السنة لغة: الطريقة المسلوكة، وأصلها من قولهم: سننت الشيء بالمسن، إذا أمررته عليه حتى يؤثر فيه سنا، أي: طريقا.
وقال الكسائي - ﵀ سبحانه وتعالي -: معناها الدوام، فقولنا: سنة، معناه الأمر بالإدامة من قولهم: سننت الماء إذا واليت في صبه، قاله في الإرشاد.
وكأن من الأخير السنة بمعنى العادة، كقوله ﷾ جل من قائل: (سنة الله التي قد خلت في عباده)
وأما اصطلاحا: فتطلق في مقابلة البدعة، فتعم الشرع، ومن ذلك قوله صلى الله تعالى عليه وسلم: " عليكم بسنتي " (^١) وتطلق في مقابلة الواجب، ومعناها عند المالكية ما أشار إليه ﵀ ﷾ في ما سبق بقوله:
وسنة: ما أحمد قد واظبا … عليه، والظهور فيه وجبا
وتطلق عند الأصوليين على أقوال النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - وأفعاله، وتقريراته.
وهي بهذا المعنى هي المذكورة في حديث " تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما: كتاب الله ﷾ وسنتي، ولن يتفرقا حتى يردا علي الحوض " (^٢) وتتناول عند علماء الأثر - زيادة على ذلك - صفاته - صلى الله تعالى عليه وسلم - وعلى اصطلاحهم وقع تعريف الشيخ ﵀ ﷾ حيث قال:
وهي ما انضاف إلى الرسول … من صفة، كليس بالطويل
والقول والفعل وفي الفعل انحصر … تقريره كذي الحديث والخبر
وتدخل في القول الكتابة، ككتابه لعمرو بن حزم المعروف.
_________________
(١) جزء من حديث العرباض - رضي الله ﷾ عنه - الذي رواه أبو داوود وابن ماجة والدارمي والإمام أحمد، وهو حديث صحيح.
(٢) رواه الإمام مالك بلاغا، والحاكم موصولا بإسناد حسن.
[ ٢ / ٢ ]
وتدخل في الفعل الإشارة، كإشارته على أبي بكر - رضي الله ﷾ عنه - أن كما أنت (^١).
وإشارته برأسه حين قالت له عائشة - رضي الله ﷾ عنها - في مسواك بيد أخيها: آخذه لك؟ (^٢).
والهم، ويعرف بالقرائن، كما روي من همه حين استسقى وعليه خميصة سوداء أن يأخذ بأسفلها فيجعله أعلاها، فثقلت عليه، فقلبها على عاتقه (^٣).
وكهمه أن يلعن الذي هم بالمجح قبل الاستبراء لعنا يدخل معه قبره (^٤).
والتقرير، كما أشار إليه ﵀ ﷾ بقوله: وفي الفعل انحصر تقريره، فإذا فُعل شيء بحضرته وسكت عليه، أو بغير حضرته وعلم به، وسكت عليه، دل ذلك على أنه غير محرم.
وكذلك سكوته على القول أيضا، فهو تقرير لمضمونه.
وقوله - ﵀ ﷾ -: كذي الحديث والخبر، معناه أن السنة يرادفها الحديث والخبر.
ولما كانت حجية السنة متوقفة على العصمة بدأ بها، فقال:
والانبياء عصموا مما نهوا … عنه
والمعنى أن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - وغيره من الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - معصومون من الوقوع في الذنوب بالإطلاق، فلا يصدر منهم ذنب، لا كبيرة ولا صغيرة، لا عمدا ولا سهوا، ومعصومون أيضا من الوقوع في المكروه، لندور صدوره من الأولياء، فكيف بالأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - ـ
ولم يكن لهم تفكه
_________________
(١) متفق عليه.
(٢) رواه البخاري.
(٣) رواه أبو داوود والإمام أحمد، وهو حديث صحيح.
(٤) رواه مسلم وأبو داوود والدارمي والإمام أحمد.
[ ٢ / ٣ ]
بجائز بل ذاك للتشريع … أو نية الزلفى من الرفيع
التفكه: التلذذ، والتمتع، والزلفى: القربة والمنزلة.
والمعنى أن الأنبياء - على نبينا وعليهم أفضل الصلاة وأتم التسليم - لا يفعلون المباح تلذذا به وتشهيا، وإنما يفعلون ذلك بنية التقوي على الطاعات، والتشريع لأممهم، فأفعالهم كلها طاعات وقرب، ولا لغو في فعلهم، كما لا لغو في قولهم، عليهم أفضل الصلاة وأتم التسليم.
فالصمت للنبي عن فعل عَلِم … به جواز الفعل منه قد فُهِم
معناه أن سكوت النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - على فعل علم به من غيره - سواء كان بحضوره أو لا - يستلزم جوازه، إذ لا يسكت - صلى الله تعالى عليه وسلم - على غير جائز، لوجوب تغيير المنكر عليه مطلقا.
وقيل: إنما يدل على الجواز، إذا لم يكن الفاعل كافرا، بناء على عدم خطابهم بالفروع.
واختلف القائلون به في المنافق، فألحقه بعضهم بالمسلم، لأنه في معناه من هذا الوجه، معاملة له بما يُظهر، ومنهم من ألحقه بالكافر.
وقيل: يدل على الجواز، ما لم يكن الفاعل ممن يغريه النهي.
ومذهب الجمهور أن ذلك يدل على الجواز في حق الفاعل وغيره، لأن الأصل استواء المكلفين، وذهب القاضي ﵀ ﷾ إلى أنه إنما يدل على الجواز في حق الفاعل خاصة، إذ لا عموم للفعل.
ومقتضى التعليل أن سكوته لا ينافي المرجوحية، وهو أبين.
وربما يفعل للمكروه … مبيِّنا أنهُ للتنزيه
فصار في جانبه من القُرَبْ … كالنهي أن يشرب من فم القِرَبْ
معناه أنه صلى الله تعالى عليه وسلم قد يفعل الجائز المرجوح، لبيان جوازه، كشربه من فم السقاء (^١) مع نهيه عنه، (^٢)
_________________
(١) رواه الترمذي من حديث كبشة بنت ثابت وابن ماجة والإمام أحمد، وهو حديث صحيح.
(٢) رواه البخاري وابن ماجة والدارمي والإمام أحمد.
[ ٢ / ٤ ]
وشربه قائما (^١) مع نهيه عن الشرب من القيام، (^٢) ووضوئه مرة مرة، (^٣) ومرتين مرتين، (^٤) وصلاته في آخر الوقت، في حديث " ما بين هذين وقت " (^٥) فصار في حقه صلى الله تعالى عليه وسلم قربة، لوجوب البيان عليه صلى الله تعالى عليه وسلم.
وفعله المركوز في الجِبِلَّه … كالاكل والشرب فليس مِلَّه
من غير لمح الوصف والذي احتمل … شرعا ففيه قل تردد حصل
فالحج راكبا عليه يجري … كضجعة بعد صلاة الفجر
الجبلة - بكسر الجيم، والباء، وفتح اللام مشددة ـ: الخلقة والطبيعة، والملة - بكسر الميم وفتح اللام مشددة ـ: الشريعة.
والمعنى أن فعل النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - ينقسم إلى جبلي، وغيره.
فالجبلي كالأكل، والشرب، والنوم، والقيام، والقعود، لا يعتبر تشريعا، لاستلزام الجبلة له، فلا يقتضي أكثر من الجواز، ولا يؤمر بالتأسي به فيه، ونقل القاضي أبو بكر الباقلاني ﵀ ﷾ عن قوم أنه مندوب، وكذا حكاه أبو حامد الغزالي ﵀ ﷾ في المنخول، وقد كان عبد الله بن عمر - رضي الله ﷾ عنهما - يتتبع مثل هذا، ويقتدي به، كما هو معروف عنه، منقول في كتب السنة المطهرة، قاله في الإرشاد.
وهذا بالنظر إلى أصل الفعل، وأما بالنظر إلى الوجه الخاص الذي وقع عليه، منه - صلى الله تعالى عليه وسلم - فهو تشريع مأمور بالتأسي به فيه، ككونه يمشي كالمنحط من صبب، (^٦) وكونه ينام في الوقت كذا.
_________________
(١) متفق عليه.
(٢) رواه مسلم.
(٣) رواه البخاري وأبو داوود والترمذي والسائي وابن ماجة والدارمي والإمام أحمد كلهم من حديث ابن عباس - رضي الله ﷾ عنهما ـ.
(٤) متفق عليه من حديث عبد بن زيد بن عاصم - رضي الله ﷾ عنه ـ.
(٥) رواه النسائي، والإمام مالك، والإمام أحمد، وهو حديث صحيح.
(٦) رواه الترمذي والإمام أحمد، وهو حديث صحيح.
[ ٢ / ٥ ]
قال في النشر كما حكاه الباجي - رحمهما الله ﷾ عن بعض أهل المذهب.
واختلف في فعله صلى الله تعالى عليه وسلم المحتمل للتشريع والجبلة، بأن كانت الجبلة تقتضيه، ووقع متعلقا بعبادة، كحجه راكبا، (^١) ودخوله مكة المكرمة من كداء من الثنية العليا، وخروجه من الثنية السفلى، (^٢) ودخوله المسجد الحرام من باب بني شيبة، (^٣) ونزوله بالمحصب، (^٤) واضطجاعه بعد ركعتي الفجر، (^٥) ورجوعه في العيد مع طريق غير الطريق الذي سلك في ذهابه، (^٦) على أصل الاختلاف في تعارض الأصل والظاهر.
وقد اختلف القول في هذه الأمور بحسب ما يقوم عند كل مجتهد من القرائن، ومذهبنا في الضجعة الكراهة، وفي الركوب في الحج الاستحباب، وكذلك دخوله من كداء، وخروجه من كدى، ونزوله بالمحصب، ودخول المسجد الحرام من باب بني شيبة، ومخالفته طريق ذهابه في العيد.
وغيره وحكمه جلي … فالاستوا فيه هو القوي
من غير تخصيص
معناه أن غير الجبلي، وغير المتردد بين الجبلي والتشريعي، من أفعاله صلى الله تعالى عليه وسلم - وهو التشريعي بلا تردد - إما أن يعلم حكمه من وجوب، أو استحباب، أو إباحة، أو لا.
فإن علم، فمذهب الجمهور أن أمته مثله، ما لم يدل دليل على اختصاصه به، كتزوج أكثر من أربع.
وقيل: أمته مثله في العبادات خاصة.
_________________
(١) متفق عليه بل متواتر.
(٢) متفق عليه.
(٣) رواه الطبراني وفي إسناده ضعف، ورواه البيهقي في السنن الكبرى عن عطاء - رحمهما الله ﷾ وقال: وهذا مرسل جيد.
(٤) متفق عليه.
(٥) متفق عليه.
(٦) رواه البخاري.
[ ٢ / ٦ ]
وقيل: بالوقف، وقيل: لا يكون شرعا لنا مطلقا إلا بدليل خاص.
وإن لم يعرف، فهو ما سيشير إليه ﵀ ﷾ بقوله:
وكل ما الصفة فيه تجهل … ألبيت
وأشار ﵀ ﷾ إلى الأمارات التي يعرف به حكم الفعل، بقوله:
وبالنص يُرى … وبالبيان وامتثال ظهرا
وللوجوب عَلَمُ النداء … كذاك قد وُسم بالقضاء
والترك إن جلب للتعزير … وسْم للاستقرا من البصير
وما تمحض لقصد القرب … عن قيد الايجاب فسيمى الندب
والمعنى أن حكم فعله صلى الله تعالى عليه وسلم يعرف بوجوه:
منها نصه على حكمه، كأن يقول: هذا واجب، أو هذا مستحب، أو هذا مباح، وهذا هو المراد بقوله ﵀ ﷾: وبالنص يرى.
ومنها كونه بيانا لمعلوم الحكم مجهول الصفة، فيكون على حكمه، ويعرف كونه بيانا له بقول أو قرينة.
ومنها وقوعه امتثالا لأمر علم الحكم فيه.
وأورد على هذين الوجهين أنه إذا كان الحكم قد عرف بالقول، فما الفائدة من النظر إلى وقوع الفعل بيانا أو امتثالا؟
والجواب في المسألة الأولى: أن الموضوع عدم معرفة المأمور به في القول المبين - بفتح الياء - إذ لو عُرف الحكم، وعُرف المراد، لم يكن فيه إجمال حتى يبينه الفعل، والفرض أن الفعل مبين.
وأما في المسألة الثانية فالجواب عنها أيضا أن موضوعها القول المحتمل لخصوص ذلك الفعل وغيره، فلو لا القرينة الدالة على الارتباط بينهما، لكان الفعل شرعا مستقلا.
ومنها الأذان بالنسبة للصلاة، فقد دل الاستقراء على اختصاصه بالمفروضة، بخلاف ما لا يؤذن لها، كالعيد والاستسقاء، فعدم الأذان يدل على عدم الوجوب إلا لدليل خاص، كما في النافلة المنذورة، وذلك هو قوله ﵀ ﷾: وللوحوب علم النداء.
[ ٢ / ٧ ]
ومنها أيضا القضاء، فغير الواجب لا قضاء فيه عندنا، كما أشار إليه سيدي خليل ﵀ ﷾ بقوله: ولا يقضى غير فرض إلا هي - يعني ركعتي الفجر - وهذا أحد أقوال ثلاثة في المذهب، وهو المشهور.
والقولان الآخران: القضاء مطلقا، وعدمه مطلقا.
ومذهب الإمام الشافعي ﵀ ﷾ قضاء ذوات السبب، وإلى هذا أشار ﵀ ﷾ بقوله: كذاك قد وسم بالقضاء.
ومنها التعزير على الترك، فغير الواجب لا لوم على تاركه، وذلك هو قوله ﵀ ﷾: والترك إن جلب للتعزير البيت.
وقوله: للاستقرا، تعليل لكون التعزير علامة على الترك، أي: وإنما كان التعزير على الترك علامة على وجوب الفعل، للاستقراء، فلا يعرف أنه صلى الله تعالى عليه وسلم عزر على غير واجب، ومن التعزير العتاب واللوم، كما هو قول سيدي خليل ﵀ ﷾: وعزر الإمام لمعصية الله ﷾ حبسا، ولوما، وبالإقامة، ونزع العمامة، وضرب بسوط، أو غيره اهـ
ومن علامات الاستحباب عند بعضهم: تمحض الفعل للقربة، كالصلاة، والصوم، والذكر، مع تجرده عن قرائن الوجوب، وسيأتي ذكر الاختلاف فيه في مجهول الحكم الذي أشار إليه ﵀ ﷾ بقوله:
وكل ما الصفة فيه تجهل … فللوجوب في الأصح يجعل
وقيل معْ قصد التقرب وإن … فُقِد فهْو بالاباحة قمن
ومعنى أول البيتين، أن فعله - صلى الله تعالى عليه وسلم - الذي لم يعلم حكمه، الأصح حمله على الوجوب في حقه - صلى الله تعالى عليه وسلم - وفي حقنا، لأنه أحوط. … قال في النشر: وهو الذي ذهب إليه الإمام مالك - ﵀ سبحانه وتعالي- والأبهري، وابن القصار - رحمهما ﷾ وبعض الشافعية، وأكثر أصحابنا، وبعض الحنفية، وبعض الحنابلة اهـ
ولا فرق على هذا القول بين ما ظهر فيه قصد القربة، وبين غيره، كما اقتضاه قوله:
[ ٢ / ٨ ]
وقيل معْ قصد التقرب وإن … فقد فهو بالاباحة قمن
ومعناه أن الفعل المجهول الحكم، منهم من فصل فيه، فقال: إن ظهر فيه قصد القربة، حمل على الوجوب، وإن لم يظهر فيه كان للإباحة، ونسبه الشيخ - ﵀ سبحانه وتعالي - في النشر لأبي الوليد الباجي، تبعا لحلولو- رحمهما الله ﷾ - لكن أبو الوليد الباجي ﵀ ﷾ قسم الفعل إلى الجبليات والقرب، وذكر الجواز في الجبليات، والوجوب في القرب، والطريقة التي سلك الناظم ﵏ ﷾ أجمعين - قسمته إلى جبلي، وتشريعي، وينقسم إلى قرب وغيرها.
ولذلك ذكروا فيه الإباحة، فتقسيم أبي الوليد الباجي﵀ ﷾ - ساكت عن التشريعي الذي ليس بقربة، فالغالب على الظن أن العزو له في ذلك غلط، منشأه عدم التأمل للاختلاف في التنويع.
وقد رُوِي عن مالك الاخير … والوقف للقاضي نمى البصير
أشار ﵀ ﷾ إلى أن الإمام مالكا ﵀ ﷾ نقل عنه في مجهول الصفة، الحمل على الإباحة، ولو ظهر منه قصد القربة، كما في المحصول على ما في الإرشاد.
قال: ولم يحك الجويني - رحمها الله ﷾ قول الإباحة هاهنا، لأن قصد القربة لا يجامع استواء الطرفين، لكن حكاه غيره، كما قدمنا عن الرازي ﵀ ﷾ وكذلك حكاه ابن السمعاني، والآمدي، وابن الحاجب ﵏ ﷾ حملا على أقل الأقوال اهـ
وهو عزو غريب قال في الإبهاج:
فإن قلت: فكيف يتجه جريان قول بالإباحة في ما يظهر فيه قصد القربة، فإن القربة لا تجامع استواء الطرفين؟
قلت: النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - قد يقدم على ما هو مستوي الطرفين، ليبين للأمة جواز الإقدام عليه، ويثاب صلى الله تعالى عليه وسلم بهذا القصد، وهذا الفعل، وإن كان مستوي الطرفين، فيظهر في المباح قصد القربة بهذا الاعتبار، ولا يتجه جريان القول
[ ٢ / ٩ ]
بالإباحة إلا بهذا التقريب، على أنا لم نر من المتقدمين من صرح بحكايته في هذا القسم، أعني السادس وهو ما ظهر فيه قصد القربة، نعم حكاه الآمدي ﵀ ﷾ ومن تلقاه منه، ولا مساعد للآمدي على حكايته، وأنا قد وقفت على كلام القاضي ﵀ ﷾ فمن بعده اهـ
وفي عزو القول أيضا بوجوب ما لم يظهر فيه قصد القربة، غرابة بينة، وتفاريع أهل المذهب على خلافه.
قوله: والوقف للقاضي نمى البصير، أشار ﵀ ﷾ به إلى أن القاضي ﵀ ﷾ نُسب له الوقف في مجهول الصفة من أفعاله - صلى الله تعالى عليه وسلم - ظاهره ظهر قصد القربة أو لا، وقد حكاه عن أبي الوليد الباحي ﵀ ﷾ في الأول، والله ﷾ أعلم.
وذكر الآمدي ﵀ ﷾ في الإحكام أن الخلاف في ما ظهر فيه قصد القربة، وما لم يظهر فيه واحد، غير أن القول بالوجوب والندب فيه - يعني ما لم يظهر فيه قصد القربة - أبعد مما ظهر فيه قصد القربة، والوقف والإباحة أقرب.
والناسخ الأخير إن تقابلا … فعل وقول متكررا جلا
معناه أنه إذا تقابل قول خاص به - صلى الله تعالى عليه وسلم - دال على التكرار، مع فعل، كان المتأخر منهما ناسخا للمتقدم، وذلك كأن يقول: صوم عاشوراء واجب علي في كل سنة، وأفطر فيه قبل ذلك أو بعده، فالمتأخر في ذلك من قوله وفعله - صلى الله تعالى عليه وسلم - ناسخ للمتقدم.
أما إذا تقدم القول فالأمر ظاهر، وأما إذا تأخر فالوجه في ذلك أن الفعل يدل على الجواز المستمر.
وأما إذا لم يكن القول دالا على التكرار، فإن تقدم الفعل، فالقول ناسخ، لما تقدم من دلالة الفعل على الجواز المستمر، وإن تأخر فلا نسخ، وذلك كأن يقول: صوم عاشوراء واجب علي في هذا العام، ثم يفطر فيه بعد ذلك.
والرأي عند جهله ذو خلف … بين مرجح ورأي الوقف
[ ٢ / ١٠ ]
معناه أنهم اختلفوا إذا جهل المتأخر منهما، فمنهم من رجح القول، لأنه أقوى من الفعل دلالة، لوضعه لها، والفعل إنما يدل بقرينة.
ومنهم من رجح الفعل، لأنه أقوى في البيان، ولذلك بين به القول.
ومنهم من توقف، وجعله التاج السبكي ﵀ ﷾ الأصح.
والقول إن خص بنا تعارضا … فينا فقط والناسخ الذي مضى
إن بالتأسي أذِن الدليل … والجهل فيه ذلك التفصيل
يعني أنه إذا كان القول خاصا بنا، كأن يقول صلى الله تعالى عليه وسلم: صوم عاشوراء واجب عليكم في كل سنة، وأفطر فيه صلى الله تعالى عليه وسلم قبل ذلك أو بعده، مع انتصاب القرينة على وجوب التأسي به في ذلك، كان التعارض خاصا بنا، ولا تعارض في حقه - صلى الله تعالى عليه وسلم - ويكون المتأخر منهما ناسخا في حقنا إن علم، وإن جهل فعلى الخلاف السابق من ترجيح القول، أو الفعل، والتوقف.
وإن لم تنتصب قرينة على شرع التأسي به صلى الله تعالى عليه وسلم في ذلك الفعل، اختص بنا القول، واختص به صلى الله تعالى عليه وسلم الفعل، ولا تعارض.
وإن يعم غيره والاقتدا … به له نص فما قبلُ بدا
معناه أن القول إذا كان يعمه صلى الله تعالى عليه وسلم على وجه صريح، كأن يقول - صلى الله تعالى عليه وسلم ـ: صوم عاشوراء واجب علي وعليكم دواما، فالتعارض واقع في حقه صلى الله تعالى عليه وسلم، وفي حقنا أيضا عند قيام الدليل على شرع التأسي به - صلى الله تعالى عليه وسلم - في الفعل.
فإن لم يدل دليل على شرع التأسي به - صلى الله تعالى عليه وسلم - فلا تعارض في حقنا.
ومن حصل في حقه التعارض يكون المتأخر من الأمرين ناسخا في حقه إن علم، وإن جهل فعلى الخلاف السابق.
وأما إذا كان عموم القول له - صلى الله تعالى عليه وسلم - ليس صريحا، كأن يقول - صلى الله تعالى عليه وسلم ـ: صوم عاشوراء واجب على كل الناس، وأفطر فيه، قبل ذلك
[ ٢ / ١١ ]
أو بعده أو جهل التاريخ، فلا تعارض حينئذ في حقه - صلى الله تعالى عليه وسلم - بل يكون الفعل مخصصا لعموم القول، وإلى هذا أشار ﵀ ﷾ بقوله:
في حقه القول بفعل خصا … إن يك فيه القول ليس نصا
واستظهر شيخ الإسلام ﵀ ﷾ أن الحكم كذلك أيضا إذا لم يكن القول ظاهرا في الخصوص ولا في العموم، كأن يقول - صلى الله تعالى عليه وسلم ـ: صوم عاشوراء واجب في كل سنة، وهو ظاهر لا خفاء فيه.
ولم يكن تعارض الأفعال … في كل حالة من الأحوال
معناه أنه لا تعارض بين فعل وفعل، تماثلا أو تخالفا، أمكن الجمع بينهما أو لا، إذ ليس للفعل عموم، فيجوز أن يكون الفعل في وقت واجبا، وفي مثله بخلاف ذلك.
قال في الإرشاد: هكذا قال جمهور أهل الأصول على اختلاف طبقاتهم، وحكى ابن العربي - ﵀ سبحانه وتعالي - في كتاب المحصول له ثلاثة أقوال: الأول التخيير، الثاني تقديم المتأخر، كالأقوال إذا تأخر بعضها، الثالث حصول التعارض وطلب الترجيح من خارج.
قال: كما اتفق في صلاة الخوف، صليت على أربع وعشرين صفة، قال مالك والشافعي - رحمهما الله ﷾ - إنه يرجح من هذه الصفات ما هو أقرب إلى هيئة الصلاة، وقدم بعضهم الأخير منها إذا علم.
وإن يك القول بحكم لامعا … فآخر الفعلين كان رافعا
والكل عند بعضهم صحيح … ومالك عنه رُوِي الترجيح
وحيث ما قد عدم المصير … إليه فالأولى هو التخيير
قوله ﵀ ﷾: وإن يك القول البيت، معناه أنه إذا صحب الفعلين قول يدل على ثبوت الحكم، كان ذلك كتعارض الأقوال، فيكون المتأخر ناسخا، كقوله - صلى الله تعالى عليه وسلم ـ: " صلوا كما رأيتموني أصلي " مع صلاته صلاة الخوف على أحوال مختلفة، فتكون الهيئة الأخيرة ناسخة لما قبلها.
وذهب القاضي ﵀ ﷾ إلى صحة كل تلك الهيئات، وإليه أشار ـ
[ ٢ / ١٢ ]
﵀ ﷾ بقوله: والكل عند بعضهم صحيح، وللإمام الشافعي ﵀ ﷾ ميل إليه. …
وروي عن الإمام مالك ﵀ ﷾ أنه يصار في ذلك للترجيح، فيرجح أقرب الهيئات في صلاة الخوف - مثلا - إلى صلاة الفرض، فإن لم يوجد مرجح فالحكم التخيير، وإلى هذا أشار ﵀ ﷾ ببقية الأبيات.
ولم يكن مكلفا بشرع … صلى عليه الله قبل الوضع
وهو والأمة بعدُ كُلفا … إلا إذا التكليف بالنص انتفى
وقيل: لا، والخلف في ما شرعا … ولم يكن داع إليه سمعا
يعني أن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - لم يكن متعبدا قبل البعثة بشريعة نبي من الأنبياء الذين قبله - عليه وعليهم أفضل الصلاة وأتم التسليم - وهذا هو المراد بأول الأبيات.
وأشار ﵀ ﷾ بقوله: وهو والأمة بعد كلفا، إلخ، إلى الاختلاف في شرع من قبلنا هل هو شرع لنا.
مذهب الإمام مالك ﵀ ﷾ وجمهور أصحابه، وأكثر الشافعية، وأكثر الحنفية، واختاره الرازي، والشيخ أبو إسحاق، وابن الحاجب ﵏ ﷾ أنه شرع لنا.
قال ابن السمعاني: وقد أومأ إليه الشافعي - رحمهما الله ﷾ في بعض كتبه.
واستدل لهذا القول بأدلة:
منها قوله ﷾ جل من قائل: (وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس) فإن ذلك مما استدل به في شرعنا على ثبوت القصاص.
ومنها قراءته صلى الله تعالى عليه وسلم بآية (وأقم الصلاة لذكري) في الكلام على من تذكر صلاة نسيها.
ومنها قوله ﷾ جل من قائل: (فبهديهم اقتده).
وقوله ﷾ جل من قائل: (ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا).
[ ٢ / ١٣ ]
وذهب جماعة إلى أنه ليس شرعا لنا، واختاره الفخر الرازي والآمدي - رحمهما الله ﷾ واستدلوا بقوله ﷾ جل من قائل: (لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا).
وحكى ابن القشيري وابن برهان - رحمهما الله ﷾ قولا بالوقف.
ومحل الخلاف: ما ثبت في شرعنا أنه شرع لهم، كالضمان في قوله ﷾ جل من قائل: (وأنا به زعيم) ولم يدل دليل خاص على أنه شرع لنا، ولا على أنه غير شرع لنا.
وذلك هو المراد بقوله ﵀ ﷾: في ما شرعا، أي ما ثبت بشرعنا أنه شرع لهم.
أما ما لم يثبت في شرعنا، وإنما علم بخبرهم فليس شرعا لنا اتفاقا، كحرمة الطريفة.
وأما ما ثبت كونه شرعا لنا كالقصاص، فلا خلاف أنه شرع لنا.
وذلك هو المراد بقوله ﵀ ﷾: ولم يكن داع إليه سمعا.
كما لا خلاف في ما ثبت في شرعنا أنه غير شرع لنا، كقوله ﷾ جل من قائل: (قالوا جزاؤه من وجد في رحله فهو جزاؤه كذلك نجزي الظالمين)
وذكر الإمام الشاطبي - ﵀ سبحانه وتعالي - أن كل ما حكي في القرآن الكريم ولم يتعرض لإبطاله فهو حجة، ونصه:
كل حكاية وقعت في القرآن الكريم، فلا يخلو أن يقع قبلها أو بعدها - وهو الأكثر - رد لها أو لا.
فإن وقع رد، فلا إشكال في بطلان ذلك المحكي وكذبه.
وإن لم يقع معها رد، فذلك دليل صحة المحكي وصدقه.
أما الأول فظاهر، ولا يحتاج إلى برهان، وتلا من ذلك أمثلة كثيرة.
ثم قال - ﵀ ﷾ -:
وأما الثاني فظاهر أيضا، ولكن الدليل على صحته من نفس الحكاية وإقرارها، فإن القرآن الكريم سمي فرقانا، وهدى، وبرهانا، وبيانا، وتبيانا لكل شيء، وهو حجة الله سبحانه
[ ٢ / ١٤ ]
وتعالى على الخلق، على الجملة، والتفصيل، والإطلاق والعموم، وهذا المعنى يأبى أن يحكى فيه ما ليس بحق ثم لا ينبه عليه.
وأيضا فإن جميع ما يحكى فيه من شرائع الاولين وأحكامهم، ولم ينبه على إفسادهم وافترائهم فيه، فهو حق يجعل عمدة عند طائفة في شريعتنا، ويمنعه قوم، لا من جهة قدح فيه، ولكن من جهة أمر خارج عن ذلك.
فقد اتفقوا على أنه حق، وصدق، كشريعتنا، ولا يفترق ما بينهما إلا بحكم النسخ فقط، ولو نبه على أمر فيه لكان في حكم التنبيه على الاول، كقوله ﷾ جل من قائل: (وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه)
وقوله ﷾ جل من قائل: (يحرفون الكلم من بعد مواضعه يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه)
وكذلك قوله ﷾ جل من قائل: (من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه ويقولون سمعنا وعصينا واسمع غير مسمع وراعنا ليا بألسنتهم وطعنا في الدين) فصار هذا من النمط الأول.
ومن أمثلة هذا القسم، جميع ما حكي عن المتقدمين من الأمم السالفة مما كان حقا، كحكايته عن الأنبياء - على نبينا وعليهم الصلاة والسلام - والأولياء.
ومنه قصة ذي القرنين، وقصة الخضر مع موسى - على نبينا وعليهما أفضل الصلاة وأتم التسليم، وقصة أصحاب الكهف وأشباه ذلك.
ولاطراد هذا الأصل اعتمده النظار، فقد استدل جماعة من الأصوليين على أن الكفار مخاطبون بالفروع، بقوله ﷾ جل من قائل: (قالوا لم نك من المصلين ولم نك نطعم المسكين) إذ لو كان قولهم باطلا لرد عند حكايته.
واستدل على أن أصحاب الكهف سبعة، وثامنهم كلبهم، بأن الله ﷾ لما حكى من قولهم أنهم (ثلاثة ورابعهم كلبهم) وأنهم (خمسة وسادسهم كلبهم) أعقب ذلك بقوله ﷾ جل من قائل ـ: (رجما بالغيب) أي: ليس لهم دليل ولا علم غير اتباع الظن، ورجم الظنون لا يغني من الحق شيئا.
[ ٢ / ١٥ ]
ولما حكى قولهم (سبعة وثامنهم كلبهم) لم يتبعه بإبطال، بل قال ﷾ جل من قائل: (قل ربي أعلم بعدتهم ما يعلمهم إلا قليل) دل المساق على صحته، دون القولين الأولين.
وروي عن ابن عباس - رضي الله ﷾ عنهما - أنه كان يقول: أنا من ذلك القليل الذي يعلمهم.
ثم ساق أمثلة على ذلك.
ومفهم الباطل من كل خبر … في الوضع أو نقص من الراوي انحصر
معناه أن كل خبر أوهم باطلا، ولم يقبل التأويل، فهو إما موضوع، أو نَقَص منه بعض الرواة عبارة يزول بها ذلك الإيهام.
قال في النشر: ومن الثاني ما رواه الشيخان عن ابن عمر - رضي الله ﷾ عنهما - قال: صلى بنا رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - صلاة العشاء في آخر حياته فلما سلم قام، فقال: " أرأيتكم ليلتكم هذه، فإن على رأس مائة سنة منها، لا يبقى ممن هو اليوم على ظهر الأرض أحد " قال ابن عمر - رضي الله ﷾ عنهما -: فوهل الناس في مقالته - بفتح الهاء - أي: غلطوا، حيث لم يسمعوا لفظة اليوم، فظنوا انقراض جميع الناس، على رأس مائة سنة، ويوافقه في إثبات لفظة اليوم، حديث مسلم عن أبي سعيد الخدري - رضي الله ﷾ عنه -: " لا يأتي مائة سنة وعلى الأرض نفس منفوسة اليوم "
ومعنى منفوسة مولودة، احترز به من الملئكة، وعن إبليس دون ذريته، فإنها مولودة على الصحيح، ويجاب عن الخضر وإلياس - على نبينا وعليهما أفضل الصلاة وأتم التسليم - بأن المراد من كان ظاهرا مثلكم، ويتصرف تصرفكم.
والوضع للنسيان والترهيب … والغلط التنفير والترغيب
أشار ﵀ ﷾ بهذا إلى الأسباب التي يقع لأجلها الوضع.
والمعنى أن من أسباب الوضع النسيان، ومنها الترهيب من المعصية، والترغيب في الطاعة، فقد وضع أقوام أحاديث في فضائل بعض الأعمال، والتنفير من بعض الأمور،
[ ٢ / ١٦ ]
ومنها الغلط بأن يسبق إلى لسان الراوي غير ما أراد، وله أسباب أخرى.
وبعد أن بعث خير العرب … دعوى النبوءة انمها للكذب
تصور البيت ظاهر، ومعناه ضروري.
وما انتفى وجوده من نص … عند ذوي الحديث بعد الفحص
معناه أن مما يقطع بكذبه من الأخبار، ما لم يوجد في دواوين الحديث، ولا في صدور الرجال، لحكم العادة بكذبه.
وقيل: لا يقطع بذلك لجواز صدقه عقلا، وهذا بعد تدوين الحديث.
وبعض ما ينسب للنبي … وخبر الآحاد في السني
حيث دواعي نقله تواترا … نرى لها لو قاله تقرُّرا
معناه أن بعض ما يروى على أنه خبر عن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - مكذوب عليه، فقد روي عنه - صلى الله تعالى عليه وسلم - أنه قال: إنه سيكذب عليه، فإن صح ذلك، فذلك، وإن لم يصح فقد كذب به عليه.
ومما يقطع بكذبه كذلك من الأخبار، ما نقل آحادا، مع توفر الدواعي على نقله تواترا، إما لكونه من أصول الشريعة، كوجوب صلاة سادسة، أو زيادة ركعة في إحدى الصلوات، وإما لكونه أمرا غريبا، كسقوط الخطيب عن المنبر وقت الخطبة، فإن العادة قاضية أن مثل ذلك ينتشر بين الناس.
واقطع بصدق خبر التواتر … وسو بين مسلم وكافر
واللفظ والمعنى، وذاك خبر … مَنْ عادة كذبهم منحظر
عن غير معقول
التواتر لغة: التتابع، ومن ذلك قوله ﷾ جل من قائل: (ثم أرسلنا رسلنا تترى) قالوا: أي: واحدا بعد واحد.
والمعنى أن من الأخبار التي يقطع بصدقها: خبر التواتر، وهو خبر العدد الذي يستحيل عادة تواطؤه على الكذب، عن أمر محسوس، فهو محصل للعلم الضروري، عند الجمهور.
[ ٢ / ١٧ ]
وقال الكعبي وأبو الحسين البصري إنه نظري.
وقال الغزالي: إنه قسم ثالث، ليس أوليا، ولا كسبيا، بل من قبيل القضايا التي قياساتها معها.
وقال المرتضى والآمدي بالوقف.
ولا فرق في العدد المذكور بين المسلمين والكفار، فلا يشترط فيهم إسلام، ولا عدالة، ولا فرق بين التواتر في اللفظ والتواتر في المعنى، وذلك بأن يختلف خبرهم في المعنى الجزئي، مع توافقهم على معنى كلي، كأن يخبر أحدهم أن زيدا أعطى كذا، ويخبر آخر أنه أعطى كذا، وآخر أنه أعطى كذا لأشياء مختلفة، فالإعطاء بقطع النظر عن متعلقه متواتر عليه في خبرهم، وإن كانت كل واقعة بخصوصها غير متواترة، خلافا لمن اشترط العدالة، ولمن اشترط الإسلام.
وأما خبرهم عن المعقول، فلا يحصل به العلم، لجواز خطإ العدد الكثير في ذلك، كالفلاسفة في اعتقاد قدم العالم.
وأوجِب العدد … من غير تحديد على ما يعتمد
وقيل بالعشرين أو بأكثرا … أو بثلاثين أو اثني عشرا
إلغاء الاربعة فيه راجح … وما عليها زاد فهْو صالح
معناه أن المعول الذي هو مذهب الجمهور أنه لا حد في العدد الذي يحصل بخبره التواتر، بل المدار على حصول العلم، إلا أن الأربعة لا يكتفى بهم، فلا بد من الزيادة عليهم، لاحتياجهم للتزكية في الشهادة بالفاحشة.
وإلى ذلك أشار ﵀ ﷾ بقوله: إلغاء الاربعة فيه راجح.
وجاء عن بعضهم اشتراط أن يكونوا عشرين، وعن بعضهم اشتراط الزيادة على عشرين، وعن بعضهم اشتراط الثلاثين، وعن بعضهم اشتراط اثني عشر، وعن بعضهم اشتراط عشرة، وعن بعضهم اشتراط أربعين وعن بعضهم اشتراط سبعين وعن بعضهم اشتراط ثلاثمائة وبضعة عشر، وقيل غير ذلك، وهي أقوال ضعيفة كلها.
والأقوال المذكورة في البيت مذهبية كما في النشر، ونسب الأول لابن القاسم والثاني
[ ٢ / ١٨ ]
لسحنون والثالث لابن أبي زيد، ونسب الرابع لبعض أهل المذهب ﵏ ﷾ أجمعين ـ.
وأوجِبَنْ في طبقات السند … تواترا وفقا لدى التعدد
معناه أنه يشترط في كون الخبر متواترا عند تعدد الطبقات، بلوغ كل طبقة العدد المحصل للعلم، فلا يكون متواترا حتى يتواتر في جميع طبقاته.
ومثال ما تواتر في بعض الطبقات حديث " إنما الأعمال بالنيات " (^١) وذلك أنه لم يروه عن عمر - رضي الله ﷾ عنه - إلا علقمة، ولا عن علقمة، إلا محمد بن إبراهيم، ولم يروه عن محمد بن إبراهيم، إلا يحيى بن سعيد، وعنه اشتهر.
ولا يفيد القطع ما يوافق … الاجماع، والبعض بقطع ينطق
وبعضهم يفيد حيث عولا … عليه
معناه أن الإجماع على مضمون الخبر لا يستلزم صحته عن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - في نفس الأمر، سواء صرح المجمعون بالاستناد إليه أو لا.
فالإجماع إنما يدل على صحة الحكم المجمع عليه في نفس الأمر، للأدلة السمعية الدالة على ذلك، لا صحة مستنده في نفس الأمر، لعدم الدليل على ذلك.
وقيل: إن ذلك يستلزم صحة الحديث في نفس الأمر، إذ الظاهر استنادهم إليه، ولو لم يكن صدقا لكان استنادهم إليه خطأ، والخطأ لا يجوز عليهم.
وقيل: إن صرحوا بالاستناد إليه، اقتضى ذلك صحته في نفس الأمر، وإلا فلا، لاحتمال استنادهم إلى غيره.
وانفه إذا ما قد خلا
مع دواعي رده من مبطل … كما يدل لخلافة علي
معناه أن عدم الطعن في صحة الحديث، مع توفر الدواعي على إبطاله، لا يوجب القطع بصدقه، خلافا للزيدية، حيث جعلوا ذلك محصلا للعلم، للاتفاق على قبوله.
_________________
(١) متفق عليه.
[ ٢ / ١٩ ]
ومثال ذلك: قوله - صلى الله تعالى عليه وسلم - لعلي - رضي الله ﷾ عنه -: " أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى غير أنه لا نبي بعدي " (^١) فدواعي بني أمية على الطعن في هذا الحديث الشريف متوفرة، لاقتضائه خلافة سيدنا علي - رضي الله ﷾ عنه - وليس عدم طعنهم فيه، مع سماعهم له آحادا، موجبا للجزم بصحته في نفس الأمر.
كالافتراق بين ذي تأول … وعامل به على المعول
معناه أن افتراق العلماء في حديث بين عامل بظاهره، ومؤول له، لا يقتضي القطع بصدقه، خلافا لمن قال بذلك، معللا بالاتفاق على قبوله، لأن الاحتجاج به يستلزم قبوله، وتأويله يستلزم قبوله أيضا.
وأجيب بأن ذلك إنما يستلزم ظنهم صدقه، لا صدقه في نفس الأمر، والله ﷾ أعلم.
ومذهب الجمهور صدق مخبر … معْ صمت جمعٍ لم يخفه حاضر
معناه أن مذهب الجمهور القطع بصدق المخبر، بحضرة جمع يحصل بخبره التواتر، عن أمر محسوس، لا يخفى عليهم عادة، ولم يكذبوه مع سماعهم له، وعدم مانع من تكذيبهم له، لامتناع تواطئهم على الكذب، فسكوتهم في معنى خبرهم، وخبرهم معلوم الصدق، وهذا بين إذا كان ذلك في أمر ديني، ولم يكونوا بحيث يخفى عليهم امتناع السكوت على كذبه، لا سيما إذا كان الموقف موقف بيان، فحصول القطع بسكوتهم في غاية الظهور.
وقيل: لا يفيد إلا الظن، لجواز أن يسكتوا عن تكذيبه لا لشيء، وهو بعيد جدا.
ومودَع من النبي سمْعا … يفيد ظنا أو يفيد قطعا
وليس حامل على الإقرار … ثَمَّ مع الصمت عن الإنكار
معناه أنه اختلف في المخبر بخبر بمسمع من النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - ولم يكذبه، مع عدم موجب لتقريره عليه، وعدم داع يحمل المخبر على الكذب في ما يخبر به، من إكراه ونحوه، أو عناد، هل يوجب الجزم بصدقه؟
_________________
(١) متفق عليه.
[ ٢ / ٢٠ ]
قيل: يوجبه، لأنه - صلى الله تعالى عليه وسلم - لا يقر أحدا على كذب.
وذهب المتأخرون إلى أنه لا يستلزم ذلك، لأنه إن كان دينيا، فقد يكون سكوته لكونه قد بين ذلك، أو يؤخر بيانه بغير ذلك.
وأورد على أولهما: أن ذلك لا يبيح السكوت عند وقوع المنكر، وعلى الثاني لزوم تأخير البيان عن وقت الحاجة.
وإن كان دنيويا، فقد يكون غير عارف بما عليه الحال في ذلك الشيء، وعورض أيضا. … وقيل: يوجب القطع في الديني دون الدنيوي.
وقيل: بالعكس.
وخبر الآحاد مظنون عرى … عن القيود في الذي تواترا
معناه أن خبر الآحاد لا يوجب عند صحته من حيث ذاته، إلا الظن، وقد يفيد العلم لقرائن منفصلة.
وهو: ما لم يستجمع شروط المتواتر، بأن لم يتعدد راويه، أو تعدد ولم يكن من الكثرة بحيث يستحيل التواطؤ على الكذب، أو كانوا كذلك، لكن أخبروا عن غير محسوس.
فقول الشيخ ﵀ ﷾: عرى إلخ تفسير لخبر الآحاد، أي: وخبر الآحاد هو ما لم تتوفر فيه الشروط المشترطة في المتواتر.
والمستفيض منه، وهْو أربعه … أقله، وبعضهم قد رفعه
عن واحد، وبعضهم عما يلي … وجعله واسطة قول جلي
معناه أن خبر الآحاد مستفيض وغيره، والمستفيض فسره السبكي - ﵀ ﷾ - بالشائع عن أصل، أي: إسناد، فخرج الشائع لا عن أصل.
وهو عند ابن الحاجب ﵀ ﷾: ما زاد نقلته على ثلاثة، وقيل: ما رواه أكثر من واحد، وقيل: ما رواه أكثر من اثنين.
وجعله بعضهم واسطة بين المتواتر والآحاد، فخبر الآحاد يفيد الظن، والمتواتر يفيد العلم الضروري، والمستفيض يفيد العلم النظري.
قال في النشر: قال الفهري - رحمهما الله ﷾ -: ومثلوه بما تلقته الأمة
[ ٢ / ٢١ ]
بالقبول، وعملت بمقتضاه كقوله صلى الله تعالى عليه وسلم: " في الرقة ربع العشر " (^١) " ولا تنكح المرأة على عمتها أو خالتها " (^٢) قال: وجعل المستفيض واسطة، هو الذي عليه شرح عمليات فاس، ولا تشترط فيه العدالة، لأن الاعتماد فيه على القرائن، لا عليها.
وقال ابن عبد السلام - ﵀ ﷾ - والتوضيح: إن الخبر المستفيض: هو المحصل للعلم، أو الظن القريب منه، وإن لم يبلغ عدد التواتر، وقال ابن عبد الحكم - ﵀ ﷾ -: المستفيض هو الخبر الحاصل ممن لم يمكن تواطؤهم على باطل، وهذا هو المتواتر المحصل للعلم، واقتصر عليه ابن عرفة والأبي والمواق - ﵏ ﷾ - وهذا التفسير أخص، وتفسير ابن عبد السلام أعم منه.
ولا يفيد العلم بالإطلاق … عند الجماهير من الحذاق
وبعضهم يفيد إن عدل روى … واختير ذا إن القرينة احتوى
معناه أن خبر الآحاد لا يفيد العلم مطلقا، احتفت به القرائن أو لا، ولو كان راويه عدلا، عند جمهور الأصوليين.
وقال ابن خويز منداد ﵀ ﷾: يفيد العلم إن كان راويه عدلا، وحكاه عن الإمام مالك - ﵀ ﷾ - وقال به الإمام أحمد ﵀ ﷾ وحكاه ابن حزم في كتاب الإحكام عن داوود الظاهري والحسين بن علي الكرابيسي والحارث المحاسبي ﵏ ﷾ قال: وبه نقول، قاله في الإرشاد.
قال: ونقل الشيخ في التبصرة عن بعض أهل الحديث أن منها ما يوجب العلم، كحديث مالك عن نافع عن ابن عمر - رضي الله ﷾ عنهم - وما أشبهه. واختار ابن الحاجب - ﵀ ﷾ - أنه يفيد العلم مع القرائن المنفصلة الزائدة على العدالة.
_________________
(١) رواه البخاري من حديث أنس - رضي الله ﷾ عنه ـ. والرقة - بكسر الراء وتخفيف القاف ـ: الورق.
(٢) متفق عليه.
[ ٢ / ٢٢ ]
قال في النشر: ومن خبر الواحد الذي يفيد العلم بقرينة ما أخرجه الشيخان، أو أحدهما، لما احتف به من القرائن:
منها جلالتهما في هذا الشأن.
وتقديمهما في تمييز الصحيح على غيرهما.
وتلقي العلماء لكتابيهما بالقبول.
قال ابن حجر - ﵀ ﷾ -: وهذا التلقي وحده أقوى في إفادة العلم من مجرد كثرة الطرق اهـ
وفي الشهادة وفي الفتوى العمل … به وجوبه اتفاقا قد حصل
كذاك جاء في اتخاذ الادويه … ونحوها كسفر والاغذيه
معناه أنهم أجمعوا على وجوب العمل بخبر الواحد في أمور:
منها الشهادة، فلا يشترط بلوغ الشهود عدد التواتر، بل يجب العمل بشهادتهم إذا استجمعت الشروط المقررة في الفروع، من العدالة وغيرها.
ومنها الفتوى، فيجب العمل بفتوى المفتي وإن كان واحدا.
وأجمعوا أيضا على جواز العمل به في الأمور الدنيوية، ومثل لذلك باتخاذ الأدوية، فإذا أخبر الطبيب العارف: أن الأمر كذا نافع، من الأمر كذا، من غير اشتمال على مضرة، جاز تعاطي ذلك تقليدا له.
وكذلك تناوله على وجه التغذي به، فإذا أخبر الثقة عن كون الأمر كذا غذاء مأمونا، جاز تناوله تقليدا له، سواء كان مأكولا أو مشروبا.
وإلى هذا أشار ﵀ ﷾ بقوله: والاغذيه.
وكذلك أجمعوا على قبول خبره في ما يجهله المسافر، أو مريد السفر، من شأن سفره، ككون الطريق الفلانية إلى البلد كذا مأمونة، ونحو ذلك.
وجاء عن الإمام مالك ﵀ ﷾ تعين العمل به في ما ذكر من الشهادة، والفتوى، وغيرها من الأمور الدينية، كالخبر عن دخول الوقت، وفاقا للأئمة الثلاثة، والفقهاء، والأصوليين.
[ ٢ / ٢٣ ]
وإلى ذلك أشار ﵀ ﷾ بقوله:
ومالك بما سوى ذاك نخع
ونخع معناه: نطق.
وذهبت الظاهرية إلى عدم وجوب العمل به مطلقا، إذ لا يفيد إلا الظن، والظن منهي عن اتباعه، وذلك عند الجمهور مختص بأصول الدين دون فروعه.
وقال الكرخي ﵀ ﷾: لا يعمل به في الحدود، كأن يروى به: من باشر أجنبية جلد خمسين سوطا، فلا يعتبر لأن الحدود تدرأ بالشبهات.
وعورض بثبوت موجبها بشهادة الآحاد إجماعا كما تقدم.
وقال قوم: لا يجب العمل به في ابتداء النصب، بخلاف ثوانيها.
وقيل غير ذلك.
ووجوب العمل به قيل: إنه بالسمع فقط، دون العقل، أما السمع فكقوله ﷾ جل من قائل: (فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذرو قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون) فمقتضى الآية قيام الحجة بالطائفة المذكورة، والطائفة لفظ يصدق بالواحد، والفرقة أيضا تصدق بالثلاثة.
وقوله ﷾ جل من قائل: (إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا) فمفهوم الصفة عدم لزوم التبين في نبإ العدل، وبعثه صلى الله تعالى عليه وسلم الآحاد لبيان الأحكام. وأما عدم اقتضاء العقل ذلك، فلما تقرر من أن الحكم بالشرع لا بالعقل، فالعقل لا يوجب حكما.
وأما اقتضاء توجه الخطاب إلى المكلفين في سائر أعمالهم الاختيارية، واقتصار الشرع في الإعلام على بعث الآحاد، وجوب العمل به، فهو مسلم، لكنه برهان شرعي، فاقتصار الشرع في الإعلام على بعث الآحاد، دليل شرعي، على عدم تعين بعث غيرهم.
وغاية ما في المقام كون وجه الدلالة مستنبطا بالعقل، وذلك لا يجعله عقليا، وإلا كان كل دليل عقليا.
وقيل: وجوب العمل به بالعقل، فلو لم يجب العمل به، لتعطلت وقائع الأحكام
[ ٢ / ٢٤ ]
المروية آحادا، وهي كثيرة جدا، واللازم باطل، فكذلك الملزوم.
قال الشربيني ﵀ ﷾: الملازمة في المقدمة الأولى، ممنوعة، لأن الحكم في ما لا دليل فيه نفي الحكم، إذ عدم الدليل مدرك شرعي لعدم الحكم، لما ورد الشرع بأن ما لا دليل فيه، لا حكم فيه، وللإجماع على ذلك، وحينئذ لم يلزم إثبات حاكم غير الشرع، وهذا هو وجه ضعف هذا المذهب، على أن بعضهم قال: لا مانع من التزام خلو وقائع من الحكم عقلا.
وما ينافي نقل طيبة منع … إذ ذاك قطعي
معناه أن خبر الواحد، إذا عارضه عمل أهل المدينة المنورة بأنواره - صلى الله تعالى عليه وسلم - من الصحابة والتابعين، وجب تركه، والأخذ بعمل أهل المدينة، لأنه قطعي، وخبر الواحد ظني.
وهذا في ما كان طريقه النقل، وهذا أمر متفق عليه عند أهل المذهب، قال القاضي عياض ﵀ ﷾ في المدارك: فإن كان إجماعهم من طريق النقل، ترك له الخبر بغير خلاف عندنا في ذلك، وعند المحققين من غيرنا على ما تقدم، ولا يجب عند التحقيق تصور خلاف في هذا، ولا الالتفات إليه، إذ لا يترك القطع واليقين، لغلبات الظنون، وما عليه الاتفاق لما فيه الخلاف، كما ظهر هذا للمخالف المنصف فرجع، وهذه نكتة مسألة الصاع، والمد، والوقوف (^١)، وزكاة الخضروات، وغيرها اهـ
وكأنه يعني بقوله ﵀ ﷾: كما ظهر للمخالف المنصف إلخ ما جاء من أن الإمام مالكا قال لأبي يوسف - رضي الله ﷾ عنهما - لما سأله عن الصاع، والمد، وأمر أهل المدينة المنورة بإحضار صيعانهم، وذكروا له إسنادها عن أسلافهم: أترى هؤلاء يا أبا يوسف يكذبون؟
فقال: لا، والله ما يكذبون.
قال: فأنا حررت هذه الصيعان، فوجدتها خمسة أرطال وثلث بأرطالكم يا أهل العراق.
_________________
(١) يعني الأحباس.
[ ٢ / ٢٥ ]
فقال: رجعت إلى قولك يا أبا عبد الله، ولو رأى صاحبي ما رأيت لرجع كما رجعت.
وسأله عن صدقة الخضروات، فقال: هذه مباقيل أهل المدينة المنورة لم يؤخذ منها صدقة على عهد رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - ولا أبي بكر ولا عمر - رضي الله تعالى عنهما - فقال: رجعت، يا أبا عبد الله، ولو رأى صاحبي ما رأيت لرجع.
وسأله عن الأحباس فقال: هذا حبس فلان، وهذا حبس فلان، فقال: قد رجعت يا أبا عبد الله، ولو رأى صاحبي ما رأيت لرجع كما رجعت.
ولو قيل: إن كل ما تعم به البلوى، مما هو من الأمور الظاهرة التي لا تخفى، من هذا القبيل، لكان وجيها، وقد نص ابن القيم - ﵀ ﷾ - في الكلام على حديث القلتين على أن عمل أهل المدينة المنورة بخلاف ذلك من باب النقل المتواتر الذي لا يجوز العدول عنه لأخبار الآحاد.
وحكى جماعة من أهل العلم الإجماع على تقديم هذا النوع من عمل أهل المدينة على أخبار الآحاد، والله ﷾ أعلم.
ومثل أخبار الآحاد في ما ذكر الأقيسة، كما نص عليه القاضي عياض - ر حمه الله ﷾ في المدارك، وابن عرفة ﵀ ﷾ في مبحث القضاء من مختصره الفروعي.
ونص القاضي ﵀ ﷾: فهذا النوع من إجماعهم في هذه الوجوه، حجة يلزم المصير إليه، ويترك ما خالفه من خبر واحد، أو قياس، فإن هذا النقل محقق معلوم، موجب للعلم القطعي، فلا يترك لما توجبه غلبة الظنون اهـ
وإن رأيا ففي … تقديم ذا أو ذاك خلف قد قفي
معناه أنه اختلف في خبر الواحد، إذا عمل أهل المدينة المنورة بخلافه، عن اجتهاد منهم.
فقيل: يقدم خبر الواحد، لأنهم بعض الأمة، ولا حجة إلا في إجماع الأمة، وهو قول أكثر البغداديين.
وقيل: يقدم عمل أهل المدينة المنورة في ذلك، على خبر الواحد.
[ ٢ / ٢٦ ]
قال في النشر: ومحل الخلاف خبر لا ندري هل بلغ أهل المدينة أو لا؟
والمختار عدم التمسك بالآحاد حينئذ، لأن الغالب عدم خفاء الخبر عليهم، لقرب دارهم، وزمانهم، وكثرة بحثهم عن أدلة الشريعة، أما ما بلغهم ولم يعملوا به، فهو ساقط قطعا، وما علم أنه لم يبلغهم فمقدم على عملهم قطعا اهـ
كذاك في ما عارض القياسا … روايتا من اَحكم الأساسا
معناه أنه جاء عن الإمام مالك ﵀ ﷾ في عمل أهل المدينة المنورة إذا عارضه القياس روايتان أيهما يقدم.
قال في النشر: ويبنى عليه الخلاف في جريان القصاص في الأطراف، بين الحر والعبد، والمشهور عدم جريانه، وبه قال الفقهاء السبعة، وعنه قول آخر بجريانه، وهو مقتضى القياس، لكن المشهور تقديم القياس اهـ
وقد نقل حكاية هذا الخلاف الزركشي في البحر عن الإبياري - رحمهما الله ﷾.
وقد كفى من غير ما اعتضاد … خبر واحد من الآحاد
معناه أنه لا يشترط في وجوب العمل بخبر الآحاد، تعدد راويه، ولا اعتضاده، كأن يعمل به بعض الصحابة، أو ينتشر فيهم، خلافا للجبائي، لأن أبا بكر - رضي الله ﷾ عنه - لم يقبل خبر المغيرة بن شعبة - رضي الله ﷾ عنه - أنه صلى الله تعالى عليه وسلم أعطى الجدة السدس، وقال: هل معك غيرك؟
فوافقه محمد بن مسلمة الأنصاري - رضي الله ﷾ عنه - فأنفذه أبو بكر - رضي الله ﷾ عنه – لها (^١).
ولم يقبل عمر - رضي الله ﷾ عنه - خبر أبي موسى الأشعري - رضي الله ﷾ عنه - أنه صلى الله تعالى عليه وسلم قال: " إذا استأذن أحدكم ثلاثا، فلم
_________________
(١) رواه أبو داوود والترمذي وابن ماجة والإمام مالك والإمام أحمد، وهو خبر صحيح.
[ ٢ / ٢٧ ]
يؤذن له فليرجع " (^١) وقال: أقم عليه البينة، فوافقه أبو سعيد الخدري - رضي الله ﷾ عنه - فقبل ذلك عمر - رضي الله ﷾ عنه -.
ويقوم مقام التعدد الاعتضاد.
وأجيب بأن طلب التعدد ليس لعدم قبول الواحد، بل للتثبت، كما قال عمر - رضي الله ﷾ - في خبر الاستئذان: إنما سمعت شيئا، فأحببت أن أتثبت.
والجزم من فرع وشك الاصل … ودع بجزمه لذاك النقل
وقال بالقبول إن لم ينتف … أصل من الحديث شيخ مقتفي
وليس ذا يقدح في العداله … كشاهد للجزم بالمقاله
قوله: والجزم من فرع وشك الأصل، الجزم فيه بالرفع، معطوف على لفظ: خبر في البيت قبله، والواو في: وشك، بمعنى مع، أي: وكفى الجزم من فرع مع شك الأصل.
والمعنى أن شيخ الراوي الذي يروي عنه الخبر، إذا شك في روايته عنه، بأن كان لا يتذكر كونه من مروياته، فذلك لا يمنع من قبول روايته، إذا كان الراوي لا يشك في أنه رواه عنه، وهو عدل، ويحمل شك الشيخ على عروض النسيان، كما يقع كثيرا.
قال في النشر: وقد روى سهيل بن أبي صالح، عن أبيه عن أبي هريرة - رضي الله ﷾ عنهم - أن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - قضى بالشاهد واليمين (^٢) ونسيه، فكان يقول: حدثني ربيعة عني، ولم ينكر عليه أحد.
ونقل مثله عن الزهري - ﵀ ﷾ -.
وهذا قول الأكثر من أصحاب الأئمة الثلاثة: مالك والشافعي وأبي حنيفة - رضي الله ﷾ عنهم -.
قال في الحلي: وقد ألف الدارقطني ﵀ ﷾ كتابا سماه المؤتسي في من حدث ونسي.
_________________
(١) متفق عليه.
(٢) قضاء النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - بالشاهد واليمين، ثابت رواه مسلم من حديث ابن عباس - رضي الله ﷾ عنهما - وحديث أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - رواه أبو داوود والترمذي وابن ماجة، وهو حديث حسن.
[ ٢ / ٢٨ ]
قوله: ودع بجزمه لذاك النقل، معناه أن الأصل إذا جزم بعدم رواية الفرع عنه الخبر، سقط، ولم يجز العمل به، وقد حكى الاتفاق على ذلك ابن الحاجب ﵀ ﷾ وحكى الصفي الهندي الإجماع فيه.
واختار التاج السبكي وفاقا للسمعاني - رحمهما الله سيحانه وتعالى - عدم السقوط.
قال الشربيني ﵀ ﷾: وجه المختار: أن الفرع عدل ضابط، إلى آخر شروطه، وقد تقدم أنه يجب العمل بخبره، والوجوب لا يسقط بالاحتمال، والأصل وإن كان عدلا أيضا إلخ، لكنه كذَّب عدلا، وتكذيب العدل خلاف الظاهر.
فإن قلت: يلزم أن يكون الأصل كاذبا، وهو أيضا عدل، فيكون خلاف الظاهر.
قلت: لا، بل هو الظاهر، لأنه كذب في التكذيب للفرع العدل، وقد عرفت أنه خلاف الظاهر، فيكون كذب الأصل هو الظاهر، إلا أنه لعدالته يحمل على النسيان اهـ
وأشار ﵀ ﷾ بقوله: وقال بالقبول البيت، إلى ما ذكره أبو الوليد الباجي ﵀ ﷾ من التفريق بين أن يقول الأصل: هذا الحديث في روايتي، لكن لم يروه عني، وأن يقول: لم أرو هذا الحديث قطعا، فيقبل في الأول، ويسقط في الثاني.
ونصه في كتاب الإشارة: وأما إذا قطع أنه لم يحدثه به، فهو على ضربين:
أحدهما أن يقول هو في روايتي، ولم أحدث به الراوي، فهذا لا يمنع وجوب العمل به من جهة المروي عنه، وأما إذا قال: لم أروه قط، فهذا لا يجوز الاحتجاج به جملة، لأن المروي عنه إن كان كاذبا، فقد بطل الخبر من جهته، وإن كان صادقا، فقد بطل الخبر أيضا، لأنه لم يروه اهـ
وأشار ﵀ ﷾ بقوله: وليس ذا يقدح في العداله، إلى أن ما ذكر من تكذيب الأصل الفرع، لا يقدح في عدالة واحد منهما اتفاقا، ومن ثم لو اجتمعا في شهادة أو رواية قبلا، فأولى إذا انفرد أحدهما، لأن ذلك وإن كان يستلزم كون أحدهما كاذبا، إلا أن الظاهر عدم تعمده، والكذب خطأ لا يجرح به باتفاق.
وأشار ﵀ ﷾ بقوله: كشاهد إلخ، إلى أن ذلك مثل اختلاف شهادة
[ ٢ / ٢٩ ]
الشهود، بأن يشهد بعضهم بشيء ويشهد بعض بخلافه، فذلك لا يقدح في عدالتهم، وإن تعذر الجمع.
ومثل في النشر أيضا، بمسألة اليمين التي أشار إليها سيدي خليل ﵀ ﷾ بقوله: فلو حلف اثنان على النقيض، كإن كان هذا غرابا، أو لم يكن، فإن لم يدعيا يقينا طلقتا.
قال في نثر الورود: ويستأنس لهذه المسائل بمسألة اللعان، حيث جاء القرآن بقبول أيمان الزوجين، وسقوط الحد عنهما، مع أنا نقطع بأن أحدهما كاذب، وقد قال صلى الله تعالى عليه وسلم: " الله يعلم بأن أحدكما لكاذب " (^١) والكاذب منهما يلزم على كذبه حد من حدود الله ﷾ اهـ
وكذلك ما هو معلوم من تجويز ظالمية المحكوم له في الخصومات والله ﷾ أعلم.
والرفعُ والوصلُ وزيْدُ اللفظ … مقبولةٌ عند إمام الحفظ
إن أمكن الذهول عنها عاده … إلا فلا قبول للزياده
وقيل: لا، إن اتحاد قد علم … والوفق في غير الذي مر رسم
المراد بإمام الحفظ: إمامنا مالك ﵀ ﷾ والمعنى أن الرواة إذا اختلفوا في الحديث بالرفع إلى النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - والوقف على الصحابي، فرواية الرفع مقدمة على رواية الوقف، عند الإمام مالك ﵀ ﷾.
وكذلك إذا اختلفوا فيه بالوصل والإرسال، فرواية الوصل مقدمة.
وكذلك إذا زاد بعضهم على بعض لفظا، أو ألفاظا، فإن رواية من زاد يؤخذ بها أيضا، إن أمكن ذهول التاركين لتلك الزيادة عنها عادة، كما لو انفرد بخبر.
فإن كان التاركون من الكثرة بحيث تمنع العادة ذهولهم عنها، لم تقبل.
وقيل: لا تقبل مطلقا، لجواز خطإ الزائد، وإلى هذا أشار ﵀ ﷾ بقوله:
_________________
(١) قوله صلى الله تعالى عليه وسلم للمتلاعنين: " أحدكما كاذب، فهل منكما تائب " متفق عليه.
[ ٢ / ٣٠ ]
وقيل لا.
وقيل بالوقف، وقيل غير ذلك.
ومحل الخلاف إن علم اتحاد المجلس، كما أشار إليه ﵀ ﷾ بقوله: إن اتحاد قد علم، فإن علم اختلافه، أو جهل ذلك، قبلت اتفاقا، وهو مراده ﵀ ﷾ بقوله: والوفق في غير الذي مر رسم.
وممن صرح بالاتفاق ابن الحاجب ﵀ ﷾ في المختصر، ونصه: إذا انفرد العدل بزيادة، والمجلس واحد، فإن كان غيره لا يغفل مثلهم عن مثلها عادة، لم تقبل، وإلا فالجمهور تقبل، وعن الإمام أحمد ﵀ ﷾ روايتان، لنا: عدل جازم، فوجب قبوله، قالوا: ظاهر الوهم، فوجب رده، قلنا: سهو الإنسان بأنه سمع ولم يسمع بعيد، بخلاف سهوه عما سمع، فكثير، فإن تعدد المجلس قبل باتفاق، وإن جهل، فأولى بالقبول، ولو رواها مرة، وتركها مرة، فكروايتين اهـ
والتعليل بجواز سكوته - صلى الله تعالى عليه وسلم - عنها في مجلس، يقتضي أن المراد الزيادة التي لا يترتب عليها تغير في المعنى - وإن كانت زيادة في المعنى - وهو مقتضى تعليل المسألة الآتية، فما في بعض الشروح هنا من التمثيل بحديث " قوموا إلى سيدكم " (^١) لعله محل نظر.
وللتعارض نُمي المغيِّر … وحذف بعض قد رآه الاكثر
دون ارتباط، وهْو في التأليف … يسوغ بالوفق بلا تعنيف
قوله: وللتعارض نمي المغير، معناه أن ما تقدم من قبول زيادة الراوي، محله إذا لم يتغير بها الإعراب، فإن تغير بها الإعراب، كانا خبرين متعارضين، قال المحلي - ﵀ ﷾ -: لاختلاف المعنى حينئذ، كما لو روي في حديث الصحيحين فرض رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم زكاة الفطر صاعا من تمر إلخ: نصف صاع، خلافا لأبي عبد الله البصري.
_________________
(١) متفق عليه.
[ ٢ / ٣١ ]
وقوله: وحذف بعض قد رآه الاكثر دون ارتباط، معناه أنه يجوز عند الأكثر حذف بعض الحديث، بأن يقتصر على بعضه، حيث لم يكن هناك ارتباط في المعنى بين المذكور والمسكوت عنه، كأن يقتصر في حديث " هو الطهور ماؤه الحل ميتته " (^١) على الجملة الأولى.
وقيل: لا يجوز، إذ قد يكون للاجتماع أثر في المعنى، ينعدم بالتفريق.
وفي المسألة أقوال أخرى مفصلة.
فإن كان هناك ارتباط في المعنى، كالاستثناء، والغاية، والشرط، امتنع، وقد حكى الاتفاق على منعه الصفي الهندي وابن الأنباري - رحمهما الله ﷾.
كأن يقتصر في حديث نهى عن بيع الثمرة حتى تزهو، (^٢) على ما قبل حتى.
وكأن يقتصر في حديث " تجزئك ولا تجزئ أحدا بعدك " (^٣) على الجملة الأولى.
قوله: وهو في التأليف إلخ، معناه أن الاقتصار على بعض الحديث عند عدم ارتباط المقتصر عليه، بالمسكوت عنه، جائز في التأليف اتفاقا، وقد فعله الأئمة الأعلام، كالإمام مالك، والإمام أحمد، والإمام البخاري، وغيرهم ﵏ ﷾ أجمعين ـ.
بغالب الظن يدور المعتبر … فاعتبر الإسلام كل من غبر
معناه أن الاعتبار في قبول الخبر، دائر مع غلبة الظن بصدقه، فكل ما يخل بذلك مسقط له، كالكفر، والفسوق، وانخرام المروءة، ولذلك قال: فاعتبر الإسلام كل من غبر.
والمعنى أنه يشترط في قبول الخبر: إسلام الراوي، فلا تقبل رواية كافر، ولو كان يحرِّم الكذب، أو علم منه توخي الصدق، والتحفظ من الكذب، إذ لا يؤمن خروجه عن معتاده، لضعف الوازع، ولأن منصب الرواية منصب شريف، لنفوذه على جميع المسلمين، وكيف
_________________
(١) رواه أبو داوود والترمذي والنسائي وابن ماجة والإمام مالك والدارمي والإمام أحمد، وهو حديث صحيح.
(٢) متفق عليه.
(٣) أصل الحديث متفق عليه عن البراء بن عازب - رضي الله ﷾ عنه - في تضحية خاله أبي بردة بن نيار - رضي الله ﷾ عنه - بعناق، وهذا اللفظ لم أقف عليه.
[ ٢ / ٣٢ ]
يثبت به ما هو كافر بأصله ومبناه؟
وكالرواية في ما ذكر الشهادة، وجاء عن الحنفية قبول شهادة الذمي على الذمي، وشهادته في الوصية لقوله ﷾ جل من قائل: (أو آخران من غيركم)
وفاسق وذو ابتداع إن دعا … أو مطلقا رد لكل سمعا
معناه أن الفاسق مردود الرواية، قال في النشر: إلا إذا كان يعتقد أنه على صواب لمستند عنده، ونحن نظن بطلان ذلك المستند، ولا نقطع به اهـ
وقال في جمع الجوامع: ويقبل من أقدم جاهلا على مفسق مظنون، أو مقطوع في الأصح اهـ
قال الشربيني - ﵀ ﷾ -: جهلا يعذر به، بأن قرب إسلامه، أو نشأ بعيدا عن العلماء اهـ
قوله: وذو ابتداع إن دعا، أو مطلقا، معناه أن المبتدع مردود الرواية مطلقا، في ما ذهب إليه القاضي، واختاره الإبياري، وابن الحاجب - ﵏ ﷾ - ونسب للأكثر، كما في النشر.
وقيل: إنما ترد روايته إن كان يدعو إلى بدعته، فإن كان لا يدعو إلى بدعته قبلت روايته، ونسبه السبكي للإمام مالك - رحمهما الله ﷾ - ورجحه ابن الصلاح والنووي - رحمهما الله ﷾ - ونسباه للكثير أو الأكثر كما في النشر أيضا. … ومحل الخلاف إذا كان لا يجيز الكذب، فإن أجازه سقط اتفاقا.
قال ابن الحاجب - ﵀ ﷾ - في المختصر: والمبتدع بما يتضمن التكفير، كالكافر عند المكفر، وأما عند غير المكفر فكالبدع الواضحة، وما لا يتضمن التكفير إن كان واضحا، كفسق الخوارج ونحوه، فرده قوم، وقبله قوم، والراد: (إن جاءكم فاسق بنبإ) وهو فاسق، القابل: نحن نحكم بالظاهر، والآية أولى لتواترها، وخصوصها بالفاسق، وعدم تخصيصها، وهذا مخصص بالكافر والفاسق المظنون صدقهما باتفاق، قالوا: أجمعوا على قبول قتلة عثمان - رضي الله ﷾ عنه - ورد بالمنع، أو بأنه مذهب بعض، وأما نحو خلاف البسملة، وبعض الأصول، وإن ادعي القطع فليس من ذلك، لقوة
[ ٢ / ٣٣ ]
الشبهة من الجانبين، وأما من يشرب النبيذ، ويلعب بالشطرنج ونحوه، من مجتهد، ومقلد، فالقطع أنه ليس بفاسق، وإن قلنا المصيب واحد، لأنه يؤدي إلى تفسيق بواجب، وإيجاب الشافعي - ﵀ ﷾ - الحد لظهور أمر التحريم عنده اهـ
كذا الصبي، وإن يكن تحمُّلُ … ثم أدًا بنفْي منعٍ، يقبلُ
قوله - ﵀ ﷾ -: كذا الصبي، تشبيه بالفاسق والمبتدع، والمعنى أن الصبي لا تقبل روايته - ولو عُرف بالصدق والصلاح - لعلمه بعدم خطابه، فلا يؤمن أن يجنح عن الصدق لسبب.
وقيل: يقبل الصدوق الصالح، وأما المعروف بالكذب، فلا خلاف في سقوط خبره.
قوله: وإن يكن تحمل ثم أدا بنفي منع يقبل، معناه أن ما ذكر من الإسلام، والعدالة، والبلوغ، إنما يشترط الاتصاف به حال الأداء، فإذا كان التحمل مع الكفر، أو الفسوق، أو الصبوة، وأدَّى وهو عدل، قبلت روايته على المعول، وهو مذهب الجمهور، كرواية رسول هرقل - أو قيصر - بعد إسلامه ما تحمل وهو كافر.
وكرواية ابن عباس والحسنين - رضي الله ﷾ عنهم أجمعين ـ.
وقيل: لا تقبل رواية الراوي حتى يكون عدلا وقت التحمل، عدلا وقت الأداء، لأن ما ذكر من الكفر، والفسوق، والصبوة، مظنة عدم الضبط.
وأجيب بأن عدالته تمنع رواية ما لا يستيقنه.
من ليس ذا فقه، أباه الجيل … وعكسه أثبته الدليل
معناه أن الفقه شرط في قبول رواية الراوي على المنقول عن الإمام مالك ﵀ ﷾ فلا تقبل رواية غير الفقيه، مخافة أن تكون روايته بالمعنى، فيروي على ما يفهم، ولا يؤمن أن يفهم غير الفقيه الكلام على خلاف المقصود منه.
واشترط الحنفية فقه الراوي إذا كان مرويه يخالف القياس، كحديث المصراة (^١).
قوله: وعكسه أثبته الدليل، أشار به ﵀ ﷾ إلى أن عدم اشتراط فقه
_________________
(١) "لاتصروا الإبل والغنم للبيع، فمن ابتاعها بعد ذلك، فهو بخير النظرين من بعد أن يحلُبها، إن رضيها أمسكها، وإن سخطها ردها وصاعا من تمر" متفق عليه.
[ ٢ / ٣٤ ]
الراوي ثابت بالدليل، كحديث " رب حامل فقه ليس بفقيه " (^١) والعدالة تمنع من التصرف في اللفظ إلا بشروطه، فيؤمن التغير.
قال في كشف النقاب: قال بعض الشراح: ما قاله الإمام مالك - رضي الله ﷾ عنه - مؤول بما إذا لم يكن الراوي ضابطا لما رواه، وقال القاضي عياض - ﵀ ﷾ - في الإكمال: لا يشترط في رواية الثقة عندنا وعند المحققين من الفقهاء، والأصوليين، والمحدثين، كون المحدث من أهل العلم والفقه، بل يشترط ضبطه لما رواه خاصة.
وقال القاضي عبد الوهاب - ﵀ ﷾ - في الملخص: لا يرد الخبر لكون الراوي لا يعرف معناه، ولا يدري المراد به، ولا يشترط علمه بمعناه، وإنما المشترط صدقه في الرواية اهـ
ولعل المراد بالفقه المشاركة القوية، كما هو ظاهر بعض ألفاظ الإمام - ﵀ ﷾ -.
ومن له في غيره تساهل … ذو عجمة، أو جهْل منمى يقبل
كخلفه لأكثر الرواة … وخلفه للمتواترات
أشار - ﵀ ﷾ - بهذا إلى قول القرافي - ﵀ ﷾ - في التنقيح:
قال الإمام فخر الدين ﵀ ﷾: ولا يخل بالراوي تساهله في غير الحديث، ولا جهله بالعربية، ولا الجهل بنسبه، ولا مخالفة أكثر الأمة لروايته، وقد اتفقوا على أن مخالفة الحفاظ لا تمنع من القبول، ولا كونه على خلاف الكتاب العزيز اهـ
ومعنى قوله ﵀ ﷾: ومن له في غيره تساهل، أن من يتساهل في غير الحديث، ويتشدد في الحديث، تقبل روايته، لأمن الخلل.
وقيل: لا تقبل روايته مطلقا، إذ لا يؤمن أن يتساهل في الحديث لعادته، والتساهل كالتحمل مع مشوش على الراوي، أو الشيخ.
_________________
(١) رواه أبو داوود والترمذي والإمام أحمد، وهو حديث صحيح.
[ ٢ / ٣٥ ]
وقوله: ذو عجمة، معناه أن رواية العجمي، مقبولة، فلا يشترط في الراوي العلم بالعربية، قال القرافي - ﵀ ﷾ - في شرح التنقيح: عدالته تمنعه أن يروي إلا كما سمع، وعلى إعرابه وصورته، وأنه متى شك في شيء تركه، هذا كله أثر العدالة، وهي موجودة فيكتفى بها اهـ
وقوله: والذي قد جهلا نسبه، معناه أن رواية مجهول النسب مقبولة أيضا، فالعبرة بثبوت العدالة.
وقوله: كخلفه لأكثر الرواة، معناه أن مخالفة الراوي في روايته لأكثر الرواة، لا تقدح فيه، لأنه قد ينفرد بما لم يطلعوا عليه، قاله في شرح التنقيح.
قوله: وخلفه للمتواترات، معناه أن مخالفة رواية الراوي، للمتواتر من كتاب أو سنة، غير قادحة فيه أيضا.
وكثرة، وإن لُقِيٌّ يندر … في ما به تحصيله لا يحظر
معناه أن الإكثار من الرواية، لا يقدح في الراوي - وإن قلت مخالطته للمحدثين - إذا أمكن تحمل الذي يرويه في زمن مخالطته لهم، فإن لم يمكن سقطت روايته جملة، لظهور كذبه، وسقوط عدالته.
قال في النشر: وأما الإقلال من الحديث، فقال المازري - ﵀ ﷾ -: إذا لم يرو من الحديث إلا حديثا واحدا، فالذي عليه المحققون أن ذلك لا يقدح في روايته، وربما أنكر بعض المحدثين روايته، لأن إقلاله يدل على عدم اهتمامه بدينه، وذلك قادح فيه.
عدل الرواية الذي قدَ اَوجبوا … هو الذي من بعد هذا يجلب
والعدل من يجتنب الكبائرا … ويتقي في الاغلب الصغائرا
وما أبيح وهْو في العيان … يقدح في مروءة الإنسان
أشار - ﵀ ﷾ - بهذه الأبيات، إلى بيان عدالة الرواية، المشترطة في قبول رواية الراوي، في غير التواتر، فذكر أنها اتقاء الكبائر جملة، والصغائر غالبا، والرذائل
[ ٢ / ٣٦ ]
جملة - ولو مباحة (^١) - كالبول في الطريق، والأكل في السوق، لغير سوقي، والحرف الدنيئة، كالدباغة، والحياكة، لغير ضرورة.
والإصرار على الصغيرة في معنى الكبيرة، والكبيرة اختلف فيها على أقوال كثيرة، قال ابن الحاجب - ﵀ ﷾ -: وقد اضطرب في الكبائر، فروى ابن عمر - رضي الله ﷾ عنهما - الشرك بالله ﷾، وقتل النفس، وقذف المحصنة، والزنا، والفرار من الزحف، والسحر، وأكل مال اليتيم، وعقوق الوالدين المسلمين، والإلحاد في الحرم.
وزاد أبو هريرة - رضي الله ﷾ عنه - أكل الربا.
وزاد علي - رضي الله ﷾ عنه - السرقة، وشرب الخمر.
وقيل ما توعد الشارع عليه بخصوصه اهـ
وذو أنوثة، وعبد، والعدا … وذو قرابة خلاف الشهدا
أشار - ﵀ ﷾ - بهذا إلى ما يختلف فيها الرواي عن الشاهد، وهو أمور:
منها الذكورة، فالراوي لا تشترط فيه الذكورة مطلقا، بخلاف الشاهد، فإنها تشترط فيه غالبا.
ومنها الحرية، فهي غير مشترطة في الراوي مطلقا، وتشترط في الشاهد مطلقا.
ومنها السلامة من العداوة والقرابة، فهي شرط في الشاهد مطلقا، فلا تقبل شهادة الشاهد لقريبه قرابة متأكدة، ولا شهادته على عدوه، بخلاف الراوي، فتقبل روايته للخبر الذي يقتضي حكما على عدوه، أو حكما لقريبه - مثلا ـ.
ولا صغيرة مع الإصرار … المبطل الثقة بالأخبار
أشار - ﵀ ﷾ - إلى أن الصغيرة تصير كبيرة بالإصرار عليها، وهو
_________________
(١) وفي البهجة للتسولي ﵀ ﷾ أن المباح الخسيس، إنما تشترط السلامة منه غالبا، لا دواما.
[ ٢ / ٣٧ ]
المداومة، قال الإمام أبو حامد الغزالي - ﵀ ﷾ -: اعلم أن الصغيرة تكبر بأسباب:
منها الإصرار والمواظبة، ولذلك قيل: لا صغيرة مع إصرار، ولا كبيرة مع استغفار، فقطرات من الماء تقع على الحجر على توال، فتؤثر فيه، فكذلك القليل من السيئات إذا دام، عظم تأثيره في إظلام القلب اهـ
ونقل في الموافقات عنه - أعني أبا حامد رحمهما الله ﷾ - أن الذنوب الغالبة في الناس على الخصوص، كالتكاسل عن تعليم الأهل، والولد، وسب الولد، والغلام، وضربهما بحكم الغضب، زائدا على حد المصلحة، يجري دوامها، مجرى الفلتات، فلا تقدح في العدالة اهـ
فدع لمن جُهل مطلقا، ومن … في عينه يجهل، أو في ما بطن
معناه أن الراوي المجهول، مردود الرواية، والجهل نوعان:
جهل الحال، وجهل العين.
وجهل الحال نوعان أيضا:
مجهول الحال ظاهرا وباطنا، ومجهول الحال باطنا فقط، بأن كان عدلا في الظاهر، مجهول الحال في الباطن.
أما أولهما فمردود، قال في جمع الجوامع: إجماعا، وحُكي فيه خلاف، وكأن المراد إجماع من يعتد بقوله.
وأما الثاني فمذهب الجمهور عدم قبوله، وجاء عن الإمام أبي حنيفة - ﵀ ﷾ - أنه يقبل ما لم يعلم الجرح.
وذكر الأصفهاني - ﵀ ﷾ - أن المتأخرين من الحنفية قيدوا القول بالقبول، بصدر الإسلام، لغلبة العدالة على الناس إذ ذاك.
قالوا: وأما المستور في زماننا، فلا يقبل، لكثرة الفساد، وقلة الرشاد.
وقال الجويني ﵀ ﷾ بالوقف إذا روى التحريم إلى ظهور حاله.
ومجهول العين هو: من لم يرو عنه إلا واحد، ومذهب الجمهور أنه لا يقبل، وقال ابن
[ ٢ / ٣٨ ]
عبد البر ﵀ ﷾ إن كان المنفرد بالرواية عنه لا يروي إلا عن عدل، كابن مهدي، وابن معين، ويحيى القطان، ارتفعت عنه الجهالة العينية.
وقال أبو الحسين بن القطان: إن زكاه أحد من أئمة الجرح والتعديل، مع روايته عنه، وعمله بما رواه، قبل، وإلا فلا.
وهذا هو ظاهر تصرف ابن حبان في ثقاته، فإنه يحكم برفع الجهالة برواية واحدة، وحكي ذلك عن النسائي أيضا، قاله في الإرشاد.
فإذا روى عن الراوي اثنان ارتفعت جهالة العين، وبقيت جهالة الحال، حتى تثبت عدالته.
وجهالة العين لا تضر في الصحابي، بل لا يضر عدم ذكر اسمه، فإذا قال: عن رجل من أصحاب النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - قبل، لأن الصحابة كلهم عدول.
ومثبت العدالة اختبار … كذاك تعديل والانتشار
وفي قضا القاضي وأخذ الراوي … وعمل العالم أيضا ثاو
وشرط كل أن يرى ملتزما … ردا لمن ليس بعدل علما
أشار - ﵀ ﷾ - بهذا إلى ما تعرف به عدالة الراوي، فذكر من ذلك الاختبار بالمخالطة حضرا وسفرا، والمعاملة أخذا وإعطاء، مما يُطْلع على خفايا الأخلاق، ودسائس النفوس.
وتعرف أيضا بالتزكية، وهي وصف العدول المبرزين له بصفات العدل.
وتعرف بانتشار الأخبار بعدالته، بأن يتواتر ذلك أو يستفيض.
وتعرف بالتزكية الضمنية بأن يحكم الحاكم بشهادته، ما لم يحتمل كونه حكم بعلمه.
وتعرف بأخذ الراوي عنه إن كان لا يأخذ إلا عن العدول، سواء صرح بذلك، أو علم من عادته.
وتعرف بعمل العالم الذي لا يقبل رواية غير العدول بروايته.
وقول الشيخ - ﵀ ﷾ -: وشرط كل البيت، معناه أن محل تضمن هذه الأمور الثلاثة المذكورة في البيت قبل، التزكية، إذا كان المذكورون لا يعبؤون في ذلك
[ ٢ / ٣٩ ]
بغير العدول، وإلا لم يستلزم تعديلا.
وذكر ابن الحاجب - ﵀ ﷾ - الاتفاق على تضمن حكم الحاكم بشهادته التعديل، وهو ظاهره أيضا في عمل العامل، وصرح به الشربيني ﵀ ﷾.
ونص ابن الحاجب في المختصر: حكم الحاكم المشترِطِ العدالةَ بالشهادة، تعديل باتفاق، وعمل العالم مثله، ورواية العدل، ثالثها المختار: إن كانت عادته أنه لا يروي إلا عن عدل اهـ
والجرح قَدِّم باتفاق أبدا … إن كان من جرح أعلى عددا
وغيره كهْو بغير مين … وقيل بالترجيح في القسمين
معناه أنه إذا اختلف في عدالة الراوي، فزكاه قوم، وجرحه قوم، فذلك على ثلاثة وجوه:
وذلك أن الجارح له إما أن يكون أكثر من المعدل، أو مساويا، أو أقل.
أما القسم الاول، فيقدم فيه الجرح، قال السبكي - ﵀ ﷾ - في الجمع: إجماعا.
والمعول في الثاني، والثالث، تقديم الجرح، لاطلاع القائل بجرحه على ما لم يطلع عليه القائل بالعدالة.
وحكى المحلي والقرافي - رحمهما الله ﷾ - قولا بتقديم التعديل في أكثرية المعدل.
وجاء عن ابن شعبان - رحمهما الله ﷾ - من أصحابنا أنه يصار فيهما للترجيح.
وهذا ما لم يكن الجرح بأمر معين، ينفيه المعدل جزما، كقوله: قتل فلانا، فيقول: المعدل هو حي.
كلاهما يثبته المنفرد … ومالك عنه رُوِي التعدد
وقال بالعدد ذو درايه … في جهة الشاهد لا الروايه
[ ٢ / ٤٠ ]
اختلف هل لا بد في ثبوت عدالة الشاهد والراوي، وجرحهما، من شهادة اثنين بذلك، أو يكفي الواحد، أو يفرق، فيكتفى بالواحد في الراوي، دون الشاهد، لكفاية الواحد في الرواية، دون الشهادة، وهو أبين الأقوال، ونسبه ابن الحاجب ﵀ ﷾ للأكثر، ونصه: الأكثر أن الجرح والتعديل يثبت بقول الواحد في الرواية دون الشهادة، وقيل: لا، فيهما، وقيل: نعم، فيهما.
الأول: شرط، فلا يزيد على مشروطه، كغيره، قالوا: شهادة، فيتعدد، وأجيب بأنه خبر، قالوا: أحوط، أجيب بأن الآخر أحوط، والثالث ظاهر اهـ
وما ذكره الشيخ - ﵀ ﷾ - من اشتراط التعدد عن الإمام - ﵀ ﷾ - ذكر في النشر أنه بالنص في الشهادة، ومقتضى القياس في الرواية، على ما قال الإبياري ﵀ ﷾ ونقل عن حلولو - رحمهما الله ﷾ أنه قال: لا يحسن أن يقال: التزكية في حق الشاهد شهادة، وفي حق المخبر خبر، لأن معقول الشهادة فيهما على حد واحد، هو الإنباء بأمر يختص بالمشهود له أو عليه، فالصواب إذا أن لا فرق اهـ والله ﷾ أعلم.
وليس ببين جدا.
شهادةٌ: الاخبار عما خص إن … فيه ترافع إلى القاضي زكن
وغيره رواية
أشار - ﵀ ﷾ - إلى الفرق بين الرواية والشهادة.
فذكر أن الشهادة هي: الإخبار عن خاص، يقع فيه الترافع إلى القضاة، سواء كان الإخبار عن كونه لخاص - أيضا - ككون زيد طلق حفصة، أو باع بعيره لعمرو، أو لعام، كما لو أخبر أن الدار الفلانية وقف على عموم المسلمين، كما نبه عليه الشربيني ﵀ ﷾ (^١).
ولما قيد الإخبار عن الخاص، بإمكان الترافع، علم أن الإخبار عنه من حيث الترافع،
_________________
(١) وبه يعلم عدم ورود مثل الصورة الثانية على الحد، فكون المشهود له عاما، لا ينافي كون الخبر عن خاص.
[ ٢ / ٤١ ]
فيكون الإخبار عنه بخصوص آخر، وهو كونه في الواقع للمدعي، بخلاف الخصوص الأول، فإنه من حيث الدعوى به، فلا يرد الدعوى والإقرار، فإن الأولى إخبار باختصاص المدعى به بالمدعي، والثاني إخبار باختصاص المقر به، بالمقر له، وليس فيه قبل الإقرار جهة خصوص قاله الشربيني - ﵀ ﷾ –.
وأما الرواية فهي الإخبار عن عام، نحو: " الصلاة نور" (^١) أو عن خاص لا يقع فيه الترافع، كبشارة العشرة المعروفين من أصحابه صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم بالجنة.
والصحب … تعديلهم كل إليه يصبو
واختار في الملازمين دون من … رآه مرة إمام مؤتمن
قوله: والصحب البيت، معناه أن الصحابة كلهم عدول، فلا يبحث عن عدالتهم في رواية ولا شهادة، حكى ذلك ابن الحاجب - ﵀ ﷾ - عن الأكثرين، قال القاضي - ﵀ ﷾ -: هو قول السلف، وجمهور الخلف، وقال الجويني - ﵀ ﷾ -: بالإجماع، قال السيوطي - ﵀ ﷾ -:
وهم عدول كلهم لا تشتبه … ألنووي: أجمع من يعتد به
وذلك لما ورد من العمومات المقتضية لتعديلهم، وبراءتهم عن المطاعن.
قال الجويني - ﵀ ﷾ -: ولعل السبب في قبولهم من غير بحث عن أحوالهم، أنهم نقلة الشريعة، ولو ثبت التوقف في روايتهم، لانحصرت الشريعة على عصر الرسول - صلى الله تعالى عليه وسلم - ولما استرسلت على سائر الأعصار.
والمعول في حد الصحابي أنه كل من اجتمع بالنبي - صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم - اجتماعا متعارفا، وهو مؤمن به، ولو حكما، كالصبي المحكوم له بالإسلام، ذكرا كان أو أنثى، وإن لم يرو عنه شيئا، ولم يغز معه، ولم يطل اجتماعه به.
خلافا لمن اشترط الرواية وطول الاجتماع، وخلافالمن اشترط أحدهما، وخلافا لمن اشترط الجهاد معه، أو الاجتماع معه سنة.
وأشار الشيخ - ﵀ ﷾ - بقوله: واختار في الملازمين البيت، إلى ما
_________________
(١) رواه مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة والدارمي والإمام أحمد.
[ ٢ / ٤٢ ]
ذكره المازري - ﵀ ﷾ - في شرح البرهان، من أنه ليس المراد بالصحابة في قولنا الصحابة عدول، كل من رآه - صلى الله تعالى عليه وسلم - يوما ما، أو رآه لماما، أو اجتمع به لغرض وانصرف، وإنما نعني به الذين لازموه، وعزروه، ونصروه اهـ
وتبعه القرافي - ﵀ ﷾ - وهو قول غريب جدا.
إذا ادعى العدل المعاصر الشرف … بصحبة يقبله جل السلف
معناه أن العدل الذي علم أنه كان في عصر النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - إذا ادعى الاجتماع بالنبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - قبلت دعواه، وثبتت صحبته، في ما ذهب إليه القاضي ﵀ ﷾ والأكثرون، لأن عدالته مانعة من الكذب، قال التاج في الإبهاج: ومن الناس من توقف في ثبوتها بقوله، لما في ذلك من دعواه رتبة لنفسه، وهو توقف ظاهر، فإن المرء لو قال: أنا عدل، لم يلتفت إلى مقاله، لدعواه لنفسه خصلة شريفة، فكيف إذا ادعى الصحبة، التي هي فوق منصب العدالة بأضعاف مضاعفة، فهذا ما يجب التوقف فيه اهـ
وأجيب من قبل الجمهور بالفرق بعلم العدالة في هذه المسألة.
ومرسل: قولة غير من صحب … قال إمام الاعجمين والعرب
عند المحدثين: قول التابعي … أو الكبير، قال: خير شافع
معنى أول البيتين، أن المرسل في اصطلاح الفقهاء والأصوليين هو ما رفعه غير الصحابي إلى النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - بأن يقول - مثلا -: قال رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - فيدخل فيه المنقطع، والمعضل، والمعلق.
وإذا حدث الصحابي عن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - وعلم أن بينه وبينه واسطة لم يسمها، فهو في حكم المتصل، إذ الظاهر صحبة الواسطة، وجهالة الصحابي لا تضر، ويعرف هذا بمراسيل الصحابة - رضي الله ﷾ عنهم أجمعين - كتحديث أبي هريرة - رضي الله ﷾ - عن بدر، وابن عباس أو عائشة - رضي الله ﷾ عنهم أجمعين - عن بدء الوحي.
ومعنى البيت الثاني، أن المرسل في اصطلاح المحدثين هو ما رفعه التابعي، بأن يقول:
[ ٢ / ٤٣ ]
قال رسول الله - صلي الله تعالى عليه وسلم كذا، أو فعل كذا.
سواء كان التابعي المذكور كبيرا، كعبيد الله بن عدي بن الخيار، وقيس بن أبي حازم، وسعيد بن المسيب.
أو صغيرا، كالزهري وأبي حازم، ويحيى بن سعيد الأنصاري - رضي الله ﷾ عنهم أجمعين -.
هذا هو المشهور عندهم، ومنهم من خصه بالتابعي الكبير خاصة، لأن أكثر رواية الصغير عن التابعي، فما رفعه منقطع.
وما في بعض الشروح (^١) هنا عن شيخ الإسلام ابن حجر - ﵀ ﷾ - من أن التابعي الكبير هو من أدرك الصحابة، وإن لم يلقهم، سهو. …
والذي يغلب على الظن، أن منشأه سقَط في نسخة الشيخ - ﵀ ﷾ - من فتح الباري، وقد ذكرت ذلك في الأعلاق الموضونة، وهذا نص ما ذكرت:
قال في هدي الأبرار عند قوله في طلعة الأنوار:
ثم الكبير عند ذي النجابه … أكثر ما يروي عن الصحابه
ما نصه: وفي فتح الباري: أن الكبير من أدرك الصحابة، وإن لم يلقهم، قاله في كتاب التيمم اهـ
وهذا سهو، إذ كيف يكون من التابعين من لم يلق الصحابة - رضوان الله تعالى عليهم أجمعين - مع اشتراط جماعة من أهل العلم، طول الصحبة، في تحقق التابعية، وعدم الاكتفاء باللقي، فضلا عن أن يكون من كبارهم.
قال العماد ابن كثير - ﵀ ﷾ - في حد التابعي: لم يكتفوا بمجرد رؤيته الصحابي، كما اكتفوا في إطلاق اسم الصحابي على من رآه ﵊، والفرق عظمة وشرف رؤيته ﵊ اهـ (^٢)
_________________
(١) كالنشر والحلي.
(٢) قال في الإبهاج: والفرق شرف الصحبة وعظم رؤية النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - وذلك أن رؤية الصالحين لها أثر عظيم، فكيف رؤية سيد الصالحين، فإذا رآه مسلم ولو لحظة انطبع قلبه على الاستقامة، لأنه بإسلامه متهيئ للقبول، فإذا قابل ذلك النور العظيم، أشرق عليه، وظهر أثره في قلبه وعلى جوارحه اهـ
[ ٢ / ٤٤ ]
فالصواب أن من لم يلق الصحابة - رضوان الله ﷾ عليهم أجمعين - ليس من التابعين أصلا، فضلا عن أن يكون من كبارهم.
ولعل مراد الشيخ - ﵀ ﷾ - في ما نسبه لشيخ الإسلام ابن حجر - ﵀ ﷾ - قوله في سيار بن وردان - ﵀ ﷾ - أحد رواة الحديث الثاني من كتاب التيمم من صحيح البخاري - ﵀ ﷾ - ما نصه: اتفقوا على توثيق سيار، وأخرج له الأئمة الستة وغيرهم، وقد أدرك بعض الصحابة، لكن لم يلق أحدا منهم فهو من كبار أتباع التابعين اهـ
فتكون نسخة الشيخ - ﵀ ﷾ - قد سقط منها لفظ أتباع، والله ﷾ أعلم اهـ
وأورد السيوطي - ﵀ ﷾ - على تخصيص المرسل بالتابعي، من سمع من النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - وهو كافر، ثم أسلم بعد موته - صلى الله تعالى عليه وسلم - فهو تابعي اتفاقا، وحديثه ليس بمرسل، بل موصول، لا خلاف في الاحتجاج به، كالتنوخي: رسول هرقل، وفي رواية: قيصر، فقد أخرج حديثه الإمام أحمد وأبو يعلى - رحمهما الله ﷾ - في مسنديهما، وساقاه مساق الأحاديث المسندة.
وأورد أيضا من رأى النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - غير مميز، كمحمد بن أبي بكر الصديق - رضي الله ﷾ عنهما - فإنه صحابي، وحكم روايته حكم المرسل، لا الموصول، ولا يجيء فيه ما قيل في مراسيل الصحابة، لأن أكثر رواية هذا وشبهه عن التابعي، بخلاف الصحابي الذي أدرك وسمع، فإن احتمال روايته عن التابعي بعيد جدا اهـ من التدريب.
قال في الأعلاق الموضونة: ويجاب عن أمثال محمد بن أبي بكر الصديق - رضي الله
[ ٢ / ٤٥ ]
﷾ عنهما - بما ذكره شيخ الإسلام ابن حجر - ﵀ ﷾ - في الإصابة، من أنهم من حيث الرواية أتباع، فانظره في الكلام على حد الصحابي.
وقد يؤخذ منه أن الصحابي رواية، غيره شرفا وعدالة.
وقد يقال حينئذ: إن التنوخي صحابي رواية، والله ﷾ أعلم.
وقوله: لأن أكثر رواية هذا وشبهه عن التابعي غير ظاهر، إذ لا يكون أنزل حالا من كبار التابعين الذين نصوا أن أكثر رواياتهم عن الصحابة، وأكثر ما يقال في هذه الطبقة: أن احتمال روايتهم عن التابعين أقل بعدا، من احتمال رواية من هم أسن منهم عن التابعين، والله ﷾ أعلم
وهو حجة، ولكن رجحا … عليه مسند، وعكس صححا
معناه أن المرسل حجة عند الإمام مالك والإمام أبي حنيفة - رحمهما الله ﷾ في المشهور عنهما، وعند الإمام أحمد ﵀ ﷾ في أشهر الروايتين عنه، وأكثر من تكلم في الأصول، واختاره الآمدي ﵀ ﷾ وبالغ ابن خويز منداد حتى قال في ما نسبه له أبو الوليد الباجي - رحمهما الله ﷾ في الإشارة إن إنكار المرسل بدعة ظهرت بعد المائتين.
وحجة هذا القول: أن العدل لا يسقط الواسطة بينه وبين النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - إلا وهو عدل عنده، وإلا كان تلبيسا قادحا فيه.
ورده الأكثر، ومنهم الإمام الشافعي، والقاضي أبو بكر - رحمهما الله ﷾ - للجهل بعدالة الواسطة.
وقيل: إن كان المرسل من أئمة النقل مثل سعيد بن المسيب ﵀ ﷾ قبل، وإلا لم يقبل، إذ لا يؤمن أن يظن العدالة بغير عدل.
والمرسل على القول بحجيته أضعف من المسند، فإذا تعارض مرسل ومسند، قدم المسند، للخلاف في المرسل.
وقال قوم: يقدم المرسل، قالوا: لأن العدل لا يسقط إلا من يجزم بعدالته، بخلاف من يذكره، فإنه يحيل الأمر فيه على غيره.
[ ٢ / ٤٦ ]
وهذا هو المراد بقوله - ﵀ ﷾ -: لكن رجحا إلخ.
والنقل للحديث بالمعنى منع … ومالك عنه الجواز قد سمع
اختلف في جواز رواية الحديث بالمعنى، فذهب الأكثر، ومنهم الإمام مالك ﵀ ﷾، في إحدى الروايتين عنه - والأئمة الثلاثة، إلى جوازه، لأن المقصود المعنى، لنا: القطع بأنهم نقلوا عنه - صلى الله تعالى عليه وسلم - أحاديث في وقائع متحدة، بألفاظ مختلفة، شائعة ذائعة، ولم ينكره أحد اهـ
وأنا نعلم بالضرورة - كما قال الإمام ﵀ ﷾ أن الصحابة الذين رووا هذه الأخبار عن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - ما كانوا يكتبونها في ذلك المجلس، ولا يكررون عليها فيه، بل كما سمعوها تركوها، وما رووها إلا بعد الأعصار والسنين، وذلك يحصل القطع بتعذر روايتها على تلك الألفاظ اهـ
وذهب جماعة من المحدثين، والفقهاء، والأصوليين، إلى المنع من ذلك مطلقا، مخافة التغيير.
وقال الماوردي ﵀ ﷾: يجوز إن نسي اللفظ لا إن ذكره.
وقيل: يجوز بلفظ مرادف، مع بقاء التركيب.
وقال ابن العربي - ﵀ ﷾ -: يجوز للصحابة دون غيرهم، لما عندهم من الفصاحة والبلاغة جبلة، ومشاهدتهم أقوال النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - وأفعاله، فأفادتهم المشاهدة عقل المعنى جملة، واستيفاء المقصود كله اهـ
قال: ولو جوزنا لكل أحد، لما كنا على ثقة من الأخذ بالحديث.
وفيه أن جوازه ليس مطلقا، فلا خلاف في المنع لمن ليس عارفا بمدلولات الألفاظ، لا تخفى عليه مقادير التفاوت بينها.
كما أشار إليه الشيخ - ﵀ ﷾ - بقوله:
لعارف بفهم معناه جزم … وغالب الظن لدى البعض انحتم
والمعنى أن الخلاف في جواز الرواية بالمعنى، محله العارف بمدلولات الألفاظ، البصير بموجبات اختلاف مضامينها.
[ ٢ / ٤٧ ]
وأما غير العارف بذلك، فلا يجوز له قولا واحدا، ويشترط جزمه بأنه قد فهم معنى الحديث، وأن عبارته دالة على ذلك المعنى، واكتفى بعضهم بغلبة الظن كما في النشر.
والاستوا في الخفاء والجلا … لدى المجوزين حتما نقلا
أشار به إلى الشرط الثالث، وهو أن يكون اللفظ الذي يؤدي به مساويا للأصل في الجلاء والخفاء، فيبدل اللفظ بمثله في الاحتمال وعدمه، ولا يبدل الأجلى بالجلي، وعكسه، ولا العام بالخاص، ولا المطلق بالمقيد، ولا الأمر بالخبر، ولا العكس، لأن الخطاب تارة يقع بالمحكم، وتارة يقع بالمتشابه، لحكم وأسرار لا يعلمها إلا الله ﷾ ورسوله - صلى الله تعالى عليه وسلم - فلا يجوز تغييرها عن موضوعها.
ويشترط كذلك أن لا يكون الحديث متعبدا بلفظه، كالأدعية والأذكار.
وأن لا يكون من باب المتشابه، كأحاديث الصفات، للابتلاء بالكف عن طلب المعنى فيه، فكيف يتصور نقله بالمعنى.
وأن لا يكون من جوامع الكلم، نحو: " الخراج بالضمان " (^١) و" العجماء جبار" (^٢).
وبعضهم منع في القصار … دون التي تطول لاضطرار
معناه أن منهم من جوز الرواية بالمعنى في الأحاديث الطويلة خاصة، كحديث الإسراء، دون القصيرة.
قال في النشر: المراد بالبعض هنا القاضي عبد الوهاب - رحمهما الله ﷾ - ووجه الفرق الضرورة مع الطول، كما أشار إليه - ﵀ ﷾ - بقوله: لاضطرار.
وبالمرادف يجوز قطعا … وبعضهم يحكون فيه المنعا
معناه أن منهم من ذكر الاتفاق على الجواز في الأداء بمرادف، كإبدال القعود بالجلوس، والنطق بالتكلم، وهو الإبياري ﵀ ﷾ فقد جعل - في شرح البرهان - المسألة على ثلاثة أوجه:
_________________
(١) رواه أبو داوود والترمذي والنسائي وابن ماجة والإمام أحمد، وهو حديث حسن.
(٢) متفق عليه.
[ ٢ / ٤٨ ]
أحدها: أن يبدل اللفظ بمرادفه، وجعل ذلك جائزا بلا خلاف.
الثاني: أن يظن دلالته على مثل ما دل عليه الأول، من غير أن يقطع بذلك، وجعل هذا ممتنعا بلا خلاف أيضا.
الثالث: أن يقطع بفهم المعنى، ويعبر عما فهم، بعبارة يقطع بأنها تدل على ذلك المعنى الذي فهمه، من غير أن تكون الألفاظ مترادفة، وجعل هذا موضع الخلاف.
قال: الأكثرون على أنه متى حصل القطع بفهم المعنى مستندا إلى اللفظ، إما بمجرده، أو به مع القرائن، التحق بالمرادف، نقله الزركشي - ﵀ ﷾ - في البحر.
قال: وكلام أبي نصر القشيري - ﵀ ﷾ - يدل لما ذكره في الحالتين الأوليين، على الاتفاق على الجواز في الأولى، وعلى المنع في الثانية اهـ
وجوزنْ وفقا بلفظ عجمي … ونحوه الإبدال للمترجم
معناه أن ترجمة الحديث بلغات العجم، للإفتاء والتعليم، جائزة، وقد حكى على ذلك الرهوني ﵀ ﷾ وغيره الإجماع، كما في النشر.
كيفية رواية الصحابي عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم
المراد بالكيفية: الالفاظ والعبارات التي يؤدي بها الصحابي روايته، فهي متفاوتة في الرجحان، بحسب بعد احتمال عدم الاتصال ونحوه، فكلما ضعف احتمال الواسطة، كان أرجح، وإلى هذا أشار - ﵀ ﷾ - بقوله:
أرفعها الصريح في السماع … من الرسول المجتبى المطاع
منه سمعت منه ذا، وأخبرا … شافهني حدثنيه صيِّرا
معناه أن أقوى طرق أداء الصحابي، ما كان صريحا في السماع منه - صلى الله تعالى عليه وسلم - كقوله: سمعت رسول الله - صلي الله تعالى عليه وسلم - يقول كذا، أو شافهني، أو أخبرني، أو حدثني، أو خاطبني.
وكذلك ما يدل على معاينة الفعل، نحو: رأيته - صلى الله تعالى عليه وسلم - فعل كذا، أو عاينته، أو شاهدته، أو حضرته، وذلك لعدم احتمال الواسطة التي يمكن دخول
[ ٢ / ٤٩ ]
الخلل من جهتها.
فقال، عن، ثم نُهي أوُ اُمِرا … إن لم يكن خير الورى قد ذكرا
معناه أن المرتبة الثانية أن يقول: قال رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - لظهور ذلك في سماعه منه - صلى الله تعالى عليه وسلم -، فهو متصل عند الأكثرين، وهو حجة حتى على احتمال الواسطة، على ما هو المعول ومذهب الجمهور في مراسيل الصحابة.
ومثل ذلك أن يقول: حدثنا، أو أخبرنا، كما نقله في النشر عن الفهري - رحمهما الله ﷾.
واختلف في قوله: عن رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - هل هو في قوة قال، أو دونها، مع مساواته لها في أصل الظهور في السماع، وهو الذي شرح به في النشر.
المرتبة الرابعة في النظم أن يقول: نهينا عن كذا، أو أمرنا بكذا، أو كنا نؤمر بكذا، أو ننهى عن كذا، أو أُوجب علينا، أو حُرم علينا، أو رُخص لنا، أو أُرخص لنا، لظهوره في أنه صلى الله تعالى عليه وسلم هو الآمر والناهي، وإنما كان بعد " قال " و" عن " لزيادته على احتمال الواسطة، احتمال كون الآمر أو الناهي - مثلا - غير النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - بأن يكون الأمر أو النهي من أحد الخلفاء، أو استنباطا من الصحابي.
وقيل: إنما يكون له حكم الرفع إذا كان قائل ذلك أبا بكر الصديق - رضي الله ﷾ عنه ـ.
وقيل: إن كان القائل أحد أكابر الصحابة - رضوان الله سبحانه وتعالي عنهم أجمعين - فإن أسند ذلك إلى النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - فهو مقدم على المبني للمفعول، إلا أنه متأخر أيضا عن قال، لاحتماله - زيادة على احتمال الواسطة - الخطأ في الفهم، لأنه رواية بالمعنى.
قال الزركشي - ﵀ ﷾ -: فهذا يتطرق إليه احتمال الواسطة، مع احتمال ظنه ما ليس بأمر أمرا اهـ
لا سيما إذا كان المعنى ذا دلالات متشعبة، وكأن هذا هو مراد شهاب الدين القرافي - ﵀ ﷾ - بكلامه الذي نوقش في هذا الموضع، فهذه الأمور تزيد من
[ ٢ / ٥٠ ]
احتمال عدم صدور مضمون الخبر من النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - وذلك المعنى هو مبنى هذا الباب - في ما يظهر - فعدم الاتصال إنما تحفظ منه، من جهة خوف عدم صدور الخبر من النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم، والله ﷾ أعلم.
قال التاج ﵀ ﷾ في الإبهاج:
الثالثة أن يقول: أمر النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - بكذا، ونهى عن كذا، فهذا يتطرق إليه هذا الاحتمال - يعني الواسطة - مع احتمال آخر، وهو احتمال ظنه ما ليس بأمر أمرا، وأيضا فليس فيه أنه أمر الكل أو البعض، ولا أن الأمر به يدوم، أو لا، فربما اعتقد شيئا لا يوافق اجتهادنا اهـ
وما ذكره في النشر من عدم احتمال الواسطة، ليس ببين، بل احتمال الواسطة فيه قائم، كما سبق، وقد نبه على ذلك في نثر الورود، وما استظهره - أعني صاحب نثر الورود - من أنها في قوة " قال " غير بين، لأنها رواية بالمعنى - كما تبين ـ.
وقوله: وما ادعوه من الاحتمالات في الأمر هل للكل أو البعض؟ أو دائم أو غير دائم؟ يظهر ضعفه إلخ، فيه أنهم لم يدعوا قوته، وإنما ذكروا احتماله بمرجوحية، وأن احتماله يوجب راجحية غير المحتمل له عليه، والله ﷾ أعلم.
كذا من السنة يروى والتحق … كنا به إذا بعهده التحق
يعني أن مما له حكم الرفع، قول الصحابي: من السنة كذا، كقول أنس - رضي الله ﷾ عنه -: من السنة إذا تزوج الرجل البكر على الثيب، أقام عندها سبعا، وقسم (^١).
وقول علي - رضي الله ﷾ عنه -: من السنة أن تخرج إلى العيد ماشيا، وأن تأكل شيئا قبل أن تخرج (^٢).
وهو في الترتيب بعد ما تقدم.
_________________
(١) متفق عليه، واللفظ للبخاري.
(٢) رواه الترمذي، وهو حديث حسن.
[ ٢ / ٥١ ]
وقيل: ليس له حكم الرفع، لاحتمال إرادة سنة البلد، أو السلطان، أو نحو ذلك، زيادة على الاحتمالات المتقدمة.
ومما له حكم الرفع أيضا أن يقول: كنا نفعل على عهد النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - كقول ابن عمر - رضي الله ﷾ عنهما -: كنا نأكل على عهد رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - ونحن نمشي، ونشرب ونحن قيام (^١).
وقيل: ليس لذلك حكم الرفع حتى يعلم أن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - كان يعلم ذلك منهم، كحديث أنس - رضي الله ﷾ عنه -: كنا نصلي على عهد النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - ركعتين بعد غروب الشمس قبل صلاة المغرب، قيل له: أكان رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - صلاهما؟ قال: كان يرانا نصليهما، فلم يأمرنا، ولم ينهنا (^٢).
ويلي ذلك أن يقول: كانوا يفعلون، أو كنا نفعل - مثلا - من غير أن يذكر عهد النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - لاحتمال كون ذلك كان بعد النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - كقول أم عطية - رضي الله ﷾ عنها -: كنا لا نعتد بالكدرة والصفرة بعد الغسل شيئا (^٣).
قال في النشر: فلظهوره في جميع الناس، فهو إجماع، وقيل: لا، لجواز إرادة أناس مخصوصين.
كيفية رواية غير الصحابي عن شيخه
للعرض والسماع والإذن استوا … متى على النوال ذا الإذن احتوى
العرض هو: قراءتك على الشيخ، أو قراءة غيرك عليه وأنت تسمع، سواء كانت القراءة من كتاب، أو من حفظ، سواء كان الشيخ يحفظ ما قرئ أو لا، إذا أمسك أصله هو أو ثقة غيره، أو كان بعض الحاضرين يحفظ ذلك.
_________________
(١) رواه الترمذي وصححه وابن ماجة وابن حبان.
(٢) رواه مسلم وأبو داوود.
(٣) رواه أبو داوود والدارمي، وهو حديث صحيح، وأصله في البخاري.
[ ٢ / ٥٢ ]
وشرط الإمام أحمد ﵀ ﷾ في القارئ أن يكون ممن يعرف ويفهم، وشرط إمام الحرمين ﵀ ﷾ في الشيخ أن يكون بحيث لو وقع من القارئ تصحيف أو تحريف رده.
والسماع المراد به: سماع لفظ الشيخ.
والإذن المراد به: الإجازة.
والنوال كصواب: المناولة، وهي أن يعطيه الشيخ أصل سماعه، أو فرعا مقابلا عليه. والمعنى أن العرض، والسماع، والمناولة المصطحبة بالإجازة، بأن يناوله سماعه، ويقول: أجزت لك روايته عني، متساوية في القوة عند الإمام مالك - ﵀ ﷾ -.
قال في النشر: وكون الإجازة المقرونة بالمناولة، تساوي السماع، هو ما ذهب إليه ابن شهاب، وربيعة - رحمهما الله ﷾ وخلق كثير، والسماع أقوى منها عند أبي حنيفة والشافعي وأحمد ﵏ ﷾ وصححه النووي ﵀ ﷾ ولا يعمل بالمناولة المجردة عن الإجازة اهـ
واعمل بما عن الإجازة رُوِي … إن صح سمعه بظن قد قوِي
معناه أن الإجازة المجردة عن المناولة، سواء كانت مشافهة، أو بالكتابة، تجوز الرواية والعمل بها على المشهور عندنا، وهو مذهب جمهور السلف والخلف، وكلام المانعين محمول على الكراهة.
قال الخطيب ﵀ ﷾: وقد ثبت عن الإمام مالك - ﵀ ﷾ - الحكم بصحة الرواية بأحاديث الإجازة، فدل على أن منعه إنما هو على وجه الكراهة أن يجيز العلم لمن ليس أهله ولا خدمه، ولا عانى التعب، ولهذا قال: إنما يريد أحدكم أن يقيم المقام اليسير، ويحمل العلم الكثير اهـ
قال: وكذلك المنقول عن الإمام الشافعي - ﵀ ﷾ - كراهة الاتكال على الإجازة، بدلا عن السماع، وقد قال الكرابيسي: لما كان قَدْمة الشافعي ﵀ ﷾ الثانية إلى بغداد، أتيته، فقلت له: أتأذن لي أن أقرأ عليك الكتب، قال: خذ كتب الزعفراني، فانسخها، فقد أجزتها لك، فأخذتها إجازة اهـ
[ ٢ / ٥٣ ]
ونقل عن الإمام مالك - ﵀ ﷾ - اشتراط علم المجيز والمستجيز ما في الكتاب من الأحاديث.
وقوله - ﵀ ﷾ -: إن صح سمعه إلخ، يعني أنه لا يروي بها عنه إلا ما استيقن، أو غلب على ظنه، أنه سماعه حيث كانت الإجازة عامة، كأن يقول: أجزت لك أن تروي عني ما صح عندي.
لشبهها الوقف تجي لمن عُدم … وعدم التفصيل فيه منحتم
معناه أن إجازة المعدوم جائزة، قال في النشر: قال عياض - رحمهما الله ﷾ -: أجازها معظم الشيوخ المتأخرين، قال - يعني عياضا -: وبها استمر عملهم شرقا وغربا اهـ
سواء كان المعدوم تبعا لموجود، نحو: أجزت لك، ولمن سيولد لك، أو لم يكن تبعا لموجود، نحو: أجزت لمن سيولد لك، قياسا على الحبس.
وذلك هو قوله - ﵀ ﷾ -: وعدم التفصيل فيه منحتم، فالضمير فيه: للمعدوم، أي: لا فرق بين أن يكون المعدوم تبعا لموجود أو لا.
خلافا لمن منع إجازة المعدوم مطلقا، لأن الإجازة في حكم الإخبار بالمجاز، فكما لا يصح الإخبار للمعدوم، لا تصح الإجازة له.
وخلافا لمن منع إجازة المعدوم إلا تبعا لموجود، وهو منسوب للإمام الشافعي - ﵀ ﷾ -.
قال في النشر: والإجماع على منع الإجازة لكل من يوجد مطلقا، أي: من غير تقييد بالنسل.
والكتب دون الإذن بالذي سمع … إن عرف الخط وإلا يمتنع
الكتب، معطوف على الإجازة في قوله: واعمل بما عن الإجازة.
والمعنى أنه يجوز للمجتهد العمل دون الرواية بما كتب إليه الراوي أنه سماعه، من غير أن يأذن له في روايته عنه، وإلا كان إجازة.
وهذا إن كان يعرف خطه، أو ثبت عنده بالبينة أنه خطه، فإن كان لا يعرف خطه،
[ ٢ / ٥٤ ]
أو كان يعرفه وشك فيه، ولم تشهد بينة أنه خطه، امتنع العمل به أيضا، لعدم ثبوته عنه.
والخلف في إعلامه المجرد … وأعملنْ منه صحيح السند
معناه أنه اختلف في إعلام الشيخ بأن الحديث كذا سماعه، من غير أن يجيز روايته عنه، هل تجوز به الرواية، وإليه ذهب كثير من المحدثين، والفقهاء، والأصوليين، وذهب إليه ابن حبيب ﵀ ﷾ وصححه عياض ﵀ ﷾ كما في النشر، أو لا يجوز، إذ لعله يعلم فيه خللا، كالشاهد يذكر شهادته بغير مجلس الحكم، وقطع به الغزالي - ﵀ ﷾ -.
وأما العمل به فواجب إذا صح سنده، كما جزم به ابن الصلاح ﵀ ﷾ ونسبه القاضي ﵀ ﷾ لمحققي الأصوليين، وحكى عياض ﵀ ﷾ الاتفاق عليه.
وذلك هو المراد بقوله - ﵀ ﷾ -: وأعملن منه صحيح السند.
والاخذ عن وجادة مما انحظل … وفقا، وجل الناس يمنع العمل
الوجادة - بكسر الواو -: مصدر ولَّده أهل الفن لما يوجد بخط شيخ معروف من غير سماع منه، ولا إجازة، ولا مناولة.
وذكر الشيخ - ﵀ ﷾ - في البيت، أن الرواية بها ممنوعة، قال في النشر: عند معظم المحدثين، والفقهاء المالكية وغيرهم، وقد حكى عياض - ﵀ ﷾ - الاتفاق على منع الرواية بالوجادة.
ونقل عن الإمام الشافعي ﵀ ﷾ ونظار أصحابه جوازها، ونقل عن بعض محققي الشافعية أنه قطع بوجوب العمل بها عند حصول الثقة بها، ثم ذكر عن النووي - ﵀ ﷾ - أن المتحمل بالوجادة منقطع، فيه شائبة اتصال.
وما به يذكر لفظ الخبر … فذاك مسطور بعلم الأثر
معناه أن الألفاظ التي تؤدى بها الرواية، مذكورة في كتب مصطلح الحديث، فتركها الشيخ - ﵀ ﷾ - لقوله في صدر الكتاب:
منتبذا عن مقصدي ما ذكرا … لدى الفنون غيره محررا
[ ٢ / ٥٥ ]
قال التاج السبكي - ﵀ ﷾ - في جمع الجوامع: وألفاظ الرواية من صناعة المحدثين اهـ