اختلف في لفظ القرآن هل هو مشتق، أو لا؟
فقال قوم: إنه اسم مرتجل، كالتورية والإنجيل.
وقال قوم: هو مشتق.
واختلف القائلون باشتقاقه، فقال قوم: هو مشتق من قَرَأَ بمعنى جمع، وعلى هذا اقتصر جماعة من أئمة اللسان، وذلك لجمعه السور والآيات، وجمْع الأخبار، والأحكام، والوعد، والوعيد، وغير ذلك، ثم نقل من المصدر وجعل علما.
وقيل: هو مشتق من قَرَأَ إذا تلا، فهو من إطلاق المصدر بمعنى اسم المفعول، وذلك أنه مقروء ومتلو.
وقال قوم: هو غير مهموز، واشتقاقه من القرائن، والله ﷾ أعلم.
والمباحث: جمع مبحث، وهو اسم مكان من البحث، وهو التفتيش والتحقيق.
والمراد أنه سيذكر في هذه الترجمة مسائل الأقوال، والمراد بالأقوال: الأقوال التي يشتمل عليها القرآن، ونظيرها من السنة أيضا، كالأمر، والنهي، والعام، والخاص، والمطلق، والمقيد، والناسخ، والمنسوخ، والمبين، والمجمل، والمحكم، والمتشابه، وغيرها.
لفظ منزَّل على محمد … لأجل الاعجاز وللتعبد
القرآن يطلق بإزاء معان:
فيطلق على اللفظ، كما في قوله ﷾ جل من قائل: (وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله)
ويطلق على المكتوب، ومنه قوله ﷾ جل من قائل: (لا يمسه إلا المطهرون) وحديث نهى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو (^١) وما في كتاب عمرو بن حزم " لا يمس القرآن إلا طاهر " (^٢).
_________________
(١) متفق عليه.
(٢) رواه مالك في الموطإ بإسناد صحيح.
[ ١ / ٦٦ ]
ويطلق على المقروء، ومنه قوله ﷾ جل من قائل: (فإذا قرأت القرآن) وقوله ﷾ جل من قائل: (وما تكون في شأن وما تتلو منه من قرآن)
ومن رأى أن لفظ اللافظ، أو ورقة المصحف - مثلا - هي عين صفة الباري ﷾ فقد أبعد إبعادا يدركه الذكي والغبي.
ويختلف تعريف القرآن بحسب الجهة التي يتعلق به البحث منها، وهو عند الفقهاء والأصوليين وعلماء اللسان: اللفظ المنزل على محمد - صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم - لأجل الإعجاز به، والتعبد بتلاوته.
فخرج بوصف التنزيل: الأحاديث النبوية، فإنها لم تنزل عليه ألفاظها، وإنما نزل عليه معناها.
وخرج بقولنا: على محمد - صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم - ما سوى القرآن من الكتب المنزلة.
وخرج بقولنا: لأجل الإعجاز، الأحاديث القدسية، كحديث " أنا أغنى الشركاء عن الشرك " (^١).
وخرج بقولنا: والتعبد بتلاوته: المنسوخ، كآية الشيخ والشيخة.
تنبيه
كان يشكل علي كثيرا، ما أسمعه من أن من قرأ حرفا هجائيا من القرآن، يكون له به عشر حسنات، مع أن ظاهر حديث " لا أقول ألم حرف " (^٢) يقتضي غير ذلك.
ووقع ببالي مرة، أن المراد حرف الهجاء، لكن العبرة فيه بالرسم، لا باللفظ، ثم نقل لي بعض طلبة العلم كلاما للحافظ أبي عمرو الداني ﵀ ﷾ في كتاب البيان في عد آي القرآن، صريحا في ذلك، ونصه:
لو كانت الكلمة إنما تعد حروفها على حال استقرارها في اللفظ، دون الرسم، لوجب
_________________
(١) رواه مسلم والترمذي وابن ماجة والإمام أحمد.
(٢) رواه الترمذي، وهو حديث صحيح.
[ ١ / ٦٧ ]
أن يكون لقارئ (ألم) تسعون حسنة، إذ هي في اللفظ تسعة أحرف، فلما قال الصحابي - وبعضهم يرفعه - إنها ثلاثة أحرف، وإن لقارئها ثلاثين حسنة، لكل حرف منها عشر حسنات، ثبت أن حروف الكلم إنما تعد على حال صورهن في الكتابة، دون اللفظ اهـ.
وهذا يقتضي أن الرسم توقيفي، ويحتمل عليه أن يثاب على الأحرف الزوائد، ولم أقف على شيء في ذلك.
ووقفت بعد ذلك أيضا على جواب آخر للإمام الحافظ ابن الجزري ﵀ ﷾ في ذلك، ونصه:
وقد سألت شيخنا الإمام ابن كثير ﵀ ﷾: ما المراد بالحرف في الحديث؟
فقال: الكلمة، لحديث ابن مسعود - رضي الله ﷾ عنه - " من قرأ القرآن فله بكل حرف عشر حسنات، لا أقول ألم حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف "
قال: وهذا الذي ذكره هو الصحيح، إذ لو كان المراد بالحرف حرف الهجاء، لكان ألف بثلاثة أحرف، ولام بثلاثة أحرف، وميم بثلاثة أحرف، وقد تعسر على فهم بعض الناس، فينبغي أن يتفطن له، فكثير من الناس لا يعرفه اهـ.
وهذا الجواب أقرب عندي مما قبله، والله ﷾ أعلم.
وهو يقتضي أن الحرف يطلق بمقابلة معنيين غير حرف الهجاء: أحدهما الكلمة، والثاني الآية أو الجملة.
فبين الخبر أنه ليس المراد حرف الهجاء، ولا الحرف بمعنى الآية مثلا، وإنما المراد الحرف بمعنى الكلمة، وبهذا يظهر بيان عدم صحة ما يقع في كلام بعضهم من زيادة الأجر في كلمة بقراءة، عليها في قراءة أخرى، لزيادتها فيها بحرف، إلا أن يكون الحرف حرفا دالا على معنى، الذي هو الحرف في اصطلاح النحاة، وذلك أن ظاهر الخبر على هذا المعنى أن المراد الكلمة معنى لا رسما، ويحتمل اختصاص ذلك أيضا بالحرف الذي يستقل بنفسه كعن ومن، دون الحرف الذي لا يستقل بنفسه كالفاء، والباء، والواو، والله ﷾ أعلم
[ ١ / ٦٨ ]
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وليس للقرآن تُعزى البسمله … وكونها منه الخلافي نَقَلَه
وبعضهم إلى القراءة نظر … وذاك للوفاق رأي معتبر
ومعناه أنه اختلف في عد البسملة آية من أول كل سورة، غير سورة التوبة، وعدم عدها، فذهب أكثر الأصوليين، والفقهاء، والأئمة الثلاثة، كما في النشر، إلى أنها ليست آية في أول كل سورة، قال:
والصحيح عن الشافعي ﵀ ﷾ أنها آية في جميع أوائل السور، غير براءة، وروي عنه أنها آية من الفاتحة، وروي عنه أنه قال: لا أدري، هل هي آية من الفاتحة أو لا.
وذهب جماعة من الحفاظ إلى التوفيق بأن الخلاف فيها راجع إلى اختلاف القراءة، فمن قرأ بحرف من يثبتها في أول كل سورة، فهي آية عنده من كل سورة، ومن قرأ بحرف من لا يثبتها، فليست آية عنده من كل سورة.
واستشكل الأمير ذلك في الفاتحة بالنسبة للمصلي، بأمرين:
أحدهما اتفاق القراء على إثباتها عند الافتتاح بكل سورة، والفاتحة في الصلاة لا تكون إلا مفتتحا بها.
وهذا غير بين، فالنظر في إثبات البسملة قبل أول كل سورة، إنما هو لإثباتها على وجه الدوام، لا لإثباتها لعروض وصف الابتداء، فالبسملة في مثل ذلك كالاستعاذة، وقد اتفق على أنها ليست من القرآن، وقد اتفقوا على طلبها عند الابتداء بالقراءة، واستغني عنها في الصلاة بالتكبير، فكذلك البسملة عند من لا يثبتها على كل حال.
وقد جاء عن بعض أهل الأداء الافتتاح بعد الاستعاذة بالبسملة وإن لم يكن الافتتاح بأول سورة.
الثاني الإجماع على عدم تعين قراءة في الصلاة، ولا خارجها، وهذا وجه بين وجيه، إذا كان المراد بناء الاختلاف في بطلان صلاة تاركها.
وأما بناء الاختلاف في إثبات قرآنيتها أول كل سورة عليه، الذي هو مرادهم فلا يظهر
[ ١ / ٦٩ ]
توجهه عليه، والله ﷾ أعلم.
وليس منه ما بالاحاد رُوي … فللقراءة به نفي قوي
كالاحتجاج، غير ما تحصلا … فيه ثلاثة فجوز مسجلا
صحة الاسناد، ووجه عربي … ووفق خط الام شرط ما أُبي
مثل الثلاثة
قوله: وليس منه ما بالاحاد روي، البيت، معناه أن القرآنية لا تثبت برواية الآحاد، فلا تجوز القراءة بما روي أنه قرآن آحادا، ولا تثبت به الأحكام، على القول القوي، وذلك كقراءة ابن مسعود - رضي الله ﷾ في كفارة اليمين (فصيام ثلاثة أيام متتابعات)
وقيل: تجوز القراءة به، ويحتج به.
وقيل: لا تجوز القراءة به، ولكن يحتج به.
فالمنقول على أنه قرآن، لا تثبت قرآنيته حتى تجتمع فيه ثلاثة أمور:
أولها: صحة إسناده إلى النبي - صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ـ.
الثاني: موافقة وجه عربي، وإن لم يكن الأفصح، أو كان مختلفا فيه، وما في بعض الشروح من اشتراط كونه الجادة، خلاف مذهب المحققين.
قال الإمام الحافظ أبو الخير محمد بن محمد ابن الجزري ﵀ ﷾ في كتابه النشر: وقولنا في الضابط: ولو بوجه، نريد وجها من وجوه النحو، سواء كان أفصح أم فصيحا، مجمعا عليه أم مختلفا فيه، اختلافا لا يضر مثله، إذا كانت القراءة مما شاع وذاع، وتلقاه الأئمة بالإسنادالصحيح، إذ هو الأصل الأعظم والركن الأقوم، وهذا هو المختار عند المحققين في ركن موافقة العربية، فكم من قراءة أنكرها بعض أهل النحو، أو كثير منهم، ولم يعتبر إنكارهم، بل أجمع الأئمة المقتدى بهم من السلف على قبولها، كإسكان (بارئكم). ثم نقل عن الإمام الحافظ أبي عمرو الداني - رحمهما الله ﷾ أنه قال: وأئمة القراءة لا تعمل في شيء من حروف القرآن على الأفشى في اللغة، والأقيس في العربية، بل على الأثبت في الأثر، والأصح في النقل.
[ ١ / ٧٠ ]
والرواية إذا ثبتت عنهم، لم يردها قياس عربية، ولا فشو لغة، لأن القراءة سنة متبعة، يلزم قبولها والمصير إليها اهـ.
الثالث: موافقة رسم أحد المصاحف العثمانية، ولو احتمالا فقط، كما في الألفات المحذوفة.
وإلى هذا أشار ببقية الأبيات.
وهذه الشروط إنما هي في غير المتواتر، وأما المتواتر فلا يشترط فيه شيء.
قال الإمام الحافظ ابن الجزري ﵀ ﷾ في النشر في الكلام على شرط صحة الإسناد: نعني به أن يروي تلك القراءة، العدل الضابط عن مثله كذلك، حتى تنتهي، وتكون مع ذلك مشهورة عند أئمة هذا الشأن الضابطين، غير معدودة عندهم من الغلط، أو مما شذ بها بعضهم.
وقد شرط بعض المتأخرين التواتر في هذا الركن، ولم يكتف فيه بصحة السند، وزعم أن القرآن لا يثبت إلا بالتواتر، وأن ما جاء مجيء الآحاد، لا يثبت به قرآن، وهذا مما لا يخفى ما فيه، فإن التواتر إذا ثبت لا يحتاج فيه إلى الركنين الأخيرين، من الرسم وغيره، إذ ما ثبت من أحرف الخلاف متواترا عن النبي - صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم - وجب قبوله، والقطع بكونه قرآنا، سواء وافق الرسم أم خالفه.
وإذا اشترطنا التواتر في كل حرف من حروف الخلاف، انتفى كثير من أحرف الخلاف الثابت عن هؤلاء الأئمة السبعة وغيرهم، ولقد كنت قبل أجنح إلى هذا القول، ثم ظهر فساده، وموافقة أئمة السلف والخلف اهـ.
والذي ظهر لي بعد التأمل، أن مقصود مشترط التواتر، والمكتفي بصحة الإسناد مختلف، فمقصود مشترط التواتر أصول الكلمات، كما هو ظاهر عبارة الصفاقسي، حيث قال ما معناه: لا يمكن أن يكون القرآن كغيره - يعني في الثبوت بأخبار الآحاد ـ.
وجواز القراءة بالأوجه الثابتة التي تقرأ عليها الكلمات معلوم عن الجميع، وعدم التواتر في ذلك معلوم أيضا.
ومقصود المكتفي بصحة الإسناد: الوجوه التي تقرأ عليها الكلمة، ولا يخالف في اشتراط
[ ١ / ٧١ ]
التواتر في أصول الكلمات، إلا أن هذا معلوم من شرط موافقة الخط، وذلك أن موافقة الخط على وجهين:
موافقة على وجه لا احتمال فيه، وموافقة على وجه محتمل، وهذه إنما تعتبر في الأوجه التي تقرأ عليها الكلمة، لا في أصل الكلمة، حتى حروف المعاني، كما صرح به ابن الجزري ﵀ سبخانه وتعالى - في النشر.
ولا يخفى أن ثبوت الكلمة بوجه لا احتمال فيه، في إحدى نسخ المصحف العثماني، يستلزم التواتر، والله ﷾ أعلم.
ورجح النظر … تواترا لها لدى من قد غبر
تواتر السبع عليه أجمعوا
معناه أن الراجح أن القراآت الثلاث، قراءة خلف، وأبي جعفر، ويعقوب ﵏ ﷾ متواترة.
وقال التاج السبكي ﵀ ﷾ في منع الموانع على سؤالات جمع الجوامع: إن القول بأنها غير متواترة في غاية السقوط، ولا يصح القول به عمن يعتبر قوله في الدين.
وقال الإمام الحافظ ابن الجزري ﵀ ﷾: وقد جرى بيني وبينه في ذلك كلام كثير، وقلت له: ينبغي أن تقول: والعشر متواترة ولا بد، فقال: أردنا التنبيه على الخلاف، فقلت: وأين الخلاف؟ وأين القائل به؟ ومن قال: إن قراءة أبي جعفر، ويعقوب، وخلف، غير متواترة؟
فقال: يفهم من قول ابن الحاجب: والسبع متواترة، فقلت: أي سبع؟ وعلى تقدير أن يكون هؤلاء السبعة، مع أن كلام ابن الحاجب لا يدل عليه، فقراءة خلف لا تخرج عن قراءة أحد منهم، بل ولا عن قراءة الكوفيين في حرف، فكيف يقول أحد بعدم تواترها مع ادعائه تواتر السبع؟!
وأيضا فلو قلنا إنه يعني هؤلاء السبعة، فمن أي رواية؟ ومن أي طريق؟ ومن أي كتاب؟ إذ التخصيص لم يدعه ابن الحاجب ﵀ ﷾ ولو ادعاه لما سلم له
[ ١ / ٧٢ ]
بقي الإطلاق، فيكون كلما جاء عن السبعة، فقراءة يعقوب جاءت عن عاصم، وأبي عمرو، وأبو جعفر هو شيخ نافع، ولا يخرج عن السبعة من طرق أخرى.
فقال: فمن أجل هذا قلت: والصحيح أن ما وراء العشرة فهو شاذ، وما يقابل الصحيح إلا فاسد.
وذكر أنه كتب له في جواب سؤال وجهه إليه بذلك، ما نصه:
الحمد لله، القراآت السبع التي اقتصر عليها الشاطبي، والثلاث التي هي قراءة أبي جعفر، وقراءة يعقوب، وقراءة خلف، متواترة، معلومة من الدين بالضرورة، وكل حرف انفرد به واحد من العشرة، معلوم من الدين بالضرورة أنه منزل على رسول الله - صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم - لا يكابر في شيء من ذلك إلا جاهل، وليس تواتر شيء منها مقصورا على من قرأ بالروايات، بل هي متواترة عند كل مسلم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله - صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم - ولو كان مع ذلك عاميا جلفا، لا يحفظ من القرآن حرفا.
ولهذا تقرير طويل، وبرهان عريض، لا يسع هذه الورقة شرحه، وحظ كل مسلم وحقه أن يدين الله ﷾ ويجزم نفسه بأن ما ذكرناه متواتر، معلوم باليقين، لا يتطرق الظنون ولا الارتياب إلى شيء منه، والله ﷾ أعلم كتبه عبد الوهاب بن السبكي الشافعي.
ولم يكن في الوحي حشو يقع
وما به يُعنى بلا دليل … غير الذي ظهر للعقول
معناه أنه يمتنع أن يقع في القرآن، أو في السنة، لفظ له معنى لا يمكن فهمه، خلافا للحشوية، حيث أجازوا أن يقع فيه ما لا يمكن فهمه، واحتجوا بالحروف المقطعة في أوائل السور.
وأجيب بأن لها معاني، وإن وقع الخلاف في تعيينها، فهي كغيرها مما اختلف في معناه، وهذا أمر مختلف فيه، وأورد على تخصيص الخلاف بهم، مذهب الجمهور في المتشابه.
[ ١ / ٧٣ ]
وقيل: المختلف في جواز وقوعه ما لا معنى له أصلا.
قال البناني ﵀ ﷾: والحاصل أنهم اضطريت أقوالهم في محل النزاع في هذه المسألة، وتعارضت، والذي صوبه الأسنوي ما قاله المصنف - رحمهما الله ﷾ من أن محل النزاع ورود ما لا معنى له أصلا اهـ.
وهو ظاهر عبارة البيضاوي ﵀ ﷾ في المنهاج، حيث قال: لا يخاطب الله ﷾ بمهمل اهـ
وهو أيضا ظاهر عبارة الشيخ الناظم ﵀ ﷾ حيث قال: ولم يكن في الوحي حشو، وإن كان قد شرحها بغير ذلك.
وذكر العطار ﵀ ﷾ أنه لا قائل بذلك، واستدل بمنافاة ذلك للفصاحة، لكن بطلان القول بالنظر، لا يرد روايته، فكم من قول بين البطلان، قد ثبتت نسبته لبعض الأعيان، فكيف بأهل الأهواء، ونقل عن الكوراني والزركشي ﵏ ﷾ أجمعين - أنهما قالا: إن ذلك لم يقل به أحد، فإن ثبت أنهما أرادا الإطلاق، فنقلهما معارض بنقل غيرهما، والأصل أن المثبت مقدم على النافي، وإن أرادا أحدا ممن يعتد به، أو كان ذلك بعبارة محتملة فلا تعارض، والله ﷾ أعلم.
ومنهم من بحث في منع ذلك في السنة، وهو بحث لين، فقد قال ﷾ جل من قائل: (وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى) والله ﷾ أعلم.
ولا يجوز أن يقع فيهما لفظ يراد به غير ظاهره بلا دليل دال على ذلك، سواء بين المراد، أو لم يبينه، كما في حاشية العطار ﵀ ﷾.
وجوزت المرجئة وقوع ذلك، وذهبوا إلى أن آيات وأخبار الوعيد التي ظاهرها تعذيب العصاة، إنما يراد بها الترهيب، بناء على مذهبهم أن المعصية لا تضر مع الإيمان، كما لا تنفع الطاعة مع الكفر.
والنقل بالمنضم قد يفيد … للقطع، والعكس له بعيد
معناه أن الدليل النقلي، قد يكون قطعي الدلالة على المراد منه، فيحصل القطع به بما ينضم إليه من القرائن المانعة لتجويز إرادة غير ذلك المعنى، خلافا لمن قال تفيده مطلقا،
[ ١ / ٧٤ ]
وخلافا لمن قال لا تفيده مطلقا، معللا ذلك بالتوقف على العلم بعدم المعارض.
قال السعد التفتازاني ﵀ ﷾ في شرح المقاصد: الحق أنها تتوقف على عدم العلم بالمعارض، لا على العلم بعدمه، إذ كثيرا ما يحصل اليقين من الدليل، ولا يخطر المعارض بالبال، إثباتا أو نفيا، فضلا عن العلم بعدمه، فالمراد بقولهم: إن إفادتها اليقين تتوقف على العلم بعدمه، أنها تكون بحيث لو لاحظ العقل المعارض جزم بعدمه، نقله العطار ﵀ ﷾.