يعني من حيث استنباطها من الأدلة، فخرج مجتهد المذهب ومجتهد الفتيا، والاجتهاد: من الجهد بفتح الجيم وبضمها، وقال القرافي - ﵀ ﷾ -: فرقت العرب بين الجهد بفتح الجيم، وبضمها، فبالفتح: المشقة، وبالضم: الطاقة، ومنه قوله سبحانه
[ ٢ / ٢٢٦ ]
وتعالى جل من قائل: (والذين لا يجدون إلا جهدهم) أي: طاقتهم اهـ
نقله في النشر.
بذل الفقيه الوسع أن يحصلا … ظنا بأن ذاك حتم مثلا
معناه أن الاجتهاد في الاصطلاح، هو استفراغ الفقيه وسعه في النظر في الأدلة، لتحصيل ظن بحكم أمر، ككونه واجبا، أو حراما، أو مباحا.
فخرج غير الفقيه، وخرجت القطعيات إذ لا اجتهاد فيها.
والظن الحاصل هو الفقه الذي تقدم ذكره في الكلام على تعريف أصول الفقه.
وذاك معْ مجتهد رديف
معناه أن الفقيه والمجتهد مترادفان في اصطلاح الأصوليين، قال في النشر: والفقيه في عرف الفقهاء: من تجوز له الفتوى من مجتهد ومقلد، وفي العرف اليوم: من مارس الفروع وإن لم تجز له الفتوى، وتظهر ثمرة ذلك في ما كالوصية والوقف على الفقهاء اهـ
وما له يحقق التكليف
معناه أن مما يشترط في المجتهد التكليف، فخرج الصبي، إذ لم يكتمل عقله حتى يعتبر قوله، وخرج غير العاقل، إذ لا تمييز له يهتدي به لما يقوله حتى يعتبر.
وهْو شديد الفهم طبعا
معناه أنه يشترط في المجتهد كونه فقيه النفس، بأن يكون قوي الفهم، شديد الدراية بمقاصد الشارع في خطاباته، سجية، لأن الفقيه من فقه بالضم إذا صار الفقه له سجية، فبهذا يتسنى الاستنباط على وجه تؤمن معه كثرة الغلط وفحشه.
واختلف … في من بإنكار القياس قد عرف
معناه أنه اختلف في من أنكر حجية القياس، كالظاهرية، هل يخرجه ذلك عن كونه مجتهدا، لاقتضائه عدم أهليته له، أو لا يخرجه عنه، لعدم منافاته لفقاهة النفس، وقيل يفرق بين إنكار الجلي، وغيره.
قد عرف التكليف بالدليل … ذي العقل قبل صارف النقول
معناه أن من شروط المجتهد أن يكون عارفا بالدليل العقلي، وهو البراءة الأصلية،
[ ٢ / ٢٢٧ ]
وبالتمسك به حتى يصرف عنه صارف.
وانظر لم لم يستغنوا عن هذا بما يأتي من معرفة أصول الفقه؟
وانظر أيضا ما المتحفظ منه بهذا الشرط؟
والنحو والميزان واللغة مع … علم الاصول وبلاغة جمع
يعني أنه يشترط في المجتهد أن يكون عارفا بالنحو الشامل للتصريف، وأن يكون عارفا بالمنطق، وهو المراد بالميزان، قال في النشر: أي: عارفا بالمحتاج إليه منه، كشرائط الحدود والرسوم وشرائط البراهين اهـ
وعبارة القرافي - ﵀ ﷾ -: وشرائط الحد والبرهان اهـ
أي: عالما بشرائط الحد والبرهان.
ويشترط كذلك أن يكون عارفا باللغة، قال في النشر: عربية كانت أو شرعية أو عرفية اهـ
ويشترط كذلك أن يكون عارفا بعلم أصول الفقه، وبالبلاغة من معان وبيان.
قال في النشر: وكلما كمل معرفة واحد من تلك العلوم، كان الاجتهاد أتم.
ولا يقال: كيف تشترط معرفة علم الأصول، مع أن جمهور المجتهدين كانوا متبحرين في الاجتهاد ولم يكن هذا العلم إذ ذاك مدونا، بل يكفي كونه ذا فهم صحيح، لأنا نقول: ليس المراد معرفته بهذه الاصطلاحات الحادثة، بل المراد معرفة ذات قواعده، مدونة كانت أم لا، عرفها بالطبع أو التعلم، وإلا لزم عدم اشتراط العربية وغيرها، فإن أكابر الصحابة - رضي الله ﷾ عنهم أجمعين - كانوا في غاية الرفعة في الاجتهاد، ولم تكن إذ ذاك العربية ولا غيرها مدونة اهـ
وموضع الأحكام دون شرط … حفظ المتون عند أهل الضبط
ويشترط كذلك أن يكون عارفا بمدارك الأحكام من الكتاب العزيز، والسنة المطهرة، ولا يشترط حفظهما، لكنه أكمل.
قال في النشر: بل يكفيه في الأحاديث أن يكون عنده من كتبها ما إذا راجعه فلم يجد فيه ما يدل على حكم الواقعة، ظن أنها لا نص فيها اهـ
[ ٢ / ٢٢٨ ]
ذو رتبة وسطى في كل ما غبر
معناه أنه يشترط في المجتهد أن يبلغ الرتبة الوسطى في ما سبق ذكره من العلوم، ما عدا اللغة، فلا بد من الزيادة على التوسط فيها، حتى لا يشذ عنه المستعمل في الكلام في غالب الاوقات، ولا يلزم التبحر في شيء من هذه الأمور، وقيل يلزم في ما يختلف بسببه المعنى، ذكر ذلك كله في النشر.
وعلم الاجماعات مما يعتبر
معناه أنه يشترط لكن لإيقاع الاجتهاد خاصة، معرفته بمواضع الإجماع، ليلا يخرقه، ومواضع الخلاف ليلا يحدث تفصيلا أو قولا.
كشرط الاحاد وما تواترا … وما صحيحا أو ضعيفا قد جرى
وما عليه أو به النسخ وقع … وسبب النزول شرط متبع
كحالة الرواة والأصحاب … وقلدنْ في ذا على الصواب
معناه أنه يشترط في إيقاع الاجتهاد، كونه عارفا بشروط خبر الآحاد، والخبر المتواتر، ليقدم الثاني عند التعارص، وقد تقدم الكلام عليهما في كتاب السنة المطهرة، قال في النشر: لكن معرفة ما ذكر من علم الأصول اهـ
ويشترط كذلك أن يكون عارفا بشروط الحديث الصحيح، وغيره، ليعمل بالصحيح، ويترك الضعيف، ويشترط كذلك معرفة الناسخ والمنسوخ.
قال البناني - ﵀ ﷾ -: أي: بأن هذا ناسخ، وهذا منسوخ، وإلا فالعلم بتقدم الناسخ من حيث هو على المنسوخ، داخل في قوله سابقا: أصولا، كما نبه عليه بعضهم، وكذا القول في قوله: وشرط التواتر والآحاد، أن يعلم أن هذا متواتر، وذاك آحاد، وأما العلم بحال التواتر والآحاد من حيث هما، وأن الأول مقدم على الثاني، فداخل في قوله: أصولا، وقس على ذلك قوله: والصحيح والضعيف وحال الرواة اهـ
وتشترط كذلك لإيقاع الاجتهاد معرفته بسبب نزول الآية، وسبب الحديث، ليستعين بذلك في تفهم النص.
وتشترط كذلك معرفة أحوال الرواة، من قبول ورد، وأعدلية، وفقاهة، ونحو ذلك ليتمكن
[ ٢ / ٢٢٩ ]
من ترجيح بعض الروايات على بعض.
وتشترط كذلك معرفته بما يعين على معرفة الحكم من أحوال الصحابة - رضي الله ﷾ عنهمأجمعين - من أقضية، وفتاوى، وعمل، ونحو ذلك.
وأشار - ﵀ ﷾ - بقوله: وقلدن في ذا، إلى أنه يكفي في معرفة ما تقدم تقليد الأئمة في تلك العلوم.
قال في النشر: فيرجع في الأحاديث إلى الكتب المشهورة بالصحة، كصحيح البخاري، ومسلم، وصحيح ابن حبان، وابن خزيمة، وأبي عوانة، وابن السكن، وكذا المستخرجات، وموطإ الإمام مالك - ﵏ ﷾ عنهم أجمعين - وفي أحوال الصحابة إلى الاستيعاب لابن عبد البر - ﵀ ﷾ - وإلى الإصابة لابن حجر - ﵀ ﷾ - ونحوهما، وفي أحوال الرواة إلى المدارك للقاضي عياض والميزان للذهبي، ولسان الميزان لابن حجر، وفي الإجماعات، إلى إجماعات ابن المنذر، وابن القطان، ونحو ذلك، وفي أسباب النزول، إلى أسباب النزول للسيوطي وهكذا اهـ
وأشار - ﵀ ﷾ - بقوله: على الصواب إلى ما قاله الإبياري - ﵀ ﷾ - من اشتراط أن تكون معرفته من غير تقليد، معللا بأنه إذا قلد في شيء من ذلك، كان مقلدا في ما يبني عليه من الاجتهاد، وليس ببين، فمعرفة جميع ذلك من غير تقليد في شيء منه متعذرة.
وليس الاجتهاد ممن قد جهل … علم الفروع والكلام ينحظل
معناه أنه لا يشترط في المجتهد أن يكون عارفا بالفروع، قال في النشر: قال الإمام الرازي - رحمهما الله ﷾ -: وأما تفاريع الفقه، فلا حاجة إليها، لأن هذه التفاريع يولدها المجتهدون بعد أن فازوا بمنصب الاجتهاد فكيف يكون شرطا اهـ
قال: واشترطه أبو إسحاق الإسفرائيني - ﵀ ﷾ - وصحح بعضهم كونه شرطا في إيقاع الاجتهاد، وليس بصفة للمجتهد، لكن الواقع بعد زمان الصحابة - رضي الله ﷾ عنهم أجمعين - أن الاجتهاد إنما يكون بعد ممارسة الفقه اهـ
ولا يشترط أيضا كونه عارفا بعلم الكلام، ونُقل اشتراط ذلك، وجاء عن الغزالي - رحمه
[ ٢ / ٢٣٠ ]
الله ﷾ - أنه قال: وعندي أنه يكفي اعتقاد جازم، ولا يشترط معرفتها على طريقة المتكلمين بأدلتهم التي يحررونها اهـ
كالعبد والأنثى كذا لا تجب … عدالة على الذي ينتخب
معناه أنه لا يشترط في المجتهد أن يكون حرا، ولا أن يكون ذكرا، فيجوز أن يكون المجتهد عبدا، أو امرأة، كمثل ما حصل لعائشة - رضي الله ﷾ - وما جاء من نقصان عقولهن، إنما هو في الجملة لا في آحادهن.
ولا يشترط فيه كذلك أن يكون عدلا، لجواز بلوغ الفاسق رتبة الاجتهاد، خلافا لمن اشترط فيه العدالة، ووفق بينهما بأن من أثبت، قصد الاشتراط في جواز التقليد، ومن نفى قصد عدم الاشتراط في الأهلية للاجتهاد، فالفاسق يلزمه الأخذ باجتهاد نفسه، ولا يجوز لغيره تقليده.
هذا هو المطلق والمقيد … منسفل الرتبة عنه يوجد
معناه أن المجتهد الذي تقدم ذكر شروطه، هو المجتهد المطلق، وهو الناظر في الأدلة الشرعية من غير تقليد لأحد، كأئمة المذاهب الأربعة - رضي الله ﷾ عنهم أجمعين -.
والمجتهد المقيد دونه في الرتبة، فهو الملتزم لمراعاة أصول إمام معين، فينظر في نصوصه كما ينظر المجتهد المطلق في نصوص الشارع وما التحق بها، فلا يتعداها خلافا للخمي - ﵀ ﷾ - حيث كان يخرج أحيانا على غير قواعد إمامه ﵀ ﷾ وإلى هذا أشار - ﵀ ﷾ - بقوله:
ملتزم أصول ذاك المطلق … فليس يعدوها على المحقق
وينقسم إلى مجتهد مذهب، ومجتهد فتوى، وأشار - ﵀ ﷾ - إلى أولهما بقوله:
مجتهد المذهب من أصوله … منصوصة أم لا حوى معقوله
وشرطه التخريج للأحكام … على نصوص ذلك الإمام
معناه أن مجتهد المذهب هو الذي جمع أصول إمامه حفظا وضبطا، سواء كانت
[ ٢ / ٢٣١ ]
منصوصة له، أو مستنبطة من كلامه.
ويشترط فيه أن يكون متمكنا من تخريج الأحكام على نصوص إمامه، قال العبادي - ﵀ ﷾ -: كأن يقيس ما سكت عنه، على ما نص عليه، لوجود معنى ما نص عليه، في ما سكت عنه، سواء نص إمامه على ذلك المعنى، أو استنبطه هو من كلامه، أو يستخرج حكم المسكوت عنه، من دخوله تحت عموم ذكره، أو قاعدة قررها.
ويرد عليه أن أصحاب الوجوه، قد يستنبطونها من نصوص الشارع، كما يعلم من تتبع كلامهم، لكن يتقيدون في استنباطهم منها بالجري على طريق إمامهم في الاستدلال، ومراعاة قواعده، وشروطه فيه، وبهذا يفارقون المجتهد المطلق، فإنه لا يتقيد بطريق غيره، ولا بمراعاة قواعده، وشروطه فيه، اللهم إلا أن يريد بنصوص إمامه ما يشمل قواعده، وشروطه في الاستدلال، وبتخريج الوجوه على نصوص إمامه بالنسبة لهذا القسم استنباطها من الأدلة مع الجري على نصوص الإمام في الاستدلال، أي: قواعده، وشروطه عنده، ولا يخفى أنه تكلف اهـ
وأشار - ﵀ ﷾ - إلى مجتهد الفتوى بقوله:
مجتهد الفتيا الذي يرجح … قولا على قول وذاك أرجح
ومعناه أن مجتهد الفتوى هو المتبحر في مذهب إمامه، المتكن من ترجيح قول على قول من قولين مذكورين في المذهب من غير ترجيح، سواء كانا للإمام أو لأصحابه.
وقوله - ﵀ ﷾ -: وذاك أرجح، أشار به إلى أن مجتهد الفتوى أنزل رتبة من مجتهد المذهب.
لجاهل الأصول أن يفتي بما … نقل مستوفى فقط وأمما
أشار - ﵀ ﷾ - بهذا إلى ما نقله العبادي عن السيوطي عن النووي - ﵏ ﷾ أجمعين - ونصه: قال السيوطي - ﵀ ﷾ -: ولم يذكر في جمع الجوامع مرتبة بعد ذلك، وقد ذكر في شرح المهذب مرتبة رابعة، وهي أن يقوم بحفظ المذهب، ونقله، وفهمه في الواضحات والمشكلات، ولكن عنده ضعف في تقرير أدلته، وتحرير أقيسته، فهذا يعتمد نقله وفتواه في ما يحكيه من مسطورات مذهبه،
[ ٢ / ٢٣٢ ]
وما لم يجده منقولا، إن وجد في المنقول معناه، بحيث يدرك بغير كبير فكر أنه لا فرق، جاز إلحاقه به، والفتوى به، وكذا ما يعلم اندراجه تحت ضابط ممهد في المذهب، وما ليس كذلك يجب إمساكه عن الفتوى فيه، إلا أنه يبعد كما قال إمام الحرمين - ﵀ ﷾ - أن تقع مسألة لم ينص عليها في المذهب ولا هي في معنى المنصوص، ولا مندرجة تحت ضابط، وشرطه كونه فقيه النفس، ذا حظ وافر من الفقه اهـ
وقوله - ﵀ ﷾ -: وأمما، قال في النشر: فعل أمر، أي: اقتد به في ما نقل مستوفى اهـ
يجوز الاجتهاد في فن فقط … أو في قضية وبعض قد ربط
مذهب الأكثرين جواز تجزئ الاجتهاد بأنواعه الثلاثة، بأن يبلغ الشخص رتبة الاجتهاد في باب من أبواب الفقة دون غيره، كالأنكحة والبيع، وقيل: لا يجوز لاحتمال أن يكون في ما لم يعلمه من الأدلة معارض لما علمه (^١).
ونقل في الحلي عن البرماوي - ﵀ ﷾ - أن كلام الرافعي - ﵀ ﷾ -: يقتضي اختصاص الخلاف بالباب، دون المسألة، لشدة ارتباط مسائل الباب بعضها ببعض، وتباعد ارتباط مسائل بابين مختلفين اهـ وهو أبين، والله ﷾ أعلم.
والخلف في جواز الاجتهاد أو … وقوعه من النبي قد رووا
مذهب الأكثرين جواز الاجتهاد للنبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - وغيره من الأنبياء - عليه وعليهم أفضل الصلاة وأتم التسليم - في الأحكام الشرعية، ووقوعه، لأن الله - ﷾ - خاطب نبيه - صلى الله تعالى عليه وسلم - كما خاطب عباده، وضرب له الامثال، وأمره بالتدبر والاعتبار، وهو أجل المتفكرين في آيات الله - ﷾ - وأعظم المعتبرين.
واحتجوا للوقوع بقوله ﷾ جل من قائل: (ما كان لنبي أن يكون له أسرى
_________________
(١) وهذا يقتضي أن التجزأ في الاطلاع على الأدلة، لا في أهلية الاستنباط.
[ ٢ / ٢٣٣ ]
حتى يثخن في الأرض) وقوله ﷾ جل من قائل: (عفا الله عنك لم أذنت لهم) الآية الكريمة.
وذهب نفاة القياس إلى منع الاجتهاد في حق النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - واحتج المانعون بقدرته على اليقين، بالتلقي من الوحي، بأن ينتظره، والقادر على اليقين، لا يجوز له الاجتهاد.
وأجيب بأن إنزال الوحي ليس في قدرته، واختار القاضي أبو بكر وحجة الإسلام أبو حامد الغزالي - رحمهما الله ﷾ - الوقف، وقيل: بالجواز والوقوع في الآراء والحروب فقط، كإرادته أن يصالح غطفان على ثمار المدينة المنورة، وترك التلقيح، وحكى سليم الرازي وابن حزم - رحمها الله ﷾ - الإجماع على الجواز في هذا، والله ﷾ أعلم.
وواجب العصمة يمنع الجنف
قال في النشر: يعني أن اجتهاده صلى الله تعالى عليه وسلم لا يخطئ، لوجوب العصمة له، بناء على جوازه، هذا إذا قلنا إن المصيب واحد، وأما إذا قلنا إن كل مجتهد مصيب، فلا خلاف في ذلك اهـ
وصحح الوقوع عصره السلف
المصحح أن الاجتهاد جائز وواقع في زمن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم -.
وقيل ليس بجائز، للقدرة على اليقين في الحكم بتلقيه منه - صلى الله تعالى عليه وسلم -.
وقيل: لم يقع للحاضر في قطره - صلى الله تعالى عليه وسلم -.
وقيل بالوقف، والأصح من هذه الأقوال أولها، والوقائع المروية في ذلك كثيرة جدا.
ووحِّد المصيب في العقلي
معناه أن المصيب في العقليات واحد، وهو من صادف الصواب، والمراد بالعقليات: ما لا يتوقف على السمع، كحدوث العالم، ومعنى كون المصيب واحدا، أنه لا يتعدد، فلا يمكن أن يصيب من المختلفين أكثر من واحد، وقد يخطئون جميعا.
[ ٢ / ٢٣٤ ]
… ومالك رآه في الفرعي
معناه أن الإمام مالكا - ﵀ ﷾ - ذهب إلى أن المصيب من المختلفين في مسائل الفقه التي لا قاطع فيها واحد أيضا، وهو مذهب الجمهور.
قال في النشر: حجة الجمهور أنه ﷾ شرع الشرائع لتحصيل المصالح الخالصة، أو الراجحة، أو لدرء المفاسد كذلك، ويستحيل وجودها في النقيضين، فيتحد الحكم اهـ
وأما الجزئية التي فيها قاطع، من نص أو إجماع، واختلف فيها لعدم الوقوف عليه، فسيأتي الكلام عليها - إن شاء الله ﷾ -.
فالحكم في مذهبه معين … له على الصحيح ما يبين
مخطئه - وإن عليه انحتما … إصابة - له الثواب ارتسما
معناه أن مذهب الإمام مالك - ﵀ ﷾ - والجمهور في المسائل الفقهية المذكورة أن لله - ﷾ - فيها حكما قبل الاجتهاد، إذ لا بد للطلب من مطلوب، وأن عليه أمارة، وأن المجتهد مكلف بإصابة الحكم.
قال الشربيني - ﵀ ﷾ -: إذ الاجتهاد عبارة عن طلب دليل يدل على الحكم، وطلب الشيء متأخر عنه، ومنه أيضا يظهر ثبوت الحكم قبل الاجتهاد، وأنه مكلف بإصابته، وإلا فلا معنى للاجتهاد، بل أي واحد يكفي اهـ
ومذهب الجمهور أن مخطئ الصواب لا يأثم بذلك، لبذله وسعه، (^١) وفي الحديث " إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر " (^٢) ومذهب الشيخ أبي الحسن الأشعري، والقاضي أبي بكر الباقلاني، وأبي يوسف، ومحمد ابن الحسن، وابن سريج - رضي الله ﷾ عنهم أجمعين - أن كل مجتهد في ما لا قاطع فيه مصيب، وقال الشيخ أبو الحسن والقاضي أبو بكر - رحمهما الله ﷾
_________________
(١) والمكلف به إنما هو بذل الوسع، ولذلك لو لم يبذل وسعه، كان آثما، وإن أصاب.
(٢) متفق عليه.
[ ٢ / ٢٣٥ ]
-: حكم الله - ﷾ - تابع لظن المجتهد، فما ظنه فهو حكم الله - ﷾ - في حقه، وحق مقلده، وإليه أشار - ﵀ ﷾ - بقوله:
ومن رأى كلا مصيبا يعتقد … لأنه يتبع ظن المجتهد
وقال أبو يوسف ومحمد وابن سريج - ﵏ ﷾ أجمعين -: هناك ما لو حكم الله - ﷾ - فيها على التعيين، لكان الحكم به، لمناسبته، وإليه أشار - ﵀ ﷾ - بقوله:
أو ثم ما لو عُيِّن الحكم حُكم … به لدرء أو لجلب قد ألم
ولذلك قالوا في المخطئ فيها: إنه قد أصاب اجتهادا، لبذله وسعه، لا حكما، إذ لم يصادف ما لو كان حكم على التعيين، لكان به، وبعبارة أخرى: أصاب ابتداء لا انتهاء، وإلى هذا أشار - ﵀ ﷾ - بقوله:
لذا يصوبون في ابتداء … والاجتهاد دون الانتهاء
والحكم
والخطأ عند هؤلاء، غير الخطأ عند الجمهور، فالخطأ عند الجمهور عدم مصادفة حكم معين قد حكم الله - ﷾ - به في المسألة بالفعل، وعند الثلاثة عدم مصادفة ما لو كان في المسألة حكم على التعيين، لكان به، كذا قال العبادي - ﵀ ﷾ - والله ﷾ أعلم.
وهو واحد متى عقل … في الفرع قاطع ولكن قد جهل
معناه أن الجزئية التي فيها قاطع من نص أو إجماع، إذا اختلف فيها لعدم الوقوف عليه، المصيب فيها واحد اتفاقا، وهو من صادف ذلك القاطع، وقيل على الخلاف في ما لا قاطع فيه.
قال جلال الدين المحلي - ﵀ ﷾ -: وهو بعيد، وعلى ما قبله فالأصح أن المخطئ فيها غير آثم.
وهو آثم متى ما قصرا … في نظر وفقا لدى من قد درى
معناه أن المجتهد إذا قصر فلم يستفرغ وسعه، في طلب الحكم، كان آثما اتفاقا، وإن
[ ٢ / ٢٣٦ ]
أصاب الصواب، لتركه ما وجب عليه.
والحكم من مجتهد كيف وقع … دون شذوذ نقضه قد امتنع
معناه أن حكم المجتهد - مطلقا كان أو مقيدا - في الاجتهاديات، لا يجوز نقضه إذا ظهر أن غيره أصوب، لا منه ولا من غيره، ما لم يكن ما حكم به شاذا جدا حيث صار إليه من غير ترجيح، إذ لو جاز نقضه لجاز نقض النقض، وهلم جرا، فتفوت مصلحة نصب الحاكم من فصل الخصومات، وهذا باتفاق من الأصوليين.
قال في النشر: ووقع الخلف فيه بين الفقهاء، ومشهور مذهبنا نقضه من الحاكم به، قال خليل - رحمهما الله ﷾ -: ونقضه هو فقط إن ظهر أن غيره أصوب، وقيل: لا ينقضه، وهو المختار اهـ
وأما إذا لم يظهر أن غيره أصوب، فلا يجوز نقضه اتفاقا.
إلا إذا النص أو الإجماع أو … قاعدة خالف في ما قد رووا
معناه أن ما ذكر من امتناع نقض حكم المجتهد، محله ما لم يخالف نصا، أو ظاهرا من كتاب أو سنة، أو إجماعا، ولو ظنيا، أو قاعدة متفقا عليها، أو مشهورة من غير معارض أرجح، وإلا وجب نقضه، ينقضه هو وغيره.
مثال مخالفة الكتاب العزيز: ما لو حكم بحلية المبتوتة قبل زوج.
ومثال مخالفة السنة المطهرة: ما لو حكم بصحة نكاح المرأة على عمتها أو خالتها. … ومثال مخالفة الإجماع، ما لو حكم بحجب الجد بالأخ.
ومثال مخالف القواعد: حكمه بفسخ النكاح بالشك في الرضاع، فهو مخالف لقاعدة لغو الشك في المانع.
أو اجتهاده
معناه أن المجتهد ينقض حكمه إذا حكم بغير اجتهاده، بأن حكم بقول غيره، سواء اجتهد وخالف اجتهاده إلى قول غيره، أو لم يجتهد أصلا، لامتناع تقليده، لكن إنما ينقضه هو خاصة، وإلى ذلك يشير سيدي خليل - ﵀ ﷾ - بقوله: ونقضه هو فقط إن ظهر أن غيره أصوب أو خرج عن رأيه اهـ
[ ٢ / ٢٣٧ ]
أو القيس الجلي … على الاصح
كذلك يجب نقض حكم الحاكم إذا خالف القياس الجلي، كحكمه بشهادة النصراني، فهي أحرى بالرد من شهادة الفاسق الوارد ردها في النص، ولا يختص النقض في هذه المسألة بالحاكم به، فهو كمخالفة النص سواء.
وقوله - ﵀ ﷾ -: على الأصح، أشار به إلى قول ابن عبد الحكم - ﵀ ﷾ - بمنع نقض حكمه في المواضع المذكورة.
أو بغير المعتلي
حكم في مذهبه وإن وصل … لرتبة الترجيح فالنقض انحظل
معناه أن المقلد ينقض حكمه، إذا حكم بغير المشهور في المذهب، إذ لا يعدل عن المشهور غالبا إلا لغرض مذموم، وهذا ما لم يبلغ رتبة الترجيح، لأن مجتهد الترجيح يجوز له الحكم والفتوى والعمل بغير المشهور إذا ترجح عنده.
وقدم الضعيف إن جرى عمل … به لأجل سبب قد اتصل
معناه أن القول الضعيف إذا جرى به العمل، يقدم على المشهور، إذا كان جريان العمل به لسبب اقتضى تقديمه على المشهور، من جلب مصلحة، أو درء مفسدة، وكان السبب قائما، وذلك هو المراد بالاتصال في قوله - ﵀ ﷾ -: قد اتصل.
قال في النشر: وجه الترجيح بالعمل أن لشيوخ المذهب المتأخرين تصحيحاتٍ لبعض الروايات والاقوال، عدلوا فيها عن المشهور، وجرى بتصحيحاتهم عمل الحكام والفتوى، لما اقتضته المصلحة، والأحكام تجري مع الأعراف، قاله القرافي وابن رشد - ﵏ ﷾ أجمعين – اهـ
وقال سيدي عبد الرحمن الفاسي - ﵀ ﷾ - في نظمه لعمل فاس:
وبعد فالقصد بذا النظام … بعض مسائل من الأحكام
جرى بها ليرفع الخلافا … عمل فاس، يتبع الأعرافا
ثمت ذا العمل قدم على … ما شهروا حيث الشروط استكملا
بأن جرى والوقت يُدرى والمقر … من مقتدى به لداع استمر
[ ٢ / ٢٣٨ ]
والحكم مهمى كان مبنيا على … عرف تبدل إذا تبدلا
وذاك في مقاصد للناس … ولفظ كالأيمان والأحباس
ثم قال الناظم ﵀ ﷾:
وهل يقيس ذو الأصول إن عدم … نص إمامه الذي له لزم
مع التزام ما له أو مطلقا … وبعضهم بنصه تعلقا
اختلف في المقلد العارف بعلم الأصول، إذا لم يجد نصا لإمامه في مسألة، هل يجوز له قياسها على ما نص عليه إمامه أولا؟
قيل: يجوز له ذلك مع التزام أصول إمامه، وهو طريق ابن رشد والمازري والتونسي وأكثر المالكية - ﵏ ﷾ –.
وقيل: يجوز له ذلك دون شرط التزام أصول إمامه، فللمالكي أن يقيس على أصول الإمام الشافعي - ﵀ ﷾ - مثلا، وهذا قول اللخمي - ﵀ ﷾ - وله اختيارات خرج في كثير منها عن المذهب.
وقيل: لا يجوز له ذلك، ويلزمه التعلق بنصوص إمامه، فلا يحكم ولا يفتي إلا بنصه، وهو نص أبي بكر ابن العربي وظاهر نقل أبي الوليد الباجي - رحمهما الله ﷾ -.
قال في النشر: أما إذا لم يجد المالكي في مسألة نصا لإمامه، ولا أصلا، ووجد فيها نصا لغيره كالشافعي - مثلا - أو أصلا، وجب عليه اتباع ذلك، إذ لا يعمل بغير الأدلة الشرعية، ويقدم نصه على أصله قياسا على إمامه، وغير العارف بالأصول لا يجوز له القياس أصلا، بل يقف مع نصوص مذهبه، فإن لم يجد نصا في مذهبه في مسألة، ووجد نصا في غيره وجب عليه اتباع مذهب الغير في تلك المسألة.
ولم يضمن ذو اجتهاد ضيعا … إن يك لا لقاطع قد رجعا
معناه أن المجتهد إذا أتلف شيئا بفتواه، أو حكمه، ورجع عن ذلك، لم يكن عليه ضمان لما فوته، لأمره بالاجتهاد، وقد اجتهد ولم يأل جهدا، إلا أن يكون رجوعه لقاطع، فإن رجع لقاطع. ضمن، لإشعار خفاء القاطع عليه، بالتقصير، كما نسبه في النشر
[ ٢ / ٢٣٩ ]
للحطاب - رحمهما الله ﷾ -.
وإنما جاء في الجمع للتاج - ﵀ ﷾ - ونصه: ولا يضمن المتلف إن تغير لا لقاطع اهـ
والذي في الحطاب نفي ضمان المجتهد مطلقا، وقد يقال إن الشيخ - رحمهما الله ﷾ - فهمه على ما ذكر، جاعلا مخالفة القاطع مستلزمة التقصير، وظاهر الشربيني - ﵀ ﷾ - خلاف ذلك، حيث كتب على كلام التاج المتقدم ما نصه: الذي في فروع الشافعية عدم الضمان ما لم يقصر اهـ
ونص الحطاب - ﵀ ﷾ -: فرع من أفتى رجلا، فأتلف بفتواه مالا، فإن كان مجتهدا فلا شيء عليه، وإلا فقال المازري - ﵀ ﷾ -: يضمن ما تلف، ويجب على الحاكم التغليظ عليه، وإن أدبه فأهل، إلا أن يكون تقدم له اشتغال بالعلم، فيسقط عنه الأدب، وينهى عن الفتوى إذا لم يكن أهلا.
ونقل البرزلي عن ابن رشد - رحمهما الله ﷾ - في أوائل النكاح أنه لا ضمان عليه، لأنه غرور بالقول، إلا أن يتولى فعل ما أفتى به، فيضمن.
وذكر في أوائل كتابه عن الشعبي - رحمهما الله ﷾ - أنه يضمن، قال: وهذا عندي في المفتي الذي يجب تقليده المنتصب لذلك، وأما غيره فكالغرور بالقول، ويجري على أحكامه.
فتحصل أن المفتي المنتصب لذلك يضمن، ولعل ابن رشد - ﵀ ﷾ - لا يخالف فيه، لأن هذا يحكم بفتواه، فهو كالشاهد يرجع عن الشهادة، وأما غير المنتصب ففيه قولان لابن رشد والمازري - رحمهما الله ﷾ - والله ﷾ أعلم اهـ
وإلى كلامه في غير المجتهد أشار الشيخ - ﵀ ﷾ - بقوله:
إلا فهل يضمن أو لا يضمن … إن لم يكن منه تول بين
وإن يكن منتصبا فالنظر … ذاك وفاقا عند من يحرر
والله ﷾ أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
[ ٢ / ٢٤٠ ]