قال التاج السبكي - ﵀ ﷾ -: اعلم أن علماء الأمة أجمعوا على أن
[ ٢ / ١٧٤ ]
ثم دليل شرعي غير ما تقدم، واختلفوا في تشخيصه، فقال قوم: هو الاستصحاب، وقوم: الاستحسان، وقوم: المصالح المرسلة، ونحو ذلك.
والاستفعال يرد لمعان، وعندي أن المراد منها هاهنا: الاتخاذ.
والمعنى أن هذا باب ما اتخذوه دليلا، والسر في جعله دون ما عداه متخذا، أن تلك الأدلة قام القاطع عليها، ولم يتنازع المعتبرون في شيء منها، فقيامها أدلة لم ينشأ عن صنيعهم واجتهادهم.
أما ما عقدوا له هذا الباب، فشيء قاله كل إمام بمقتضى أداء اجتهاده، فكأنه اتخذه دليلا، كما يقال الإمام الشافعي - ﵀ ﷾ - يستدل بالاستصحاب، والإمام مالك - ﵀ ﷾ - بالمصالح المرسلة، والإمام أبو حنيفة - ﵀ ﷾ - بالاستحسان اهـ
وقال ابن عاشور - ﵀ ﷾ -: اصطلح الأصوليون على أن يسموا بالاستدلال: إيجاد دليل غير واضح من الأدلة الشرعية، وهو ينقسم إلى قسمين:
أولهما: إيجاد دليل على حكم شيء، بالأخذ بلازم حكم آخر له، أو لغيره، كإشارة النص، وواضح كون هذا إيجادا، لأن الحكم المنصوص - مثلا - لم يتعرض للحكم المثبت، وإنما أخذ هذا الحكم الثاني باللازم.
ثانيهما: أخذ دليل من تتبع مقاصد الشريعة، أو مواردها، كأخذ كون الأصل في المضار التحريم، ويدخل تحت القسمين طرق إثباتها، كالأقيسة المنطقية، والاستقراآت، والقواعد العقلية اهـ
والاستدلال هو دليل ليس بنص، ولا إجماع، ولا قياس، كما أشار إليه الشيخ - ﵀ ﷾ - بقوله:
ما ليس بالنص من الدليل … وليس بالإجماع والتمثيل
والمراد بالتمثيل: القياس الشرعي المتقدم في قوله - ﵀ ﷾ -: حمل لمعلوم على معلوم إلخ.
وقال ابن الحاجب - ﵀ ﷾ - في تعريف الاستدلال: فقيل: ما ليس
[ ٢ / ١٧٥ ]
بنص ولا إجماع ولا قياس، وقيل: ولا قياس علة، فيدخل نفي الفارق، والتلازم اهـ
منه قياس المنطقي والعكس
المعنى أنه يدخل في الاستدلال القياس المنطقي، فهو دليل باعتبار التلازم، فوجود الملزوم كالسكر، يستلزم وجود اللازم وهو الحرمة، وانتفاؤه يستلزم انتفاءه.
والقياس المنطقي هو: قول مركب من قضايا، متى سلمت، لزم عنه لذاته قول آخر، وهو نوعان: اقتراني واستثنائي.
وذلك أن النتيجة إن ذكرت صورتها، أو ذكر نقيضها بالفعل، في القياس، بأن كان ذلك جزءا من إحدى القضيتين، فهو قياس استثنائي، نحو: إن كان النبيذ مسكرا، فهو حرام، لكنه مسكر، ينتج: فهو حرام، فقد جاءت فيه صورة النتيجة بالفعل.
ونحو: إن كان النبيذ مباحا، فهو ليس بمسكر، لكنه مسكر، ينتج: فهو غير مباح، وقد جاء نقيض ذلك في القياس.
وإن لم تذكر فيه النتيجة بالفعل، ولا نقيضها، فهو الاقتراني، نحو: كل نبيذ مسكر، وكل مسكر حرام، ينتج: كل نبيذ حرام، ولم يقع هذا - أعني كل نبيذ حرام - في القياس بالفعل، ولا نقيضه، وإنما ذكر فيه بالقوة.
وسمي اقترانيا، لاقتران الحدود فيه، حيث لم يفصل بينهما بحرف الاستثناء، وسمي السابق استثنائيا للفصل بحرف الاستثناء عند المناطقة.
وإلى هذا يشير الأخضري في السلم بقوله:
إن القياس من قضايا صورا … مستلزما بالذات قولا آخرا
ثم القياس عندهم قسمان … فمنه ما يدعى بالاقتراني
وهو الذي دل على النتيجة … بقوة، واختص بالحملية
إلى أن قال:
ومنه ما يدعى بالاستثنائي … يعرف بالشرطي بلا امتراء
وهو الذي دل على النتيجة … أو ضدها بالفعل لا بالقوة
ويدخل في الاستدلال أيضا قياس العكس، وهو إثبات عكس حكم شيء، لشيء
[ ٢ / ١٧٦ ]
آخر، لتعاكسه معه في العلة.
والمراد بالعكس ما يشمل الضد، كما صرح به العطار - ﵀ ﷾ - وهو صريح الأمثلة التي مثلوا بها، قال الشربيني - ﵀ ﷾ -: وحاصل قياس العكس: استدلال بنقيض العلة، على نقيض الحكم اهـ
كحديث أيأتي أحدنا شهوته وله فيها أجر؟ قال: " أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر؟ (^١) "
قال أبو الوليد الباجي - ﵀ ﷾ - في كتاب الإشارة: يصح الاستدلال بالعكس، وقال أبو حامد الاسفرائيني - ﵀ ﷾ -: لا يجوز، والدليل على قولنا أن المعلل إذا قال: لا تحُل الشعرةَ الروحُ، لأنه لو حلته، لما جاز أخذه من الحيوان حال الحياة مع السلامة، ولَمَّا جاز أخذه منه حال الحياة، علمنا أن الروح لا تحله كالريش، هذا استدلال صحيح، لأنه لو حلت الحياة الشعر، وجاز أخذه من الحيوان حال الحياة، لانتفت العلة اهـ
ونقل في البحر عن الشيخ أبي إسحاق - رحمهما الله ﷾ أنه ذكر في الاستدلال به عن أصحابهم وجهين، أصحهما الإثبات، قال: ويدل عليه، أن الله - ﷾ - دل على التوحيد بالعكس، فقال ﷾ جل من قائل: (لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا) ودل على أن القرآن من عنده بالعكس، قال ﷾ جل من قائل: (ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا) اهـ
ومنه فقد الشرط دون لبس
ثم انتفا المدرك مما يرتضى … كذا وجود مانع أو ما اقتضى
كأن البيت انقلب في التبييض، والمعنى أن من ما يدخل في الاستدلال وجود المقتضي، فهو دليل على وجود الحكم، ووجود المانع، فهو دليل على انتفاء الحكم، وفقد الشرط، فهو دليل على انتفاء الحكم، هكذا في شروح المراقي، والذي عد ابن الحاجب - ﵀
_________________
(١) تقدم.
[ ٢ / ١٧٧ ]
﷾ - في مختصره في الاستدلال، والتاج - ﵀ ﷾ - في الجمع: وُجد المقتضي أو المانع، أو فُقِد الشرط، بصيغة الفعل، أي: قول المستدل: وجد، لا وجود بالمصدر، ومذهب الأكثرين أنه دعوى، لا دليل.
ويدخل في الاستدلال أيضا انتفاء الحكم لانتفاء مدركه.
قال في المنهاج: السادس: فقد الدليل بعد التفحيص البليغ، يغلب ظن عدمه، وعدمه يستلزم عدم الحكم، لامتناع تكليف الغافل اهـ
وقد تكلم الإمام ﵀ ﷾ في المحصول عليه، وقال بعد بحث: وإذا عرفت هذا فالعبارة الصحيحة عن هذا الدليل أن يقال: حكم الشرع إبقاء ما كان على ما كان اهـ
ولا شك أن بين الاستدلال بهذا والاستدلال باستصحاب العدم الأصلي فرقا، وذلك لأمرين:
أحدهما: أن كون الاستصحاب حجة، منهم من حكى عليه الاتفاق، (^١) ومنهم من حكى فيه خلافا، وجعل مذهب الجمهور أنه حجة، وأما الاستدلال بفقد الدليل على عدم الحكم فمذهب الأكثرين أنه غير حجة.
الثاني: ذكرهما معا في تعداد ما يدخل في الاستدلال، كما فعل الشيخ - ﵀ ﷾ - تبعا للتاج في الجمع، والبيضاوي في المنهاج والسيف الآمدي في الإحكام ﵏ ﷾ أجمعين ـ.
وفرق بين الموضعين في الحلي بأن الاحتجاج بالأخير خاص بالمناظرة، وأنه إنما يقع في الاعتراض خاصة، وساق كلاما للإمام - ﵀ ﷾ – وغيره، ذكر أنه يقتضي ذلك، ولم يظهر لي ذلك جدا، والله ﷾ أعلم بالصواب.
كما ساق عليه كلاما لأبي الوليد الباجي - ﵀ ﷾ في الاستصحاب، وقد وقع فيه الاستدلال به على نفي دليل خاص، كما وقعت فيه نسبة القول به لجمهور
_________________
(١) ولعله أقعد بما يأتي - إن شاء الله ﷾ من عد القول به شرطا في أهلية الاجتهاد، والله ﷾ أعلم.
[ ٢ / ١٧٨ ]
أهل العلم، مما يقتضي أنه يتكلم في الاستصحاب، فلينظر ذلك مع ما قيل من أن المراد في مسألة البيت انتفاء مدرك حكم خاص، وفي الاستصحاب انتفاء مدارك الأحكام الخمسة.
وظاهر كلام أبي حامد الغزالي - ﵀ ﷾ - أن حجية الاستصحاب خاصة بما علم فيه انتفاء الدليل، فعدم العلم بالدليل، ليس بدليل ملزم للخصم، وإنما الدليل الملزم، العلم بعدم الدليل، نعم ظن عدم الدليل حجة في العمل، لوجوب العمل على المجتهد بالراجح عنده، ونصه:
الأصل الرابع: دليل العقل والاستصحاب:
اعلم أن الأحكام السمعية، لا تدرك بالعقل، لكن دل العقل على براءة الذمة عن الواجبات، وسقوط الحرج عن الخلق في الحركات والسكنات قبل بعثة الرسل - عليهم الصلاة والسلام - وتأييدهم بالمعجزات، وانتفاء الأحكام معلوم بدليل العقل، قبل ورود السمع، ونحن على استصحاب ذلك إلى أن يرد السمع.
فإذا ورد نبي وأوجب خمس صلوات، فتبقى الصلاة السادسة غير واجبة، لا بتصريح النبي بنفيها، لكن كان وجوبها منتفيا، إذ لا مثبت للوجوب، فبقي على النفي الأصلي، لأن نطقه بالإيجاب قاصر على الخمسة، فبقي على النفي في حق السادسة، وكأن السمع لم يرد.
وكذلك إذا أوجب صوم رمضان، بقي صوم شوال على النفي الأصلي.
وإذا أوجب عبادة في وقت، بقيت الذمة بعد انقضاء الوقت على البراءة الأصلية.
وإذا أوجب على القادر، بقي العاجز على ما كان عليه.
فإذًا النظر في الأحكام، إما أن يكون في إثباتها، أو في نفيها.
أما إثباتها، فالعقل قاصر عن الدلالة عليه.
وأما النفي، فالعقل قد دل عليه، إلى أن يرد الدليل السمعي بالمعنى الناقل من النفي الأصلي، فانتهض دليلا على أحد الشطرين، وهو النفي.
فإن قيل: إذا كان العقل دليلا بشرط أن لا يرد سمع، فبعد بعثة الرسل، ووضع الشرع، لا يعلم نفي السمع، فلا يكون انتفاء الحكم معلوما، ومنتهاكم عدم العلم بورود السمع، وعدم العلم لا يكون حجة.
[ ٢ / ١٧٩ ]
قلنا: انتفاء الدليل السمعي قد يعلم، وقد يظن، فإنا نعلم أنه لا دليل على وجوب صوم شوال، ولا على وجوب صلاة سادسة، إذ نعلم أنه لو كان لنقل وانتشر، ولما خفي على جميع الأمة، وهذا علم بعدم الدليل، وليس هو عدم العلم بالدليل، فإن عدم العلم بالدليل ليس بحجة، والعلم بعدم الدليل حجة.
أما الظن فالمجتهد إذا بحث عن مدارك الأدلة في وجوب الوتر، والأضحية، وأمثالهما، فرآها ضعيفة، ولم يظهر له دليل، مع شدة بحثه، وعنايته بالبحث، غلب على ظنه انتفاء الدليل، فنزل ذلك منزلة العلم في حق العمل، لأنه ظن استند إلى بحث واجتهاد، وهو غاية الواجب على المجتهد.
فإن قيل: ولم يستحيل أن يكون واجبا ولا يكون عليه دليل؟
أو يكون عليه دليل لم يبلغنا؟
قلنا: أما إيجاب ما لا دليل عليه، فمحال، لأنه تكليف بما لا يطاق، ولذلك نفينا الأحكام قبل ورود السمع.
وأما إن كان عليه دليل ولم يبلغنا، فليس دليلا في حقنا، إذ لا تكليف علينا إلا في ما بلغنا.
فإن قيل: فيقدر كل عامي أن ينفي، مستندا إلى أنه لم يبلغه الدليل.
قلنا: هذا إنما يجوز للباحث المجتهد المطلع على مدارك الأدلة، القادر على الاستقصاء، كالذي يقدر على التردد فى بيته لطلب متاع، إذا فتش وبالغ أمكنه أن يقطع بنفي المتاع، أو يدعي غلبة الظن.
أما الأعمى الذي لا يعرف البيت، ولا يبصر ما فيه، فليس له أن يدعي نفي المتاع من البيت اهـ
فلعل المراد بمسألة البيت: أن احتجاج أحد المتناظرين، بعدم وجدان الدليل، لا ينهض حجة على خصمه، فهو دعوى دليل، لا دليل، كقوله: وجد المقتضي، أو المانع، أو فقد الشرط، فهي دعاو لا أدلة، والله ﷾ أعلم.
وأما ما قيل من أن انتفاء المدرك دليل بنفسه هنا، جزء من الدليل في الاستصحاب،
[ ٢ / ١٨٠ ]
فليس ببين، فقد قال الإمام - ﵀ ﷾ - فالعبارة الصحيحة عن هذا الدليل أن يقال: حكم الشرع إبقاء ما كان على ما كان، إلا إذا وجدت دلالة شرعية مغيرة اهـ
وقال أيضا: المناظر تلو المجتهد، ومعلوم أن المجتهد لا يجوز له التمسك باستصحاب حكم الأصل، إلا إذا بحث، واجتهد في طلب الأدلة المغيرة، فإذا لم يجد في الواقعة شيئا منها، حل له في ما بينه وبين الله - ﷾ - أن يحكم بمقتضى الاستصحاب، فأما قبل البحث عن وجود هذه الدلائل المغيرة، فلا يجوز له التمسك بالاستصحاب - أصلا - فلما ثبت أن الأمر في المجتهد كذلك، وجب أن يكون في حق المناظر كذلك، لأنه لا معنى للمناظرة المشروعة إلا بيان وجه الاجتهاد اهـ
فانتفاء المدرك دليل في الموضعين على عدم الحكم، فيستصحب عند من يقول بالاستصحاب.
وأما الحنفية فيخالفون في تسميته استصحابا، ولا يخالفون في الحكم، فهو ثابت عندهم أيضا، لكن بالعقل لا بالاستصحاب كما نص عليه الشربيني - ﵀ ﷾ -.
ومنه الاستقراء بالجزئي … على ثبوت الحكم للكلي
فإن يعم غير ذي الشقاق … فهو حجة بالاتفاق
وهو في البعض إلى الظن انتسب … يسمى لحوق الفرد بالذي غلب
يدخل في الاستدلال كذلك الاستقراء، بأن تُتَتَبَّعَ جزئيات كلي، ليثبت حكمها له، وينقسم إلى تام، وناقص.
أما التام فهو: ما استقرئت فيه جميع الجزئيات، ما عدا الجزئية التي هي صورة النزاع، أو محل البحث، وهو دليل قطعي على ثبوت الحكم فيها، عند الأكثرين، واحتمال مخالفة تلك الصورة لغيرها، لا يمنع من القطع العادي، إذ الاحتمالات البعيدة لا تنافيه، كما قالوه في إفادة التواتر العلم، من أن تجويز العقل التواطأ على الكذب، لا ينافي إفادته العلم الضروري. …
وقيل: ليس بقطعي، وحكى البدخشي في شرح منهاج البيضاوي - رحمهما الله ﷾ - الاتفاق على أنه دليل يقيني، كما في حاشية العطار - ﵀ سبحانه
[ ٢ / ١٨١ ]
وتعالى ـ.
وأما الناقص فهو: ما استقرئ فيه أكثر الجزئيات، غير صورة النزاع، وهو دليل ظني، ويعرف عند الفقهاء بإلحاق الفرد بالأغلب.
قال في الإبهاج: ويختلف فيه الظن باختلاف الجزئيات، فكلما كانت أكثر، كان الظن أغلب، وقد اختلف في هذا النوع، واختار المصنف - يعني البيضاوي رحمهما الله ﷾ - أنه حجة تبعا لتاج الدين صاحب الحاصل، وهو ما اختاره صفي الدين الهندي - ﵀ ﷾ - وبه نقول.
وقال الإمام - ﵀ ﷾ -: الأظهر أنه لا يفيد الظن، إلا بدليل منفصل.
ثم بتقدير الحصول يكون حجة، وهذا يعرفك أن الخلاف الواقع في أنه هل يفيد الظن، لا في أن الظن المستفاد منه هل يكون حجة اهـ
والفرق بين القياس الأصولي، والمنطقي، والاستقرائي، أن الأصولي هو: الاستدلال بثبوت الحكم في جزئي، لإثباته في جزئي آخر مثله بجامع، والمنطقي هو الاستدلال بثبوت الحكم في كلي، لإثباته في جزئي، والاستقرائي عكس المنطقي قاله العطار ﵀ ﷾.
والمقصود بالذات بالاستقراء عند المناطقة الحكم على الكلي، بخلافه عند الأصوليين، فإنه الحكم على الجزئي، لتعلق غرضهم بأحكام الجزئيات، ومن هنا يعلم أنه لا حاجة بهم إلى الاستقراء التام عند المناطقة، لأنه مبني على علم ثبوت الحكم في جميع الجزئيات، والاصوليون إنما يحتاجون للدليل لعلم حكم الجزئي، والفرض أنه معلوم، ولما كان وجه الدلالة عند المناطقة لا بد وأن يكون لزوما عقليا، كان الاستقراء سواء للجميع ما عدا واحدة أو للأكثر ما عداها، لا يفيد عندهم إلا الظن، لجواز المخالفة قاله الشربيني - ﵀ ﷾ -.
قال: واعلم أن التقييد بصورة النزاع في المحلين، يخرج ما لو كان النزاع في صورتين فأكثر، فلا يقال في الأول إنه حينئذ قطعي، ولا في الثاني إنه ظني، لكن لا يخلو عدم كون الثاني ـ
[ ٢ / ١٨٢ ]
حينئذ - ظنيا، عن تأمل اهـ
ورجحنَّ كون الاستصحاب … للعدم الأصلي من ذا الباب
بعد قُصارى البحث عن نص فلم … يلف وهذا البحث وفقا منحتم
وإن يعارض غالبا ذا الاصْلُ … ففي المقدم تنافى النقل
وما على ثبوته للسبب … شرعٌ يدل مثل ذاك استصحب
وما بماض مثبت للحال … فهو مقلوب وعكس الخالي
كجري ما جهل فيه المصرف … على الذي الآن لذاك يعرف
الاستصحاب أنواع: منها استصحاب العدم الأصلي، وهو المذكور هنا، وقد تقدم الكلام عليه قريبا بما يكفي.
واختلف إذا عارضه غالب، فقيل: يقدم الأصل على الغالب، وقيل: يقدم الغالب عليه، كتنازع مشتري لحم - مثلا - وبائعه بعد بينونته به، في دفع الثمن.
وربما قدم الغالب اتفاقا، وربما قدم الأصل اتفاقا، وربما ألغيا معا، وأخذ بالنادر الذي ليس بأصل، لمعنى يوجب ذلك، كما بينه ابن عاشور ﵀ ﷾.
وإلى الاختلاف المذكور أشار الشيخ - ﵀ ﷾ - بقوله: وإن يعارض غالبا البيت.
ومن أنواع الاستصحاب: استصحاب الإجماع، وليس بحجة عندنا، قال أبو الوليد الباجي - ﵀ ﷾ – في الإشارة: وذلك مثل استدلال داود ﵀ ﷾ على أن أم الولد يجوز بيعها، لأنهم قد أجمعوا على جواز بيعها قبل الحمل، فمن ادعى المنع من ذلك بعد الحمل، فعليه الدليل.
وهذا غير صحيح من الاستدلال، لأن الإجماع لا يتناول موضع الخلاف، وإنما يتناول موضع الاتفاق، وما كان حجة، فلا يصح الاحتجاج به في الموضع الذي لا يوجد فيه، كألفاظ صاحب الشرع إذا تناولت موضعا خاصا، لم يجز الاحتجاج بها في الموضع الذي لا تتناوله اهـ
وقال به المزني والصيرفي وابن سريج والآمدي - ﵏ ﷾ -.
[ ٢ / ١٨٣ ]
ومنها استصحاب العموم والنص، إلى ورود المغير، من مخصص أو ناسخ.
وعندنا أن الدليل في ذلك النص أو العموم، إذ الزمن لا أثر له، حتى يصار إلى الاستصحاب.
قال في النشر: قال الرازي - رحمهما الله ﷾ -: وإن سمى هذا مسمِّ استصحابا، لم يناقش اهـ
ومنها استصحاب ما دل الشرع على ثبوته لوجود سببه، كثبوت الملك، لثبوت الشراء، وثبوت النكاح، لثبوت التزوج.
وإلى هذا أشار - ﵀ ﷾ - بقوله: وما على ثبوته للسبب البيت.
ومنه نوع يسمى بالاستصحاب المقلوب، وهو الاستدلال بثبوت الأمر في الزمن الحاضر - مثلا - على ثبوته في الزمان الذي قبله.
قال التاج السبكي - ﵀ ﷾ -: وطريقك في المقلوب، أن تقول: لو لم يكن الثابت الآن، ثابتا أمس، لكان غير ثابت، إذ لا واسطة، وإذا كان غير ثابت، قضى الاستصحاب بأنه الآن غير ثابت، لكنه ثابت، يدل أنه كان ثابتا أيضا اهـ
قال الشربيني - ﵀ ﷾ -: وحاصله أن ثبوته الآن، علامة على ثبوته في الماضي، إذ لو لم يكن ثابتا فيه، لاختلف الحالان، والأصل توافقهما اهـ
وإلى مقلوب الاستصحاب أشار الشيخ - ﵀ ﷾ - بقوله: وما بماض مثبت للحال البيت.
قال التاج السبكي - ﵀ ﷾ - في رفع الحاجب: كما إذا وقع النظر في هذا المكيال، هل كان على عهد رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم -؟ فيقال: نعم، إذ الأصل موافقة الماضي للحال اهـ
ومن أمثلته ما أشار إليه الشيخ - ﵀ ﷾ - بقوله: كجري ما جهل فيه المصرف البيت.
قال في النشر: يعني أن من أمثلة الاستصحاب المقلوب: ما لبعض القرويين والأندلسيين من أهل مذهبنا، من أن الحبس إذا جهل أصل مصرفه، ووجد على حالة، فإنه
[ ٢ / ١٨٤ ]
يجرى عليها، ورأوا أن إجراءه على هذه الحالة، دليل على أنه كان كذلك في الأصل، فهذا دليل على أنه حجة عندهم، وظاهر كلام السبكي - ﵀ ﷾ - أنه حجة.
والاخذ بالذي له رجحان … من الادلة هو استحسان
أو هو تخصيص بعرف ما يعم … ورعي الاستصلاح بعضهم يؤم
ورد كونه دليلا ينقدح … ويقصر التعبير عنه متضح
يدخل في الاستدلال أيضا، الاستحسان، وقد اختلف في تفسيره، ونقل أبو الوليد االباحي في الإشارة عن ابن خويز منداد - رحمهما الله ﷾ أنه القول بأقوى الدليلين، وهذا المعنى لا خلاف في المصير إليه بين أهل العلم، لوجوب العمل بالراجح.
وجاء عن الإمام أشهب - ﵀ ﷾ - أنه تخصيص الدليل العام، بالعادة، لمصلحة الناس، كاستحسان جواز دخول الحمام من غير تعيين زمن المكث فيه، وقدر الماء، فإنه معتاد على خلاف الدليل.
وأجيب بأن العادة إن انتصب عليها دليل، كتقريره صلى الله تعالى عليه وسلم، أو إجماع أهل العلم، فلا خلاف في الأخذ بها لقيام دليلها، وإلا فلا حجة فيها.
واستظهر الإبياري - ﵀ ﷾ - أنه استعمال مصلحة جزئية، في مقابلة قياس كلي، فهو كتقديم الاستدلال المرسل على القياس، كما إذا اختار بعض ورثة المشتري بالخيار، الرد، وبعضهم الإمضاء، فالقياس رد الجميع إن رد بعضهم، لأن من ورثوا عنه الخيار، لو رد البعض، رد الجميع، لما في التبعيض من إدخال الضرر على البائع، والاستحسان أخذ المجيز الجميع، ارتكابا لأخف الضررين.
فالاستحسان على هذا القول: الأخذ بمصلحة جزئية، في مقابلة دليل كلي، ويشهد له الرخص الواقعة في الشريعة قاله في النشر.
وقيل: إنه دليل ينقدح في نفس المجتهد، يعسر عليه التعبير عنه، قال السيف الآمدي - ﵀ ﷾ -: والوجه في الكلام عليه، أنه إن تردد فيه بين أن يكون دليلا محققا، ووهما فاسدا، فلا خلاف في امتناع التمسك به، وإن تحقق أنه دليل من الأدلة الشرعية، فلا نزاع في جواز التمسك به أيضا، وإن كان ذلك في غاية البعد، وإنما النزاع في
[ ٢ / ١٨٥ ]
تخصيصه باسم الاستحسان عند العجز عن التعبير عنه، دون حالة إمكان التعبير عنه، ولا حاصل للنزاع اللفظي اهـ
وقال في المنخول: وهذا أيضا هوس، فإن معاني الشارع إذا لاحت في العقول، انطلقت الألسن بالتعبير عنها، فما لا عبارة عنه لا يعقل اهـ
وقيل في تفسيره غير ذلك.
قال التاج السبكي - ﵀ ﷾ - في الإبهاج بعد ما ذكر في تفسيره أقوالا: وقد ذكر للاستحسان تفاسير أخر مزيفة، لا نرى التطويل بذكرها، وحاصلها يرجع إلى أنه لا يتحقق استحسان مختلف فيه اهـ
وقال في التلويح: قد كثر فيه المدافعة، والرد على المدافعين، ومنشؤهما عدم تحقيق مقصود الفريقين، إلى أن قال: فإن القائلين بالاستحسان، يريدون به ما هو أحد الأدلة الأربعة، والقائلين بأن من استحسن فقد شرع، يريدون أن من أثبت حكما بأنه مستحسن من غير دليل عن الشارع، فهو الشارع لذلك الحكم، حيث لم يأخذه من الشارع اهـ
رأي الصحابي على الأصحاب لا … يكون حجة بوفق من خلا
معناه أن مذهب الصحابي المجتهد، ليس بحجة على صحابي آخر مجتهد اتفاقا، لإجماع الصحابة - رضي الله ﷾ عنهم أجمعين - على جواز مخالفة بعضهم بعضا. قال في النشر: قولا كان - يعني مذهب الصحابي - أو فعلا، إماما كان أو حاكما، أو مفتيا.
أما قول الصحابي غير المجتهد، فغير حجة على الصحابي وغيره اتفاقا، فلا يعمل بما جاء عنه، إلا ما كان رواية صريحة، أو كالصريحة، بأن كان لا مجال للاجتهاد فيه اهـ
واختلف في حجية قول الصحابي المجتهد، على المجتهد الذي ليس بصحابي، فقيل: حجة مطلقا، وجعله في النشر المشهور عن الإمام مالك - ﵀ ﷾ - وهو قول الإمام الشافعي ﵀ ﷾ في القديم.
وقيل: ليس بحجة مطلقا، وهو قول الإمام الشافعي - ﵀ ﷾ - في الجديد، ونسب للإمام مالك - ﵀ ﷾ - أيضا، وهو اختيار المتأخرين من المالكية، كما في حاشية ابن عاشور - ﵀ ﷾ -.
[ ٢ / ١٨٦ ]
وقيل: حجة إن انتشر، ولم يعلم له مخالف.
وأورد عليه أنه إن اجتمعت شروط الإجماع السكوتي، فهو الحجة، وإلا فلا.
وإلى هذا أشار الشيخ - ﵀ ﷾ - بقوله:
في غيره ثالثها إن انتشر … وما مخالف له قط ظهر
وقيل: حجة إن خالف القياس، ونسب للإمام الشافعي - ﵀ ﷾ - ونسب له عكسه أيضا.
وعلى القول بالحجية فإذا اختلف صحابيان، كان كتعارض دليلين، فيصار إلى الترجيح.
وقال التاج السبكي - ﵀ ﷾ - في شرح المختصر: فيه نظر، فإن التعارض بين الدليلين، إنما يقع في ظن المجتهد، لا في نفس الأمر، وهنا إذا كان قول الصحابي حجة، ونحن نشاهدهم مختلفين، يلزم وقوع التعارض في نفس الأمر، ولا قائل به اهـ
قال الشربيني - ﵀ ﷾ -: ولعله وجه ضعف هذا القول، مع ما مر من أن قوله في نفسه ليس بحجة، إذ ليس بكتاب ولا سنة ولا قياس ولا إجماع اهـ
ويقتدي من عم بالمجتهد … منهم لدى تحقق المعتمد
اختلف في تقليد غير المجتهد للصحابي المجتهد، فقيل: يجوز، وقيل: لا يجوز لارتفاع الثقة بما ينقل عنهم من ذلك، لعدم تدوين مذاهبهم، فالعامل بما يُنقل عنهم ليس على ثقة من قصدهم، لما يكتنف النقل عنهم غالبا من الإجمال، وقيام الاحتمال، الموجب للشك في المقصود، والتردد في حقيقة المراد، فمذاهب الصحابة - رضي الله ﷾ عنهم أجمعين - لم تثبت حق الثبوت، لأنها نقلت فتاوى مجردة، فلعل لها مقيدا، أو مخصصا، أو مكملا، لو انضبط كلام قائله لظهر، قاله في النشر.
وهذا القول نسبه إمام الحرمين - ﵀ ﷾ - للمحققين، وعليه فإذا اتفق تحقق مذهب واحد منهم على وجه لا لبس فيه، جاز تقليده اتفاقا.
والتابعي في الرأي لا يقلد … له منَ اَهل الاجتهاد أحد
[ ٢ / ١٨٧ ]
معناه أن المجتهد لا يجوز له تقليد التابعي المجتهد، فليس فيه الخلاف الذي في الصحابي المجتهد.
من لم يكن مجتهدا فالعمل … منه بمعنى النص مما يحظل
معناه أن القاصر عن رتبة الاجتهاد، لا يجوز له تلقي الأحكام من نصوص الكتاب والسنة، لعدم الأهلية الكافية لذلك، التي تقتضي الثقة برأي صاحبها، لاستلزامها القصد في النظر غالبا، ولزوم الجادة في الاجتهاد، وتسني الاهتداء إلى مثار الحكم، وتفهم دقائق الإشارات، والسلامة من تنكب نهج الصواب غالبا، فالنظر في الأدلة مع الخلو من ذلك، تخمين ومجازفة، وقول على الله ﷾ على غير بصيرة.
وسيأتي ذكر الاختلاف في تجزئ الاجتهاد، ولقد أحسن الشيخ محمد عبد الله بن الإمام الجكني (^١) - ﵀ ﷾ - حيث يقول:
من لم يكن مجتهدا فليستند … في قفوه النص لفهم مجتهد
ليقفو النص على بصيره … وحجة ظاهرة منيره
والله ﷾ أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
سد الذرائع إلى المحرم … حتم، كفتحها إلى المنحتم
وبالكراهة وندب وردا
مما يدخل في الاستدلال أيضا، سد الذرائع، والذرائع: جمع ذريعة، وهي لغة: الوسيلة والوصلة.
_________________
(١) هو محمد عبد الله بن سيدي محمد بن محمد الأمين، بن الإمام، بن عبد الجليل، بن المعزوز، الجكني، ولد قرب واحة الدندان من تكانت، سنة ١٣٤٧ هـ أخذ عن لمرابط أحمدو بن مود الجكني الأجفاغي، ولمرابط اباه بن محمد الامين اللمتوني، والعالم البارع الشيخ سيدي محمد بن اجميلي، والعلامة الموهوب الشيخ محمد يحيى بن الشيخ الحسين ﵏ ﷾ أجمعين ـ. كان عالما، محققا، ناسكا، زاهدا، قويا في دين الله ﷾ ماهرا في العلوم العقلية، قوي الفهم، مبرزا في الفتوى والقضاء، شاعرا حسن الشعر، له مؤلفات كثيرة في العقائد والأصول وغيرهما، وله نوازل مجموعة. توفي ﵀ ﷾ لليال بقين من رمضان، سنة ١٤١٣ هـ بانواكشوط.
[ ٢ / ١٨٨ ]
قال أبو الوليد الباجي - ﵀ ﷾ - في الإشارة: وهي المسألة التي ظاهرها الإباحة، ويتوصل بها إلى فعل محظور، وذلك نحو أن يبيع السلعة بمائة إلى أجل، ثم يشتريها بخمسين نقدا، ليتوصل بذلك إلى بيع خمسين مثقالا نقدا، بمائة إلى أجل، وأباح الذرائع الإمام أبو حنيفة، والإمام الشافعي - رحمهما الله ﷾ -.
والدليل على ما نقوله: قوله ﷾ جل من قائل: (وسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر إذ يعدون في السبت إذ تاتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعا ويوم لا يسبتون لا تاتيهم)
فوجه الدليل من هذه الآية الكريمة، أنه ﷾ حرم الاصطياد يوم السبت، وأباحه سائر الأيام، فكانت الحيتان تأتيهم يوم سبتهم، وتغيب عنهم في سائر الأيام، فكانوا يحضرون عليها إذا جاءت يوم السبت، ويسدون عليها المسالك، ويقولون: إنما منعنا من الاصطياد يوم السبت فقط، وإنما نفعل الاصطياد في سائر الأيام، وهذه صورة الذرائع.
ويدل على ذلك قوله ﷾ جل من قائل: (يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا واسمعوا وللكافرين عذاب أليم)
فمنع جميع المؤمنين أن يقولوا: راعنا، لما كان اليهود يتوصلون بذلك إلى ما لا يجوز، فمنع من ذلك المؤمنين، وإن كانوا لا يقصدون به ما منع من أجله.
ويدل على ذلك أيضا ما روي عن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - أنه قال: " الولد للفراش، وللعاهر الحجر " ثم قال: " احتجبي منه يا سودة " لما رأى من شبهه بعتبة (^١).
وأيضا فإن ذلك إجماع الصحابة - رضي الله ﷾ عنهم أجمعين - وذلك أن عمر - رضي الله ﷾ عنه - قال: يا أيها الناس إن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - قبض ولم يفسر لنا الربا، فاتركوا الريبه.
وقال ابن عباس - رضي الله ﷾ عنهما - لما سئل عن بيع الطعام قبل أن يستوفى: دراهم بدراهم، والطعام مرجى اهـ بخ
_________________
(١) متفق عليه.
[ ٢ / ١٨٩ ]
واستدل أيضا في ما نقله عنه الزركشي في البحر - رحمهما الله ﷾ - بقوله صلى الله تعالى عليه وسلم: " لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم، فجملوها، وباعوها وأكلوا أثمانها " (^١) وقوله - صلى الله تعالى عليه وسلم: " دع ما يريبك إلى ما لا يريبك " (^٢) وبقوله صلى الله تعالى عليه وسلم: " الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات " (^٣) اهـ
قال في البحر: قال القرطبي - رحمهما الله ﷾ -: وسد الذرائع ذهب إليه الإمام مالك وأصحابه - ﵏ ﷾ أجمعين - وخالفه أكثر الناس تأصيلا، وعملوا عليه في أكثر فروعهم تفصيلا.
قال الزركشي - ﵀ ﷾ -: ثم حرر موضع الخلاف، فقال:
اعلم أن ما يفضي إلى الوقوع في المحظور إما أن يلزم منه الوقوع قطعا، أو لا.
والأول ليس من هذا الباب، بل من باب ما لا خلاص من الحرام إلا باجتنابه، ففعله حرام، من باب ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
والذي لا يلزم إما أن يفضي إلى المحظور غالبا، أو ينفك عنه غالبا، أو يتساوى الامران، وهو المسمى بالذرائع عندنا.
فالاول لا بد من مراعاته، والثاني والثالث اختلف الأصحاب فيه، فمنهم من يراعيه، ومنهم من لا يراعيه، وربما يسميه التهمة البعيدة، والذرائع الضعيفة اهـ
وقول الشيخ - ﵀ ﷾ -: كفتحها إلى المنحتم وبالكراهة وندب وردا، كأنه عقد به قول شهاب الدين القرافي - ﵀ ﷾ - في التنقيح:
واعلم أن الذريعة كما يجب سدها، يجب فتحها، ويكره، ويندب، ويباح، فإن الذريعة هي الوسيلة، فكما أن وسيلة المحرم محرمة، فوسيلة الواجب واجبة، كالسعي للجمعة والحج اهـ
وهذا منه مبني على ترادف الوسيلة والذريعة، وهو وإن كان كذلك لغة، (^٤) إلا أن الوسيلة
_________________
(١) متفق عليه.
(٢) رواه النسائي والدارمي والإمام أحمد، وهو حديث صحيح.
(٣) متفق عليه.
(٤) وذكر القرافي ﵀ ﷾ أنه اصطلاح المالكية.
[ ٢ / ١٩٠ ]
لها حكم المقصد اتفاقا كما تقدم في مباحث الأمر (^١).
والمراد بها: ما لا يتأتى فعل المطلوب إلا به، سواء كان المطلوب فعلا أو تركا، كان الطلب جازما أو لا، سواء كان ما يتوقف عليه الإتيان بالمطلوب فعلا أيضا أو تركا.
وأما الذريعة فإنما اشتهر استعمالها في ذريعة المحرم، وقد تقدم تعريفها في قول أبي الوليد الباجي - ﵀ ﷾ -: وهي المسألة التي ظاهرها الإباحة، ويتوصل بها إلى فعل محظور اهـ
وقد تقدم في كلام القرطبي - ﵀ ﷾ - ما هو صريح في الفرق بين الذريعة والوسيلة، والله ﷾ أعلم.
ولم أتمكن من الوقوف على التعبير بفتح الذريعة لأحد قبل شهاب الدين القرافي - ﵀ ﷾ – وليست عبارة: فتح الذريعة بينة في وجوب وسيلة الواجب، إذ المتبادر من الفتح، رفع الحظر.
هذا ولم أقف على سد ذريعة المكروه أيضا لغير شهاب الدين القرافي ﵀ ﷾ أيضا، وظاهر عبارة من تسنى لي الوقوف على كلامهم في هذا الأصل، اختصاصه بالمحرم، وهو بين، فإن المكروه غير ممنوع الفعل، فلا يتهم في التحيل إليه، والله ﷾ أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وألغ إن يك الفساد أبعدا
أو رجح الإصلاح كالأسارى … تفدى بما يدفع للنصارى
وانظر تدلي دوال العنب … في كل مشرق وكل معرب
لا خلاف بين العلماء في أنه ليس كل ما يمكن التوصل به إلى الممنوع ممنوعا، ولا يكاد شيء من الأشياء يخلو من ذلك.
قال في النشر: يعني أنه يجب إجماعا إلغاء الذريعة إذا كان الفساد أبعد جدا من المصلحة، وأشرت إلى دليل ذلك بقولي: وانظر إلخ، يعني أن مما يدل على إلغاء الذريعة التي
_________________
(١) وإنما اختلف في وجوبه بموجب المقصد، كما تقدم، والحمد لله رب العالمين.
[ ٢ / ١٩١ ]
الفساد فيها بعيد جدا، ما تشاهده في مشارق الدنيا ومغاربها، من دوالي العنب المغروسة، المتدلية العناقيد، ولم يمنع أحد من غرسها، خوف شرب الخمر التي تكون من عنبها، وكذا لم يمنع أحد من الشركة في الدور خشية الوقوع في الزنى اهـ
وقوله: أو رجح الإصلاح البيت، معناه أن المفسدة إذا عارضتها مصلحة أرجح منها، سقط اعتبارها، والظاهر أن هذا هو عين ما تقدم، من تعين ارتكاب الضرر الأخف، حيث اجتمع ضرران ليس من أحدهما بد، وقد تقدم الكلام عليها في مباحث الأمر، ففوات المصلحة الراجحة، مفسدة أعظم من المفسدة المقابلة للمصلحة، والله ﷾ أعلم.
قال سيدي خليل - ﵀ ﷾ -: وجاز بالأسرى المقاتلة اهـ
قال المواق - ﵀ ﷾ -: ابن عرفة عن سحنون والأخوين - ﵏ ﷾ أجمعين -: يفدى الأسرى، بأسرى الكفار القادرين على القتال، لما لم يرضوا إلا به، اللخمي عن أصبغ - رحمهما الله ﷾ -: ما لم يخش بفدائه ظهورهم على المسلمين اهـ
والدوالي: جمع دالية، وهي شجرة العنب.
وينبذ الإلهام بالعراء … أعني به إلهام الاولياء
وقد رآه بعض من تصوفا … وعصمة النبي توجب اقتفا
يظهر أنه عقد بأول البيتين وشطر الثاني، قول التاج السبكي - ﵀ ﷾ - في الجمع: الإلهام إيقاع شيء في القلب يثلُج له الصدر، يخص به الله - ﷾ - بعض أصفيائه، وليس بحجة، لعدم ثقة من ليس معصوما بخواطره، خلافا لبعض الصوفية اهـ
يعني في قولهم: إنه حجة في حقه خاصة كما قال جلال الدين المحلي - ﵀ ﷾ -.
وقال في رفع الحاجب: والذي عليه جمهور العلماء أنه خيار لا يجوز العمل به إلا عند فقد الحجج كلها، في ما أبيح عمله بغير علم اهـ
وأشار - ﵀ ﷾ - بالشطر الأخير إلى قول جلال الدين المحلي - رحمه
[ ٢ / ١٩٢ ]
الله ﷾ -: أما المعصوم كالنبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - فهو حجة في حقه، وحق غيره إذا تعلق بهم، كالوحي اهـ
وقد تقدم ذلك في السنة.
لا يحكم الولي بلا دليل … من النصوص ومن التأويل
في غيره الظن وفيه القطع … لأجل كشف ما عليه نقْعُ
أول الأبيات بيان لنبذ الإلهام كما قال في النشر.
وكأنه أعاد ذلك، ليبين أن عدم اعتبار قول الولي، إنما هو بالنسبة للأحكام، وأما ما يقع له من الإلهام في غير الأحكام، فقد يحصل به القطع له بالكشف عنه حتى يعاينه، وقد يحصل له به الظن.
فقوله - ﵀ ﷾ -: ما عليه نقع، معناه لأجل انكشاف للأمر حتى يراه على وجه لا خفاء معه، والنقع: الغبار.
قال في النشر: ومن يخبره الولي بشيء، فقد يحصل له القطع به، لموجب من موجبات اليقين، ككونه تكرر منه ألا يخبر بشيء إلا رآه كما أخبر به، فمثل ذلك يحصل اليقين من غير الولي فضلا عنه اهـ
ولا يخفى أن القطع الذي قد يحصل بخبر الولي عادي، لا عقلي، بخلاف القطع الحاصل بخبر النبي - صلى الله ﷾ وسلم على نبينا وعلى سائر الانبياء والمرسلين - فهو بالوجوب العقلي، الذي يستحيل معه التخلف، وهو موضوع كلام مولاي شيخ الشيوخ الراسخين وناصر الملة والدين مولاي: المختار ابن بونا - رحمهما الله ﷾ إذ القطع العادي لا يكفي في أخبار الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام ـ.
والظن يختص بخمس الغيب … لنفي علمها بدون ريب
قال في النشر: يعني أن الظن يختص بالخمس التي هي مفاتح الغيب، لنفي العلم بها في الحديث الصحيح، ونفي العلم لا يستلزم نفي الظن، وقال بعضهم إن نفي العلم بها إنما يكون قبل تكلم الملائكة بوقوع الأمر، أما بعده، فقد يعلمه الولي.
وقال القرافي - ﵀ ﷾ - إن الذي اختص الله - ﷾ – به
[ ٢ / ١٩٣ ]
علم الخمس بلا سبب، أما به كالمنام، فقد يحصل لغيره - ﷾ - كقصة سيدنا أبي بكر الصديق - رضي الله ﷾ عنه - في حمل بنت خارجة حين أخبر بأنه أنثى اهـ
والأبين في العبارة أن يقال: إن اختصاصه ﷾ بعلم ذلك لا يمنع أن يُطلع عليه من شاء.
وقد صرح الآلوسي في روح المعاني بامتناع إطلاق علم الغيب في غير الله - ﷾ - وإنما يقال أُطلع، أو أُظهر - بالبناء للمفعول - على الغيب، ونحو ذلك مما يفهم الواسطة في ثبوت العلم، تجنبا لما يوهم.
قال: ويؤيد ما ذكر، أنه لم يجئ في القرآن الكريم نسبة علم الغيب إلى غيره ﷾ أصلا، وجاء الإظهار على الغيب لمن ارتضى ﷾ من رسول اهـ
صلى الله تعالى وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى سائر الأنبياء والمرسلين ـ
قدُ اُسس الفقه على رفع الضرر … وأن ما يشق يجلب الوطر
ونفي رفع القطع بالشك وأن … يحكم العرف وزاد من فطن
كون الامور تبع المقاصد … مع تكلف ببعض وارد
قال التاج السبكي - ﵀ ﷾ - في الجمع: قال القاضي الحسين - ﵀ ﷾ -: مبنى الفقه على أن اليقين لا يرفع بالشك، والضرر يزال، والمشقة تجلب التيسير، والعادة محكمة، قيل: والأمور بمقاصدها اهـ
وذكر عز الدين كما في حاشية العطار - رحمهما الله ﷾ - رجوع الفقه كله إلى قاعدتين: اعتبار المصالح ودرء المفاسد.
قال في النشر: ويشهد لهذه القاعدة - يعني قاعدة: الضرر يزال - قوله صلى الله تعالى عليه وسلم: " لا ضرر ولا ضرار " (^١) واستدل لقاعدة: المشقة تجلب التيسير، بقوله ﷾ جل من قائل: (وما جعل عليكم في الدين من حرج) وأصل قاعدة: اليقين لا يرفع بالشك، الاستصحاب، فالمعنى أن ما تيقن حصوله، يستصحب وجوده حتى
_________________
(١) رواه ابن ماجة والإمام مالك والإمام أحمد، وهو حديث صحيح.
[ ٢ / ١٩٤ ]
يستيقن ارتفاعه، أو يظن، والظاهر أن المراد بقاعدة: العادة محكمة، أن الناس محمولون في قصودهم عند احتمال الألفاظ في العقود ونحوها، على ما جرت العادة به، ويرجح به في الدعوى، مثل القرائن كلها.
وقول الشيخ - ﵀ ﷾ -: وزاد من فطن كون الأمور تبع المقاصد، يعني به أن منهم من زاد على القواعد الأربعة المذكورة قاعدة خامسة، وهي أن الأمور بمقاصدها، ومعناه كما قال البناني - ﵀ ﷾ - أن الأمور لا تحصل إلا بقصدها، قال: فمقاصدها: جمع مقصد، بمعنى قصد اهـ
وأصل هذا نحو قوله صلى الله تعالى عليه وسلم: " وإنما لامرئ ما نوى " (^١) وقوله - ﵀ ﷾ -: مع تكلف ببعض وارد، معناه أن رجوع كثير من الفروع إلى هذه القواعد إنما يكون بتكلف، وهو ظاهر، والله ﷾ أعلم.