التعادل: التساوي، والتراجيح: جمع ترجيح، جُمع - وإن كان مصدرا - لاختلاف أنواعه، فأشبه المعاني المختلفة، كما جمعوا البيع والنكاح، وسيأتي تعريف الترجيح في قول الشيخ - ﵀ ﷾ -: تقوية الشق من الخلاف، وأفرد التعادل لأنه واحد.
قال الزركشي - ﵀ ﷾ -: اعلم أن الله - ﷾ - لم ينصب على جميع الأحكام الشرعية أدلة قاطعة، بل جعلها ظنية قصدا للتوسيع على المكلفين، ليلا ينحصروا في مذهب واحد، لقيام الدليل عليه، وإذا ثبت أن المعتبر في الأحكام الشرعية الأدلة الظنية، فقد تعارض بمعارض في الظاهر، بحسب جلائها وخفائها، فوجب الترجيح بينها، والعمل بالأقوى.
والدليل على تعين الأقوى، أنه إذا تعارض دليلان، أو أمارتان، فإما أن يعملا جميعا، أو يلغيا جميعا، أو يعمل بالمرجوح، أو الراجح، وهذا متعين اهـ
والتعارض: تفاعل من العرض - بضم العين - وهو الناحية، والجهة، وكأن الكلام
_________________
(١) متفق عليه.
[ ٢ / ١٩٥ ]
المتعارض يقف بعضه في عرض بعض، أي: ناحيته، وجهته، فيمنعه من النفوذ إلى حيث وجه، وفي الاصطلاح: تقابل الدليلين على سبيل الممانعة، قاله في البحر.
ولا يجي تعارض إلا لما … من الدليلين إلى الظن انتمى
معناه أن التعارض، إنما يكون في الأدلة الظنية خاصة، وأما الدليلان القطعيان فلا يمكن تعارضهما، لا في نفس الأمر، ولا في اعتقاد المجتهد، سواء كانا عقليين، أو نقليين، حيث لا نسخ أو مختلفين، لأن القاطع لا بد من وقوع مدلوله، فيلزم اجتماع المتنافيين. قال الشربيني - ﵀ ﷾ -: فإن قيل: لا يلزم حصول المدلول هنا، لوجود المعارض، فيحمل على التخيير - مثلا -.
قلنا: حينئذ لا يكون قاطعا، لأنه لا بد في كونه قاطعا من انتفاء الاحتمال، والتعارض قرينة دالة على عدم إرادة المدلول اهـ
والاعتدال جائز في الواقع
معناه أن تعادل الأمارتين بحسب المراد والمقصود في نفس الأمر، جائز عند الأكثرين، ومنعه طائفة منهم الإمام أحمد والكرخي - رحمهما الله ﷾ - حذرا من التعارض في كلام الشارع.
قال في الإبهاج: واحتج من جوز تعادل الأمارتين في نفس الأمر، بالقياس على التعادل في الذهن، وبأنه لو امتنع لم يكن امتناعه لذاته، فلا يلزم من فرض وقوعه محال، أو الدليل والأصل عدمه.
وأجيب عن الأول بأن التعادل الذهني لا يمنع إمكان التوصل فيه إلى رجحان إحدى الامارتين فلا يكون نصبهما عبثا.
وعن الثاني بأنه إثبات للجواز بعدم ما يدل على الفساد، وليس أولى من عكسه، وهو إثبات الفساد بعدم ما يدل على الجواز اهـ
وقال في رفع الحاجب: والحق ما أشار إليه الغزالي وغيره - ﵏ ﷾ أجمعين - من أن القائلين بأن المصيب واحد لا يجوزون التعادل في نفس الأمر، وإنما الخلاف بين المصوبة اهـ
[ ٢ / ١٩٦ ]
وأما تعادلهما في ظن السامع فجائز وواقع اتفاقا، وإليه أشار - ﵀ ﷾ - بقوله:
كما يجوز عند ذهن السامع
وهو منشأ تردده.
وقول من عنه رُوي قولان … مؤخر إذ يتعاقبان
إلا فما صاحبه مؤيِّد … وغيره فيه لهم تردد
معناه أن المجتهد إذا نقل عنه في مسألة واحدة قولان، فإما أن يكون ذلك على سبيل التعاقب والترتيب، أو لا.
فإن كان على سبيل التعاقب، فالمتأخر منهما هو قوله، والمتقدم مرجوع عنه.
قال عليش ﵀ ﷾ في فتح العلي المالك:
فإن قلت: إذا وجب إعمال القول المرجوع إليه، لكونه ناسخا، وإهمال المرجوع عنه، لكونه منسوخا، فما فائدة تدوين الأئمة للأقوال التي رجع عنها المجتهد، إذا كانت هذه منزلته عندهم.
قلت: فائدة تدوينها أنه يصح أن يذهب إليها المجتهد، أو من بلغ رتبة الترجيح، يوما من الدهر، على ما هو مبسوط في الفقه وأصوله اهـ
وقال الخرشي - ﵀ ﷾ - عند قول سيدي خليل - ﵀ ﷾ -: وفي الزنى خلاف: كيف يكون المعتمد والمشهور هو المرجوع عنه - أي: مع الكراهة - وقد تقرر في الأصول أن المرجوع عنه لا ينسب إلى قائله، فضلا عن كونه معتمدا مشهورا؟
وقد يجاب عن هذا، بأن أتباع الإمام أخذوا من قواعده ما رجع عنه، وإن كان لا ينسب إلى نفس الإمام، إنما ينسب لمذهبه اهـ
وقال سيدي الحطاب - ﵀ ﷾ - عند قول سيدي خليل - ﵀ ﷾ في الإقرار: لا بجذع وباب، في: له من هذه الدار، أو الأرض، كفي على الأحسن -: لما كان القول بقبول تفسيره في "من " إنما هو القول المرجوع عنه، لم يلتفت
[ ٢ / ١٩٧ ]
إليه، والله ﷾ أعلم.
وكأن المصنف - رحمهما الله ﷾ - رأى أن القول بقبول تفسيره إنما هو القول المرجوع عنه، فصار كالعدم، فلذلك لم يذكر الخلاف إلا في قوله: في هذه الدار اهـ
وهذه المسألة هي المقصودة بأول البيتين.
وإن كان قول المجتهد بالقولين لا على سبيل التعاقب - بحسب العرف - فإن ذكر مع أحدهما ما يقتضي رجحانه عنده، فهو قوله.
ومن ذلك تفريعه عليه.
وإلا كان مترددا في الحكم، وهذا هو مراد الشيخ - ﵀ ﷾ - بالبيت الثاني.
وذكْرُ ما ضُعِّف ليس للعمل … إذ ذاك عن وفاقهم قد انحظل
بل للترقي لمدارج السنا … ويحفظ المدرك من له اعتنا
ولمراعاة الخلاف المشتهر … أو المراعاة لكل ما سطر
وكونه يلجي إليه الضرر … إن كان لم يشتد فيه الخور
وثبت العزو وقد تحققا … ضرا من الضر به تعلقا
معنى أول الأبيات، أن ذكر القول الضعيف في كتب الفقه، ليس للعمل به، إذ العمل به غير جائز، قال القرافي - ﵀ ﷾ - في شرح التنقيح:
فإن قلت: لأي شيء جمع الفقهاء الأقوال كلها السابقة واللاحقة في كتب الفقه، بل كان ينبغي أن لا يثبت لكل إمام إلا قوله الذي لم يرجع عنه.
قلت: ما ذكرتموه أقرب للضبط، غير أنهم قصدوا معنى آخر، وهو الاطلاع على المدارك، واختلاف الآراء وأن مثل هذا قد صار إليه المجتهد في وقت، فيكون ذلك أقرب للترقي لرتبة الاجتهاد، وهو مطلب عظيم أهم من تيسير الضبط، فلذلك جمعت الأقوال في المذاهب اهـ
والضعيف أولى من المرجوع عنه، لامتناع الأخذ بالمرجوع عنه إلا باجتهاد آخر، وكأن كلام القرافي - ﵀ ﷾ - المذكور، هو المراد بالبيت الثاني.
[ ٢ / ١٩٨ ]
وظاهر قوله - ﵀ ﷾ -: ويحفظ المدرك، أن المراد ذكره مع مأخذه، والترقي: تفعل من الرقي، وهو الصعود، والمدارج: مدرج: المسلك، والمذهب، أو مدرجة: ما يتوصل به لغيره، والسنا - بفتح السين -: الشرف، والمراد به الاجتهاد.
ومن فوائد ذكر الضعيف كذلك مراعاته، على القول بعدم اختصاص مراعاة الخلاف بما قوي مدركه، وهو المراد بقوله - ﵀ ﷾ -: ولمراعاة الخلاف البيت.
ومن فوائد ذكره كذلك أن الضرورة قد تلجئ إلى المصير إليه، والمصير إليه عند الضرورة جائز، وهذا إذا لم يشتد ضعفه، وثبتت نسبته إلى قائله، وتحقق العالم الضرورة من نفسه، ولا يجوز له أن يفتي به غيره، إذ لا يتحقق الضرورة بالنسبة إلى غيره كما يتحققها من نفسه.
قال في النشر: ولذلك سدوا الذريعة، فقالوا: تمنع الفتوى بغير المشهور، خوف أن لا تكون الضرورة محققة، لا لأجل أنه لا يعمل بالضعيف إذا تحققت الضرورة يوما ما، ذكره شيخنا البناني ﵀ ﷾ عند قول خليل ﵀ ﷾: فحكم بقول مقلده اهـ
وهذا في غير الضعيف الذي يجرى به العمل، لأن ضعفه إنما هو باعتبار زمان سابق، بل الصواب أن مسألة الضعيف قبل جريان العمل به، غير مسألته بعد جريان العمل به، فهما مسألتان، لاختلاف المبنى، لأن إجراء العمل به مبني على معنى طارئ لو اطلع عليه القائلون بالراجح لرجعوا إليه، والله ﷾ أعلم.
فقول من قلد عالما لقي … ألله سالما فغير مطلق
معناه إذا تبين لك ما تقدم، علمت أن قول بعضهم: من قلد عالما لقي الله - ﷾ - سالما ليس على عمومه، فليس كل قول يجوز التقليد فيه، والعمل به.
ولا يخفى أنه لا يراد بالضرورة المشترطة في العمل بالضعيف الضرورة القصوى، كإساغة غصة، وما يسد الرمق، ونحو ذلك، إذ لا تتوقف سببية ذلك النوع من الضرورة للإباحة، على شيء مما ذكر، ويبعد أن يراد بها مطلق الحاجة، ولعل في قولهم في تعليل منع الفتوى به: إنه لا يتحقق الضرورة بالنسبة إلى غيره كما يتحققها من نفسه، ما يشهد لذلك، والله ﷾ أعلم.
[ ٢ / ١٩٩ ]
إن لم يكن لنحو مالك أُلِف … قولٌ بذي، وفي نظيرها عُرِف
فذاك قوله بها المخرَّج … وقيل: عزوه إليه حرج
وفي انتسابه إليه مطلقا … خلف مضى إليه من قد سبقا
معناه أن المجتهد إذا لم يعرف له قول في مسألة، لكن عرف له قول في نظيرها، فقوله في نظيرها، هو قوله المخرج فيها، على الأصح.
وقيل: ليس قولا له، لاحتمال أن يذكر فرقا بين المسألتين لو روجع في ذلك.
وهذا هو مراد الشيخ - ﵀ ﷾ - بالبيتين الأولين، وبنى الخلاف في النشر في ذلك، على الخلاف في لازم المذهب هل يعد مذهبا، وقال - ﵀ ﷾ - في مثال المسألة: كأن يقال: ثبتت الشفعة في الشقص من الدار، فيقال: قوله في الحانوت كذلك اهـ
واختلف على القول بكون المخرج على قوله قولا له، هل تجوز نسبته إليه من غير تقييد بكونه مخرجا، بأن ينسب إليه في المثال المتقدم، القول بالشفعة في شقص الحانوت، من غير تقييد بالتخريج، أو لا تجوز نسبته إليه إلا مع التقييد بكونه مخرجا، وإلى هذا أشار - ﵀ ﷾ - بقوله: وفي انتسابه إليه مطلقا البيت.
قال في الحلي: ثم اختلفوا هل يجوز العمل به والإفتاء مطلقا، وهو لأكثر المالكيين أو لا يجوز بالكلية، وإنما يذكر تفقها وتفننا فقط، وقيل: يجوز إذا لم يكن في المسألة نص للإمام، وهذان القولان لبعض المالكية أيضا اهـ
وتنشأ الطرق من نصين … تعارضا في متشابهين
معناه أن أقوال أصحاب المجتهد في المسألة ينشأ اختلافها، من اختلاف قوله في مسألتين متشابهتين، فمنهم من يقرر في كل مسألة نصها، ويبدي فرقا بينهما، ومنهم من يرى ذلك اختلافا، ويخرج في كل منهما قوله في الأخرى، ثم أحيانا يرجح في كل نصها، ويفرق أيضا، وتارة يرجح في إحداهما نصها، وفي الأخرى المخرج، ويذكر ما يرجحه فيها على نصها.
الترجيح
[ ٢ / ٢٠٠ ]
تقوية الشق هي الترجيح … وأوجب الأخذ به الصحيح
وعملا به أباه القاضي … إذا به الظن يكون القاضي
معناه أن الترجيح هو: تقوية أحد الدليلين الظنيين المتعارضين على الآخر بشيء من الأمور الآتي ذكرها - مثلا - ولا ترجيح في القطعيات، لعدم التعارض بينها - كما تقدم ـ. ويجب العمل بالراجح، سواء كان رجحانه قطعيا أو ظنيا، اتفاقا في القطعي، وعلى الصحيح في الظني، خلافا للقاضي أبي بكر - ﵀ ﷾ - حيث لم ير الترجيح بالظن، وكذلك أبو عبد الله البصري من المعتزلة، إلا أن القاضي أبا بكر - ﵀ ﷾ – قال: لا يعمل بواحد منهما للتعادل، وقال البصري بالتخيير بينهما.
والجمع واجب متى ما أمكنا
يعني أن الجمع بين الدليلين المتعارضين من كتاب أو سنة أو منهما، واجب، لأن إعمالهما معا، أولى من إعمال أحدهما وإلغاء الآخر.
قال في نثر الورود: وأوجه الجمع كثيرة:
منها تخصيص العام بالخاص، وتقييد المطلق بالمقيد، وتقدمت أمثلتهما.
ومنها حمل كل من النصين على حالة غير حالة الثاني، كما في حديث " خير الشهداء من يشهد قبل أن يستشهد " (^١) مع أنه ذكر في شر الشهداء، من شهد قبل أن يستشهد (^٢) فيحمل الأول على حقوق الله - ﷾ - أو على أن المشهود له غير عالم بأن الشاهد يعرف حقه، ويحمل الثاني على حقوق الآدمي، أو العالم اهـ
وقيل لا يجب الجمع بينهما، وهو ضعيف.
ويجري ما ذكر في نصي المجتهد أيضا.
إلا فللأخير نسْخ بينا
_________________
(١) رواه مسلم عن الإمام مالك، وهو في موطئه، ولفظه: " ألا أخبركم بخير الشهداء؟ الذي يأتي بشهادته قبل أن يسألها " رواه أبو داوود والترمذي وابن ماجة والإمام أحمد.
(٢) كأنه يعني حديث عمران بن حصين - رضي الله ﷾ عنه - في الصحيحين " ثم يكون بعدهم قوم يشهدون ولا يستشهدون "
[ ٢ / ٢٠١ ]
ووجب الإسقاط بالجهل وإن … تقارنا ففيه تخيير زكن
معناه أنه إذا لم يمكن الجمع بين الدليلين المتعارضين، فإما أن يعلم أن أحدهما متأخر عن الآخر، أو يعلم خلاف ذلك، أو يجهل الأمر.
فإن كانا على الترتيب، وعلم المتأخر منهما، فهو ناسخ للمتقدم، إذا كان قابلا للنسخ، سواء كانا ظنيين أو قطعيين.
وإن جهل المتأخر منهما سقطا، ورجع إلى غيرهما، لاحتمال الناسخية والمنسوخية في كل منهما.
وإن علم تقارنهما كان المجتهد بالخيار في العمل بأيهما شاء.
وإن أمكن الجمع والترجيح، فالجمع أولى، لأن العمل بالدليلين - ولو من وجه - أولى من إلغاء أحدهما.
تعادل الأمارتين
وحيث ما ظُن الدليلان معا … ففيه تخيير لقوم سمعا
أو يجب الوقف أو التساقط … وفيه تفصيل حكاه الضابط
يعني أن المجتهد إذا ظن تعادل الأمارتين في نفس الأمر - بناء على القول بجوازه - فقيل: يخير في العمل بأيهما شاء، قال في البحر: وبه قال الجبائي وابنه أبو هاشم، قال إلكيا - ﵀ ﷾ -: وسويا في ذلك بين تعارض الخبرين والقياسين، ونقله الرازي والبيضاوي عن القاضي - ﵏ ﷾ أجمعين - والذي في التقريب أنه رأيٌ للقائلين بأن كل مجتهد مصيب اهـ
وقيل: يتوقف عن العمل بكل منهما، قال في البحر: حكاه الغزالي - ﵀ ﷾ - وغيره، وجزم به سليم في التقريب، واستبعده الهندي، إذ الوقف فيه إلى غير غاية وأمد، إذ لا يرجى فيه ظهور الرجحان، وإلا لم تكن مسألتنا، بخلاف التعادل الذهني، فإنه يتوقف فيه إلى أن يظهر المرجح اهـ
وقيل: يتساقطان كالبينتين إذا تعارضتا، ويرجع إلى غيرهما، من العموم أو البراءة الأصلية.
[ ٢ / ٢٠٢ ]
قال في البحر: وهذا ما قطع به ابن كج، في كتابه، قال: لأن دلائل الله - ﷾ - لا تتعارض، فوجب أن يستدل بتعارضها على وهائها جميعا، أو وهاء أحدها، غير أنا لا نعرفه، فأسقطناها جميعا، وكلامه يشعر بتفريعه على القول بمنع التعادل، ونقله إلكيا عن القاضي - رحمهما الله ﷾ - والأستاذ أبو منصور - ﵀ ﷾ - عن أهل الظاهر بالنسبة إلى الحديثين اهـ
وقيل: إن وقع بالنسبة إلى الواجبات فالتخيير، لأنه قد يخير فيها، كما في زكاة مائتي الإبل، وإن وقع بالنسبة إلى غيرها كالإباحة والتحريم، فالتساقط، والرجوع إلى البراءة الأصلية.
وإلى هذا أشار الشيخ - ﵀ ﷾ - بقوله: وفيه تفصيل حكاه الضابط، ومراده بالضابط: التاج السبكي - ﵀ ﷾ - فقد ذكره في جمع الجوامع، وفي المسألة أقوال غير ما ذكر، والله ﷾ أعلم بالصواب.
قال الزركشي - ﵀ ﷾ - في البحر: إذا تخير، فللناظر ثلاثة أحوال، فإن كان مجتهدا، تخير في إلحاقه بما شاء، إن قلنا: كل مجتهد مصيب، فإن قلنا: الحق في واحد امتنع التخيير، قاله القاضي - ﵀ ﷾ - في التقريب.
وإن كان مفتيا فقال القاضي - ﵀ ﷾ -: قالت المصوبة لا يجوز له تخيير المستفتي، بل يجزم بمقتضى أحدهما، وقيل: يجوز، وهو الأولى عندنا، وبه أجاب في المحصول.
واستشكل الهندي - ﵀ ﷾ - الجزم بأحدهما، وقال: ليس في التخيير الأخذ بأي الحكمين شاء، واختار رأيا ثالثا، وهو أن المفتي بالخيار بين أن يجزم له الفتيا، وبين أن يخيره، إذ ليس في كل واحد منهما مخالفة دليل، ولا فساد، فيسوغ الأمران.
وإن كان حاكما فقال القاضي - ﵀ ﷾ -: أجمع الكل - يعني المصوبة والمخطئة - أنه ليس له تخيير المتحاكمين في الحكم بأيهما شاء، بل عليه بت الحكم باعتقاده، لأنه نصب لقطع الخصومات، ولو خيرهما لما انقطعت خصومتهما، لأن كل واحد منهما يختار الذي هو أرفق له، بخلاف حال المفتي اهـ
[ ٢ / ٢٠٣ ]
وإن يُقَدَّمْ مشعر بالظن … فانسخ بآخر لدى ذي الفن
معناه أنه إذا تقابل دليلان نقليان، أحدهما قطعي والآخر ظني، فإن علم تأخر القطعي كان ناسخا، وإن علم تأخر الظني، أخذ بالقطعي، إذ لا ينسخ قطعي بظني، كذا قالوا هنا، قال المحلي - ﵀ ﷾ -: وسكت المصنف - ﵀ ﷾ - هنا عن تقابل القطعي والظني لظهور أن لا مساواة بينهما، لتقدم القطعي، كما قاله في شرح المنهاج، وهذا في النقليين، وأما قول ابن الحاجب - ﵀ ﷾ -: لا تعارض بين قطعي وظني، لانتفاء الظن، أي: عند القطع بالنقيض، كما تممه المصنف - ﵀ ﷾ - وغيره، فهو في غير النقليين، كما إذا ظن أن زيدا في الدار، لكون مركبه وخدمه بباها، ثم شوهد خارجها، فلا دلالة للعلامة المذكورة على كونه في الدار حال مشاهدته خارجها، فلا تعارض بينهما، بخلاف النقليين، فإن الظني منهما باق على دلالته حال دلالة القطعي، وإنما قدم عليه لقوته اهـ
قال العطار - ﵀ ﷾ -: قوله: لتقدم القطعي، محله في غير المتواتر المنسوخ بالآحاد، بقرينة ما يأتي اهـ
والظاهر أنه يعني بقوله: ما يأتي، قول التاج السبكي - ﵀ ﷾ -: ولا ترجيح في القطعيات لعدم التعارض، والمتأخر ناسخ، وإن نقل التأخر بالآحاد عمل به، لأن دوامه - يعني المتقدم - مظنون اهـ
ومقتضى البناني وسلمه الشربيني - رحمهما الله ﷾ - أن المنقول بالآحاد إنما هو التأخر، لا أصل الخبر، وذكر البناني - ﵀ ﷾ - أن قول التاج - ﵀ ﷾ -: وإن نقل التأخر إلخ وقع لفظ التأخر فيه، في بعض النسخ بالمصدر، قال: وهي واضحة، وفي بعضها بصيغة اسم الفاعل، فتحتاج إلى تقدير مضاف، أي: تأخر المتأخر اهـ والله ﷾ أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وإذا جهل المتقدم من القطعي والظني، قدم القطعي أيضا بالأولى مما قبلها، وذلك هو قول الشيخ - ﵀ ﷾ -: ذو القطع في الجهل لديهم معتبر.
وأشار - ﵀ ﷾ - بقوله: وإن يعم واحد فما غبر، إلى أن محل ما
[ ٢ / ٢٠٤ ]
تقدم، إذا تساوى الدليلان في العموم والخصوص، فإن كان بينهما عموم وخصوص، فقد تقدم الكلام على ذلك في مباحث التخصيص (^١) والله ﷾ أعلم.
الترجيح باعتبار حال الراوي
وهو الترجيح باعتبار السند، قال في النشر: وقد تعرضت في جميع التراجيح التي أذكرها للترجيح بين ما أذكره وبين مقابله، ولم أتعرض للترجيح بين المذكورات بعضها مع بعض، لأن المدار في جميع ذلك على ما يغلب على ظن المجتهد ترجيحه، قال في الآيات البينات: ينبغي أن يحكم المجتهد ظنه، إذ التنصيص على جميعها مما يمتنع للتطويل البالغ إلى الغاية اهـ
قد جاء في المرجحات بالسند … علوه والزيد في الحفظ يُعد
معناه أن مما يرجح به من حيث السند، علوه، بأن تكون الوسائط بين المجتهد والنبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - أقل منها في مقابله، لأنه كلما كثرت الوسائط كان ورود الخطإ واللبس أكثر.
ومنها كون أحد الراويين للحديثين أقوى حفظا، قال في الإشارة: لأن النفس أسكن إلى روايته، وأوثق بحفظه.
والفقه واللغة والنحو ورع … وضبطه وفطنة فقْد البدع
ومنها كذلك الفقه والأفقهية، فيقدم الراوي الفقيه، على الراوي الذي ليس بفقيه، ويقدم الأفقه على الفقيه، والنظر في ذلك إلى خصوص الباب الذي وقعت الرواية فيه.
قال في النشر: فيقدم خبر رواه ابن وهب - ﵀ ﷾ - في الحج، على ما رواه ابن القاسم - ﵀ ﷾ - فيه، لأنه أفقه منه فيه، وإن كان ابن القاسم أفقه منه في غيره اهـ
وإنما رجح بالفقه، لتمييز الراوي الفقيه بين ما يجوز إجراؤه على ظاهره، وما لا يجوز، ولما تقدم في كتاب السنة المطهرة.
ومما يرجح به أيضا، من حيث السند، كون أحد الراويين عارفا باللغة دون الآخر، أو
_________________
(١) ومثله الإطلاق مع التقييد.
[ ٢ / ٢٠٥ ]
أعرف بها، وكون أحدهما عارفا بالنحو دون الآخر، أو أعرف به، وكون أحدهما عارفا بالبيان دون الآخر، أو أعرف به، لأن كل ذلك أبعد لصاحبه عن الوقوع في الخطإ، ويقدم الورع على العدل الذي ليس بورع، والأروع على الورع، لأن ذلك يحمل على المبالغة في التحرير والتحفظ.
ومنها زيادة أحد الراويين على الآخر في الضبط، أو الفطنة، لأن النفس أكثر اطمئنانا بروايته.
قال في النشر: والضبط: كونه غير كثير الخطإ، فيرجح خبر من لا خطأ له، أو من خطؤه قليل، على خبر كثير الخطإ، إلا أن كثير الخطإ - وهو غير الضابط - حديثه ضعيف، لا يعمل به لفقد الضبط الذي هو شرط من شروط الصحة، نعم قد يقوى الضعيف بكثرة الطرق، حتى يصير حسنا لغيره، أو صحيحا لغيره، فيعارض، أو نقول: المراد يرجح بزيادة الضبط اهـ
ويقدم الراوي الذي ليس بمبتدع، على ذي بدعة لا تمنع من القبول.
عدالة بقيد الاشتهار
معناه أن الراوي المشهور العدالة يقدم ما رواه، على ما رواه الراوي العدل الذي ليس بمشهور العدالة، قال في النشر: وكذا شهرته بصفة من الصفات السابقة.
وكونه زكي باختبار
معناه أن مروي الراوي الذي ثبتت عند المجتهد عدالته باختباره، مقدم على رواية من ثبتت عدالته عنده بالأخبار.
صريحها وأن يزكي الاكثر … وفقْد تدليس كما قد ذكروا
قوله - ﵀ ﷾ -: صريحها، معناه أن المزكى تصريحا، يقدم على المزكى ضمنا، ويقدم مروي الراوي االذي زكاه الأكثر، على مروي الراوي الذي زكاه أقل.
ويقدم مروي الراوي الذي لا يدلس على مروي المدلس المقبول.
حرية والحفظ علم النسب … وكونه أقرب أصحاب النبي
معناه أن مروي الحر مقدم على مروي العبد، قال في النشر: وضعف صاحب الغيث
[ ٢ / ٢٠٦ ]
الهامع الترجيح بالحرية.
وترجح رواية الحافظ لمرويه على غيره، قال في النشر: المراد بغير الحافظ: من يتخيل اللفظ ثم يتذكره، ويؤديه بعد تفكر وتكلف، ومن لا يقدر على التأدية أصلا، لكن إذا سمع اللفظ علم أنه مرويه عن فلان، كقول أبي محذورة - رضي الله ﷾ عنه -: لقنني صلى الله تعالى عليه وسلم الأذان تسع عشرة كلمة، (^١) ورواية عبد الله بن زيد بن عبد ربه بن ثعلبة الأنصاري - رضي الله ﷾ عنه - الأذان لا ترجيع فيه، وهو لا يحكيه لفظا عنه صلى الله تعالى عليه وسلم (^٢) ويحتمل أن يكون المراد من لم يحفظ لفظ الحديث معتمدا على المكتوب، والآخر حفظ لفظه.
وكذلك يرجح من شأنه التعويل على الحفظ، على من شأنه التعويل على الكتابة. وترجح رواية معروف النسب على غير معروفه، وترجح رواية من شأنه القرب من النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - في المجلس من الصحابة، وهم الأكابر منهم.
ذكورة إن حاله قد جهلا … وقيل لا وبعضهم قد فصلا
معناه أن رواية الرجل تقدم على رواية المرأة، ما لم يعلم أنها أضبط منه، لأن الأغلب أن الرجل أضبط من المرأة، وذهب الأستاذ أبو إسحاق الإسفرائيني - ﵀ ﷾ - إلى عدم الترجيح بذلك.
وقيل: يقدم خبر الرجل إلا في أحكام النساء كالحيض، فتقدم المرأة لأنها أضبط بها.
ما كان أظهر رواية وما … وجه التحمل به قد علما
ذكر التاج السبكي - ﵀ ﷾ - أن من المرجحات ظهور طريق الرواية، واختلف في مراده - ﵀ ﷾ - ففسره جلال الدين المحلي - ﵀ ﷾ - بكون طريق الرواية واضحة في إفادة المروي وضبطه، فيقدم المروي
_________________
(١) رواه أبو داوود والترمذي والنسائي وابن ماجة والدارمي والإمام أحمد، وهو حديث صحيح.
(٢) لم أقف على هذا، وحديث رؤيا عبد الله بن زيد في الأذان صحيح مشهور، وليس فيه ترجيع.
[ ٢ / ٢٠٧ ]
بالسماع أو العرض على المروي بالإجازة، وقد تقدم الكلام في كتاب السنة المطهرة على ترتيب أوجه التحمل، وهذا ما أشار إليه الشيخ - ﵀ ﷾ - بقوله: ما كان أظهر رواية.
ومنهم من فسره بظهور وجه تحمل الراوي، من سماع أو عرض - مثلا - فتقدم رواية معلوم وجه التحمل، على من لم يعلم وجه تحمله، وإلى هذا أشار - ﵀ ﷾ - بقوله: وما وجه التحمل به قد علما.
تأخر الإسلام والبعض اعتمى … ترجيح من إسلامه تقدما
معناه أن تأخر إسلام أحد الراويين مرجح لروايته، لظهور تأخر خبره، وقيل: يقدم خبر متقدم الإسلام، لسابقته، قال جلال الدين المحلي - ﵀ ﷾ -: وابن الحاجب - ﵀ ﷾ - جزم بهذا في الترجيح بحسب الراوي، وبما قبله في الترجيح بحسب الخارج، ملاحظا للجهتين، لا أنه تناقض في كلامه كما قيل اهـ
قال الشربيني - ﵀ ﷾ -: حاصل ذلك كما يؤخذ من العضد وبعض حواشيه، أنه إن علم اتحاد زمن روايتهما، قدم الأقدم، لثبات قدمه في الإسلام، فيهتم بالتصون والتحرز، وحينئذ يكون التقديم بحسب الراوي، لأنه لصفة فيه.
وإن لم يعلم، قدم متأخر الإسلام، لظهور تأخر خبره، كما قاله الشارح، وحينئذ يكون التقديم بحسب الخارج، لأن النظر حينئذ في تأخر الخبر وتقدمه، ولا دخل لثبات القدم في الإسلام فيه، لنسخ المتأخر للمتقدم، ولو مع العلم بأقدمية المتقدم، وحينئذ فتقدم الإسلام وتأخره بالنسبة لهذا خارجان، فيعمل بالمتأخر لظهوره في المطلوب اهـ
وكونه مباشرا أو كلفا … أو غير ذي اسمين للامن من خفا
كذلك ترجح رواية الراوي المباشر لمرويه، لأنه أتم معرفة به، قال في النشر: كحديث الترمذي عن أبي رافع أنه صلى الله تعالى عليه وسلم تزوج ميمونة - رضي الله ﷾ عنها - حلالا، وبنى بها حلالا، قال: وكنت الرسول بينهما، (^١) مع حديث الصحيحين عن ابن عباس - رضي الله ﷾ عنهما - أنه صلى الله تعالى عليه وسلم تزوجها
_________________
(١) ورواه الإمام أحمد أيضا، وهو حديث حسن.
[ ٢ / ٢٠٨ ]
وهو محرم.
وفي رواية البخاري عنه - رضي الله ﷾ عنه - أنه تزوج ميمونة - رضي الله ﷾ عنها - وهو محرم، وبنى بها وهو حلال، وماتت بسرف - بوزن كتف - لكن ما في الصحيحين أو أحدهما يقدم على ما في غيرهما من جهة كونه أقوى وأصح، كما سيأتي اهـ
وتقدم رواية المتحمل بعد البلوغ، على رواية المتحمل وهو صبي، لما تقدم من الخلاف في روايته.
وتقدم رواية من له اسم واحد، على رواية من له اسمان، إذ قد يشاركه في أحدهما ضعيف، فإن تحقق انتفاء ذلك، فقال العبادي - ﵀ ﷾ -: الوجه حينئذ أن لا يقدم خبر ذي الاسمين، نقله في النشر.
ومقتضى العلة أن ذا الاسمين يقدم على من له أسماء متعددة.
أو راويا باللفظ
معناه أن رواية الراوي باللفظ، مقدمة على رواية الراوي بالمعنى، للسلامة من تطرق الخلل من قبل الفهم، والخلل في ترجمته، وذلك كما تقدم في قول الصحابي: قال رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - وقوله: أمر رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم -.
أو ذا الواقع
معناه أن رواية صاحب الواقعة، مقدمة على رواية غيره، لأن صاحب الواقعة أعرف بالحال، وأدرى بتفاصيل الأمر، ومثال ذلك حديث ميمونة - رضي الله ﷾ عنها -: تزوجني رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - ونحن حلالان بسرف، (^١) مع حديث ابن عباس - رضي الله ﷾ عنهما - أنه صلى الله تعالى عليه وسلم تزوجها وهو محرم (^٢).
_________________
(١) رواه مسلم وأبو داوود واللفظ له، والترمذي وابن ماجة والدارمي والإمام أحمد.
(٢) متفق عليه.
[ ٢ / ٢٠٩ ]
… وكون من روَّاه غير مانع
يعني به أن رواية من لم ينكر شيخه روايته عنه، مقدمة على رواية من أنكر شيخه روايته عنه.
وكونه أودع في الصحيح … لمسلم والشيخ ذي الترجيح
معناه أن ما رواه الشيخان - رحمهما الله ﷾ - مقدم على ما رواه أحدهما، وما رواه البخاري وحده، مقدم على ما رواه مسلم وحده غالبا، وهكذا القول في شرطهما.
الترجيح باعتبار حال المروي
وكثرة الدليل والروايه … مرجح لدى ذوي الدرايه
معناه أن مما يرجح الدليل على معارضه، كثرة ما يوافقه من الأدلة، وكثرة رواته، لما يحصل بذلك من مزيد القوة في الظن، وذكر في نثر الورود أن هذا من قبل الترجيح بالسند.
وقوله فالفعل فالتقرير
معناه أن الخبر المتضمن لقول النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - مقدم على الخبر المتضمن لفعله، لأن القول أقوى في الدلالة على التشريع من الفعل غالبا، لاحتمال الفعل الاختصاص به صلى الله تعالى عليه وسلم.
فإن وقع الاحتمال المذكور في القول، قدم عليه الفعل، كما في أمره صلى الله تعالى عليه وسلم عائشة - رضي الله ﷾ عنها - بالإحرام من التنعيم، (^١) فإنه يحتمل الخصوص بمثل حالها من العذر وضيق الوقت، فقدم عليه عندنا فعله صلى الله تعالى عليه وسلم حيث أحرم من الجعرانة (^٢).
ويقدم الخبر المتضمن لفعله صلى الله تعالى عليه وسلم على المتضمن لتقريره، لأن التقرير يطرقه من الاحتمال ما لا يطرق الفعل.
فصاحة وألغي الكثير
معناه أن الخبر المروي بألفاظ غير فصيحة، يقدم عليه الخبر المروي بألفاظ فصيحة،
_________________
(١) متفق عليه.
(٢) متفق عليه.
[ ٢ / ٢١٠ ]
للجزم بأن غير الفصيح مروي بالمعنى، وأما الأفصح فلا يقدم على الفصيح، على الأصح كما أشار إليه - ﵀ ﷾ - بقوله: وألغي الكثير.
وقيل يرجح بالأفصحية أيضا، لأنه صلى الله تعالى عليه وسلم هو أفصح الناس.
زيادة، ولغة القبيل … ورجح المجل للرسول
قوله - ﵀ ﷾ -: زيادة، معناه أن الخبر المشتمل على زيادة، يقدم على مقابله الخالي منها، لما فيه من زيادة العلم، قال جلال الدين المحلي - ﵀ ﷾ -: كخبر التكبير في العيد سبعا، مع خبر التكبير فيه أربعا، رواهما أبو داوود - ﵀ ﷾ - وأخذ بالثاني الحنفية تقديما للأقل، والأولى منه للافتتاح اهـ
قوله - ﵀ ﷾ -: ولغة القبيل، معناه أن الخبر الوارد بلغة قريش، يقدم على الخبر الوارد بلغة غيرهم، لقوة احتمال كونه مرويا بالمعنى.
قوله - ﵀ ﷾ -: ورجح المجل للرسول - صلى الله تعالى عليه وسلم - معناه أن إشعار أحد الخبرين المتعارضين بعلو شأنه - صلى الله تعالى عليه وسلم - مرجح له على مقابله، لإيذان ذلك بالتأخر، إذ علوه صلى الله تعالى عليه وسلم كان في ازدياد دائما.
وشهرة القصة ذكر السبب … وسمعه إياه دون حُجُب
قوله - ﵀ ﷾ -: وشهرة القصة، معناه أن خبر القصة المشهورة يقدم على خبر القصة التي ليست بمشهورة، لأن القصة المشهورة يبعد دخول الكذب فيها.
وقوله - ﵀ ﷾ -: ذكر السبب، معناه أن الخبر الذي ذكر فيه السبب، مقدم على الخبر الذي لم يذكر فيه السبب، لظهور اعتناء راويه، الدال على اكتمال ضبطه، وأيضا المعرفة بالسبب تعين على فهم المعنى.
وقوله - ﵀ ﷾ -: وسمعه إياه دون حجب، معناه أن رواية من سمع دون حجاب، مقدمة على رواية من سمع من وراء حجاب، حيث أمن اللبس، قال في النشر: كرواية القاسم بن محمد عن عائشة أن بريرة - رضي الله ﷾ عنه - عتقت وكان زوجها عبدا، رواه مسلم، مع رواية الأسود بن يزيد أنه كان حرا، لأن القاسم
[ ٢ / ٢١١ ]
محرمها لكونها عمته، وكان يسمع منها دون حجاب، بخلاف الأسود اهـ
والمدني والخبر الذي جمع … حكما وعلة كقتل من رجع
قوله - ﵀ ﷾ -: والمدني، معناه أن المدني مقدم على المكي، قال في النشر: والمدني: ما روي بعد الشروع في الهجرة، والمكي: ما روي قبل الشروع فيها، فيشمل المدني ما ورد بعد الخروج من مكة المكرمة، وقبل الدخول في المدينة، هذا هو الاصطلاح المشهور في المدني والمكي، وما اقتضاه كلام بعضهم من أن المدني: ما نزل بالمدينة المنورة، والمكي: ما نزل بمكة المكرمة، غير مرضي اهـ
قوله - ﵀ ﷾ -: والخبر الذي إلخ، معناه أن الخبر الذي جمع الحكم والعلة، مقدم على الخبر الذي لم تذكر فيه العلة، كحديث البخاري - ﵀ ﷾ - " من بدل دينه فاقتلوه " مع حديث الصحيحين أنه صلى الله تعالى عليه وسلم نهى عن قتل النساء والصبيان، فيقدم الأول في ما تعارضا فيه، وهو المرتدات، لذكر سبب الحكم فيه.
وما به لعلة تقدُّم
معناه أنه إذا ذكر في كل من الخبرين الحكم والعلة، إلا أن أحدهما ذكر فيه الحكم قبل العلة، والآخر ذكر فيه بعد العلة، قدم ما تقدم فيه ذكر العلة، لأنه أدل على ارتباط الحكم بالعلة، كما قال الإمام الرازي - ﵀ ﷾ - في المحصول.
واعترضه النقشواني - ﵀ ﷾ – قائلا: إن الحكم إذا تقدم تطلب نفس السامع العلة، فإذا سمعتها ركنت إليها، ولم تطلب غيرها، والوصف إذا تقدم تطلب النفس الحكم، فإذا سمعته قد تكتفي في علته بالوصف المتقدم إذا كان شديد المناسبة، كما في قوله ﷾ جل من قائل: (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما) وقد لا تكتفي به، بل تطلب علة غيره، كما في قوله ﷾ جل من قائل: (إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا) الآية الكريمة، فيقال: تعظيما للمعبود اهـ قاله جلال الدين المحلي - ﵀ ﷾ -.
قال في النشر: ورده في الآيات البينات بأن الوصف إذا كان ظاهر المناسبة ركنت النفس
[ ٢ / ٢١٢ ]
تقدم أو تأخر، وإلا لم تركن، تقدم أو تأخر، إذ لا فرق بين إذا قمتم فاغسلوا، واغسلوا إذا قمتم اهـ
وما بتوكيد وخوف يعلم
معناه أن الخبر المشتمل على التوكيد، مقدم على الخبر الذي لا توكيد فيه، ومثل لذلك جلال الدين المحلي - ﵀ ﷾ - بالحديث الذي رواه أبو داود وصححه ابن حبان والحاكم على شرط الشيخين " أيما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليها، فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فنكاحها باطل " مع حديث مسلم " الأيم أحق بنفسها من وليها "
ويقدم الخبر الذي يتضمن تهديدا على مقابله الخالي من ذلك، ومثلوا له بقول عمار - رضي الله ﷾ عنه -: من صام اليوم الذي يشك فيه فقد عصى أبا القاسم، (^١) فهو مقدم على الأحاديث المرغبة في صوم النفل.
وما يعم مطلقا إلا السبب … فقدمنْه تقض حكما قد وجب
معناه أن العام الذي لم يرد على سبب، مقدم على العام الوارد على سبب في غير صورة السبب، لما تقدم من الاختلاف في اختصاصه بصورة السبب، ويقدم ذو السبب في صورة السبب، لما تقدم من أنها قطعية الدخول.
ما منه للشرط على المنكر … وهو على كل الذي له دُرِي
معناه أن الشرطي من أدوات العموم كمن وما، مقدم على النكرة المنفية على الأصح، لإفادة الشرطي التعليل غالبا، بخلاف النكرة، فإن لم يفد الشرطي التعليل، لم يقدم على النكرة، نحو: من فعل كذا فلا إثم عليه، وقيل: تقدم النكرة على الشرط، لبعد التخصيص فيها، بقوة عمومها دونه.
وتقدم النكرة العامة على ما سوى الشرط من أدوات العموم، كالمعرف بأل أو
_________________
(١) رواه أبو داوود والترمذي والنسائي وابن ماجة والدارمي، وهو حديث صحيح، ورواه البخاري معلقا.
[ ٢ / ٢١٣ ]
الإضافة، لدلالتها على العموم بالوضع على الأصح، ودلالة ما ذكر عليه بالقرينة.
قال في نثر الورود: ويستثنى من ذلك الصريح في العموم، نحو كل وجميع اهـ
معرف الجمع على ما استفهما … به من اللفظين أعني من وما
معناه أن الجمع المعرف، يقدم على من وما غير الشرطيتين، كالاستفهاميتين، للاختلاف في جواز تخصيصه إلى واحد، بخلافهما، فلا خلاف في جواز تخصيصهما إلى واحد.
وذي الثلاثةُ على المعرف … ذي الجنس لاحتمال عهد قد يفي
معناه أن الثلاثة المذكورة في البيت قبل، وهي الجمع المعرف، ومن، وما، غير الشرطيتين، مقدمة على الجنس المعرف بأل، أو الإضافة، لاحتماله العهد، بخلاف من وما فلا يحتملانه، وبخلاف الجمع المعرف فاحتماله له بعيد.
تقديم ما خُص على ما لم يُخَصْ … وعكسه كل أتى عليه نص
اختلف إذا تعارض العام الذي لم يدخله تخصيص، والعام الذي دخله التخصيص، فذهب الأكثرون إلى تقديم العام الذي لم يدخله تخصيص، للإجماع على اعتبار عمومه، بخلاف الذي دخله التخصيص كما تقدم.
وذهب صفي الدين الهندي، والتاج السبكي - رحمهما الله ﷾ - إلى ترجيح العام الذي دخله التخصيص، لأنه أغلب، ولبعد تخصيص المخصوص ثانيا.
قال في نثر الورود: مثاله: (أو ما ملكت أيمانهم) فإنه يدل بعمومه على شمول الأختين بملك اليمين، مع أن (وأن تجمعوا بين الأختين) يشمل بعمومه وطأهما بملك اليمين، وعموم (أو ما ملكت أيمانهم) دخله التخصيص، لأنه مخصص بعموم (وأخواتكم من الرضاعة) فلا تحل الأخت من الرضاعة بملك اليمين، وبعموم (ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم) فلا تحل موطوءة الأب بملك اليمين، بخلاف عموم (وأن تجمعوا بين الأختين) فلم يدخله تخصيص غير محل النزاع اهـ
قال ابن الحاجب - ﵀ ﷾ - في مختصره: والتقييد كالتخصيص اهـ
ويقدم العام الأقل تخصيصا، على العام الأكثر تخصيصا، قال جلال الدين المحلي -
[ ٢ / ٢١٤ ]
﵀ ﷾ -: لأن الضعف في الأقل دونه في الأكثر اهـ
إشارة وذات الايما يرتضى … كونهما من بعد ذات الاقتضا
معناه أن الدال بالاقتضاء مقدم على الدال بالإشارة، والإيماء، لأن المدلول عليه بالاقتضاء مقصود يتوقف عليه الصدق، أو الصحة.
ويقدم الدال بالإيماء، على الدال بالإشارة، لأن المدلول عليه بالإيماء مقصود عند المتكلم.
ويقدم المقتضى الذي يتوقف عليه الصدق، على الذي تتوقف عليه الصحة.
وتقدم الإشارة، والإيماء، على المفهوم موافقة كان أو مخالفة، لأن الدلالة عليهما في محل النطق، وإليه أشار - ﵀ ﷾ - بقوله:
هما على المفهوم
ويقدم مفهوم الموافقة، على مفهوم المخالفة عند الإمام مالك ﵀ ﷾ والأكثر، للاختلاف في حجيتها.
وقيل: تقدم المخالفة، لأن مفهوم الموافقة لا يتم إلا بتقدير فهم المقصود من الحكم في محل النطق، وبيان وجوده في محل السكوت، بخلاف مفهوم المخالفة، وإلى هذا أشار - ﵀ ﷾ - بقوله:
والموافقه … ومالك غير الشذوذ وافقه
وأراد بقوله - ﵀ ﷾ -: ومالك إلخ أن الأكثر على مثل قول الإمام مالك - ﵀ ﷾ - بتقديم مفهوم الموافقة على مفهوم المخالفة، ولم يخالفه في ذلك إلا شذوذ: جمع شاذ على غير قياس.
الترجيح باعتبار مدلول أحد النصين المتعارضين
وناقل ومثبت والامُِر … بعد النواهي، ثم هذا الاخِر
على الإباحة وهكذا الخبر … على النواهي وعلى الذي أمر
معناه أن الناقل عن البراءة الأصليةـ مقدم على المقرر لها عند الجمهور، لأن مضمون
[ ٢ / ٢١٥ ]
المقرر لها مستفاد منها، بخلاف الناقل، فكان أرجح للزيادة.
وقيل: يقدر تأخر المقرر لها، ليفيد تأسيسا، فيكون ناسخا، إذ لو قدر تقدمه لكان تأكيدا، لعلمه منها، والتأسيس أرجح منه.
ومثاله: تقديم الخبر في تحريم النبيذ على الخبر في تحليله.
ويقدم المثبت للحكم الشرعي، على النافي له، لاشتماله على زيادة علم، فيكون تأسيسا، وقيل: بالعكس، لاعتضاد النافي بالأصل، ومثلوا لتعارض المثبت والنافي بحديث بلال - رضي الله ﷾ عنه - أنه صلى الله تعالى عليه وسلم صلى في الكعبة حين دخلها ركعتين، (^١) وحديث أسامة - رضي الله ﷾ عنه - في مسلم أنه دعا في نواحي البيت حين دخله ولم يصل (^٢).
قال التاج السبكي - ﵀ ﷾ - في رفع الحاجب: ولقائل أن يقول: إنما يثبت التعارض بين هذين الخبرين لو ثبت أنه صلى الله تعالى عليه وسلم لم يدخل الكعبة إلا مرة واحدة، ولكنه دخلها غير مرة، فلعله صلى الله تعالى عليه وسلم صلى مرة، ورواه بلال - رضي الله ﷾ عنه - وترك أخرى ورآه أسامة - رضي الله ﷾ عنه – (^٣) اهـ
قال في النشر: ومثل الباجي - رحمهما الله ﷾ - لمسألة المثبت والنافي، بحديث أنس - رضي الله ﷾ عنه - كان النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - يقنت في الفجر حتى فارق الدنيا، (^٤) وحديث ابن مسعود - رضي الله ﷾ عنه - أنه صلى الله تعالى عليه وسلم إنما قنت شهرا يدعو على حي من أحياء بني سليم، ثم لم
_________________
(١) متفق عليه.
(٢) رواه البخاري.
(٣) وجا عن أسامة - رضي الله ﷾ عنه - أنه صلى الله تعالى عليه وسلم صلى فيها - ووفق ابن حبان ﵀ ﷾ بأن هذا - أعني الإثبات - كان في يوم الفتح، والآخر كان في حجة الوداع، وقيل غير ذلك، والله ﷾ أعلم.
(٤) رواه الإمام أحمد، وصححه الحاكم في جزء له في القنوت كما في التلخيص الحبير، وضعفه غير واحد.
[ ٢ / ٢١٦ ]
يقنت بعد (^١) اهـ
قال شيخ الإسلام زكريا - ﵀ ﷾ -: لا يقال هذا يغني عما قبله، أو بالعكس، لأنا نقول: المثبت قد يكون مقررا للأصل، كالمثبت للطلاق والعتاق، (^٢) فإنه مقرر للأصل، لأن الأصل عدم الزوجية، والرقية، فرجع ذلك إلى أن هذا مستثنى من الأول اهـ
قوله - ﵀ ﷾ -: والآمر بعد النواهي، يعني به أن النص الدال على التحريم، مقدم على الدال على الوجوب، لأن النهي لدرء المفسدة، والأمر لجلب المصلحة، ودرء المفسدة مقدم على جلب المصلحة.
ويقدم الدال على الوجوب على الدال على الإباحة، للاحتياط، وهذا هو المراد بقوله - ﵀ ﷾ عنه -: ثم الآخر على الإباحة.
ويقدم الوارد بلفظ الخبر، كقوله ﷾ جل من قائل: (والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء) على الأمر والنهي، لأن الطلب بالخبر، أقوى منه بالأمر والنهي، لأن الخبر يقتضي ثبوت مدلوله في الواقع، فاستعملت صيغته في الطلب تأكيدا له، وحضا على امتثاله، وعدم التردد في الإتيان به، فنزل في العبارة منزلة ما تحقق بالفعل، إيذانا بذلك.
في خبري إباحة وحظْر … ثالثها هذا كذاك يجري
معناه أنه اختلف إذا تعارض التحريم والإباحة، والمعول تقديم التحريم على الإباحة وغيرها من خطاب التكليف، للاحتياط.
وقيل: تقدم الإباحة لاعتضادها بالأصل.
قال في النشر: حكى هذا القول القاضي عبد الوهاب - رحمهما الله ﷾ - في الملخص اهـ
وقيل: هما سواء، لتساوي مرجحيهما.
قال التاج السبكي - ﵀ ﷾ - في رفع الحاجب: والخلاف في ما إذا لم
_________________
(١) روى ابن أبي شيبة في مصنفه عن ابن مسعود - رضي الله ﷾ عنه - أنه قال: قد علموا أن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - إنما قنت شهرا.
(٢) العتاق بفتح العين: مصدر، وبكسرها: جمع عتيق.
[ ٢ / ٢١٧ ]
يكن للشيء أصل من حظر، ولا إباحة، واقتضى أحد الخبرين الحظر، والآخر الإباحة، مثل خبر عدي بن حاتم - رضي الله ﷾ عنه - في ما أكلت منه الجارحة أنه يحرم، مع خبر أبي ثعلبة الحنشي - رضي الله ﷾ عنه - في إباحة أكله، وأصح قولي الإمام الشافعي - ﵀ ﷾ - أنه لا يحل اعتمادا على هذا الأصل.
أما إذا كان للشيء أصل إباحة وأصل حظر، وأحد الخبرين يوافق ذلك الأصل، والآخر مخالفه، كان الناقل عن ذلك الأصل أولى، كتقديم الخبر في تحريم النبيذ على الخبر في تحليله اهـ
والجزم قبل الندب والذي نفى … حدا على ما الحد فيه ألفا
قوله - ﵀ ﷾ -: والجزم قبل الندب، معناه أن أمر الوجوب مقدم على أمر الندب، للاحتياط.
قوله: والذي نفى البيت، معناه أنه إذا تعارض نصان، وكان أحدهما يقتضي الحد، والآخر ينفيه، قدم نافي الحد، لأن الحدود تدرأ بالشبهات، وهذا مستثنى من تقديم المثبت. … وقيل: يقدم موجب الحد، لإفادته التأسيس.
قال التاج السبكي - ﵀ ﷾ - في رفع الحاجب: وفي وجه لأصحابنا أنهما سواء، لأن الشبهة لا تؤثر في ثبوته شرعا، ألا ترى أنه ثبت بخبر الواحد، والقياس، مع الشبهة فيهما، ولأن الحد إنما يسقط بالشبهة إذا كانت في نفس الفعل، فيبيحه قوم، ويحظره آخرون، كالوطء في النكاح بلا ولي ولا شهود، وليس هنا اختلاف في نفس الفعل، وإنما تعارض الخبران فيه، فكانا سواء، ونظيره من عرف تحريم الخمر، وجهل أنه موجب للحد، ولا يجعل جهله بإيجاب الحد شبهة اهـ
ومثل الحد في ما ذكر التعزير كما في النشر.
ما كان مدلول له معقولا … وما على الوضع أتى دليلا
معنى أول الشطرين، أن ما عقل معناه، مقدم على ما لم يعقل معناه، لأن عقل المعنى أغلب في الأحكام، مع أنه أدعى للقبول، وأفيد بالقياس عليه، ومحل هذا غير أبواب التعبد، إذ الأغلب فيها خلاف ذلك.
[ ٢ / ٢١٨ ]
قال البناني - ﵀ ﷾ -: قد يستشكل تصوير ذلك، إذ لا يتصور التعارض إلا عند اتحاد المتعلق، إذ مع اختلافه لا تعارض، كما هو ظاهر، فإذا عقل المعنى من أحد الخبرين صار معقولا مطلقا، فلا يتصور أن يكون معقولا في أحدهما غير معقول في الآخر اهـ
وهذا سهو بين، إذ الموضوع أنهما متعارضان، فكيف يلزم من عقل معنى أحدهما عقل الآخر.
قال الشربيني - ﵀ ﷾ -:
فيه - يعني ما ذكره البناني - أنه يعقل المعنى إذا قيل: يجوز القصر للمسافر، وهو التخفيف، دون ما إذا قيل: يمتنع القصر عليه، فيقدم الأول، لكن يكون هذا مستثنى من تقديم الحظر، على الإباحة.
ويمكن أن يتصور بنحو: تقطع يد السارق، ويقتل السارق، فإن الأول معقول المعنى دون الثاني.
ومعنى الشطر الثاني، أن الخبر الدال على الوضع، مقدم على الخبر الدال على التكليف، لأن الوضع لا يتوقف على الفهم، ولا أهلية الخطاب، ولا التمكن من الفعل، قال الشربيني - ﵀ ﷾ -: مثاله ما لو ورد: يجب تبييت النية ليلا، وورد: يصح التبييت ليلا، فإن حمل على الاول، أثم من تركه ليلا، أو على الثاني لم يأثم اهـ
وقيل يقدم التكليفي لترتب الثواب عليه، ولأنه أغلب، وبه صدر ابن الحاجب - ﵀ ﷾ - في المختصر.
ترجيح الإجماعات
قال في النشر: أي: ترجيح الإجماع على النص، وترجيح بعض الإجماعات على بعض.
رجح على النص الذي قدُ اُجمعا … عليه والصحبي على من تبعا
كذاك ما انقرض عصره وما … فيه العموم وافقوا من علما
معناه أن الإجماع القطعي، يقدم على النص، لأن الإجماع مأمون النسخ دون النص،
[ ٢ / ٢١٩ ]
كما تقدم في قوله - ﵀ ﷾ -:
وقدمنَّه على ما خالفا … إن كان بالقطع يرى متصفا
وإذا توهم المجتهد تعارض إجماعين، قدم إجماع الصحابة - رضي الله ﷾ عنهم أجمعين - على إجماع التابعين، ويقدم إجماع التابعين على إجماع من بعدهم، وهكذا كل إجماع مع ما بعده، وعبارة ابن الحاجب - ﵀ ﷾ -: والإجماع على ما بعده اهـ
ويقدم الإجماع الذي انقرض عصره، على غيره، لما تقدم من الاختلاف في اشتراط انقراض العصر.
ويقدم الإجماع الذي وافق فيه العوام المجتهدين، على ما خالفوا فيه، لما تقدم أيضا من الخلاف في اشتراط موافقتهم.
وظاهر ابن الحاجب - ﵀ ﷾ - تقييد تعارض الإجماعين بالظنيين، ونحوه للرازي - ﵀ ﷾ - في المحصول، ونصه:
وأما الإجماع فإن كانا قطعيين لم يقبل الترجيح، وإن كان أحدهما قطعيا والآخر ظنيا، لم يقبل الترجيح، لأن الإجماع المعلوم، مقدم على الإجماع المظنون، أما إذا كانا مظنونين فهذا يقع على وجهين:
أحدهما: الإجماعان المختلف فيهما عند المجتهدين، كالإجماع الذي يحدث عن قول البعض، وبسكوت الباقين.
وثانيهما: الإجماع المنقول بطريق الآحاد، فهذان القسمان في محل الترجيح اهـ
ولم يرتض التاج السبكي - ﵀ ﷾ - في رفع الحاجب ما قاله ابن الحاجب - ﵀ ﷾ - ونصه:
تعارض الإجماعين في نفس الأمر مستحيل، سواء كانا ظنيين أم قطعيين، وما قاله بعض الشروح أنه إذا نقل بخبر الواحد، فقد لا يطلع عليه أهل العصر الثاني، فيجمعون على خلافه، ليس بصحيح، فإنه وإن لم يطلعوا عليه فالله - ﷾ - قد عصمه أن يجمعوا على خلافه، لأنه بالإجماع عليه حق، فلو أجمعوا على خلافه لأجمعوا على باطل،
[ ٢ / ٢٢٠ ]
سواء أعلموا بأنه تقدمهم إجماع أم لا، فظن تعارض الإجماعين، ممكن، سواء أكانا في القطعيين أم الظنيين اهـ
قال الشربيني - ﵀ ﷾ -: فإن قلت: ظن تعارض الإجماعين، كيف حصل مع العلم بعدم إمكانه؟
قلت: قال المصنف - ﵀ ﷾ - في منع الموانع - على قوله في ما سبق: فإن توهم التعادل إلخ، ما حاصله أنه إنما عدل عن لفظ الظن إلى لفظ التوهم، لأن المجتهد إذا اشتبه عنده أمر حديثين، فهو يحسبهما متعارضين، ويعلم أنه لا تعارض في نفس الأمر، وأن حسبانه ناشئ إما عن اختلال فهمه، أو اختلال السند، أو غير ذلك، ولا يهتدي إلى تعيين تلك الجهة التي أتى منها، ولو اهتدى لم يتوهم التعارض اهـ
فيقال هنا بمثله، وأن ظن التعارض مبني على ظاهر حال المنقول إلينا، من صحة سنده، وظاهر حال فهم المجتهد من عدم اختلاله اهـ
والله ﷾ أعلم بالصواب.
ترجيح الأقيسة والحدود
الترجيح في القياس يرجع إلى الأصل، أو الفرع، أو العلة، أو المدلول، أو الخارج.
بقوة المثبت ذا الأساس … أي: حكمه الترجيح للقياس
يعني أن مما يرجح به القياس، على القياس المعارض له، كون دليل حكم الأصل في أحدهما أقوى من دليل حكم الأصل في الآخر، ككون حكم أحدهما مدلولا عليه بمنطوق، أو نص، وحكم الآخر مدلولا عليه بمفهوم، أو ظاهر، ونحو ذلك.
وكونه موافق السَّنن، عن … بالقطع بالعلة أو غالب ظن
قوله - ﵀ ﷾ -: وكونه موافق السنن، معناه أن مما يرجح به القياس، على القياس المعارض له، كونه على سنن القياس دون مقابله، والمراد بسنن القياس هنا: كون الفرع من جنس الأصل.
ومثله أبو الوليد الباجي - ﵀ ﷾ - بقياس المالكية قتل البهيمة
[ ٢ / ٢٢١ ]
الصائلة، على الصائل من الآدمي، في عدم الضمان، فهو مقدم على قول الحنفية: عليه الضمان، لأن من أبيح له إتلاف مال غيره دون إذنه، لدفع ضرر عنه، يجب عليه الضمان، أصله لو اضطر إلى أكله للجوع، لأن الأول قياس صائل على صائل، بخلاف الثاني.
وقوله - ﵀ ﷾ -: عن بالقطع بالعلة أو غالب ظن، معناه أن مما يرجح به القياس، على القياس المعارض له، كون علته مقطوعا بوجودها في الأصل، دون مقابله، وكون الظن بوجود العلة في الأصل أغلب، من ظن وجودها في أصل القياس الآخر، وقوله - ﵀ ﷾ -: عن، معناه: عرض.
وقوة المسلك ولتقدما … ما أصلها تتركه معمما
قوله - ﵀ ﷾ -: وقوة المسلك، معناه أن مما يرجح به القياس على القياس المعارض له، كون مسلك علته أقوى من مسلك علة مقابله، ككون مسلك إحداهما الإجماع، ومسلك غيرها غيره، وقد تقدم بيان ترتيب المسالك.
قوله - ﵀ ﷾ -: ولتقدما ما أصلها إلخ، فسره في النشر بأن العلة العامة الأصل بأن توجد في جميع جزئياته، مقدمة على غيرها، لأنها أكثر فائدة، قال جلال الدين المحلي - ﵀ ﷾ -: كالطعم: العلة عندنا في باب الربا، فإنه موجود في البر - مثلا - قليله وكثيره، بخلاف القوت اهـ
والذي يظهر من النظم أن المراد أن العلة التي تعود على أصلها بالتعميم، أرجح من التي تعود عليه بالتخصيص، وهو صحيح أيضا، فقد ذكر أبو الوليد الباجي ﵀ ﷾ في الإشارة أن العلة التي لا تعود على أصلها بالتخصيص، مقدمة على العلة التي تعود على أصلها بالتخصيص، ونصه في باب ترجيح المعاني: الثاني أن تكون إحدى العلتين لا تعود على أصلها بالتخصيص، والثانية تعود على أصلها بالتخصيص، فالتي لا تعود على أصلها بالتخصيص أولى، لأن التعلق بالعموم أولى استنباطا ونطقا اهـ
إلى أن قال: والثامن أن تكون إحداهما لا تعم فروعها، والأخرى تعم فروعها، فتكون العامة أولى، لأن كثرة الفروع تجري مجرى شهادة الأصول لها اهـ
ثم قال: والتاسع أن تكون إحدى العلتين عامة، والأخرى خاصة، فتكون العامة
[ ٢ / ٢٢٢ ]
أولى، لأن كثرة الفروع تجري مجرى شهادة الأصول لها اهـ
وقد ساق ذلك شهاب الدين القرافي ﵀ ﷾ عنه في التنقيح مختصرا.
وذات الانعكاس واطراد … فذات الاخر بلا عناد
معناه أن القياس بعلة مطردة منعكسة، أرجح من القياس بعلة مطردة فقط، أو منعكسة فقط، للاختلاف فيهما، والقياس بالعلة المطردة فقط، أرجح من القياس بالعلة المنعكسة فقط، لأن ضعف الثانية أشد.
وعلة النص وما أصلان … لها كما قد مر يجريان
قوله - ﵀ ﷾ -: وعلة النص، معناه أن القياس الذي علته منصوصة، مقدم على القياس الذي علته مستنبطة.
قال في نثر الورود: وهذا تكرار مع قوله - ﵀ ﷾ -: بقوة المسلك اهـ
وهو ظاهر.
قوله - ﵀ ﷾ -: وما أصلان إلخ، معناه أن القياس الذي علته مأخوذة من دليلين، أو أكثر، مقدم على القياس الذي ليس لعلته إلا دليل واحد.
قال في النشر: مثاله: أنه ورد عنه - صلى الله تعالى عليه وسلم - تضمين الغاصب، وتضمين المستعير من الغاصب، وكل منهما يستنبط منه أن العلة في ضمان مال الغير وضع اليد عليه، ولو لغير تملك، فيرجح ذلك على ما قال الإمام أبو حنيفة - ﵀ ﷾ - من كون العلة وضع اليد للتملك، وإن صح استنباط ذلك من تضمين مستلم السلعة.
قال: والترجيح بكثرة الأصول، من باب الترجيح بكثرة الأدلة اهـ
في كثرة الفروع خلف قد ألم
معناه أنه اختلف في العلتين المتعديتين، إذا كانت إحداهما أكثر فروعا، هل ترجح بذلك على العلة التي هي أقل منها فروعا، فمن قال بترجيح المتعدية على القاصرة، قال بالترجيح بذلك، ومن لم ير ترجيح المتعدية لم ير الترجيح بذلك.
وما تقلل تطرق العدم
[ ٢ / ٢٢٣ ]
أراد - ﵀ ﷾ - بهذا أن العلة الأقل أوصافا، مقدمة على مقابلتها، فذات الوصف الواحد، مقدمة على المركبة من وصفين، والمركبة من وصفين مقدمة على المركبة من ثلاثة، وهكذا لأن الأوصاف كلما قلت، قل تطرق احتمال العدم.
وقال أبو الوليد الباجي - ﵀ ﷾ - في الإشارة: ولأن كل وصف يحتاج في إثباته إلى ضرب من الاجتهاد، وكلما استغنى الدليل عن كثرة الاجتهاد كان أولى اهـ
وقيل: بالعكس، لأن اشتراك الفرع مع الأصل في أمور كثيرة، أبلغ دلالة على الشبه والاستواء من عكسه.
ذاتيةً قدِّم وذات تعديه … وما احتياطا علمت مقتضيه
قوله - ﵀ ﷾ -: ذاتية قدم، معناه أن العلة الذاتية، مقدمة على العلة الحكمية، والذاتية هي الوصف القائم بالذات، كالإسكار في الخمر، والطعم في الطعام، وقدم السمعاني - ﵀ ﷾ – الحكمية، كالطهارة، والحرمة، على الذاتية، لأن الحكم بالحكم أشبه.
قوله - ﵀ ﷾ -: وذات تعديه، معناه أن العلة المتعدية أرجح عند الجمهور من العلة القاصرة، للاختلاف في جواز التعليل بالقاصرة، ولأن المتعدية أفيد بالإلحاق بها، ورجح أبو إسحاق الإسفرائيني - ﵀ ﷾ - القاصرة، لأن الخطأ فيها أقل، وقال القاضي - ﵀ ﷾ - هما سواء.
قوله - ﵀ ﷾ -: وما احتياطا إلخ، معناه أن العلة التي يتضمن الإلحاق بها احتياطا في الواجب، مقدمة على ما لا تقتضيه، كتعليل نقض الوضوء بمطلق المس، مع تعليله بالمس لشهوة، فالتعليل بمطلق المس، أحوط في تحصيل الطهارة، التي هي شرط.
وقدمنْ ما حكم أصلها جرى … معللا وفقا لدى من غبرا
معناه أن العلة المتفق على تعليل حكم أصلها، مقدمة على العلة المختلف في تعليل حكم أصلها، للاختلاف في الثانية.
[ ٢ / ٢٢٤ ]
بعد الحقيقي أتى العرفي … وبعد هذين أتى الشرعي
معناه أن الوصف الحقيقي، مقدم على الوصف العرفي، والوصف الحقيقي: هو ما يتعقل في نفسه من غير توقف على عرف، أو شرع.
ويقدم الوصف العرفي، على الوصف الشرعي، للاختلاف في التعليل بالشرعي كما تقدم.
وفي الحدود الأشهر المقدم
هذا شروع في ترجيح الحدود، والمقصود هنا الحدود الشرعية، كحدود الاحكام، لا حدود الماهية العقلية، إذ لا يتعلق بها هنا غرض.
والمعنى أن الحد الأشهر - والمراد به الأوضح - مقدم على الواضح.
قال في النشر: قال اللقاني - رحمهما الله ﷾ -: وذلك بأن يكون المعرف في أحدهما شرعيا، وفي الآخر حسيا، أو عقليا، أو لغويا، أو عرفيا، فالحسي أولى من غيره، والعقلي من العرفي، ومن الشرعي، كما في الآيات البينات اهـ
ومعنى هذا أن الاوضحية راجعة إلى نوع المعنى المعرف به، لا اللفظ المعرف به.
قال في النشر: والحد عند أهل الأصول يشمل الحد والرسم عند أهل المنطق اهـ
وما صريحا أو أعم يعلم
قوله - ﵀ ﷾ -: وما صريحا، معناه أن الحد باللفظ الصريح، يقدم على ما ليس كذلك، لتجوز، أو اشتراك مع انتصاب القرينة على المقصود، لأن القرينة وإن اتضحت قد يطرقها الخفاء.
وقوله - ﵀ ﷾ -: أو أعم، معناه أن الحد الأعم، يقدم على الحد الأخص، لأن التعريف بالأعم أفيد لكثرة المسمى فيه، وقيل: يرجح الأخص أخذا بالمحقق.
وما يوافق لنقل مطلقا
معناه أن الحد الموافق للنقل - شرعا أو لغة - يقدم على مقابله، لأن التعريف بما يخالفهما، إنما يكون لنقل عنهما، والأصل عدمه.
ويقدم موافق نقل الشرع، على موافق نقل اللغة.
[ ٢ / ٢٢٥ ]
… والحد سائر الرسوم سبقا
معناه أن التعريف بالحد - تاما كان أو ناقصا - مقدم على التعريف بالرسم - تاما أو ناقصا - لأن التعريف بالحد، تعريف بالذاتيات، والتعريف بالرسم تعريف بالعرضيات.
وقد خلت مرجحات فاعتبر
معناه أن المرجحات سبق منها كثير، ترك ذكره هنا حذرا من التكرار، منها تقديم بعض المنطوق على بعض، وتقديم بعض توابعه على بعض، وتقديم بعض المفاهيم على بعض، وتقديم بعض ما يخل بالفهم على بعض، وتقديم بعض محامل الألفاظ على بعض، وغير ذلك كثير.
والمرجحات لا تنحصر في ما ذكر في هذا الباب، ولا في ما ذكر في عامة النظم، كما أشار إليه - ﵀ ﷾ - بقوله:
واعلم بأن كلها لا ينحصر
ومثارها قوة الظن، كما أشار إليه - ﵀ ﷾ - بقوله:
قطب رحاها قوة المظنه … فهْي لدى تعارض مئنه
وقطب الرحى مثلث القاف، وهو الحديدة التي في الطبق الأسفل من الرحيين يدور عليها الطبق الأعلى، وقطب القوم: سيدهم الذي يدور عليه أمرهم، وصاحب الجيش: قطب رحى الحرب.
والمظنة - بكسر الظاء -: موضع الظن، والمئنة بوزنه: العلامة، والمظنة.
قال في نثر الورود: وكون قوة الظن، مئنة الترجيح، أمر أغلبي، لأن المرجح قد يكون قطعيا، وقد يكون الترجيح بمجرد الظن، دون غلبة اهـ
والله ﷾ أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب.