداد جميع الأمة عن الإسلام - وإن جاز عقلا - لا يجوز شرعا، لقوله صلى الله تعالى عليه وسلم: " لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق " قال في رفع الحاجب: فإنه نص في أن هذه الأمة لا تخلو عن قائم بالحق، ويستحيل معه ردة الكل.
قوله: لا الجهل البيت، معناه أن اشتراكهم في الجهل في ما لم يكلفوا بعلمه، جائز، بل واقع، كترتيب الأنبياء في الزمن، خلافا لمن قال بمنع ذلك، معللا بأنه لو جاز، لكان الجهل لها سبيلا، وأجيب بمنع ذلك.
ولا يعارض له دليل
معناه أن الإجماع القطعي لا يعارضه دليل، لامتناع تعارض قطعيين، وطرح الظني بالقطعي.
ويظهر الدليل والتأويل
معناه أنه يجوز إظهار دليل، أو تأويل للدليل، ليوافق غيره، أو علة غير ما ذكروه، إذا لم يكن ذلك خارقا للإجماع، بأن لم ينصوا على أنه لا علة غير ما ذكروه، أو لا تأويل غير ما ذكروه، أو لا دليل غير ما ذكروه.
فإن نصوا على ذلك، امتنع الإظهار، لأنه خرق لإجماعهم.
[ ٢ / ٦٧ ]
وقيل: يمتنع مطلقا، لأنه من غير سبيل المؤمنين المتوعد على اتباعه.
وأجيب بأن المتوعد عليه ما خالف سبيلهم، لا ما لم يتعرضوا له.
قال في نثر الورود: مثال إظهار الدليل والتأويل: أن المجتهدين المجمعين على منع وطء الأخت من الرضاع بملك اليمين، لم يتعرضوا أصلا للنص الذي هو مستند الإجماع، ولم يتعرضوا لتأويل النص المقتضي بظاهره مخالفة هذا الإجماع، فلمن بعدهم أن يظهر دليل الإجماع، بأن يقول: دليل هذا الإجماع قوله ﷾ جل من قائل: (وأخواتكم من الرضاعة).
وله أيضا أن يؤول النص المخالف بظاهره لهذا الإجماع، وهو قوله ﷾ جل من قائل: (إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم) المقتضي للإباحة الشامل عمومه الأخت من الرضاع، بأن يقول: هذا العموم مؤول، أي: محمول على غير ما لم يخرجه دليل، أما ما أخرجه الدليل كالأخت من الرضاع، وموطوأة الاب، فليس بمراد، وقس على ذلك.
وقدمنَّه على ما خالفا … إن كان بالقطع يرى متصفا
ليس في هذا زيادة على قوله قبل: ولا يعارض له دليل، وكأنه أعاده ليرتب عليه قوله:
وهْو المشاهَد أو المنقول … بعدد التواتر المقول
والمعنى أن الإجماع القطعي، هو الثابت بالمشاهدة، كما لو فرض اجتماع مجتهدي عصر في مكان، وأنت شاهد، وأجمعوا على حكم في مسألة نطقا.
أو المنقول بعدد التواتر، إذا كان نطقيا أيضا.
فالسكوتي ظني مطلقا، كالمنقول آحادا، ولا بد من حصول التواتر في سائر الطبقات عند التعدد، كما تقدم في الكلام على الخبر المتواتر.
وإذا علمت أن الإجماع السكوتي كله ظني، علمت أن الإجماع القطعي عزيز الوجود.
وفي انقسامها لقسمين وكل … في قوله مخط، تردد نقل
معناه أنه اختلف في جواز انقسام الأمة في مسألتين متشابهتين إلى قولين مع خطإ كل من الطائفتين، في ما ذهبت إليه، وعدم جوازه.
والأول هو المعول، لأنهما هما حكمان منفصلان، لا تلازم بينهما في المعنى.
[ ٢ / ٦٨ ]
ومثال ذلك: اتفاق فرقة على وجوب الترتيب في الوضوء، وعدم وجوبه في قضاء الفوائت، واتفاق الطائفة الأخرى على وجوبه في قضاء الفوائت، وعدم وجوبه في الوضوء، إذا كان الصواب وجوبه فيهما معا، أو عدم وجوبه فيهما معا.
فمن نظر إلى أصل الترتيب، منع، ومن نظر إلى اختلاف متعلقه جوز، وهو الصواب. … وأما خطأ الجميع في مسألتين متباينتين، فجائز بلا خلاف.
كخطإ طائفة في مسألة في الوضوء، وخطإ الطائفة الأخرى في مسألة في البيع.
وأما خطؤهم في مسألة واحدة من وجه واحد فلا يجوز قطعا، لما تقدم.
وجعْل من سكت مثل من أقر … فيه خلاف بينهم قد اشتهر
فالاحتجاج بالسكوتي نمى … تفريعه عليه من تقدما
وهْو بفقد السخط والضد حري … معَ مضي مهلة للنظر
قوله - ﵀ ﷾ -: وجعل من سكت مثل من أقر البيت، معناه أنه اختلف في الساكت هل له حكم المقر، وبنوا على ذلك الاختلاف في الإجماع السكوتي.
فإذا قال بعض المجتهدين قولا في مسألة تكليفية اجتهادية، وعرف الباقون قوله، وسكتوا، فهل يكون ذلك إجماعا على قوله، أو لا؟
ذهب جماعة إلى أنه ليس بإجماع ولا حجة، وهو قول الغزالي والإمام وأتباعه، وهو اختيار القاضي أبي بكر، ونقل عن الإمام الشافعي - ﵏ ﷾ أجمعين - لأن السكوت لا يتعين أن يكون عن موافقة.
وذهب الإمام أحمد ﵀ ﷾ وأبو علي الجبائي إلى أنه إجماع وحجة بعد انقراض العصر، وهو أحد الوجهين عند الشافعية، وذلك لظهور سكوتهم في الموافقة.
وذهب أبو علي بن أبي هريرة إلى التفصيل بين قول الحاكم وغيره، فإذا كان القائل حاكما لم يكن إجماعا ولا حجة، وإلا كان إجماعا، لأن الاعتراض على الحاكم ليس من الأدب.
وذهب أبو هاشم بن أبي علي إلى أنه حجة، وليس بإجماع، لحصول الظن به، وهو المشهور عند الشافعية.
[ ٢ / ٦٩ ]
والذي لابن الحاجب - ﵀ ﷾ - في المختصر أنه إجماع، أو حجة، ونصه: إذا أفتى واحد وعرفوا به، ولم ينكر أحد قبل استقرار المذاهب، فإجماع أو حجة، إلى أن قال: لنا سكوتهم ظاهر في موافقتهم، فكان كقولهم الظاهر، فينتهض دليل السمع.
ونسب أبو الوليد الباجي ﵀ ﷾ في كتاب الإشارة لجمهور أصحابنا وجمهور أصحاب الإمام أبي حنيفة والإمام الشافعي - رحمهما الله ﷾ أنه إجماع وحجة قاطعة.
قال: ولو لم يصح إجماع ولا تثبت به حجة إلا بعد أن يروى الاتفاق على حكم الحادثة عن كل أحد من أهل العلم في عصر الإجماع، لبطل الإجماع، وبطل الاحتجاج به، لاستحالة وجود ذلك في مسألة من مسائل الأصول أو الفروع، كما لا نعلم اليوم اتفاق علماء عصرنا في جميع الآفاق على حكم حادثة من الحوادث، بل أكثر العلماء لا نعلم بوجودهم في العالم اهـ
قوله: وهو بفقد السخط البيت، معناه أن محل الاختلاف في اعتبار سكوت الساكتين موافقة، ما لم يظهر منهم ما يقتضي الرضى بالقول المذكور، ولا ما يقتضي الإنكار، مع مضي مهلة كافية للنظر والاجتهاد في المسألة.
فإن ظهر منهم ما يقتضي الرضى كان ذلك إجماعا بلا خلاف.
وإن ظهر منهم ما يقتضي الإنكار لم يكن إجماعا بلا خلاف، على ما فهمه جماعة، وهو الأشبه عند التاج السبكي - ﵀ ﷾ - ومقتضى كلام الإمام ﵀ ﷾ جريان الخلاف فيه أيضا، كما في الإبهاج.
كما أنه لا خلاف في عدم اعتباره قبل مضي زمن كاف للنظر في المسألة، ولا بد أيضا من بلوغ قول المتكلم في المسألة لجميعهم، ويشعر بذلك التعبير بالسكوت.
ويشترط كذلك أن تكون المسألة تكليفية، كما تقدم، بخلاف ما ليس تكليفيا كالتفضيل بين الصحابة - رضي الله ﷾ عنهم أجمعين -.
ولا يكفَّر الذي قد اتبع … إنكار الاجماع وبيس ما ابتدع
معناه أن معتقد عدم حجية الإجماع، لا يكفر بذلك، لعدم ثبوت الأدلة المقتضية
[ ٢ / ٧٠ ]
له عنده، وليس في ذلك تكذيب للشرع، ومقتضى التاج السبكي - ﵀ ﷾ - أن في تكفيره خلافا.
قال في رفع الحاجب: لا ريب أنا لا نكفر من أنكر الإجماع السكوتي، والإجماع الذي لم ينقرض أهل عصره، ونحو ذلك من الإجماعات التي اختلف العلماء المعتبرون في انتهاضها حجة، إنما الخلاف في من أنكر أصل الإجماع، وهدم قاعدته، وزعم أن الله - ﷾ - لم يشرع الاحتجاج به لخلقه، ولا شك في بدعة هذا، والقول في تكفيره، كالقول في تكفير أهل البدع والأهواء اهـ
وأما إنكار الحكم الثابت بالإجماع، فإن كان من المعلوم من الدين بالضرورة، كوجوب الصلاة، والصوم، وحرمة الخمر، والربا، والزنا، وجواز البيع، والنكاح، فإنكاره كفر، ما لم يكن حديث عهد بالإسلام.
والضروري هو ما تستوي الخاصة والعامة في معرفته من غير قبول للتشكيك.
وذلك لأن إنكاره يتضمن تكذيب الشرع، لأن علمه على ذلك الوجه، في معنى سماعه من النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - شفاها، وإلى هذا أشار - ﵀ ﷾ - بقوله:
وكفروا الجاحد ما قدُ اُجمعا … عليه، مما علمه قد وقعا
عن الضروري من الديني
وأما غير الديني كوجود القيروان، فلا يكفر بجحده.
وأما غير الضروري، فإن كان مشهورا بين الناس، وكان منصوصا عليه، كالقصر في السفر، فقد جعل التاج السبكي - ﵀ ﷾ - في الجمع الأصح كفره. وقال البناني﵀ ﷾ - إن المعتمد في الفروع النفي، وقال في الأول: اعترض بأنهم اعتبروا العلم من الدين بالضرورة في مفهوم الإيمان، حيث عرفوه بأنه: التصديق بما علم ضرورة أنه من دين محمد - صلى الله تعالى عليه وسلم - ولا واسطة بين الإيمان والكفر اهـ
وإلى هذا الخلاف أشار الشيخ - ﵀ ﷾ - بقوله:
[ ٢ / ٧١ ]
… ومثله المشهور في القوي
إن كان منصوصا
واختلف كذلك في إنكار المجمع عليه المشهور الذي ليس بمنصوص، ومثله في نثر الورود بإباحة القراض، والقول بالتكفير بإنكاره ضعيف، كما قال البناني - ﵀ ﷾ - وإلى الخلاف فيه أشار الناظم - ﵀ ﷾ - بقوله:
وفي الغير اختلَف … إن قدُم العهد بالاسلام السلف
وقوله - ﵀ ﷾ -: إن قدم العهد بالإسلام، أشار به إلى أن التكفير بالإنكار في المواضع الثلاثة، إنما هو في حق من قدم عهده بالإسلام، فإن كان حديث العهد به، لم يكفر بذلك.
قال الشربيني - ﵀ ﷾ -: ولا بد أن يشتهر في محل من جحد، بحيث ينسب في جهله به إلى تقصير اهـ
وهذا ظاهر، فضرورية الحكم تختلف، فعدم قضاء الصوم من الحيض ضروري في حق النساء، وقد لا يكون ضروريا عند بعض الرجال.
وجواز التسري قد كان ضروريا في العهود الأولى، ولا يبعد جهله في هذه العصور - مثلا - هذا الذي يظهر، والله ﷾ أعلم.
قول الناظم - ﵀ ﷾: السلف، هو فاعل قوله: اختلف.
وعلم من هذا، أن غير المشهور من الأحكام المجمع عليها، لا يكفر جاحده، سواء كان منصوصا عليه، كإرث بنت الإبن مع بنت الصلب السدس، فقد قضى به النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - كما رواه البخاري - ﵀ ﷾ - أو لا، كفساد الحج بالجماع.